Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني

د. ريتشارد كراوت، مختص بالفلسفة السياسية لكل من سقراط وأفلاطون وأرسطو

د. ريتشارد كراوت، مختص بالفلسفة السياسية لكل من سقراط وأفلاطون وأرسطو

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. ريتشارد كراوت، حول أفلاطون وفلسفته، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يعد أفلاطون (429 ق.م. تقريبا ـ 347 ق.م.) أحد ألمع الكُتَّاب في التراث الأدبي الغربي، وأحد أكثر المؤلفين تأثيرًا، وانتشارًا، وتغلغلاً في تاريخ الفلسفة. وهو مواطن أثيني من عائلة أرستقراطية، يكشف في محاوراته عن اندماجه في الأحداث السياسية، والحركات الفكرية في عصره، ومع ذلك، فقد كانت المسائل الأعمق والأبعد تثيره أكثر، كما كانت الاستراتيجيات التي يستخدمها في معالجة تلك المسائل غنية الإيحاء والتأثير، حتى يقال أنَّ القراء المثقفين في كل حقبة تاريخية تقريبا كانوا قد تأثروا به في جوانب مهمة، ولم يخلو عصر من العصور من فلاسفة اعتبروا أنفسهم أفلاطونيين. لم يكن أول من يمكن أن تنطبق عليه كلمة “فيلسوف”، غير أنه تميز بوعيه الفائق بالكيفية التي يجب النظر بها إلى الفلسفة، وقد كان مدركا لمجالها، وطموحاتها بدقة، كما حوَّل مسار التيارات الفكرية التي تصدى لبحثها، حتى يمكن اعتبار أن موضوع الفلسفة بحث منهجي دقيق، للقضايا الأخلاقية، والسياسية، والميتافيزيقية، والمعرفية، باستخدام منهج محدد من ابتكاره. وفي تاريخ الفلسفة الغربية، لم يقاربه في عمق بحثه ومدى تأثيره، إلا قليل من المؤلفين: ربما فقط: أرسطو (الذي زامله في الدراسة)، وتوماس الأكويني، وكانط، وهم من يمكن الاتفاق على أنهم ينتمون لنفس مرتبته.

 

  • مذاهب أفلاطون الرئيسية

  • أُحجِيَات أفلاطون

  • الحوار، الزمان والمكان، الشخصيات

  • سقراط

  • أفلاطون غير المباشر

  • هل يمكننا معرفة عقل أفلاطون؟

  • سقراط مهيمنا على الحوار

  • الروابط بين المحاورات

  • هل غيَّر أفلاطون رأيه حول المُثُل؟

  • هل غيَّر أفلاطون رأيه حول السياسة؟

  • سقراط التاريخي: المحاورات المبكرة، والوسطى، والمتأخرة

  • لماذا المحاورات؟

  • المراجع

  • الترجمة إلى الإنجليزية

  • مراجع عامة

  • مؤلفات حول سقراط

  • مؤلفات حول استراتيجيات التفسير

  • مؤلفات حول الترتيب الزمني للمحاورات

  • رسائل أفلاطون

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الشبكة العنكبوتية

  • مدخلات ذات صلة

 

 


  1. مذاهب أفلاطون الرئيسية

ينسب الكثير من الناس إلى أفلاطون بعض المذاهب الرئيسية، التي اهتم بها في كتاباته: العالم الذي يتبدى لحواسنا هو عالم مشوه ومليء بالأخطاء بنحو ما، لكن يوجد عالم أكثر واقعية وكمالا، مأهول بالماهيات (وقد تُسمى “المثُل” أو “الأفكار”) التي تتصف بأنها خالدة، ولا يدركها تغيير، وتعتبر هذه الماهيات النموذج الذي تحاكيه بنية وطبيعة العالم الذي يتمثل أمام حواسنا. من بين أهم هذه الموضوعات المجردة (كما تُدعى الآن، بسبب عدم تموضعها في المكان أو الزمان): الخير، والجمال، والمساواة، والضخامة، والتشابه، والوحدة، والوجود، والتماثل، والاختلاف، والتغير، والثبات. (غالبا ما تُكتب هذه الاصطلاحات ـ “الخير”، و”الجمال” وأشباهها ـ بحروف كبيرة [في الإنجليزية] من جانب من يكتبون عن أفلاطون، للفت الانتباه إلى مكانتها الرفيعة، بمثل ما يفعلون مع “مُثُل”، و”أفكار”). جوهر فلسفة أفلاطون اهتمامه بارتباط موضوعات ظاهرة للحواس، وتتصف بأنها جميلة (أو أنها خيّرة، أو عادلة، أو متحدة، أو متساوية، أو كبيرة)، أو ضمن الموضوع الواحد، والذي هو الجمال في ذاته (الخير في ذاته، أو العدالة في ذاتها، أو الوحدة في ذاتها)، والذي تستمد تلك الوفرة من الأشياء الجميلة (الخيرة، أو العادلة، أو المتحدة، أو المتساوية، أو الكبيرة) اسمها، وخصائصها المماثلة له. وتم تكريس كل الأعمال الأساسية لأفلاطون حول هذا الجوهر تقريبا، أو دارت أعماله حولها بصورة أو بأخرى. بعض هذه الأعمال كان مشغولا ببحث النتائج الأخلاقية والعملية لتصور الواقع بحسب هذه الطريقة المزدوجة. فنحن مطالبون بتغيير قيمنا، وبأن نأخذ مأخذ الجد والاهتمام، الحقيقة العظمى للمُثُل، مع فساد العالم المادي الملموس. ويجب أن ندرك أن الروح جوهر من نوع مختلف عن الجسد ـ حتى أنها لا تتوقف في فاعليتها على وجود الجسد، وبمقدورها، بالفعل، أن تفهم طبيعة المُثُل بسهولة أكبر، حينما لا تعود مثقلة بارتباطها بكل ما هو مادي ملموس. في بعض أعمال أفلاطون، نعلم أن للروح قدرة دائمة على تذكر ما عاينته سابقا من المُثُل قبلما تحل في الجسد، وقبل أن يولد من حلت في جسده (أنظر: محاورة مينون)، وأن حياتنا، إلى حد ما، ليست إلا عقاب أو مكافأة لما كان من اختياراتنا في وجود سابق (انظر: الصفحات الأخيرة من محاورة الجمهورية). لكن في كثير من كتابات أفلاطون يتم الافتراض، أو التأكيد، على أن الفيلسوف الأصيل ـ الذي يدرك أهمية تمييز المثال الواحد (المثال الواحد للخير، أو للفضيلة، او للشجاعة) عن الكثرة (الكثرة من الأشياء، التي تتصف بأنها خير، أو فاضلة، أو شُجاعة) ـ هو في حال تؤهله لمكانة سامية أخلاقيا، بالنسبة لغير المتنورين من البشر، لما يملكه من درجة رفيعة من التبصر. ولكي نعرف أي الأشياء هي خير، ولماذا هي خير (وإلا إن لم تشغلنا مثل هذه الأسئلة، فكيف لنا أن نعمل ما هو خير؟)، ينبغي لنا أن نتحرى مثال الخير.

 

  1. أُحجِيَات أفلاطون

رغم أن قرَّاء أفلاطون غالبا ما ينظرون إلى تلك الاقتراحات على اعتبارها القسم الأكبر من لب فلسفته، فإن كثيرا من أهم معجبيه، ومعظم طلاب الفلسفة الحصفاء، يلفتون الانتباه إلى أن قليل جدا من كتابات أفلاطون، وربما لا يوجد أي منها، ما يمكن وصفه بأنه دفاع محض عن مجموعة من الافتراضات القاطعة. فغالبا ما تُبدي أعمال أفلاطون درجة ما من عدم الرضا، والحيرة، حتى مع تلك المذاهب التي يوصى بأن نجعلها موضع اهتمامنا. على سبيل المثال: أحيانا ما توصف المُثُل كفرضيات (انظر مثلًا: فيدون)، وبشكل خاص: مثال الخير، حيث يُصوَّر كشيء يكتنفه الغموض، ذو طبيعة مراوغة، لم يعرفه أحد أبدا (الجمهورية). تُثار الأُحجِيات ـ ولايُجاب عنها إجابة شافية ـ حول: كيف نعرف أي مثال، وكيف لنا أن نتحدث عنها من دون الوقوع في التناقض (بارمنيدس)، أو: ما معنى معرفة أي شيء (ثياتيتوس)، أو معنى أن تجعل اسما لأي شيء (كراتيلوس). وعند مقارنة أفلاطون بأي من الفلاسفة، الذين هم في مرتبته ـ على سبيل المثال: أرسطو، وتوماس الأكويني، وكانط ـ فسنجده يتميز بكونه استكشافي، وغير مكتمل منهجيا، ومراوغ، وساخر أكثر منهم. ذلك، بالإضافة إلى مواهبه ككاتب، وكمبدع في التركيب الدرامي، وشخصياته مليئة بالحياة، وذلك مما يفسر اعتباره المؤلف المثالي، الذي يجب أن يتلقى المرء درسه الأول في الفلسفة عنه. إذ أنه لا يقدم لقرائه منظومة دقيقة لمذاهب أُقرّت لتكون فاعلة تماما، بحيث لا تكون في حاجة إلى مزيد استكشاف، أو تطور إضافي، وإنما، بدلا من ذلك، فإن ما نتلقاه من أفلاطون هو مجرد أفكار مفتاحية، مصحوبة بسلسلة من الاقتراحات والمشكلات، حول كيفية تقصي وعرض تلك الأفكار. إن قُرَّاء المحاورة الأفلاطونية يُستدرجون إلى التفكير بأنفسهم في القضايا المثارة، إذا ما رغبوا في معرفة ما يُتوقع أن تخبر به المحاورات ذاتها عنها. بالتالي، تولِّد كثير من أعماله انطباعا قويا لدى قرائها، بأن الفلسفة موضوع حي، وغير منته (ربما لا يمكن للمرء إنهائه ابدا) يشاركون هم أنفسهم فيه، فقد عمدت كل أعمال أفلاطون، بطريقة ما، إلى ترك بعض العمل لقرائها، ومن بين أكثر المحاورات التي ينطبق عليها ذلك الأمر: أوطيفرون، ولاخيس، وخارميدس، وإيوثيديموس، وثياتيتوس، وبارمنيدس.

 

  1. الحوار، الزمان والمكان، الشخصيات

تتصف كتابات أفلاطون بخاصية إضافية؛ تميزه بين كبار الفلاسفة، وتؤثر في تجربتنا معه كمؤلف؛ فكل ما يكتبه، تقريبا، يتخذ شكل المحاورة. (هناك بعض الاستثناءات البارزة: فمحاورة الدفاع، التي قُدمت على أنها مرافعة سقراط للدفاع عن نفسه ـ الكلمة اليونانية apologia تعني “الدفاع” ـ عام 399 ق. م. ، عندما أتُهم وأُدين بجريمة التجديف. على أية حال، فحتى في هذه الحالة، ظهر سقراط في لحظة ما وهو يوجه أسئلة ذات طبيعة فلسفية لمن اتهمه: ميليتوس، ويرد عليها. بالإضافة إلى ذلك، فقد ضُمّت منذ العصور القديمة، مجموعة من 13 رسالة إلى مجمل أعمال أفلاطون، لكنها لم تلق قبولا عالميا بين الباحثين من جهة توثيقها وأصالتها كمؤلفات لأفلاطون، ولعل معظمهم لديه يقين بأنها ليس من أعماله، ويُفهم من معظمها أنها نتاج انخراطه في السياسة في سيراقوصة، وهي مدينة كثيفة السكان، تقع في صقلية، ويحكمها الطغاة).

لدينا بالطبع معرفة بالحوار، من خلال اطلاعنا على الدراما كنوع أدبي، غير أن محاورات أفلاطون لا تنشد خلق عالم خيالي بغرض رواية قصة، كما هو الحال بالنسبة للكثير من الأعمال الدرامية، كما أنها لا تقصد إلى استلهام عالم الأساطير القديمة، بمثل ما يفعل مبدعي التراجيديا اليونان: أسخيلوس، وسوفوكليس، ويوريبيدس. وهي ـ المحاورات ـ لم تُقدم في قالب الدراما المسرحية: فنجد في معظمها متحدثا فردا يروي أحداثا شارك فيها. فهي مناقشات فلسفية ـ أو قد تكون “مناظرات” هي الكلمة الملائمة ـ بين مجموعة صغيرة من المتحاورين، وكثير منهم يمكن معرفته كشخصية تاريخية حقيقية، وغالبا ما تبدأ بتصوير زمان ومكان المناقشة ـ كزيارة للسجن، أو منزل رجل ثري، أو حفلة يتناولون فيها الشراب، أو مهرجان ديني، أو زيارة لساحة رياضية، أو نزهة خارج أسوار المدينة، أو السير طويلا في يوم حار.  فهم يشكلون كجماعة صورا حية لعالم اجتماعي، وما يدور ليس فكريا خالصا، بين متحدثين غير محددي الهوية أو المكانة الاجتماعية (على أية حال، فهذا ينطبق على كثير من المتحاورين في محاورات أفلاطون). مع ذلك، يجب القول أن المتحدثين، في بعض أعماله، يبدون غير واضحي الهوية، أو غير معروفي الهوية. انظر، على سبيل المثال: محاورتي السفسطائي، والسياسي ـ  حيث يقدم زائر من مدينة إليا، شمال إيطاليا، ويقود المناقشة، ومحاورة القوانين، حيث نرى نقاشا بين شخص أثيني مبهم الاسم، وشخصيتين خياليتين معلومتي الاسم، أحدهما من كريت، والآخر من إسبرطة). في كثير من محاوراته (وإن ليست جميعها) لا يحاول أفلاطون استمالة قرائه إلى المساهمة في النقاش فحسب، ولكن أيضا، إلى التعليق على البيئة الاجتماعية التي يصورها، ونقد الشخصية، وأساليب الحياة الخاصة بالمتحاورين. من المحاورات التي تمثل هذا النمط بوضوح: بروتاجوراس، وهيبياس الأكبر، وإيوثيديموس، والمأدبة.

 

  1. سقراط

هناك محاور واحد فقط تكرر ظهوره في كل محاورات أفلاطون تقريبا، ولم يغب تماما إلا في محاورة القوانين، التي تخبرنا الدلائل القديمة أنها إحدى أعمال أفلاطون الأخيرة؛ هذا المحاور هو سقراط. وككل من ظهروا في أعمال أفلاطون، لم يكن سقراط شخصية مبتدعة من قبل أفلاطون؛ إذ كان موجودا بالفعل، بمثل ما كان كريتون، وجورجياس، وتراسيماخوس، ولاخيس. لم يكن أفلاطون هو المؤلف الوحيد الذي ساعدته خبرته الشخصية مع سقراط لتصويره كإحدى شخصيات بعض أعماله الدرامية. فسقراط هو أحد الشخصيات الرئيسية في مسرحية السحب لأريستوفانيس. كما كتب زينوفون، وهو مؤرخ وقائد عسكري مثل أفلاطون، محاورة بعنوان الدفاع عن سقراط (تصور محاكمة سقراط) بالإضافة إلى أعمال أخرى، يظهر فيها سقراط كمتحدث رئيسي. بالإضافة إلى ذلك، فلدينا بعض شذرات باقية لمحاورات كُتبت بواسطة مؤلفين آخرين، إلى جانب أفلاطون وزينوفون،عن سقراط (آيسخينيس، وأنتيثينيس، وإقليدس، وفيدون)، وكانت تتضمن وصفا لمحادثات أجراها مع آخرين. لذلك، عندما كتب أفلاطون محاورات تصور سقراط كمتحدث رئيسي، فقد ساهم من ناحية في نوع أدبي مستوحى من حياة سقراط، ومن ناحية أخرى في نقاش أدبي نشط حول طبيعة الشخص الذي كان عليه سقراط، وقيمة الحوارات الفكرية التي شارك فيها. لقد كان تصوير أريستوفانيس الهزلي لسقراط نقدًا لاذعًا له ولشخصيات فكرية بارزة أخرى معاصرة له في نفس الوقت (420 ق.م.)، أما تصوير أفلاطون، وزينوفون، وغيرهما من المؤلفين (عام 390 ق.م. وما بعدها)، “لمحاورات سقراط Socratic discourses” (كما أطلق أرسطو على هذ الشكل من الكتابة) فإنه يعطي انطباعا أطيب كثيرا.

من الواضح أن سقراط التاريخي كان الشخص الذي أثار فيمن عرفوه، أو عرفوا عنه، استجابة عميقة، كما ألهم الكثير من أولئك الذين وقعوا تحت تأثيره، للكتابة عنه. غير أن تلك الأعمال التي صورت شخصية سقراط، والتي ألفها أريستوفانيس، وزينوفون، وأفلاطون، هي التي ظلت موجودة دون تغيير، وبالتالي، فهي التي يجب أن يكون لها الدور الأكبر في تشكيل تصورنا عن سقراط. من بين تلك الأعمال: مسرحية السحب، التي كانت الأقل قيمة كدلالة على نمط سقراط في التفلسف، على أية حال، فإنها لم تؤلف كعمل فلسفي، برغم تضمنها لعدد من الأسطر التي تقدم صفات لملامح فريدة لسقراط، أما سائرها، فهو هجوم على نمط الفيلسوف ـ متهدل الشعر، الذي لا يغتسل، والباحث اللاأخلاقي في الظواهر العصية على الفهم ـ بأكثر منها تصوير لسقراط نفسه. أما تصوير زينوفون لسقراط، أيا كانت قيمته كشهادة تاريخية (والتي يمكن أخذها في الاعتبار)، فقد ساد النظر إليه باعتباره فاقدا للفصاحة الفلسفية، ولعمق أعمال أفلاطون. على أية حال، فما من أحد (بالطبع، زينوفون ليس من بينهم) ينظر إلى زينوفون باعتباره فيلسوفا مهما؛ فعند قراءتنا لأعماله السقراطية، لا نجد عقلا فلسفيا عظيما، ولكن هذا ما نجده عند قرائتنا لمحاورات أفلاطون السقراطية، ذلك لأننا (بمثل ما هو جلي أن أفلاطون أراد لنا أن نكون) مشغولون بمن يكون سقراط، وماذا يمثل، وحتى إذا صار لدينا القليل، أو لا شيء، من الرغبة في معرفة سقراط التاريخي، فسيتطلب منا الأمر قراءة أعمال أفلاطون؛ لأننا بذلك نلقى مؤلفا لأعظم المعاني الفلسفية. لا شك أنه استعار أساليبا مهمة من سقراط، رغم أنه من الصعب تعيين الخط الفاصل بينه وبين معلمه (المزيد حول ذلك تجده لاحقا في الفقرة 12). لكن ثمة اتفاق عام بين الباحثين على أن أفلاطون ليس مجرد ناقل لكلمات سقراط (ليس بأكثر من زينوفون، أو المؤلفين الآخرين للحوارات السقراطية). إن توظيفه لشخصية تُدعى “سقراط” في الكثير من محاوراته، لا يجب أن يؤخذ على أن معناه أن أفلاطون كان عمله مجرد حفظ الدروس التي تعلمها من معلمه، لأجل القراءة العامة.

 

  1. أفلاطون غير المباشر

يجب أن نضع في اعتبارنا، أن سقراط لا يظهر في جميع أعمال أفلاطون. فهو غائب تماما في محاورة القوانين، وهناك عدة محاورات (السفسطائي، والسياسي، وطيماوس) يأخذ فيها سقراط دورا صغيرا ثانويا، فيما تهيمن شخصية أخرى على الحوار، أو قد تقوم بتقديم حديث متواصل، ومفصل، ومسهب خاص بها كما في طيماوس، وكريتياس. إن محاورات أفلاطون ليست قالبا أدبيا جامدا؛ فليست مجرد تنويع للموضوعات، وليست مجرد تنويع للمتحدثين، وإنما هو الدور الذي لعبته الأسئلة والإجابات والذي لا يتكرر أبدا في المحاورات. (المأدبة، على سبيل المثال، هي عبارة عن سلسلة من الكلمات الملقاة، وهناك أيضا كلمات مسهبة، في محاورات الدفاع، ومينيكسينوس، وبروتاجوراس، وكريتون، وفايدروس، وطيماوس، وكريتياس؛ الحقيقة، ربما يكون من المقبول أن يتساءل المرء عما إذا كان اسم المحاورة يلائم هذه الأعمال). لكن، على الرغم من تبني أفلاطون المتواصل ل”قالب الحوار” (وهو اصطلاح شائع، وملائم تماما، طالما أننا لا نفهمه كوحدة لا تتنوع) ليلائم مقاصده، فمن المذهل أنه خلال تاريخه ككاتب لم يستخدم أبدا قالبا شائعا بعصره في التأليف، ثم أصبح النموذج القياسي للخطاب الفلسفي: هو الأطروحة الفلسفية، التي لم يكتبها أفلاطون أبدا. بالرغم من كون كتابة الأطروحات (في الخطابة، والطب، والهندسة مثلًا) ممارسة سائدة بين أسلافه ومعاصريه. (أقرب ما توصلنا إليه من استثناء لهذا التعميم؛ هو الرسالة السابعة، التي تتضمن فقرة موجزة، يلتزم فيها المؤلف، سواء كان أفلاطون أو من ينتحل اسمه، ببعض النقاط الفلسفية ـ فيما يُصر في الوقت ذاته على أن الفيلسوف لا يكتب عن المسائل العميقة، وإنما سيقوم بنقل أفكاره عبر نقاش خاص مع أشخاص محددين. وكما ذكرنا آنفا، فإن توثيق رسائل أفلاطون وإثبات نسبتها له، هو من المسائل التي يشتد حولها الخلاف، وعلى أي حال، فإن مؤلف الرسالة السابعة يعلن معارضته لتأليف الكتب الفلسفية. سواء كان الكاتب أفلاطون، أو غيره، فلا يمكن اعتبارها أطروحة فلسفية، ولم يشأ مؤلفها أيضا اعتبارها كذلك). لا يتحدث أفلاطون أبدا إلى قرائه مباشرة بنفسه، وذلك قد سرى في جميع مؤلفاته ـ باستثناء الرسائل، إذا ما كانت أصيلة وتصح نسبتها له ـ. في الحقيقة، لا يجزم أفلاطون بأي شيء في محاوراته بنفسه، وإنما يجعل المتحاورين في محاوراته هم من يقوم بكل شيء: الجزم، أو الشك، أو التساؤل، أو البرهنة، وغير ذلك. فكل ما كان يرغب في إيصاله إلينا كان قد وصلنا بطريق غير مباشر.

 

  1. هل يمكننا معرفة عقل أفلاطون؟

 يثير هذا الملمح المذكور آنفا في أعمال أفلاطون أسئلة مهمة حول كيفية قراءته، كما أدى إلى خلاف واضح بين الدارسين لأعماله. ولأنه لم يقم بنفسه بتأكيد أي شيء في أي من محاوراته، فهل يمكن أن نكون على ثقة في نسبة مذهب فلسفي معين له (كمقابل لمذهب إحدى شخصيات محاوراته)؟ هل كان لديه قناعات فلسفية، ويمكن لنا معرفتها؟ هل يسوغ لنا التحدث عن “فلسفة أفلاطون”؟ وإذا عزونا تصور ما إلى أفلاطون نفسه، فهل نخون بذلك تلك الروح التي قصد إلى أن تُقرأ المحاورات بحسبها؟ هل كان همه، بالامتناع عن كتابة الأطروحات، أن يُثني قراء أعماله عن التساؤل عن اعتقادات مؤلفها، وتشجيعهم ببساطة على إقرار ما هو مقبول أو غير مقبول مما تقوله شخصياته؟ هل هذا هو السبب وراء كتابة أفلاطون للمحاورات؟ إن لم يكن لهذا السبب، إذن، فماذا كان غرضه من الامتناع عن مخاطبة قرائه بطريقة مباشرة؟ هناك أسئلة مهمة أخرى حول الشكل المحدد الذي اتخذته المحاورات: على سبيل المثال؛ لماذا يلعب سقراط ذلك الدور البارز في كثير منها، ولماذا لا يلعب سقراط إلا دورا ثانويا في بعض المحاورات، أو لا يكون له فيها دور على الاطلاق؟

ما إن تُطرح هذه الأسئلة، ويتبين مدى صعوبتها، سيكون مغريا تبني استراتيجية حذرة للغاية عند قراءة أعمال أفلاطون والتفكير فيها، وإلا فسينتهي الأمر بتورط المرء في افتراض ما حول ما يقصد أفلاطون إلى توصيله لقرائه، وربما اتخذ المرء موقفا محايدا حول مقاصده، وأن يقتصر على الكلام عما قيل بواسطة شخصياته الدرامية dramatis personae. لا يمكن للمرء أن يخطئ، إذا ما لاحظ افتراض سقراط على أن العدالة في النفس تتكون في كل جزء من النفس من تلقاء نفسها في جمهورية أفلاطون. وصحيح أيضا، الإشارة إلى أن المتحدثين الآخرين في هذا العمل، جلوكون وأديمانتوس، يقبلا الحجج التي يقدمها سقراط على هذا التعريف للعدالة. ربما لا نكون في حاجة لقول المزيد ـ فنقول، على سبيل المثال: إن أفلاطون نفسه يوافق على أن تلك هي الطريقة التي ينبغي اتباعها في تعريف العدالة، أو أن أفلاطون نفسه يقبل الحجج التي يقدمها سقراط دعما لهذا التعريف. وربما نتخذ نفس هذا النهج “كحد أدنى” لجميع أعمال أفلاطون. في النهاية، هل من أهمية ما لاكتشاف ما الذي يدور في ذهنه بينما هو يكتب ـ لمعرفة ما إذا كان هو نفسه قد أقر تلك الأفكار التي وضعها على لسان شخصياته، وما إذا كانت في مجملها تشكل “فلسفة أفلاطون”؟ هل يجب علينا ألا نقرأ أعماله من أجل قيمتها الفلسفية الخالصة، وألا نقراها كأدوات تُستخدم للولوج إلى عقل مؤلفها؟ فنحن نعلم ما تقول شخصيات أفلاطون ـ أليس ذلك كل ما نبغي لأجل تحقيق غايتنا بالتواصل مع أعماله على نحو فلسفي؟

معرفتنا لما تقوله شخصيات أفلاطون، ورفضنا قبول أي فرضيات مسبقة حول ما يسعى مؤلف تلك الأعمال لتوصيله؛ لا تعني بأن باستطاعتنا فهم معنى ما تقوله تلك الشخصيات. لا يجب أن تغيب عن نظرنا تلك الحقيقة: بأنه أفلاطون نفسه، وليس أحد من شخصياته الدرامية، هو من يصل إلى جمهور القراء، ويسعى إلى التأثير في معتقداتهم وأفعالهم من خلال أداءاته الأدبية. عندما نتساءل عما إذا كان ينبغي قراءة الحجة المثارة من قبل إحدى شخصيات أعمال افلاطون، كمحاولة لإقناعنا بنتيجتها، أو ما إذا كان الأفضل قراءتها كبيان لمدى حماقة ذلك المتحدث، فإنما نتساءل عما يحاول أفلاطون أن يجعلنا نعتقده كمؤلف (وليس تلك الشخصية)، من خلال ما يكتبه ليسترعي انتباهنا. نحن بحاجة إلى تأويل العمل نفسه لمعرفة ما الذي يرمي إليه، أو، ما الذي يعنيه أفلاطون كمؤلف. فمثلما نتساءل عن أفضل فهم لكلمة مفردة ذات معاني مختلفة؛ فإننا نتساءل عما يقصد أفلاطون نقله لنا، بواسطة المتحدث الذي يستخدم تلك الكلمة. يجب ألا نفترض أنه بمقدورنا استخلاص الكثير من الدلائل الفلسفية من كتابات أفلاطون، إذا رفضنا استقبال أية أفكار عن الفائدة التي أرادنا تحصيلها مما يقوله متحدثوه. إن التغلغل في عقل أفلاطون، وفهم ما يعنيه متحاوريه من خلال ما يقولون، ليستا مهمتين مختلفين، بل مهمة واحدة، وإذا لم نتساءل عن معنى ما يقول متحاوريه، وما تدل عليه المحاورة ذاتها، والتفكير في معناها، فلن نجني أية فائدة تُذكَر من قراءة محاوراته.

إضافة إلى ذلك، فإن للمحاورات سمات محددة، يمكن بيان أكثرها بسهولة، بافتراض أن أفلاطون إنما يستخدمها كأدوات يستميل بها قرائه إلى الاقتناع (أو زيادة اقتناعهم) بافتراضات معينة ـ على سبيل المثال: وجود المثُل، وأن النفس لامادية، وأن المعرفة لا يمكن تحصيلها إلا بتأمل المثُل، وهكذا. لماذا كتب أفلاطون لاحقًا الكثير من الأعمال (على سبيل المثال: فيدون، والمأدبة، والجمهورية، وفايدروس، وثياتيتوس، والسفسطائي، والسياسي، وطيماوس، وفيليبوس، والقوانين) التي تهيمن شخصية واحدة على الحوار فيها (غالبا، وليس دائما، تكون شخصية سقراط) وتقوم بإقناع المتحدثين الآخرين (أحيانا، بعد معارضة أولية) بأن عليهم قبول أو رفض نتائج معينة، استنادا إلى الحجج التي تم طرحها؟ القول بأن هذه المحاورات قد صممت من جانب أفلاطون هو السبيل المنطقي والمقبول الوحيد للإجابة على هذا السؤال؛ لتكون المحاورات بمثابة الوسائل التي تمكنه من استمالة جمهور القراء إلى ما قُصد منهم أن يقوموا بالتفكير فيه، وقبول الحجج والنتائج التي يقدمها محاوره الرئيسي. (جدير بالملاحظة أنه في محاورة القوانين، يرى المتحدث الرئيسي ـ زائر أثيني لم يُذكر اسمه ـ أنه يجب على القوانين أن تكون مصحوبة بـ”تدريبات تمهيدية” تُقدم فيها كل ما يمكن من تفسيرات لأسسها الفلسفية. وبالتالي، فإن القيمة التربوية للنصوص المكتوبة يكون قد تم إعلانها بوضوح من قبل متحدث أفلاطون الرئيسي. إذا أمكن لتلك التمهيدات أن تعلم جميع المواطنين ما تم إعدادهم لتعلمه منها، فمن المؤكد حينئذ أن يعتقد أفلاطون أنه يمكن لأشكال أخرى من النصوص المكتوبة ـ كمحاوراته ـ أن تؤدي دورا تربويا).

لا يعني هذا اعتقاد أفلاطون أن قراءه سيصبحون حكماء بمجرد قراءة ودراسة أعماله، بل وعلى عكس ذلك، فمن المرجح أنه أراد لمجمل أعماله أن تكون بمثابة وسائل مساعدة إضافية لحوار فلسفي؛ ففي أحد أعماله نجده يحذر قراءه من الاكتفاء بالرجوع إلى الكتب وحدها، أو الجزم بموثوقيتها، وذلك على لسان سقراط. يقول سقراط بأن من الأفضل استعمال هذه الكتب كوسائل تحاكي ذاكرة القراء بما تحويه من نقاشات (فايدروس 274e-276d). فقد اتُخذت مواقف، وقُدمت حجج، واستُدل على نتائج في تلك المناقشات التي تجري وجها لوجه مع كبار المثقفين. إن كتابات أفلاطون، كما يضمن في ذلك المقطع من محاورة فايدروس،  ستكون أكثر نفعا لما تتضمنه من براهين وحجج؛ إذا ما كان قد تم نثر بذور الجدل.

 

  1. سقراط مهيمنا على الحوار

إذا افترضنا أن أفلاطون يحاول استمالتنا، إلى قبول الاستنتاجات التي توصل إليها متحاوريه الرئيسيين (أو استمالتنا إلى رفض ما يذهب إليه خصومهم)، خلال العديد من أعماله، فيمكننا ببساطة تفسير اختياره المتكرر لسقراط كمتحدث مهيمن في محاوراته. فمن المحتمل أن بين الجمهور المعاصر، والذي كان أفلاطون يكتب له، الكثير من المعجبين بسقراط، وعليه فسيميلون  إلى اعتقاد أن الشخصية التي تُدعى سقراط تجمع صفات التألق الفكري، والشغف الأخلاقي، التي يتصف بها الشخص التاريخي الذي تحمل اسمه (خاصة وأن أفلاطون يبذل جهدا مميزا ليمنح “سقراطه” ما يشبه الحياة الواقعية، فجعله يشير إلى محاكمته، أو إلى السمات الشخصية التي اشتهر بها)، وستَهَب الهالة التي تحيط بالشخصية المسماة “سقراط” طاقة اقناع هائلة، إلى كلماته في المحاورة. إضافة إلى ذلك، ففي حال شعور أفلاطون القوي بأنه مدين لسقراط بالكثير من أساليبه الفلسفية وأفكاره، فذلك مما يشكل سببا إضافيا لأن يمنحه دورا مهيمنا في العديد من محاوراته. (المزيد حول ذلك في الفقرة 12).

 من المؤكد أن هناك طرقا أخرى يمكن تخمينها، لتفسير السبب الذي دفع أفلاطون إلى أن جعل سقراط متحدثه الرئيسي. فيمكننا على سبيل المثال القول بأن أفلاطون كان يسعى إلى تقويض سمعة سقراط التاريخي بواسطة كتابة سلسلة من الأعمال التي تحاول فيها شخصية تُدعى “سقراط” إقناع مجموعة من المتحاورين السذَّج والمختلين نفسيا بقبول استنتاجات عبثية تقوم على سفسطات. لكن من يقرأ بعضا من أعمال افلاطون، سرعان ما سيدرك الاستحالة التامة لقراءتها بتلك الطريقة البديلة، فلربما ذكر أفلاطون في ثنايا أعماله إشارات تظهر للقارئ بأن حجج سقراط غير صالحة، وأن محاوريه حمقى لقبولهم إياها، غير أن هناك الكثير من العلامات التي تشير إلى خلاف ذلك، كما في محاورات: مينون، وفيدون، والجمهورية، وفايدروس، (كما أن التقدير الكبير الذي يكنُّه أفلاطون لسقراط يتبدى في محاورة الدفاع). فالقارئ تتوفر لديه الحوافز على الاعتقاد بأن السبب وراء نجاح سقراط يكمن في إقناعه محاوريه (في الحالات التي ينجح فيها في ذلك) بأن حججه قوية. وقد يتم بتعبير آخر حثه من جانب المؤلف على قبول تلك الحجج، إن لم يكن باعتبارها نهائية وجازمة، فعلى الأقل باعتبارها لافتة للنظر بنحو كبير، وتستحق الاهتمام والاعتبار. وحينما نقوم بتأويل المحاورات بحسب هذه الطريقة، فلا يعود بمقدورنا تجنب حقيقة أننا نتغلغل في عقل أفلاطون، وننسب إليه، كمؤلف لها، تقييما إيجابيا للحجج التي يقدمها متحاوروه لبعضهم البعض.

 

  1. الروابط بين المحاورات

هناك سبب آخر لقبولنا بفرضيات حول ما قصد إليه أفلاطون واعتقده، وألا نقتصر على مجرد ملاحظات حول أي نوع من الناس كانت شخصياته، وماذا كانوا يقولون لبعضهم البعض.  فعندما نقوم بإجراء دراسة جادة لأفلاطون، ونذهب إلى أبعد من مجرد قراءة أحد أعماله، فسيرد على اذهاننا، لا محالة، تساؤل عن كيفية الربط بين العمل الذي نقرأه، وبين الأعمال العديدة الأخرى التي ألفها أفلاطون. وبنحو مثير للإعجاب، فإن كثيرا من محاوراته تُنشئ بداية جديدة، في المكان والزمان، وفي شخوص متحاوريها: وكما هو مألوف، نرى سقراط يواجه مجموعة من الناس، العديد منهم لا يظهر في محاورات أخرى لأفلاطون، ولذلك يحتاج أفلاطون كمؤلف إلى إعطاء قرائه بعض التوضيحات عن شخصياتهم وأوضاعهم الاجتماعية. لكن حتى شخصيات أفلاطون تدلي بكلمات قد تكون عصية على الفهم بالنسبة للقراء، إلا إن يكونوا قد قرأوا من قبل واحدا أو أكثر من أعماله الأخرى. على سبيل المثال: في محاورة فيدون (73a-b)، يقول سقراط إن من البراهين على خلود النفس، ما نستدل عليه من حقيقة أنه إذا سُئل الناس سؤالا محددا، وقُدمت لهم بعض الرسوم التوضيحية لمساعدتهم، فإنهم يجيبون بطريقة تُظهر أنهم لا يتعلمون من تلك الرسوم التوضيحية شيئا، أو من المعلومات التي تتضمنها الأسئلة، وإنما يستمدون معرفتهم بالإجابات مما يحوزونه في  أنفسهم. هذه الملاحظة لن يكون لها كبير قيمة بالنسبة لجمهور القراء الذين لم يكونوا قد قرأوا محاورة مينون بعد. بعد عدة صفحات، من ذكره لذلك البرهان، يخبر سقراط محاوريه إن برهانه بخصوص معرفتنا الأولية بالمساواة في ذاتها (مثال المساواة) ينطبق تماما على المُثُل الأخرى ـ على الجمال في ذاته، والتقوى في ذاتها، وعلى كافة الأشياء الأخرى الموجودة بذاتها، والتي ترد في أسئلتهم أو إجاباتهم (75d). تلك الإشارة إلى الأسئلة والإجابات، لن يتم فهمها من قبل القارئ الذي لم يسبق له قراءة سلسلة من المحاورات، يسأل فيها سقراط محاوريه أسئلة عن المثال “ما هو كذا ؟” (في أوطيفرون: ما هي التقوى؟ وفي لاخيس: ما هي الشجاعة؟ وفي خارميدس: ما هو الاعتدال؟ وفي هيبياس الأكبر: ما هو الجمال؟). من الواضح، أن أفلاطون يفترض أن من يقرأ فيدون يكون قد سبق له أن أتم بالفعل قراءة عدد من أعماله الأخرى، وأنه سيقوم بتطبيق كافة الدروس التي تعلمها منها. وفي بعض كتاباته، تشير شخصيات أفلاطون إلى مناقشات جرت بينهم قبل فترة: هكذا يومئ لنا أفلاطون بأهمية قراءة محاورات ثياتيتوس، والسفسطائي، والسياسي، بنحو متتابع ومماثل، وبما أنه يحيلنا في افتتاحية محاورة طيماوس إلى محاورة الجمهورية، فإن أفلاطون يدل قرائه على وجوب سعيهم لإيجاد روابط بين هذين العملين.

تُظهر تلك السمات الخاصة بالمحاورات إدراك أفلاطون بأنه لا يستطيع أن يبدأ من نقطة الصفر تماما، في كل عمل يكتبه. سيقدم أفكارا جديدة، ويطرح إشكاليات غير مسبوقة، ولكنه يتوقع أيضا من قرائه أن يكونوا قد ألموا بالمناقشات التي جرت بين المتحاورين في أعمال أخرى ـ حتى مع وجود بعض التبديل بين هؤلاء المتحاورين، (مينون لا يعاود الظهور في فيدون، وطيماوس لم يكن ضمن المتحاورين في الجمهورية). لماذا جعل أفلاطون تلك الشخصيات المهيمنة (سقراط، الزائر الغريب من إيليا) تعاود بين محاورة وأخرى لتأكيد أفكار بعينها، وأن يطوّر أفكارا قُدمت في أعمال سابقة؟ إذا كان المقصود من المحاورات أنها مجرد مثيرات للتفكير ـ أي مجرد تدريبات للعقل ـ فما كان هناك حاجة بأفلاطون لأن يربط بين شخصياته الرئيسية وبين مذهب متماسك ومتنامي. على سبيل المثال؛ يواصل سقراط، خلال عدد كبير من المحاورات، ادّعاء وجود تلك الأشياء التي يسميها مُثُل ـ ولا يوجد تفسير لمواصلته ذلك أفضل من افتراض أن أفلاطون يزكي ذلك المذهب لقرائه. إضافة إلى ذلك، عندما تم استبدال سقراط كمحاور أساسي بالزائر الغريب من إيليا (في محاورتي السفسطائي، السياسي)، استمر وجود المثُل كأمر مفروغ منه، ونرى الزائر الإيلي ينتقد أي تصور للواقع يستبعد تلك الكيانات اللامادية؛ كالنفس، والمُثُل. فالغريب الإيلي، بعبارة أخرى، يؤيد ويدعم ميتافيزيقا تماثل تلك التي يدافع عنها سقراط، في كثير من النواحي. مرة أخرى، فإن أفضل تفسير لاستمرار ذلك الموقف؛ أن أفلاطون يستخدم كلاً من الشخصيتين ـ سقراط والغريب الإيلي ـ كأدوات لتقديم مذهب يعتنقه، والدفاع عنه، ويريد لقرائه أيضا أن يعتنقوه.

 

  1. هل غيَّر أفلاطون رأيه في نظرية المُثُل؟

تلك الطريقة لقراءة محاورات أفلاطون لا تفترض مسبقا أنه لن يغير رأيه أبدا في أي شيء ـ بمعنى أن أيا  كان ما يؤيده متحاوريه في إحدى المحاورات، فسيستمر كأمر افتراضي، أو مؤكد، في محاورة أخرى بدون تغيير. في الواقع، إنه أمر صعب ودقيق أن نقرر، استنادا إلى قراءتنا للمحاورات، ما إذا كان أفلاطون يقصد تعديل أو نفي، في محاورة ما، ما يجعل محاوره الرئيسي يؤكده في محاورة اخرى. أحد الأسئلة الأكثر إثارة للاهتمام وللجدل حول معالجة فكرة المُثُل هي ما إذا كان يعترف بأن تصوره لتلك الكيانات المجردة أمر قابل للنقد مثلًا، وإذا كان كذلك، فهل يقوم بمراجعة بعض الفرضيات التي طرحها حولها، أو يقوم بتقديم صورة أكثر تفصيلا لها، بحيث تسمح له بالرد على تلك الانتقادات. في محاورة بارمنيدس، نجد المحاور الرئيسي (ليس سقراط ـ فهو هنا يظهر كفيلسوف شاب واعد، في حاجة إلى مزيد تدريب ـ ولكن الإيلي المنتمي للمرحلة ما قبل السقراطية، والذي تحمل المحاورة اسمه: بارمنيدس) يضع المُثُل موضع النقد الحاد، ثم يوافق على أن يُجري تحقيقا حول طبيعة الواحدية oneness، التي لا تملك روابط واضحة بنقده للمُثُل. هل يساعد النقاش حول الواحدية (سلسلة محيرة من المتناقضات ـ أو، بأي اعتبار، افتراضات تبدو ظاهريا كمجموعة من المتناقضات) بشكل أو بآخر، في توجيه المشكلات المثارة حول المُثُل؟ تلك طريقة لقراءة المحاورات. وإذا ما قرأناها بحسب تلك الطريقة، فهل يدل ذلك على أن أفلاطون قد غيَّر رأيه في بعض الأفكار المتعلقة بالمُثُل، والتي أدرجها في محاورات سابقة؟ هل بإمكاننا العثور على محاورات تتضمن “نظرية جديدة للمُثُل” ـ أي: طريقة للتفكير في المُثُل، تتجنب بنحو دقيق، الافتراضات الخاصة بالمُثُل، والتي أدت ببارمنيدس إلى تلك الانتقادات؟ أمر يصعب قوله. لكننا لا نستطيع أن نطرح هذا كقضية تستحق التفكير، إلا إذا افترضنا سلفا أن وراء تلك المحاورات يقبع عقل مفرد، يستخدم تلك الكتابات كوسيلة لإيجاد الحقيقة، وجعل هذه الحقيقة موضع اهتمام الآخرين. فإذا وجدنا طيماوس (المحاور الرئيسي في المحاورة التي تحمل اسمه) والزائر الإيلي في محاورتي السفسطائي والسياسي، يتحدثان عن المُثُل بنحو يتوافق تماما مع الطريقة التي يتحدث بها سقراط عن المُثُل، في محاورتي فيدون والجمهورية؛ فليس لهذا التوافق سوى تفسير واحد معقول: أن أفلاطون يعتقد أن كلامهم عن المُثُل صحيح، أو، على الأقل، أن هناك اعتبارات وجيهة تؤيده بقوة. وإذا وجدنا أن طيماوس، أو الزائر الإيلي، من ناحية أخرى، يتحدثان عن المثُل بطريقة لا تتناغم مع الطريقة التي يفهم بها سقراط تلك الموضوعات المجردة، في المحاورات التي يأخذ فيها الدور المحوري، كموجه لدفة الحوار فإن التفسير الأكثر احتمالا لهذه التعارضات حينئذ هو افتراض أن أفلاطون نفسه ليس لديه قناعات مستقرة بخصوص المثُل، وأنه يرغب في منح قرائه تدريبا عقليا فحسب، بواسطة تأليف محاورات، تتحدث فيها الشخصيات الرئيسية عن تلك الموضوعات بطرق متضاربة.

 

  1. هل غيَّر أفلاطون رأيه في السياسة؟

الفكرة نفسها ـ أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى المحاورات كنتاج عقل مفرد، لفيلسوف واحد، وإن كان من المحتمل أن يغير رأيه ـ يمكن سريانها على السياسة في أعمال أفلاطون.

والجدير بالملاحظة والبدء به، من بين أمور عدة، هو أن أفلاطون فيلسوف سياسي، حيث يعبر في العديد من أعماله (فيدون بنحو خاص)، عن توقٍ للهرب من البهرجة الرخيصة للعلاقات الإنسانية العادية. (بنحو مماثل، فإنه يُظهر شعورا بقبح العالم الحسي، الذي ينمحي جماله مقارنة بما للمُثُل من جمال). بسبب ذلك، سيكون سهلا للغاية، بالنسبة لأفلاطون، أن يصرف اهتمامه بالكلية عن الواقع العملي، وأن يقتصر في تأملاته على الأسئلة النظرية. فبعض أعماله ـ بارمنيدس مثال ممتاز على ذلك ـ تقتصر على تحري الأسئلة التي لا تنطبق على الحياة العملية بأي شكل. غير أن اللافت للنظر، هو قلة أعماله التي تندرج تحت هذا التصنيف. فحتى الأسئلة المجردة التي يتم طرحها في محاورة السوفسطائي حول طبيعة الموجود وغير الموجود، تندرج في نهاية الأمر في نطاق البحث عن تعريف للسفسطة، وبالتالي، فإنها تستدعي للذهن السؤال عما إذا كان ينبغي تصنيف سقراط كسفسطائي ـ وبتعبير آخر، عما إذا كان ينبغي إزدراء السوفسطائيين وتجنبهم. على أي حال، فبرغم التوق الشديد الذي يبديه أفلاطون ورغبته في إسكان جسد وحياة المرء في عالم روحي، فإنه يكرس قدرا هائلا من طاقته، في محاولة فهم العالم الذي نحياه، وتقدير جماله المحدود، والعمل على تطويره.

إن ثنائه على الجمال المشوش للعالم الحسي، في طيماوس، يقوم على تصويره له كنتاج للسعي الإلهي إلى تشكيل الواقع على صورة المُثُل، باستخدام نماذج هندسية بسيطة، وعلاقات رياضية متناغمة، كوحدات بناء. إن الرغبة في تحويل العلاقات الإنسانية تم التعبير عنها في عدد هائل من الأعمال. ففي محاورة الدفاع لأفلاطون، يقدم سقراط نفسه، كرجل لا تقبع رأسه بين السحب (وهذا أحد اتهامات أريستوفانيس له في مسرحيته السحب). وأنه لا يريد الهرب من عالم الحياة اليومية، وإنما يرغب في تحسينه. ويقدم نفسه، في محاورة جورجياس، بأنه الأثيني الوحيد الذي أجهد نفسه في مجال الفن الحقيقي للسياسة.

بنحو مماثل، يكرس سقراط قسما كبيرا من مناقشاته، في محاورة الجمهورية، لنقد المؤسسات السائدة: الأسرة، والملكية الخاصة، وحكم الأغلبية. والحافز وراء تأليف هذه المحاورة هو الرغبة في تحويل (أو، بنحو ما، في تطوير) الحياة السياسية، وليس الفرار منها (برغم ما هو معروف من أن الرغبة في الابتعاد عنها أمر مشرِّف: فأفضل أنواع الحكام هم من يؤثرون تأمل العالم الإلهي على حكم المدينة). وإن تولد لدينا شك آخر بأن أفلاطون قد اهتم بالحياة العملية، فلا نحتاج إلا إلى الرجوع إلى محاورة القوانين. فعمل بمثل هذا الحجم الكبير، والتفاصيل الهائلة، والذي يدور حول إجراءات التصويت، والعقوبات، والتعليم، والتشريع، ومراقبة الموظفين العموميين، لا يكتبه إلا شخص مشغول بالمساهمة بشئ في تحسين الحياة المعاشة، في هذا العالم الحسي المعيب. وهناك دليل آخر على اهتمام أفلاطون بالأمور العملية، يمكن استنتاجه من رسائله، حال ثبوت نسبتها إليه. ففي معظمها، نجده يقدم نفسه كصاحب اهتمام كبير بالتربية (بمعاونة صديقه ديون) حاكم سيراقوصة، ديونيسيوس الثاني، وبعد ذلك، يأتي إصلاح سياسة تلك المدينة.

ومثل أي محاولة لفهم آراء أفلاطون حول المثُل، فلابد وأن يواجهها السؤال عما إذا كانت أفكاره عنها قد تطورت، أو تبدلت عبر الزمن، وكذلك أيضا قراءتنا له كفيلسوف سياسي، يجب أن تتضمن الاستعداد لقبول احتمال أن يكون قد غيَّر رأيه. على سبيل المثال؛ فإن أي قراءة معقولة لمحاورة الجمهورية، ستبين أن أفلاطون يُظهر نفورا شديدا من حكم الأغلبية. فنرى سقراط وهو يخبر محاوريه بأن النظم السياسية الوحيدة الذي يمكن أن يشاركوا فيها، هي الحكومات غير الديموقراطية، والتي يصورها كنموذج للدستور الجيد. ولكن في محاورة القوانين يقترح الزائر الأثيني إطارا شرعيا مفصلا لمدينة، يُمنح فيه غير الفلاسفة (أناس لم يسبق لهم أن سمعوا عن المُثُل، ولم يتم تدريبهم على فهمها) سلطات مهمة كحكَّام. ما كان أفلاطون لينفق كثير وقت في إبداع هذا العمل الشامل والمستفيض، ما لم يكن معتقدا بأن خلق مجتمع سياسي يحكمه غير المتنورين فلسفيا هو مشروع يستحق تأييد قرائه. هل غيَّر أفلاطون رأيه حينئذ؟ هل قام بإعادة تقييم رأيه السلبي، الذي اتخذه في السابق، في حق البريئون من الفلسفة؟ هل فكر، في بداية الأمر، أن إصلاح المدن اليونانية الحالية، بكل ما تشتمل عليه من أوجه خلل، هو مضيعة للوقت ـ ثم عاد ورأى أنها محاولة عظيمة القيمة؟ (وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي أدى به إلى تغيير رأيه؟) يمكن للإجابات على هذه الأسئلة أن تجد تبريرها بالعناية الفائقة والانتباه لما وضعه على لسان متحاوريه من أقوال. لكن سيكون من غير المحتمل تماما افتراض أن تلك الأسئلة التطورية لا تحتاج إلى أن تُطرح، باعتبار أن كلا من محاورة الجمهورية، ومحاورة القوانين، لديها شخصياتها الخاصة بها، فلا يمكن بالتالي أن تناقض إحداهما الأخرى. بحسب هذا الافتراض (والذي ينبغي نبذه) لأن سقراط (وليس أفلاطون) هو من ينتقد الديموقراطية في محاورة الجمهورية، ولأن الزائر الأثيني (وليس أفلاطون) هو من يقر بفضائل حكم الأغلبية في محاورة القوانين، فينتفي بذلك احتمال تصادم المحاورتين. في معارضة هذا الافتراض، ينبغي أن نقول: بما أن كلا من الجمهورية والقوانين عملين حاول أفلاطون خلالهما توجيه قرائه نحو استنتاجات معينة، بأن يجعلهم يفكرون في براهين معينة ـ تلك المحاورات لا تمتنع عن أن تتصف بهذه السمة باستخدامها لشخصيات متحاوريها ـ وسيكون هروبا من مسؤوليتنا كقراء وتلاميذ لأفلاطون، ألا نسأل عما إذا كان ما يؤيده أحدهم يتوافق مع ما يؤيده الآخر. إذا أجبنا هذا السؤال بالسلب، فسيكون علينا تقديم تفسير ما؛ ما الذي أدى إلى ذلك التغير؟  وإن كان غير ذلك؛ أي إن ذهبنا إلى أن العملين متوافقين، فسيلزمنا بيان السبب في أن التضارب الظاهر وهمي.

 

  1. سقراط التاريخي: المحاورات المبكرة، والوسطى، والمتأخرة.

يرى كثير من الباحثين المعاصرين أنه من المنطقي، أن يؤلف أفلاطون، بمستهل حياته الفكرية ككاتب فلسفي، بالإضافة إلى محاورة الدفاع عن سقراط، عددا من المحاورات الأخلاقية القصيرة، التي لا تتضمن إلا القليل، أو لاشيء، من ملامح المذهب الفلسفي الواضح، وإنما كُرست أساسا لتصوير الطريقة التي يقوض بها سقراط إدعاءات الفهم والعلم لدى محاوريه، وإجبارهم على الاعتراف بأنهم غير قادرين على تقديم تعريفات وافية للمفاهيم الأخلاقية التي يستخدمونها، أو تقديم حجج قوية تدعم معتقداتهم الأخلاقية. وبحسب تلك الطريقة في ترتيب المحاورات ترتيبا زمنيا صارما ـ الذي ارتبط بشكل خاص باسم جريجوري فلاستوس (انظر، تحديدا، كتابه: سقراط: فيلسوف أخلاقي ساخر، الفصلين الثاني والثالث) ـ فقد كان أفلاطون، في تلك المرحلة من تاريخه الفكري، راضيا باستخدام كتاباته، مبدئيًا، بغرض الحفاظ على ذكرى سقراط، والتمهيد لتفوق بطله، بمهارة عقلية وجدية أخلاقية، على جميع معاصريه ـ وبخاصة أولئك الذي ادعوا أنهم خبراء في الأمور الدينية، والسياسية، والأخلاقية. وفي فئة المحاورات المبكرة (والتي يُطلق عليها أحيانا: “المحاورات السقراطية”، وتُذكر غالبا من دون أي دلالة زمنية معينة) تتموضع محاورات: خارميدس، وكريتون، وإيوثيديموس، وأوطيفرون، وجورجياس، وهيبياس الكبير، وهيبياس الصغير، وأيون، ولاخيس، ولايزيس، وبروتاجوراس، (يرى بعض الباحثين أنه بإمكاننا تحديد أي تلك المحاورات جاء آخراً، خلال المرحلة المبكرة لأفلاطون، فمثلا: يقال أحيانا إن محاورتي بروتاجوراس وجورجياس متأخرتان؛ بسبب طولهما الواضح، وتعقد مضمونهما الفلسفي، بينما أُعتبر أن محاورات أخرى ـ مثل: خارميدس ولايزيس ـ  لا تدخل في عداد محاورات أفلاطون الأولى، في تلك المجموعة المبكرة؛ بسبب أن سقراط يلعب فيها دورا أكثر فاعلية في تشكيل النمو الدرامي للمحاورة؛ أي: تتزايد أفكاره الخاصة به). ومقارنة بالعديد من محاورات أفلاطون الأخرى، فتلك الأعمال الموصوفة بـ”السقراطية”، تتضمن القليل من تأملات الميتافيزيقية، أو المعرفية، أو المنهجية، وبالتالي، فإنها تتلائم تماما مع الطريقة التي يميز بها سقراط نفسه في محاورة الدفاع: كرجل يهجر البحث في المسائل الطنانة (وهي التي تقع “في السماء، وتحت الأرض”) إلى أمور أكثر حكمة، ويقتصر في كل أبحاثه على السؤال عن الكيفية التي ينبغي للإنسان أن يعيش حياته عليها. ويصف أرسطو سقراط كشخص تنحصر اهتماماته في فرع واحد فقط من فروع الفلسفة ـ هو المجال الأخلاقي، ويضيف قائلا: إنه كان يعتاد على توجيه أسئلة عن التعريفات التي يفتقر هو نفسه إلى إجابات عليها (الميتافيزيقا 987b1 ، المغالطات السوفسطائية 183b7). تضيف تلك الشهادة وزنا للافتراض المجمع عليه؛ بوجود مجموعة من المحاورات ـ تلك التي ذُكرت آنفا باعتبارها الأعمال الأولى، في مسار أفلاطون التأليفي، سواء كانت قد كُتبت جميعها في المرحلة المبكرة أم لا ـ التي يستخدم فيها أفلاطون قالب الحوار، كوسيلة لتصوير الفاعليات الفلسفية لسقراط التاريخي (رغم أنه قد يكون قد وظف تلك الفاعليات من نواح أخرى أيضا، مثلا؛ لاقتراح وبدء تقصي إشكاليات فلسفية تم طرحها فيها).

لكن أفلاطون يشرع، عند لحظة معينة ـ بحسب ذلك الافتراض عن الترتيب الزمني للمحاورات ـ في استخدام أعماله للدفع بأفكاره التي ابتدعتها قريحته، لا بأفكار سقراط، وإن استمر في منح اسم “سقراط” للمحاور الذي يقدم تلك الأفكار الجديدة ويبرهن عليها. يبدأ الآن، المتحدث المدعو “سقراط” في تجاوز سقراط التاريخي، والانفصال عنه: فلديه الآن آراء في المنهجية التي ينبغي أن يستخدمها الفيلسوف (منهجية مستعارة من الرياضيات)، كما أنه يبرهن على خلود النفس، وعلى وجود وأهمية مُثُل الجمال، والعدالة، والخير، وما أشبه. (على النقيض من ذلك؛ ففي محاورة الدفاع، يقول سقراط إن أحدا لا يعرف ما الذي سنؤول إليه بعد موتنا)، ويقال دوما إن محاورة فيدون هي التي عبَّر فيها أفلاطون، لأول مرة، عن نفسه كفيلسوف تجاوز، ببون شاسع، أفكار معلمه (وذلك بالرغم من شيوع القول بأننا نرى حنكة منهجية واهتماما بالغا بالمعرفة الرياضية في محاورة مينون أيضًا). وبعدما انتهى أفلاطون من كتابة تلك المحاورات، التي نصنفها، بحسب ذلك الافتراض، كأعمال مبكرة، يأخذ أفلاطون في توسيع مجال الموضوعات التي يبحثها في كتاباته (فلم يعد يقيد نفسه بمجال الأخلاق)، ووضع نظرية المُثُل (وما له صلة بها من أفكار عن اللغة، و المعرفة، والحب) في مركز اهتمامه الفكري. في تلك الأعمال، التي تنتمي إلى مرحلته “الوسطى” ـ على سبيل المثال: في فيدون، وكراتيلوس، والمأدبة، والجمهورية، وفايدروس ـ نجد تغيرا في مواضع الاهتمام والمذهب معا. لم يعد الاهتمام منصبا على أن نخلص أنفسنا من الأفكار الزائفة، وخداع ذواتنا، وإنما أصبح مطلوبا منَّا قبول (مؤقتا على أية حال) تصور جديد أصيل لذواتنا (المنقسمة الآن إلى ثلاثة أقسام)، ولعالمنا ـ أو بالأحرى: عالمينا ـ وحاجتنا إلى التوفيق بينهما. وأخيرا، يتم عرض التعريفات الخاصة بأهم الفضائل (التي أخفقت محاولة الوصول إليها في بعض المحاورات المبكرة) ففي محاورة الجمهورية: الكتاب الأول فيها، صورة للكيفية التي كان سقراط التاريخي ليتولى بها البحث عن تعريف للعدالة، أما سائر المحاورة، فتبين كيف يمكن للأدوات والأفكار الجديدة، التي اكتشفها أفلاطون، أن تكمل المشروع الذي لم يتمكن معلمه من إنهائه. يواصل أفلاطون استخدام شخصية تُدعى “سقراط” كمحاور رئيسي، وبهذا فإنه يخلق شعورا بالاستمرارية بين وسائل، ورؤى، وأهداف سقراط التاريخي، وبين سقراط الجديد؛ الذي أصبح واسطة لصياغة رؤية أفلاطون الفلسفية  الخاصة. ولتحقيق ذلك،  يعترف بأنه مدين بأفكاره لمعلمه، ويعتمد، لأجل مقاصده الخاصة، المكانة الفائقة، للرجل الذي كان أحكم رجال عصره.

الفرضية الخاصة بالترتيب الزمني لكتابات أفلاطون لها محتوى ثالث: فإنها لا تضع أعماله تحت أي من الفئتين المذكورتين فقط ـ المحاورات المبكرة، أو “السقراطية”، في فئة، وسائر المحاورات في فئة أخرى ـ إنما تعاملت، بدلا من ذلك، مع تقسيم ثلاثي للمحاورات: المبكرة، والوسطى، والمتأخرة. وسبب ذلك، إتباعا للشهادة القديمة، أن أصبح الإجماع على افتراض أن محاورة القوانين هي إحدى محاورات أفلاطون الأخيرة، إضافة إلى أن تلك المحاورة تتشارك، في كثير جدا من المشتركات الأسلوبية، مع مجموعة صغيرة من المحاورات الأخرى: السوفسطائي، والسياسي، وطيماوس، وكريتياس، وفيليبوس. وثم اتفاق عام، على أن تلك المحاورات الخمسة، بالإضافة إلى محاورة القوانين، هي أعمال أفلاطون الأخيرة، لما بينها من تشابهات كثيرة، عندما يحصي المرء السمات الأسلوبية التي يلحظها، فقط، قارئ أفلاطون في الأصل اليوناني، بأكثر منها في أعمال أفلاطون الأخرى. (دعَّم إحصاء الكمبيوتر هذه الدراسات الأسلوبية الإحصائية، غير أن عزل مجموعة من ست محاورات، على أساس القواسم الأسلوبية المشتركة بينها، كان أمرا معروفا في القرن التاسع عشر).

من غير الواضح تماما ما إذا كان هناك واحد أو أكثر من التشابهات الفلسفية بين هذه المجموعة من المحاورات الستة ـ بمعنى؛ ما إذا كان محتواها الفلسفي يختلف تماما عن المحتوى الفلسفي لسائر المحاورات الأخرى. ولم يقم أفلاطون بشيء يشجع القارئ على النظر إلى تلك الأعمال باعتبارها ذات محتوى متمايز ومنفصل لفكره. على النقيض من ذلك؛ فإنه يربط بين محاورتي السوفسطائي وثياتيتوس (فالمناقشات التي تقدم ذكرها فيها كثير من التداخلات بين الشخصيات، كما أنها تقع في أيام متتالية) وكذلك بين محاورتي السوفسطائي والسياسي. تتضمن محاورة السوفسطائي، في صفحاتها الأولى، إشارة إلى النقاش الذي دار في محاورة بارمنيدس ـ وربما كان أفلاطون يلمح بذلك إلى قرائه أنه يجب عليهم أن يستحضروا ما استفادوه من دروس بقراءتهم لمحاورة بارمنيدس أثناء قراءتهم لمحاورة السوفسطائي. وبنحو مماثل، تُفتتح محاورة طيماوس بتذكير ببعض المذاهب السياسية والأخلاقية الأساسية، التي ورد ذكرها في محاورة الجمهورية. يمكننا القول بالطبع أنه إذا نظر المرء إلى ما وراء تلك الأدوات الضابطة للمراحل، فسيلحظ تغيرات فلسفية واضحة في المحاورات الستة الأخيرة، تضع هذه المجموعة في مكانة منفصلة عن كل ما سبقها. غير أنه ليس ثم إجماع على وجوب قراءتها بحسب هذا الاعتبار. إذ يحتاج حل هذه المسألة إلى دراسة متأنية لمحتوى أعمال أفلاطون. لهذا، فعلى الرغم من القبول العام بأن تلك المحاورات الستة، المذكورة آنفا، تنتمي إلى المرحلة الأخيرة لأفلاطون، فلا يوجد حتى الآن اتفاق بين دارسي أفلاطون على أن تلك المحاورات الستة تشكل مرحلة متمايزة في تطوره الفلسفي.

يبقى تقسيم أعمال أفلاطون إلى مراحل ثلاثة ـ مبكرة، ووسطى، ومتأخرة ـ كمسألة خلافية ـ مؤشرا صحيحا على ترتيب تأليف المحاورات، ومبينا إذا ما كانت تلك وسيلة ناجحة إلى فهم فكر أفلاطون (انظر: Cooper 1997, vii-xxvii). سيكون مقبولا بشكل كبير دعم القول الذي يذهب إلى أن مسيرة أفلاطون في الكتابة بدأت بمثل تلك الأعمال المعقدة، مثل القوانين، وبارمنيدس، وفايدروس، أو الجمهورية. على ضوء الافتراضات المقبولة بشكل واسع حول كيفية تطور العقول الفلسفية، فإن الاحتمال الأقرب للصواب هو أنه عندما شرع أفلاطون في كتابة أعمال فلسفية، فإن المحاورات الأقصر والأبسط، هي ما ألفه: لاخيس، أو كريتون، أو أيون (على سبيل المثال). (وبالمثل، فإن محاورة الدفاع لا تطرح برنامجا فلسفيا معقدا، كما لا تفترض وجود أعمال سابقة؛ ولهذا، يعظم احتمال أنه تم تأليفها قريبا من بداية مسار أفلاطون التأليفي). وإذا كان الأمر كذلك، فلا يوجد سبب قوي لنبذ الافتراض بأن أفلاطون قد كرَّس نفسه في أغلب مراحل حياته لكتابة نوعين من المحاورات، ينتقل بينهما من واحد لآخر في نفس المراحل خلال تقدمه في العمر: من جهة، أعمال تمهيدية، مقصدها الأساسي أن تبين للقراء الصعوبة الكامنة فيما يبدو كمشكلات فلسفية بسيطة، ظاهريا، ومن ثم يقوم بتخليص قرائه من ادعاءاتهم الواهية، ومعتقداتهم الزائفة، ومن جهة أخرى، أعمال تذخر بالمزيد من النظريات الفلسفية الجوهرية، المدعومة بالبراهين التفصيلية. إضافة إلى ذلك، يمكننا الإشارة إلى ملامح العديد من المحاورات “السقراطية”، التي تسوغ وضعها في الفئة الأخيرة، رغم أن جوهر الحوارات فيها لا يُعنى بالميتافيزيقا أو المنهجية، أو يستحضر الرياضيات ـ ومن بينها: جورجياس، وبروتاجوراس، ولايزيس، وإيوثيديموس، وهيبياس الأكبر.

يبين أفلاطون، بشكل واضح، وجوب تقدُّم إحدى هاتين العمليتين على الأخرى جزءًا من التربية الفلسفية للمرء. إن واحدا من أهم قناعاته المنهجية (والذي يتأكد في محاورة مينون، وثياتيتوس، والسوفسطائي) هو أنه لتحقيق التقدم الفكري، علينا إدراك أنه لا يمكن تحصيل المعرفة بواسطة التلقي السلبي من الآخرين، بل يجب أن نتجاوز المشكلات، وأن نقدر مزايا مواجهة النظريات بعقل مستقل. وبالتالي، فإن بعض محاوراته تعد بمثابة أدوات أولية لكسر حالة الرضا عن النفس لدى القارئ، وذلك هو السبب في أنها لا تنتهي إلى نتائج إيجابية، وهذا أمر جوهري، وثم محاورات أخرى، هي بمثابة مساهمات في بناء النظرية، وبالتالي، يتحقق أفضل استيعاب لها بواسطة أولئك الذين سبق لهم المرور بالمرحلة الأولى من التطور الفلسفي. لا يجب علينا افتراض أن أفلاطون كان قد كتب المحاورات التمهيدية، فقط، في المرحلة الأولى في مساره الفلسفي، رغم أنه قد يكون استهل مسيرته ككاتب بتبني ذلك النوع من المشروعات، ولعله استمر في كتابة تلك الأعمال “المحايدة negative” في مراحله المتأخرة، وفي الوقت ذاته، كان يؤلف محاوراته التي تؤسس نظريته. ومثال على ذلك، رغم أن محاورتي إيوثيديموس، وخارميدس، قد شاع اعتبارهما من المحاورات المبكرة، فربما تكونا قد كُتبتا في نفس الوقت تقريبا، الذي كُتبت فيه محاورتا المأدبة، والجمهورية، اللتان ينظر إليهما، من العموم، على أنهما من مؤلفات المرحلة الوسطى، أو حتى المتأخرة.

لا شك أن بعض الأعمال التي ساد اعتبارها من الأعمال المبكرة، هي كذلك بالفعل. لكن يظل السؤال مطروحا؛ أيها كذلك، وكم عددها. على أية حال، من الواضح أن أفلاطون قد استمر في الكتابة في التيار “السقراطي”، و”المحايد”، حتى بعدما تجاوز المراحل المبكرة في مسيرته: محاورة ثياتيتوس تصور سقراطا أكثر إصرارا على جهله، بأكثر مما يحدث في التصوير الدرامي لسقراط في الأعمال الأكثر وجازة، والأقل تعقيدا من الوجهة الفلسفية، والتي افتُرض، بنحو معقول، أنها أعمال مبكرة، وتسعى محاورة ثياتيتوس، مثل العديد من تلك الأعمال المبكرة، على السؤال “ما هو …؟” الذي يلح بلا هوادة؛ مثل:”ما هي المعرفة؟”. وبالمثل، بالرغم من أن محاورة بارمنيدس قطعا ليست من المحاورات المبكرة، فهي عمل يهدف أساسا إلى إثارة حيرة القارئ، بعرض الحجج بشكل تبدو فيه نتائجها متناقضة ظاهريا، إذ إنها لا تخبرنا كيف يمكن قبول كل تلك النتائج، وتأثيرها الجوهري على القارئ مشابه لتأثير المحاورات التي يعد بعضها لا شك مبكرًا، والمنتهية إلى نتائج محايدة. يستخدم أفلاطون تلك الوسيلة التربوية ـ إثارة القارئ بواسطة عرض الحجج المتقابلة، ثم تركه لهذا التضارب بلا حل ـ وأيضا، في محاورة بروتاجوراس (التي تعتبر، غالبا، من المحاورات المبكرة). لذا، فمن الواضح، أنه بعدما تجاوز إلى حد كبير المراحل المبكرة في تفكيره، استمر في تعهد مشروع كتابة الأعمال التي تهدف أساس، إلى العرض المحايد للإشكاليات التي لا يصل فيها إلى حل. (وأيضا،كما ينبغي الاعتراف، بأن إثارة حيرة القارئ تستمر كهدف له حتى في الأعمال المتأخرة، لذا يجب علينا أيضا ألا نغفل عن حقيقة أن هناك بعضا من الملامح الجوهرية في بناء النظرية، في الأعمال الأخلاقية البسيطة إلى حد كاف لتكون من المؤلفات المبكرة: أيون، على سبيل المثال، تؤكد نظريةً في الإلهام الشعري، وكريتون، تؤسس  للشروط التي بحسبها يحقق المواطن الالتزام بطاعة الأوامر المدنية. ولا تنتهي إيهما بإخفاق).

إذا كان لدينا ما يبرر اعتبار أن خطاب سقراط، في محاورة الدفاع لأفلاطون، يمثل شاهدا وثيقا على ما كان عليه سقراط التاريخي، إذن، فأيا كان ما نلقاه، في أعمال أفلاطون الأخرى، وجاء متوافقا مع ذلك الخطاب، فبمقدورنا أن ننسبه باطمئنان إلى سقراط. ومن المتوافق عليه أن سقراط كان ذا توجه أخلاقي، لكنه (بخلاف أفلاطون) لم يكن ميتافيزيقيا، أو منشغلا بنظرية المعرفة، أو من المهتمين بالبحث الكوني. وذلك يتفق مع شهادة أرسطو، كما يعطي منهج أفلاطون في اختيار المتحدث الرئيسي في محاوراته، دعما إضافيا لهذه الطريقة في التمييز بينه وبين سقراط. إن عدد المحاورات التي هيمنت فيها شخصية سقراط، والتي ينسج فيها مذاهب فلسفية مفصلة، تعد قليلة بشكل ملحوظ: فيدون، والجمهورية، وفيليبوس. جميعها سادت فيها المسائل الأخلاقية؛ ما إذا كنا نخاف الموت، أو أن تكون عادلا، ومن الذي نحب، وموضع اللذة. من الواضح أن أفلاطون يعتقد أنه من الملائم أن يجعل سقراط المتحدث الرئيسي في محاورة مشحونة بالمحتوى الإيجابي فقط عندما تكون الموضوعات التي يتم بحثها تتعلق مبدئيا بالحياة الأخلاقية للفرد. (إن الأبعاد السياسية في محاورة الجمهورية إنما قيلت بوضوح لتخدم السؤال الأهم؛ عما إذا كان يجب على كل فرد أن يكون عادلا بغض النظر عن الظروف المحيطة). حينما صارت المذاهب التي يرغب أفلاطون في عرضها بنحو منهجي ميتافيزيقية في المقام الأول، توجه إلى الزائر من إيليا (السوفسطائي، والسياسي)، وحينما أصبح منشغلا بالقضايا الكونية، توجه إلى طيماوس، وحينما صارت مسائله دستورية، اتجه، في محاورة القوانين، إلى زائر من أثينا (وحينئذ، فإنه يستبعد سقراط بالكلية). في الواقع، يبين أفلاطون لنا أنه: على الرغم من أنه يدين بالكثير للأفكار الأخلاقية لسقراط، وكذلك منهجه في نقض الادعاءات الفكرية لمحاوريه، من خلال وضعهم في حال من التناقض، فإنه يعتقد بأنه لا يجب عليه أن يضع على لسان معلمه تحقيقا كثير التفاصيل في موضوعات أنطولوجية، أو كونية، أو سياسية، لأن سقراط كان يُمسك عن الخوض في تلك المجالات. قد يكون ذلك جزءا من تفسير السبب الذي جعل سقراط يضع على لسان القوانين الأثينية ـ التي تجسدت كشخص يحاوره ـ النظرية التي أثارها في محاورة كريتون، والتي أدت به إلى أنه سيقترف ظلما في حقها إذا فر من السجن. لعل أفلاطون يشير، في اللحظة التي يشارك فيها هؤلاء المتحدثين في الحوار، ألا شيء مما قيل هنا مأخوذ عن سقراط أ ومستوحى من حواره بأي حال من الأحوال.

مثلما يجب علينا نفي فكرة أن أفلاطون قد اتخذ في مرحلة مبكرة قرار التوقف عن كتابة نوع واحد من المحاورات (المحايد، أورالنقضي، أوالتمهيدي)، وأن يقتصر على كتابة الأعمال المفصلة في مساره إلى بناء نظريته، لذا، يجب علينا أيضا التساؤل عما إذا كان قد مرَّ بمرحلة مبكرة، تخلَّص خلالها من تقديم أي من أفكاره الخاصة في أعماله (في حال كان لديه أفكارا خاصة به حينئذ)، وكان راضيا بلعب دور المصوِّر الأمين، مستعرضا حياة وفكر سقراط لقرائه. ومن غير الواقعي، افتراض أن شخصا له أصالة وإبداع أفلاطون، والذي يُحتمل أنه قد بدأ كتابة المحاورات وهو في الثلاثينيات من عمره (كان عمره 28 عاما تقريبا، عندما قُتل سقراط)، كان ليبدأ تأليف أعماله من دون أن يُضمِّنها أفكاره الخاصة، أو أن يقرر كبح مثل هذه الأفكار لفترة من الزمن إن كانت لديه، ولا يسمح لنفسه بالتفكير في مسائله الخاصة إلا لاحقا. (ما الذي أدى به إلى اتخاذ مثل هذا القرار؟) يجب علينا، بدلا من ذلك، معالجة النقلات الحاصلة في المحاورات، حتى تلك التي يحتمل أن تكون مبكرة، باعتبارها ابتكارات أفلاطونية ـ مستمدة بلا شك من تأملات أفلاطون في الموضوعات الأساسية الخاصة بسقراط، وتحولاتها، والتي يعزوها إلى سقراط في محاورة الدفاع. تلك الخطبة تشير مثلًا إلى أن تلك الحال من التقوى البالغة التي أبداها سقراط، كانت غير تقليدية، ويُحتمل أن تثير الاستياء، أو أن تؤدي إلى سوء فهم. وقد يكون من المقبول افتراض أن أفلاطون قام ببساطة بتلفيق فكرة أن سقراط يتبع إشارة إلهية، خاصة وأن زينوفون، أيضا، قد نسب الأمر نفسه إلى سقراطه. لكن، ماذا عن النقلات الفلسفية المتنوعة، التي تكررت في أوطيفرون ـ المحاورة التي يبحث فيها سقراط عن فهم ما هي التقوى؟ حتى بلا جدوى، ليس لدينا سبب قوي للاعتقاد بأن أفلاطون قد أخذ في كتابته لهذا العمل دور آلة تسجيل فحسب، أو ما يقرب من ذلك (فيقوم بتغيير كلمة هنا، أو كلمة هناك، ولكنه غالبًا لا يزيد عن مجرد تذكر ما سمع سقراط يقوله، وهو في طريقه إلى المحكمة). الأمر الأكثر احتمالا أن أفلاطون، مستلهما تصور سقراط غير التقليدي للتقوى، قد أنشأ، بطريقته الخاصة، سلسة من الأسئلة والإجابات المصممة بحيث تبين لقرائه مدى صعوبة الوصول إلى فهم الفكرة المحورية، التي اتخذها مواطنو سقراط ذريعة للحكم عليه بالموت. إن الفكرة التي مؤداها أهمية البحث عن تعريفات، قد تكون سقراطية في أصلها.  (في النهاية، فكثيرا ما ينسب أرسطو تلك الفكرة إلى سقراط). لكن التقلبات والانعطافات في الجدالات الدائرة في محاورة أوطيفرون، والمحاورات الأخرى، التي تبحث عن تعريفات، يزداد احتمال كونها نتاج عقل أفلاطون، بأكثر من محتوى أية مناقشات جرت بالفعل.

 

  1. لماذا محاورات؟

من غير المعقول أيضا، افتراض أنه عندما استهل أفلاطون مسيرته ككاتب، اتخذ قرارا واعيا بأن يصيغ كل المؤلفات التي سينجزها، من تلك اللحظة فصاعدا، لعامة جمهور القراء (باستثناء محاورة الدفاع) في قالب الحوار. وإذا كان السؤال: “لماذا كتب أفلاطون محاورات؟” والذي يميل إلى طرحه الكثير من قرائه، يقتضي ضرورة وجود مثل هذا القرار الحاسم، فهذا طرح متهافت. فمن الأفضل تقسيم ذلك السؤال إلى عدة أسئلة جزئية؛ فمن الأفضل السؤال: “لماذا كتب أفلاطون ذلك العمل تحديدا (على سبيل المثال: بروتاجوراس، أو الجمهورية، أو المأدبة، أو القوانين) في قالب الحوار ـ وكتب ذاك العمل (طيماوس، مثلا) ويغلب عليه قالب الخطبة الأحادية التفصيلية والخطابية؟” ثم نسأل عن السبب وراء قراره باتخاذ الحوار كقالب لأعماله.

أفضل وسيلة للوصول إلى تخمين معقول حول السبب وراء كتابة أفلاطون، لأي عمل محدد، في قالب الحوار، هي السؤال: ما الذي سنفقده، إذا ما حاول المرء إعادة كتابة ذلك العمل، بحيث يستبعد ما فيه من تبادل للنقاشات، ويقوم بتجريد الشخصيات من صفاتها الذاتية، وأوضاعها الاجتماعية، وتحويل الشكل النهائي إلى شيئ يأتي مباشرة على لسان مؤلفه؟ غالبا ما ستكون الإجابة على هذا السؤال سهلة، لكن تلك الإجابة قد تتباين بشدة من محاورة لأخرى. بمتابعة تلك الاستراتيجية، لا ينبغي لنا استبعاد احتمال أن تكون بعض أسباب أفلاطون، لكتابة هذا العمل أو ذاك في شكل محاورة، هي أيضا أسبابه لفعل ذلك في حالات أخرى ـ ربما ستكون بعض أسبابه، وبقدر ما نفترضه تجاهها، حاضرة في كل الحالات الأخرى. مثال ذلك: إن استخدام الشخصية والحوار يسمحان للمؤلف بإضفاء الحيوية على عمله، وإثارة اهتمام جمهوره من القراء، وبالتالي الوصول إلى جمهور أكبر. تنتج الجاذبية الهائلة لكتابات أفلاطون عن أسلوب تأليفها الدرامي إلى حد ما. حتى مؤلفاته التي جاءت على شكل أقرب إلى الأُطروحة ـ طيماوس والقوانين، على سبيل المثال ـ تتحسن قابليتها للقراءة بسبب إطارها الحواري. إضافة إلى ذلك، فإن قالب الحوار يسمح باهتمام أفلاطون الشديد بالأسئلة التربوية (كيف يمكننا التعلم؟ ما هي أفضل طريقة للتعلم؟ من أي نوع من الناس يمكننا التعلم؟ ما حال الشخص الذي يمكنه القيام بالتعليم؟) التي يمكن متابعتها، ليس فقط في مضمون مؤلفاته، بل أيضا في الشكل التي صيغت فيه. فحتى في محاورة القوانين، لم تكن مثل هذه الأسئلة بعيدة عن ذهن أفلاطون، فيما يوضح، بواسطة القالب الحواري، كم هو ممكن لمواطني أثينا، وإسبرطة، وكريت، أن يتعلم بعضهم من بعض، باتخاذ وتطوير المؤسسات الاجتماعية والسياسية من بعضهم البعض.

في بعض أعماله، يبدو واضحا أن أحد أهداف أفلاطون هو خلق شعور بالحيرة بين قرائه، وأن القالب الحواري إنما استُخدم لهذا الغرض. ربما كانت محاورة بارمنيدس المثال الأوضح لعمل من هذا النوع، إذ يصدم فيها أفلاطون قرائه بلا هوادة، بسلسلة مذهلة من الأحجيات غير المحلولة، والتناقضات الظاهرية. غير أن العديد من أعماله الأخرى تتصف أيضا بهذه الصفة، وإن بدرجة أقل، مثال ذلك: بروتاجوراس (هل يمكن تعلم الفضيلة؟)، وهيبياس الأصغر (هل الشر الإرادي أفضل من الشر اللاإرادي؟) وأقسام من مينون (هل يُعد بعض الناس فضلاء بفعل إلهام إلهي؟). مثلما يحدث بأن يقع الشخص، الذي يعارض سقراط أثناء المناقشة، في الحيرة، فيما إذا كان يعني ما يقول (أو ما إذا كان بدلا من ذلك يتكلم بسخرية)، لذا، يستخدم أفلاطون قالب الحوار أحيانًا ليخلق في نفوس قرائه شعورا بعدم الراحة تجاه ما يقصده، وما يلزمنا استنتاجه من البراهين التي تم تقديمها لنا. لكن سقراط لا يتحدث دوما بسخرية، وبالمثل، فإن محاورات أفلاطون لا تهدف دوما إلى خلق ذلك الشعور بالحيرة حول ما نعتقده بخصوص الموضوع الذي تتم مناقشته. لا توجد قاعدة آلية لاكتشاف أفضل طريقة لقراءة محاورة، وليس ثم استراتيجية تأويلية يمكن تطبيقها بنحو متماثل على جميع أعماله. وإنما سنحقق أفضل فهم لأعمال أفلاطون، وأكبر استفادة من قراءتنا لها، إذا أدركنا تنوعها الأسلوبي الهائل، وبأن نغيّر طريقتنا في القراءة تبعا لذلك. وذلك أفضل من أن نفرض على قراءتنا لأفلاطون توقع أحادي لما يجب أن يفعله هنا (لأنه فعل الشيء نفسه في موضع آخر)، يجب علينا أن نستحضر مع كل محاورة قابلية تلقّي ما هو فريد فيها. وسيكون ذلك هو أفضل استجابة للجانب الفني الإبداعي في فلسفته.

 

 

 


المراجع

The bibliography below is meant as a highly selective and limited guide for readers who want to learn more about the issues covered above. Further discussion of these and other issues regarding Plato’s philosophy, and far more bibliographical information, is available in the other entries on Plato.

 

ترجمات إلى الإنجليزية

  • Cooper, John M. (ed.), 1997, Plato: Complete Works, Indianapolis: Hackett. (Contains translations of all the works handed down from antiquity with attribution to Plato, some of which are universally agreed to be spurious, with explanatory footnotes and both a general Introduction to the study of the dialogues and individual Introductory Notes to each work translated.)

 

مراجع عامة

  • Allen, Danielle, S., 2010, Why Plato Wrote, Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • Annas, Julia, 2003, Plato: A Very Short Introduction, Oxford: Oxford University Press.
  • Benson, Hugh (ed.), 2006, A Companion to Plato, Oxford: Blackwell.
  • Bobonich, Christopher, 2002, Plato’s Utopia Recast: His Later Ethics and Politics, Oxford: Oxford University Press.
  • Dancy, Russell, 2004, Plato’s Introduction of Forms, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Fine, Gail (ed.), 1999, Plato 1: Metaphysics and Epistemology, Oxford: Oxford University Press.
  • ––– (ed.), 1999, Plato 2: Ethics, Politics, Religion, and the Soul, Oxford: Oxford University Press.
  • ––– (ed.), 2008, The Oxford Handbook of Plato, Oxford: Oxford University Press. (Essays by many scholars on a wide range of topics, including several studies of individual dialogues.)
  • Guthrie, W.K.C., 1975, A History of Greek Philosophy, Volume 4, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1978, A History of Greek Philosophy, Volume 5, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Irwin, Terence, 1995, Plato’s Ethics, Oxford: Oxford University Press.
  • Kraut, Richard (ed.), 1992, The Cambridge Companion to Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2008, How to Read Plato, London: Granta.
  • McCabe, Mary Margaret, 1994, Plato’s Individuals, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2000, Plato and His Predecessors: The Dramatisation of Reason, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Meinwald, Constance, 2016, Plato, London: Routledge.
  • Nails, Debra, 2002, The People of Plato: A Prosopography of Plato and Other Socratics, Indianapolis: Hackett. (An encyclopedia of information about the characters in all of the dialogues.)
  • Rowe, Christopher, & Malcolm Schofield (eds.), 2000, Greek and Roman Political Thought, Cambridge: Cambridge University Press. (Contains 7 introductory essays by 7 hands on Socratic and Platonic political thought.)
  • Russell, Daniel C., 2005, Plato on Pleasure and the Good Life, Oxford: Clarendon Press.
  • Rutherford, R.B., 1995, The Art of Plato: Ten Essays in Platonic Interpretation, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Schofield, Malcolm, 2006, Plato: Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
  • Silverman, Allan, 2002, The Dialectic of Essence: A Study of Plato’s Metaphysics, Princeton: Princeton University Press.
  • Vasiliou, Iakovos, 2008, Aiming at Virtue in Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Vlastos, Gregory, 1995, Studies in Greek Philosophy(Volume 2: Socrates, Plato, and Their Tradition), Daniel W. Graham (ed.), Princeton: Princeton University Press.
  • White, Nicholas P., 1976, Plato on Knowledge and Reality, Indianapolis: Hackett.
  • Zuckert, Catherine H., 2009, Plato’s Philosophers: The Coherence of the Dialogues, Chicago: University of Chicago Press.

 

مؤلفات عن سقراط

  • Ahbel-Rappe, Sara, and Rachana Kamtekar (eds.), 2006, A Companion to Socrates, Oxford: Blackwell.
  • Boys-Stone George, and Christopher Rowe (eds.), 2013, The Circle of Socrates: Readings in the First-Generation Socratics, Indianapolis: Hackett.
  • Brickhouse, Thomas C. & Nicholas D. Smith, 1994, Plato’s Socrates, Oxford: Oxford University Press.
  • Guthrie, W.K.C., 1971, Socrates, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Morrison, Donald R., 2012, The Cambridge Companion to Socrates, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Peterson, Sandra, 2011, Socrates and Philosophy in the Dialogues of Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Rudebusch, George, 2009, Socrates, Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • Santas, Gerasimos, 1979, Socrates: Philosophy in Plato’s Early Dialogues, London: Routledge & Kegan Paul.
  • Taylor, C.C.W., 1998, Socrates, Oxford: Oxford University Press.
  • Vander Waerdt, Paul. A. (ed.), 1994, The Socratic Movement, Ithaca: Cornell University Press.
  • Vlastos, Gregory, 1991, Socrates: Ironist and Moral Philosopher, Cambridge: Cambridge University Press.

 

مؤلفات حول استراتيجيات التأويل

  • Blondell, Ruby, 2002, The Play of Character in Plato’s Dialogues, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Frede, Michael, 1992, “Plato’s Arguments and the Dialogue Form,” in Oxford Studies in Ancient Philosophy, Supplementary Volume 1992, Oxford: Oxford University Press, pp. 201–220.
  • Griswold, Charles L. (ed.), 1988, Platonic Writings, Platonic Readings, London: Routledge.
  • Kahn, Charles H., 1996, Plato and the Socratic Dialogue: The Philosophical Use of a Literary Form, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Klagge, James C. and Nicholas D. Smith (eds.), 1992, Methods of Interpreting Plato and His Dialogue, Oxford Studies in Ancient Philosophy, Supplementary Volume 1992, Oxford: Clarendon Press.
  • Nails, Debra, 1995, Agora, Academy, and the Conduct of Philosophy, Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.
  • Nightingale, Andrea, 1993, Genres in Dialogue: Plato and the Construction of Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Press, Gerald A. (ed.), 2000, Who Speaks for Plato? Studies in Platonic Anonymity, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • Rowe, C.J., 2007, Plato and the Art of Philosophical Writing, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sayre, Kenneth, 1995, Plato’s Literary Garden, Notre Dame: University of Notre Dame Press.

 

مؤلفات حول الترتيب الزمني للمحاورات

  • Brandwood, Leonard, 1990, The Chronology of Plato’s Dialogues, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kahn, Charles, 2003, “On Platonic Chronology,” in Julia Annas and Christopher Rowe (eds.), New Perspectives on Plato: Modern and Ancient, Cambridge, MA: Harvard University Press, chapter 4.
  • Ledger, Gerald R., 1989, Re-Counting Plato: A Computer Analysis of Plato’s Style, Oxford: Oxford University Press.
  • Thesleff, Holger, 1982, Studies in Platonic Chronology, Commentationes Humanarum Litterarum 70, Helsinki: Societas Scientiarum Fennica.
  • Young, Charles M., 1994, “Plato and Computer Dating,” Oxford Studies in Ancient Philosophy, 12: 227–250.

 

مؤلفات حول رسائل أفلاطون

  • Burnyeat, Myles and Michael Frede, 2015, The Pseudo-Platonic Seventh Letter, Dominic Scott (ed.), Oxford: Oxford University Press.

 

أدوات أكاديمية

 

مصادر أخرى على الشبكة العنكبوتية

 

مدخلات ذات صلة

abstract objects | Aristotle | education, philosophy of | epistemology | metaphysics | Plato: ethics and politics in The Republic | religion: and morality | Socrates | Socratic Dialogues

 

 

 

[1] Kraut, Richard, “Plato”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/plato/>.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *