Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

الجانب السلبي في علم النفس الإيجابي – باربرا س. هيلد / ترجمة: خولة العقيل

مراجعة: د. فلاح العنزي – نسخة PDF 


باربرا س. هيلد أستاذة باري ن. ويش (Barry N. Wish) لعلم النفس والدراسات الاجتماعية في كلية بودوين في برونزويك، ماين. وهي مؤلفة كتاب: العودة إلى الواقع: نقد لنظرية ما بعد الحداثة في العلاج النفسي (١٩٩٥)، حيث طرحت فيه تحليلا نظريا وفلسفيا للتحول ما بعد الحداثي/الألسني في العلاج النفسي. وهي تعمل حاليا على تتمته، الذي توسع فيه نقدها الفلسفي ليشمل الاتجاهات التأويلية في علم النفس. وعملت وتعمل في عدد من مجالس التحرير، من بينها مجلة علم النفس النظري والفلسفي. وفي كتابها المشهور: توقف عن الابتسام وابدأ بالتذمر: دليل من خمس خطوات للشكوى الإبداعية” (٢٠٠١)، تتحدى ما تسميه “استبداد الاتجاه الإيجابي في أمريكا”، وقد نال اهتمام وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم. وهي أخصائية نفسية عيادية، مارست العلاج النفسي لسنوات عديدة. وتعيش مع زوجها على ساحل ولاية ماين، إلا أنها تهرب متى ما استطاعت الى مدينة نيويورك، حيث يُنظر إلى تذمرها هناك على نحو إيجابي.

 

ملخص

يستكشف هذا المقال ثلاث طرق يظهر فيها بناء وتقديم حركة علم النفس الإيجابي لنفسها على نحو سلبي. أولا، ينظر إلى هذا الجانب السلبي على أنه آثار جانبية سلبية ناتجة عن رسالة علم النفس الإيجابي الرئيسة الانفصالية. ثانيا، ينظر إلى الجانب السلبي بأنه السلبية التي يمكن الكشف عنها داخل حركة علم النفس الإيجابي. وهنا توضح المؤلفة ردود الفعل السلبية أو الاقصائية من بعض المتحدثين باسم الحركة تجاه الأفكار أو الآراء التي تتعارض مع رسالة الحركة الرئيسة: (أ) السلبية تجاه السلبية ذاتها، والتي تُستكشف عن طريق البحث في علم النفس الصحي وأساليب المعايشة. (ب) والسلبية الظاهرة في النوع الخاطئ من الإيجابية، تحديدا الإيجابية التي يُزعم أنها غير العلمية، وخاصة تلك التي يدعي سليغمان وجودها ضمن علم النفس الإنساني[2]. وهذا يشكل موقفا معرفيا يسهم بخلق “مشكلات واقع”[3] أمام علماء النفس الإيجابي. وتختتم المؤلفة بالحديث عن تداعيات “إعلان استقلال” علم النفس الإيجابي على مشكلات الانقسامات في علم النفس التي نوقشت كثيرا. وتستلهم المؤلفة التوجيه من حكمة وليام جيمس لإيجاد معنى ثالث أكثر إيجابية من الجانب السلبي في علم النفس الايجابي. ويمكن استشفاف هذا المعنى الثالث في رسالة، لم تسد بعد، لكنها أكثر تكاملية بدأت بالظهور داخل الحركة نفسها، رسالة منسجمة مع ردود فعل بعض علماء النفس الإنساني تجاه علم النفس الإيجابي.

الكلمات المفتاحية: علم النفس الإيجابي؛ الواقعية العلمية؛ التشاؤم الدفاعي، الانقسام؛ ما بعد الحداثة؛ التفاؤل؛ السلبية.[4]

 


على الرغم من أن علماء النفس الإيجابي يزعمون دراسة ما هو جيد أو فاضل في الطبيعة البشرية، ويدعون إلى علم منفصل ومستقل للقيام بذلك (على سبيل المثال اسبينوال وستاودينغر ٢٠٠٣، سليغمان ٢٠٠٢، سليغمان وشيكسينتميهاي ٢٠٠٠.٢٠٠١، سليغمان وبيترسون ٢٠٠٣، شيلدون وكينغ ٢٠٠١، سيندين ولوبز وآخرون ٢٠٠٢) إلا أن في داخل تلك الحركة نزعة سلبية، أو ما سأطلق عليه “الجانب السلبي”. وسأستعرض في هذه المقالة ثلاثة معاني لما يسمى بالجانب السلبي لعلم النفسي الإيجابي. أولاً، يفسر الجانب السلبي بأنه عبارة عن تأثيرات جانبية سلبية لحركة علم النفس الايجابي، خصوصا لرسالته الرئيسة الانفصالية. وقد تم تعداد هذه التأثيرات الجانبية من قبل ولذلك لن أطيل الحديث عنها هنا.  ثانيا، يفهم الجانب السلبي بأنه السلبية التي يمكن أن توجد داخل حركة علم النفس الإيجابي، وهنا أستعرض بالتفصيل ردود الفعل السلبية أو الاقصائية من بعض (وليس كل) علماء النفس الإيجابي، وخصوصا بعض المتحدثين باسم الحركة، تجاه الأفكار أو الآراء التي تتعارض مع الرسالة الرئيسة للحركة – بالتحديد، (أ) السلبية تجاه السلبية ذاتها، وهي ما استعرضها من خلال البحث في علم نفس الصحة وأساليب المعايشة. (ب) السلبية المتعلقة بالنوع الخاطئ من الايجابية، أي الايجابية غير العلمية المزعومة، وبالأخص الايجابية غير العلمية التي يدعي سليغمان (سليغمان ٢٠٠٢ أ، ٢٠٠٢ ب؛ سليغمان وشيكسينتميهاي ٢٠٠١،٢٠٠٠) وجودها داخل علم النفس الانساني والتي تمت مناقشتها في العدد الخاص من “مجلة علم النفس الإنساني” المخصص لعلم النفس الايجابي (على سبيل المثال غريننغ ٢٠٠١ ص ٤؛ رثوند ٢٠٠١ ص ١٤٦ و١٤٧؛ ريسنيك وورموث وسيرلين ٢٠٠١ صفحة ٧٨-٨٠؛ تايلور ٢٠٠١ ص ٢٢-٢٤). هذا وضع معرفي[5] يساهم في خلق “مشكلات واقع” لعلماء النفس الإيجابي، وهي مشكلات التي تستدعي مزيد من الاعتبار[6]. وفي الختام، أبحث في تداعيات ما يدعى بـ”إعلان استقلال” علم النفس الإيجابي (سنايدر ولوبيز وآخرون، 2002) عن بقية علم النفس على مشكلات انقسامات علم النفس التي نوقشت كثيرا. كما أستلهم التوجيه من حكمة ويليام جيمس، سواء مباشرة أو كما فسرها روبن، لإيجاد بعد ثالث أكثر إيجابية للجانب السلبي من علم النفس الإيجابي. ويمكن استشراف هذا البعد الأكثر إيجابية من رسالة لم تهيمن بعد لكنها أكثر تكاملية ومنبثقة من داخل الحركة نفسها.

       لست أهدف إلى تحدي النتائج الإمبريقية التجريبية[7] التي تشكل حركة علم النفس الإيجابي، فهناك من وجهة نظري، مساهمات هامة في العلوم النفسية تمت من داخل صفوف الحركة. كما أني لا أتحدى دراسة مكامن القوة الإنسانية بشكل عام، وهي التي بلا شك لا تتم بالضرورة باسم الحركة. لكن النقد أو “تحليل الخطاب” الذي أقدمه يركز على الطريقة التي يعرض/يروج من خلالها أولئك الذين لا يزالون إلى الآن يتحدثون بصخب كبير باسم حركة علم النفس الإيجابي إلى الجمهور وإلى مهنة علم النفس. وستتم مقارنة هذا ”الخطاب المهيمن“، أو الرسالة الرئيسة بالحرف الكبير M، كما سأسميها من الآن فصاعدا، مع خطاب أو رسالة لم تهيمن بعد، وهي بالحرف الصغير m، والتي آخذة في الظهور ضمن إطار الحركة — أو كما أزعم. ورسالة “الموجة الثانية” هذه، كما أسميها الآن، تتحدى الرسالة الرئيسة بطرق تتسق كثيرا أحيانا مع التحديات التي يطرحها علماء النفس الانساني في هذه الصفحات.

المعنى الأول: الآثار الجانبية السلبية لحركة علم النفس الايجابي — استبداد الاتجاه الإيجابي والرسالة الرئيسة لعلم النفس الايجابي

 

استبداد الاتجاه الإيجابي

في حلقة نقاش بمؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) عام ٢٠٠٠م بعنوان “الفضائل (المهملة) للسلبية”، أعربت هيلد (٢٠٠٢) عن استيائها مما أسمته “طغيان الاتجاه الإيجابي”، وهي مشكلة ترى أنها تسيطر على العقلية الأمريكية المعاصرة. وكانت تعني بذلك أن ثقافتنا الشعبية والآن ثقافتنا المهنية نتيجة للرسالة الانفصالية الرئيسة لبعض المتحدثين باسم حركة علم النفس الإيجابي (على سبيل المثال سليغمان ٢٠٠٢أ،٢٠٠٢ب ؛ سليغمان وشيكسينتميهالي ٢٠٠٠، ٢٠٠١؛ سليغمان وبيترسون ٢٠٠٣؛ سيندر ولوبز وآخرون ٢٠٠٢) أصبحت مشبعة بالرأي القائل أنه واجب علينا أن نفكر في الأفكار الإيجابية، وعلينا أن ننمي الانفعالات والاتجاهات الإيجابية، وأن نوظف نقاط قوتنا حصريا لنغدو سعداء وأصحاء وأذكياء.

       ويكمن طغيان الموقف الإيجابي في كونه يرش الملح على الجرح، بمعنى أنه عندما يشعر الناس بالسوء حيال مصاعب الحياة الكثيرة، ولا يتمكنوا من تجاوز آلامهم بغض النظر عما يبذلونه من جهد في تعلم التفاؤل، فسيشعرون بالنهاية بسوء أكبر؛ سيتملكهم شعور بالذنب أو بالنقص لعدم اتخاذهم الاتجاه (الإيجابي) الصحيح، إضافة إلى ما يعانونه في المقام الاول. هذه نتيجة ممكنة وغير مقصودة للإيجابية الصاخبة، سواء في الأوساط الشعبية أو في أوساط المتخصصين (انظر هيلد ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ص ٩٦٩، ٩٨٦-٩٨٧). ووفقا لحكمة ثقافتنا الشعبية، فإن ما يعاني منه المرء يمكن تجنبه أو على الأقل تخفيفه بالأفكار الإيجابية. هذه الرسالة الشعبية معززة بلا شك بنتائج بحثية كبيرة تثبت بشكل قطعي أن التفاؤل والإيجابية مرتبطان بالصحة وطول العمر، بينما التشاؤم والسلبية على نقيض ذلك. (على سبيل المثال برينان و تشارنيتسكي ٢٠٠٠؛ بيرنس وآخرون ١٩٩٨؛ لارسن و همنيوفر ونويس وكاتشبو ٢٠٠٣؛ بيترسون وبوسيو ٢٠٠١؛ بترسون و سليغمان ويوركو ومارتين وفريدمان ١٩٩٨؛ رايكونن وماثيو وفلوري واونز وغامب ١٩٩٩؛ تايلور وكيمني وريد وباور وغرونوالد ٢٠٠٠). المزيد حول ذلك لاحقا.

 

 

رسالة علم النفس الإيجابي الرئيسة

والتحديات التي تواجهها

إذا كان البحث عن التأثيرات المفيدة للإيجابية قد تم باسم علم النفس الإيجابي، فإن بعض الذين يتحدثون باسم الحركة ينشرون ذلك البحث دون التفاصيل الدقيقة والغموض في رسالتهم الاستقطابية الرئيسة التي تؤكد: الإيجابية جيدة وجيدة لك، السلبية سيئة وسيئة لك. (وفي الواقع ترتكز دعوة سيليغمان إلى علم منفصل ومتميز لعلم النفس الإيجابي على هذا الافتراض الأساسي). وداعاً للفروق الفردية، فمقاس واحد يناسب الجميع. أو هكذا تبدو لي الرسالة الرئيسة – خصوصا كما فصلها سليغمان، والذي أقتبس عنه في الوقت المناسب -، ولكن من الواضح أنه ليس لي فقط: فرسالة بعض أعضاء حركة ناشئة ولا تزال غير مهيمنة (أعتبرهم أعضاء بحكم تأليفهم فصول عن تقدم الحركة في كتب أو أعداد من دورية عالم النفس الأمريكي) تورد أدلة على الحركة الرئيسة يعبرون من خلالها عن عدم الرضى عنها. إن هذا الصوت الملحوظ لكن غير الموحد حتى الآن، يوحي لي بوجود رغبة في رسالة أكثر دقة وتكاملية – أي أقل انفصالية أو وأقل استقطابية -، رسالة تلتقي، ولو بشكل ضمني فقط، ببعض مسلمات علم النفس الإنساني التي ترد في كل عدد من دورية علم النفس الإنساني. انظر التصريحات الآتية التي أدلى بها مؤلفو فصول في كتاب جديد من تحرير أسبينوال وستودنغر بعنوان “علم نفس مكامن القوة البشرية: الأسئلة الأساسية والاتجاهات المستقبلية لعلم النفس الإيجابي” (٢٠٠٣)، ولاحظ الدافع الحواري نحو التكامل[8] والكلية والجدلية والواقعیة والمشارکة والسیاقیة التي جميعها تصف ردود علماء النفس الإنساني تجاه رسالة الاستقطاب[9] المھیمنة الانفصالية لعلم النفس الإیجابي (على سبيل المثال غريننغ ٢٠٠١؛ راثوند ٢٠٠١؛ ريسنيك وآخرون ٢٠٠١، ريتش ٢٠٠١).

يقدم المحرران أسبينوال و ستودينجر في الفصل الخاص بهما (٢٠٠٣) إشعارا مسبقا عن الرسالة الناشئة:

في محاولة تعريف ودراسة مكامن القوة البشرية، من الضروري جدا الاعتراف بالاشتراطات السياقية … وثمة مهمة جوهرية أخرى لعلم نفس مكامن القوة البشرية وهي فهم إمكانية وكيفية اعتماد التجارب الإيجابية والسلبية على بعضهما البعض وعملهما جنبا إلى جنب. وبناء على ذلك، فإنه لا ينبغي أن يُساء فهم الدعوة لدراسة علمية… لـلحالات الإيجابية … على أنها دعوة لتجاهل الجوانب السلبية للخبرة الإنسانية. هذا يعني أن علم نفس مكامن القوة البشرية لا ينبغي أن يكون دراسة لكيفية تجنب الخبرات السلبية أو تجاهلها، بل كيف يمكن أن تكون الخبرات الإيجابية والسلبية متداخلة … وبالفعل، تقترح بعض المناظير الفلسفية أن الإيجابي والسلبي بطبيعتهما يعتمدان على بعضهما البعض، اي بمعنى أن الوجود البشري يبدو أنه يتكون من متضادات أساسية. (ص 14-15).

وسيكون خطأ جسيم الافتراض أن كل ما هو إيجابي جيد … وبدلا من ذلك، فإن توجيه الجهود إلى فهم متى ترتبط المعتقدات الإيجابية بنتائج جيدة، ومتى لا ترتبط بنتائج إيجابية، ولماذا ستؤدي إلى رؤية أكثر واقعية وتوازنا. (ص 18)

وفي فصل بعنوان ”ثلاث جوانب قوة لدى الإنسان“ يقول كارفر وشير (٢٠٠٣):

إن صورة القوة الإنسانية المتمثلة في المثابرة والأداء هي صورة مألوفة … فالالتزام والثقة يتفاعلان ليعززا المثابرة والإصرار، حتى في وجه الشدائد. وتشكل هذه الأفكار حجر الزاوية لجزء كبير مما يسمى “علم النفس الإيجابي” (على سبيل المثال ريف و سينغر ١٩٩٨؛ سليغمان ١٩٩٩؛ سيندر ولوبيز ٢٠٠٢؛ تايلور ١٩٨٩)… وعادة تؤكد مناقاشات تلك النظريات على الإيجابي – وهي الفكرة القائلة بأن الجهد المتواصل يمكن أن يحقق الأهداف المنشودة… وببساطة، هي محاولة تحويل المتشائمين إلى متفائلين… [لكن] الشك والانسحاب هما كذلك يلعبان دورا حاسما في الحياة من خلال الاستسلام. (ص ٨٨-٨٩)

وحتى الاصرار والاستسلام، واللذان يبدوان متناقضان، قد لا يكونا كذلك … إن علم نفس مكامن القوة الإنسانية ليس الا علم نفس الطبيعة البشرية. (ص ٩٨)

وفي فصل بعنوان ”حول فضائل التنشيط المشترك للانفعالات الإيجابية والسلبية“، كتب لارسن وآخرون (٢٠٠٣):

بما أن الانفعالات السلبية تؤثر حقا على النتائج الصحية، فإنه من المفهوم أن التوجهات التقليدية للأبحاث عاملت المشاعر السلبية كشيء ينبغي تفاديه أو على الأقل تقليصه، وذلك بدلا من اجترارها أو الوقوف عليها طويلا … لكن أطروحة هذا الفصل هي أن وضع الإرباك في التنشيط المشترك [للمشاعر الإيجابية والسلبية] قد يسمح للأفراد بفهم الضغوطات، واكتساب السيطرة على الضغوطات المستقبلية، وتجاوز التجارب المؤلمة. (الصفحات ٢١٢-٢١٣).

وعلى الرغم من أن علم النفس الإيجابي قد أصر أن التركيز المحصور على المشاعر السلبية (أي “علم النفس السلبي”) غير كاف، فإن المنظور نفسه يقتضي أن التركيز المحصور على المشاعر الإيجابية قد يثبت هو ايضا أنه غير كاف في نهاية المطاف. (ص ٢٢٢).

وفي فصل بعنوان “مفارقات الحالة البشرية”، ذكر ريف وسينغر (٢٠٠٣):

شهدنا مؤخرا قرع الطبول لصالح علم النفس الإيجابي. وعوتب تخصص علم النفس لتركيزه على أوجه القصور البشرية، وطولب بالاهتمام بمكامن القوة البشرية … لكننا نحن كذلك نؤكد على الحاجة إلى تجاوز الانقسامات الزائفة التي تفصل بين السمات الإيجابية والسلبية للحالة الإنسانية. [ونطالب بتقدير أهمية] الجدليات الحتمية بين الجوانب الإيجابية والسلبية في العيش. (الصفحات ٢٧١-٢٧٢).

إن عافية الإنسان تتمحور أساسا حول دمج هذين الحقلين … وسوف يفي علم النفس الإيجابي بوعده ليس بتحديد ما يُشعر الناس بالرضا والأمل والارتياح فحسب، بل ومن خلال تتبع عمليات أعمق وأكثر تعقيدا … ونقترح أن تحديات “العيش الملتزم” تلك هي جوهر ما يعنيه أن تكون على ما يرام (الصفحات ٢٧٩-٢٨٢).

وأخيرا، وليس آخرا، في فصل بعنوان “ما مشكلة حركة لعلم النفس الايجابي؟” كتب كارستنسن وتشارلز (٢٠٠٣)

قد يتوقع القراء أننا سنكون مسرورين بمشروع علم النفس الإيجابي. إلا أننا نرى مشاكلا بقدر ما نراه من مزايا. فتفكيك الوضع العلمي الراهن وكشف أدلة على أن الافتراضات السلبية قد وجهت الكثير من البحوث أمر، وحمل لافتة لحركة تجبر مؤشر الساعة على التأرجح في الاتجاه الآخر أمر آخر تماما… فالعبرة في ذلك ليست أن لا…تنضم إلى حركة ما تكون أكثر” إيجابية”، إنما بتوليد توصيفا متوازنا للمشاكل ونقاط القوة المرتبطة بالشيخوخة. ولا ينبغي أن يكون هدف علم النفس العلمي إثبات أو نفي الجوانب الإيجابية من الحياة. إنما ينبغي أن يسعى بدلا من ذلك إلى فهم الظواهر النفسية في مجملها…ولا يمكننا أن نقوم بذلك من خلال الانصياع لحركة جدلية للبحث عن الإيجابية… فالواجب على علماء العلوم الاجتماعية دراسة نقاط القوة لدى كبار السن، كما ينبغي عليهم بكل تأكيد فهم مشاكلهم. (ص ٨٢-٨٤).

ورسالة الموجة الثانية/غير الرئيسة الواردة في الاقتباسات المذكورة أعلاه تتظافر مع الرسالة الواردة في الاقتباسات التالية للمساهمين في العدد المخصص لعلم النفس الإيجابي في مجلة علم النفس الإنساني. واقتباس لورا كينغ بشكل خاص جدير بالملاحظة، نظرا لاستلامها جائزة تمبليتون في علم النفس الإيجابي في عام ٢٠٠١:

المنزلق الآخر في التركيز على الخبرة الانفعالية الإيجابية كتعريف أوحد للحياة الجيدة، هو في الميل إلى النظر إلى أي انفعالات سلبية كإشكالية ]يجب تجنبها[. وبالتالي، غالبا ما ينظر إلى خبرات الحزن، والندم، والخذلان كخبرات سلبية، وينبغي أن تجتنب. لكن ما مدى واقعية أن نتوقع صمود الراشدين أمام كل عواصف الحياة بدون ندم أو حسرات متكررة؟ … ورغم ذلك أدى التركيز على تضخيم الوجدان الايجابي وتحجيم الوجدان السلبي إلى رؤية الشخص السعيد كقلعة محصنة تماما ومنيعة في وجه تقلبات الحياة … ولربما بتركيزنا الكبير على العافية الذاتية أضعنا حقيقة التناقض الذي يسم بشكل ما الحياة الجيدة (كينغ ٢٠٠١ ص ٥٣-٥٤).

وعلم النفس الإنساني هو أيضا غير ثنائي. فمن منظوره الكلي، يرى أن استقطاب علم النفس إلى “جيد” و “سيئ” يقسم كمال المفارقة إلى نصفين… وبالتالي يفقد رؤية تعقيد الظاهرة وتفاصيلها الدقيقة. إن علم النفس الإنساني الكلي يدرك بأن الجيد أو الإيجابي يستمد معناه من علاقته الحوارية بـ”السيئ” أو ”السلبي”. (ريسنيك وآخرون ٢٠٠١ ص ٧٧)

وإذا أخذنا جميع الاقتباسات المذكورة أعلاه من كتاب أسبينوال وستودينغر (٢٠٠٣) إجمالا كرسالة يمكن تمييزها، فقد نميل للتفكير (بتفاؤل) بأن التقارب الذي دعا إليه بعض علماء النفس الإنسانيين (رثوند ٢٠٠١؛ ريسنيك وآخرون ٢٠٠١؛ ريتش ٢٠٠١) في متناول اليد [١]. شخصياً أنا لست متفائلة كثيرا، خصوصا وأن قادة علم النفس الإيجابي سليغمان وبيترسون (٢٠٠٣) كررا التأكيد على الرسالة الرئيسة للحركة بكل خطابها الانفصالي/الاستقطابي، وذلك في فصلهما (الذي كان بعنوان “علم النفس الإيجابي العيادي”) في كتاب أسبينوال و ستودينغر (٢٠٠٣أ)، حيث قالا”

إن علم النفس الإيجابي، كما نراه، يتكون من ثلاثة أجزاء مكونات: دراسة الخبرة الذاتية الإيجابية، ودراسة السمات الفردية الإيجابية، ودراسة المؤسسات التي تُمكّن الأولى والثانية (سليغمان وشيكسينتميهالي ٢٠٠٠). وسنناقش في هذا الفصل التغيرات المحتملة لعلم النفس الايجابي والذي إذا نجح بأن يصبح منهجا مستقلا داخل العلوم الاجتماعية، فمن المرجح أن يقضي على مجال علم النفس العيادي. (ص ٣٠٥)

 

وقد عززت الصحافة المهنية مثل موقع  “APA أونلاين” و “المراقب على علم النفس” و”عالم النفس الأمريكي” الرسالة الرئيسة (ليس أقلها عن طريق الإعلانات عن الفائزين بجائزة تمبلون لعلم النفس الايجابي). وكذلك عززت تغطية الصحافة العامة العريضة علم النفس الإيجابي، حيث ظهرت على سبيل المثال حركة علم النفس الإيجابي على غلاف عدد ٣ سبتمبر ٢٠٠١، من ”يو اس نيوز“ و”وورلد ريبورت” وعدد ١٦ سبتمبر ٢٠٠٢ من ”نيوزويك. ويبدو أن تغطية الصحافة المهنية ليس من باب الصدفة: كما تحدث عن ذلك بجرأة يوجين تايلور (٢٠٠١) عندما قال: “سيليغمان يدعو الى العلم ولكنه يعتمد على الدعم العام من خلال منصبه المرموق في الجمعية الأمريكية لعلم النفس” (ص ٢٦). وفي الوقت المناسب، سأعرض المزيد من الأمثلة على التغطية الصحفية. لكن لاحظ الآن أنه في صفحة العلوم في صحيفة نيويورك تايمز في ١٩ نوفمبر ٢٠٠٢، نشر مقال بعنوان “قوة التفكير الإيجابي تتسع لتشمل، كما يبدو، الشيخوخة”. وكلمة ” كما يبدو” هي تلميح؛ رغم أن المرء لن يخمن أبدا من هذا العنوان الرئيسي أن حوالي نصف المقال مخصص لأبحاث بنتائج معاكسة: على سبيل المثال، “البهجة … ارتبطت بعمر أقصر من المتوسط” (دراسة للدكتور هوارد فريدمان)، ”واحتمالية اصابة المتشائمين المسنين بالاكتئاب أقل من المتفائلين“ (دراسة للدكتور ديريك اسحاقويتز)، “والمشاكسة … وُجد أنها سمة وقائية بين كبار السن … أولئك الذين كانوا مشاكسين ومجادلين مع موظفي التمريض عاشوا لفترة أطول من أولئك الذين لم يكونوا كذلك” (دراسة للدكتور مورتن ليبرمان).

 

       هل من الإنصاف أن نحمل أعضاء الحركة البارزين مسؤولية طريقة عرض الصحافة لرسالتهم؟ أعلم انه لا يوجد أي اعتراض منهم على أي تغطیة صحفیة، علی الرغم من أن البعض قد یحاول تخفیف النبرة “الاستبدادية” للرسالة المھیمنة من خلال الادعاء بأن العلم الذي يدعمها ليس إلا وصفي، ولیس توجيهي (على سبيل المثال أسينوال وستودينغر ٢٠٠٣ب ص ١٨؛ سليغمان ٢٠٠٢أ ص ١٢٩-٣٠٣). قيل هذا على الرغم من الميول التوجيهية لسيليغمان (٢٠٠٢أ ص١٢٩ و٣٠٣). وعلى أية حال، عبر سنيدر ولوبيز وآخرون في الفصل الأخير من مرجع في علم النفس الإيجابي (٢٠٠٢) عن انزعاجهم إزاء الضجيج الإعلامي:

في خضم الإثارة التي قد ترتبط بهذا النهج الجديد المنعش، قد يكون من المغري المبالغة في التعميم بغية خلق شعور بالتقدم الذي يتم إحرازه. وقد يكون هذا أكثر إمكانية عندما يقوم شخص من المحيط الإعلامي الإخباري تقريبا بوضع الكلمات في أفواهنا عن الاكتشافات المزعومة والتطورات الذي حدث. وعلى النقيض من عقلية “القفزة“ هذه، فإن العلم يتقدم عادة في سياق زيادات بطيئة تدريجية في المعرفة. وبالتالي … ينبغي على الباحثين أن يحرصوا على الوصول إلى استدلالات تتناسب مع بياناتهم أو شواهدهم. فالادعاءات التي تتجاوز البيانات غير مناسبة أبدا، ويمكنها أن تسيء إلى مصداقية أي حقل جديد. فعندما يقدم أحد علماء النفس الإيجابيين ادعاء لا مسوغ له، فإن هذا يزعزع موثوقية علماء النفس الإيجابيين و”الحركة” بشكل أعم. وعليه، فإنه يلزمنا أن نراقب بعناية زملائنا وأنفسنا كذلك. (ص ٧٥٤-٧٥٥).

أي من علماء النفس الإيجابي قدموا ادعاءات غير مبررة؟ لم يذكر المؤلفون أحدا بعينه، ولكن يبدو أن لديهم بعض الأسماء في أذهانهم. على الأقل، يبدوا أنهم مهمومون بذلك.

       ومع ذلك، فإن كتاب اسبينوال وستودنغر يفتح باب الأمل في أن في الأفق تجسيدا للحركة اقل انفصالية. وفي فصول أسبينوال وستودنغر، وكارستنسن وتشارلز، كانتور وكارفر وشير وريف وسينغر ولارسن وآخرون، جميعهم يجدون فضيلة في إعطاء السلبية من نوع أو من آخر حقها من الاهتمام – مثل رؤية قيمة في التركيز على المشاكل كما على نقاط القوة، أو في التشاؤم (الدفاعي)، أو في الاستسلام، أو في التنشيط المتزامن للمشاعر الإيجابية والسلبية. هؤلاء الكتاب ناقدين للرسالة الرئيسة، كما بينت الاقتباسات التي عرضت آنفا. لكن في نظري أن رسالتهم الأكثر دقة ليست كما الرسالة الرئيسة للحركة، على الأقل ليس بعد: على سبيل المثال، في كتابه السعادة الحقيقية، سليغمان (٢٠٠٢أ) نفسه يجد فائدة قليلة في الخبرة السلبية؛ فهو هنا لا يزال يحافظ على موقف يفتقر إلى الدقة، وهو موقف سأناقشه في الوقت المناسب. وهكذا، لا يزال هناك سؤال جوهري لبعض علماء النفس الايجابي سؤالا فنيا: كيف تجعل من يميل إلى السلبية (بواسطة الطبيعة أو التطبع أو كلاهما) ينمي مزيدا من الإيجابية – لصالحه. لكن يبدو أن بعض علماء النفس الإيجابيون يجدون أحيانا صعوبة في تطبيق نصيحتهم هم. فكما ذكر تايلور (٢٠٠١) في إطار مناقشة إقصاء سيليغمان الحالي لعلم النفس الإنساني (انظر غريننغ ٢٠٠١ ص ٤، سليغمان ٢٠٠٢أ و ٢٠٠٢ب، سليغمان وشيكسينتمهالي ٢٠٠٠ و٢٠٠١) “قد يكون على سليغمان أن ينمي اتجاها أكثر إيجابية تجاه ذات الحركة التي يرغب في إقصاءها” (ص ٢٧). وفي استعراضه لمرجع علم النفس الإيجابي، لخص بدقة ماهلن بروستر سميث (٢٠٠٣) السلبية التي يمكن ان توجد في علم النفس الإيجابي: “إن جزءا كبيرا من رسالة علم النفس الإيجابي سلبي” (ص ١٦٠).

المعنى الثاني: سلبية علماء النفس الإيجابي

أنا أسير نحو الاعتقاد بوجود جانب مظلم كامن في حركة علم النفس الإيجابي – ظل من نوع ما – وعائد إلى فشلها في الاعتراف بسلبيتها (ذاتها). ونظرا لإثبات “فضائل السلبية (المسكوت عنها)” من قبل منتقدي علم النفس الإيجابي أولا (هيلد وبوهارت ٢٠٠٢) والآن من قبل رسالة الموجة الثانية من داخل صفوف حركة علم النفس الإيجابي (على سبيل المثال أسبينوال وستدوينغر ٢٠٠٣ب، كارستنسن وتشارلز ٢٠٠٣، كارفر وشاير ٢٠٠٣، كينغ ٢٠٠١، لارسن وآخرون ٢٠٠٣، ريف وسينغر ٢٠٠٣)، فإن هذا ليس سيئا بالضرورة. فالسلبية هي في الأخير جانب طبيعي وتكيفي أحيانا في الطبيعة الإنسانية، وعليه فإن السلبية حتى في علماء النفس الإيجابي يمكن أن يقال أن لها محاسنها. السؤال الحري بالطرح هو: ما الأمور التي يكون بعض علماء النفس الإيجابي سلبيين حيالها أو فيها؟ من المؤكد أن البعض سلبي إزاء السلبية ذاتها. والبعض كذلك سلبي فيما يتعلق بالنوع الخاطئ من الإيجابية. سأسمي هذين على التوالي كما يلي: “النوع الأول من السلبية” “والنوع الثاني من السلبية”.

النوع الاول من السلبية: السلبية تجاه السلبية ذاتها

في الظاهر، يبدو أن علماء النفس الإيجابي البارزين  يحملون آراء متوازنة تجاه الإيجابية والسلبية. ففي كتاب التفاؤل المتعلم، يقول مارتن سليغمان (١٩٩٠) ينبغي على المرء ألّا يكون “عبدا لاستبداد التفاؤل … علينا أن نكون قادرين على استخدام إحساس التشاؤم العميق بالواقعية عند الحاجة إليه“ (ص ٢٩٢). ويذكر سليغمان في كتاب السعادة الحقيقية (٢٠٠٢) “يسعى علم النفس الإيجابي إلى تحقيق التوازن الأمثل بين التفكير الإيجابي والسلبي” (ص ٢٨٨- ٢٨٩). وأفاد مؤخرا بأنه بين كبار السن “قد يكون المتفائلون بتطرف أكثر استعدادا لأعراض الاكتئاب من المتشائمين عندما يواجهون أحداث حياة سلبية” (اسحاقويتز وسليغمان ٢٠٠١ ص٢٦٢). كما حذر كريستوفر بيترسون (٢٠٠٠) من مخاطر التفاؤل غير الواقعي أو الأعمى، ويؤكد أن “الناس يجب أن يكونوا متفائلين عندما يمكن تغيير المستقبل بالتفكير الإيجابي وليس العكس” (ص ٥١) وقالت ليزا أسبينوال: “من السابق لأوانه – وعلى الأرجح من الخطأ – القول بأن جميع الاعتقادات والحالات الإيجابية صحية“ (سيندر ولوبيز وآخرون ٢٠٠٢ ص٧٥٤). وقالت لاحقا:

ينطوي تحذير ثاني [في تطوير علم نفس نقاط القوة الإنسانية] على إمكانية وجود مواقف وسياقات تكون فيها السمات أو الأساليب التي تعمل كنقاط قوة في محيط معين تكون عوائق في محيط آخر، والعكس صحيح … فعند بعض الناس وفي بعض الثقافات غير الغربية… وٌجد أن التشاؤم يكون تكيفيا وليس تعطيليا، وذلك لكونه يعزز حل المشكلات النشط. (أسبينوال وستودينغر ٢٠٠٣ب ص١٨).

بالرغم من هذه إيماءات الموافقة للسلبية (والاعتراف بحدود الإيجابية)، عندما أعلن سليغمان في ”المونيتور“ أن حركة علم النفس الإيجابي“ لا تحل محل العلوم الاجتماعية السلبية وعلم النفس السلبي، التي هي مشاريع مزدهرة أؤيدها” (كوغان ٢٠٠١ ص٧٤), فإن تعهده بالمساندة فشل في تأكيد الطمأنة. أولا، إن دعمه المعلن لما يسمى بعلم النفس السلبي ليس مثل رؤية فضائل في خبرة الأحداث السلبية وفي التعبير عن الأفكار والمشاعر السلبية، وهي فضائل شهد بها عدد من المؤلفين في كتاب أسبينوال وستودينغر (٢٠٠٣)، الذين فيما يبدو يبحثون عن منحى أكثر جدلية لعلم النفس الإيجابي. ولا يمكن أن يرى سليغمان فضيلة في خبرة سلبيات الحياة أو التعبير عنها، وهو الذي يلتزم برسالة الحركة الرئيسة غير الجدلية في فصله من نفس الكتاب: “المشاعر الإيجابية تُبطل المشاعر السلبية. ففي المختبر، الأفلام التي تحفز المشاعر الإيجابية تتسبب سريعا بتبديد المشاعر السلبية (فريدريكسون ١٩٩٨)” (سليغمان وبيترسون ٢٠٠٣ ص ٣٠٦). قارن هذه الرسالة بتلك التي وردت في فصل لارسن وزملاؤه (٢٠٠٣)، الذين أكدوا على استقلالية النظم الانفعالية الإيجابية والسلبية (سليغمان نفسه يقر بهذا في موضع آخر [٢٠٠٢، ص ٥٦-٥٧])، وعلى حاجتنا إلى تحقيق التوازن الأمثل في التنشيط المشترك للنظم الانفعالية الإيجابية والسلبية للحصول على نتائج صحية وتعايشية نافعة عند مواجهة مصادرالضغوط.

       في كتاب السعادة الحقيقية، يعزز سليغمان (٢٠٠٢) آراءه السلبية تجاه السلبية، بما في ذلك التشاؤم (الدفاعي) و/أو الانفعالات السلبية التي يجد فيها أسبينوال وستودينجر وكانتور ولارسن وآخرون فضيلة. على سبيل المثال، يقول: “التشاؤم غير تكيفي في معظم المساعي … لذا، المتشائمون خاسرون على عدة جبهات” (ص ١٧٨). “المشاعر الإيجابية… لها نتائج مثرية، وبانية، ودائمة. وعلى عكس المشاعر السلبية التي تحصر إمكاناتنا في محاربة التهديد المباشر، تعزز المشاعر الإيجابية النمو“ (ص ٢٠٩)؛ ويقول أيضا، “الاكتئاب يهبط بسهولة في دوامة نازلة، لأن المزاج المكتئب يجعل الذكريات السلبية تتبادر إلى الذهن بسهولة أكبر. وهذه الأفكار السلبية بدورها تؤدي إلى مزاج أكثر اكتئابا، وهو بدوره يسهل الوصول إلى الأفكار السلبية، وهكذا“ (ص ٢١٠). ويواصل تأكيد وجود “دوامة صاعدة من المشاعر الإيجابية” (ص ٢١٠-٢١١). وعلى النقيض من ذلك، يقول لارسن وزملاؤه (٢٠٠٣) إن علينا الاحتفاظ بالمشاعر والذكريات السلبية للأحداث السلبية في الذاكرة العاملة وقتا كافيا لتنظيمها ودمجها، وهو ما قد يمكّن الأفراد من ”تجاوز الخبرات الصدمية” و”تحويل الشدائد إلى مصالح/حسنات” (ص٢١٣). وهذا يبدو لي كإمكانية النمو بتوظيف السلبية التي ينكرها سليغمان مرارا وتكرارا.

علم النفس الصحة وطول العمر. إن إحدى “الأوراق الرابحة” لحركة علم النفس الايجابي هي العلاقة الإمبريقية بين العاطفة والاتجاهات الإيجابية من جهة، والصحة/طول العمر من جهة أخرى. حقا، كما هو موضح مسبقا، يشكل هذا المبحث إحدى ركائز الرسالة الرئيسة للحركة: الإيجابية جيدة (لك)، والسلبية سيئة (لك). حتى لارسن وزملاؤه (٢٠٠٣)، في إقامة حجتهم لتأكيد فوائد التنشيط المشترك للمشاعر الإيجابية والسلبية للصحة والصحة العقلية، يقولون إن ”أكثر مباحث علم النفس الإيجابي إثارة للإعجاب هو المبحث الذي اختبر التأثيرات المفيدة للتفاؤل على الصحة والعافية“ (ص ٢١٩). وعلى سبيل المثال، ذكر مقال بصحيفة “مونيتور“ أن باربرا فريدريكسون، الفائزة بجائزة تيمبليتون لعلم النفس الإيجابي في عام ٢٠٠٠، وجدت أن “المشاعر الإيجابية تساعد على إبطال الآثار الحاسمة الضارة للمشاعر السلبية على نظام القلب والأوعية الدموية” (عازار، ٢٠٠٠) وأعلن بيان صحفي للجمعية الأمريكية للطب النفسي على الانترنت (Psychologists Receive، 2002) بأن سوزان سيغرستروم فازت بجائزة تمبلتون الكبرى في عام ٢٠٠٢، والتي وجدت أن “المعتقدات والميول المتفائلة” ترتبط “بتنشيط الجهاز المناعي”. وهنا لا نجد أثرا لرسالة الموجة الثانية التكاملية، كتلك التي قدمها لارسن وزملاؤه (٢٠٠٣). ومن الأمثلة على الصحافة العامة العنوان التالي من صحيفة “ماين صنداي تيليغرام” (٢٧ فبراير ٢٠٠٠): “أكثر سعادة أوفر صحة: المتفائلون يعيشون لفترة أطول، والتفاؤل يمكن أن يُنمى“. وتذكر النص الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز (١٩ نوفمبر ٢٠٠٢) بعنوان “قوة التفكير الإيجابي تتسع لتشمل كما يبدو الشيخوخة”.

       من أبرز النتائج الملحوظة التي توصل إليها فريق البحث التابع لفريق شيلي تايلور: التفاؤل غير الواقعي يتنبأ بعمر أطول. وفقا لتايلور وزملاؤها (٢٠٠٠):

الرجال المثليين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية المتفائلين بشكل غير واقعي بشأن مسار العدوى كانوا أفضل تكيفا وتعايشوا بشكل فعال مع وضعهم أكثر من أولئك الذين كانوا أقل تفاؤلا … الاعتقادات التفاؤلية بشكل غير واقعي ترتبط لاحقا بعمر أطول نسبيا. (الصفحات ١٠٢-١٠٣)

وبذلك فإن التفاؤل يحظى بالتأييد، وتحديدا التفاؤل غير الواقعي. (سنذكر المزيد حول واقعية التفاؤل لاحقا) وهذا كما يقول الفيلسوف التأويلي تشارلز غويغنون (٢٠٠٢)، مثال جيد على توظيف استراتيجية معينة لتسويغ ادعاءات قيمية، مثل:

طرح منظومة من المنافع أو الأهداف المحايدة أخلاقيا، مثل الصحة البدنية، أو الحياة الأطول أو المشاعر الذاتية بالعافية، ثم محاولة إثبات أن السمات المثالية المعنية تفضي إلى تحقيق تلك الأهداف أو الحفاظ عليها … وبالتالي يهدف قدر كبير من البحوث حول سمات التفاؤل والأمل والإيثار … إلى تأكيد وجود نتائج مُعَرفة بوضوح ومقاسة بدقة ناتجة من هذه السمات. (ص ٩٠).

مما لا شك فيه إن المياه أعمق مما تبدو، فهناك كذلك أبحاث تناقض الرابط المدعم جيدا بين الإيجابية والصحة/طول العمر. ولقد سبق وأن تطرقنا إلى “نموذج التنشيط المشترك للمعايشة الصحية” للارنين وزملاؤه (٢٠٠٣، ص ٢١٧). والمثال الآخر اكتشاف هيبلز وبيبر وبليزر (٢٠٠٢) بأن النساء الأكبر سنا المكتئبات قليلا (أي لديهن مستوى منخفض من الاكتئاب) هن أكثر قابلية للعيش لفترة أطول من النساء اللواتي لا يعانين من اكتئاب أو اللاتي يعانين من اكتئاب عالي المستوى (p=.002). ولم توجد هذه العلاقة في عينة الرجال. إلا أن فريدمان وزملاؤه (١٩٩٣) استخدموا مجموعة بيانات من دراسة طولية قام بها ل. م. تيرمان مدتها سبعة عقود بدأت في عام ١٩٢١ (ترمان أند أودن، ١٩٤٧)، وذكروا بأن الناس (وخاصة الرجال) الذين كانوا ملتزمون بما تمليه عليهم ضمائرهم عندما كانوا أطفالا يعيشون لفترة أطول، بينما من كانوا أطفالا مرحين (معروفون بالتفاؤل وروح الفكاهة) توفوا أصغر سنًا (انظر أيضا مارتين وآخرين ٢٠٠٢). إضافة إلى ذلك، أكد فريدمان وزملاؤه (١٩٩٣) على أهمية مراعاة الفروق الفردية محذرين من ”الإفراط في تعميم نتائج الدراسات قصيرة المدى للمعايشة على أساليب الاستجابة طويلة المدى (مدى الحياة). بدلا من ذلك، قد يقدم تحليل تحديات معينة يواجهها أفراد معينون خلال حياتهم معلومات أفضل حول ما يعنيه أن يكون الأشخاص أصحاء (ص ١٨٣). وحتى عالمي النفس الإيجابيين ديفيد واتسون وجيمس بينباكر (١٩٨٩) شككا في العلاقة بين الإيجابية والصحة/طول العمر عندما قالا إن الناس الذين لديهم ارتفاع في “سمة الوجدان السلبي”

يشتكون من أحاسيس الذبحة الصدرية ]نوبات ألم واختناق[ لكن لا يظهر عليهم أي دليل على ارتفاع خطر أو مرض في الشريان التاجي. ويشتكون من الصداع لكنهم لا يذكرون أي زيادة في استخدام الأسبرين … وبوجه عام، يشتكون من وضع صحتهم لكن لا تظهر أدلة قوية على سوء الصحة أو ارتفاع في الوفيات. (ص ٢٤٤).

وفي ظل الكم الهائل من البيانات التي تربط أشكالا مختلفة من الإيجابية بالصحة وطول العمر (والسلبية بالمرض)، سيكون من الغباء تضخيم أهمية هذه النتائج المناقضة غالبية الأدلة، إلا إن كان للتساؤل عن كيفية تعامل المتحدثين باسم حركة علم النفس الإيجابي مع هذه الأدلة المناقضة. ما أعنيه هنا هو إن نتائج مثل هذه لا تصبح جزء من الرسالة الرئيسة، والتي يبدو لي ولآخرين أنها تتحاشى النزعة الحوارية المتضمنة في رسالة الموجة الثانية الأكثر دقة/جدلية كما في ردود بعض علماء النفس الإنساني على الرسالة الرئيسة. علاوة على ذلك، إذا كان طول العمر كما يشير غويغنون (٢٠٠٢)، هو معيار علماء النفس الايجابي لأهمية تنمية ميول معينة، فعند إذن ينبغي على علماء النفس الإيجابي أن يأخذوا هذه البيانات الجديدة على محمل الجد. لكن مع سلبية سيليغمان تجاه السلبية، سأندهش لو رشح هيبلز وزملاؤه (٢٠٠٢) أو فريدمان وزملاؤه (١٩٩٣) لجائزة تمبليتون في علم النفس الإيجابي لاكتشافهم أن بعض أشكال السلبية، أو على الأقل غياب الإيجابية، قد يكون يسهم في طول العمر.

أساليب المعايشة: حالة التشاؤم الدفاعي. تطرح جولي نوريم (٢٠٠١أ ، ٢٠٠١ب) في عدد من مقالاتها البحثية، وفي كتابها “القوة الإيجابية للتفكير السلبي” أدلة قوية على فوائد استراتيجية المعايشة التي تعرف باسم “التشاؤم الدفاعي”. يخفض المتشائمون الدفاعيون تطلاعاتهم بشكل غير واقعي، ويفكرون مسبقا في كيفية حل المشاكل المحتملة للمهام الشاقة. والأهم من ذلك، وجدت نوريم أن التشاؤم الدفاعي يمكن أن يعمل على تعزيز أداء المهام لأولئك الذين يعانون من القلق المضني. وبياناتها حاسمة: إن محاولة جعل المتشائمين الدفاعيين يعملون مثل المتفائلين الاستراتيجيين، الذين يرفعون تطلعاتهم ويفضلون عدم التفكير في المشاكل المحتملة، يُضعف أداء المتشائمين الدفاعيين، كما لو تحاول أن تجعل المتفائلين الاستراتيجيين يعملون مثل المتشائمين الدفاعيين. وباختصار، لا يوجد مقاس واحد يناسب الجميع. ولأن المعايشة البناءة تمثل أحد الاهتمامات المزعومة لحركة علم النفس الإيجابي، قد يتوقع المرء أن يحتفل علماء النفس الإيجابي بالاكتشاف الكبير الذي توصلت اليه نوريم باعتبارها مساهمة إيجابية في المعايشة. لكن الاحتفال صعب أن يكون جزءا من استجابتهم لذلك.

       وبدلا من ذلك، ما حدث غالبا هو إما تجاهلها – فهي حتى لا تذكر أو يشار إليها، دع عنك إعطاءها فصلا في مرجع علم النفس الإيجابي (سنايدر و لوبيز، ٢٠٠٢) – أو قد أنها استبعدت صراحة. على سبيل المثال، يتحدث كارفر وشاير (٢٠٠٢) وواتسون (٢٠٠٢) في المرجع عن إمكانية تغيير أصحاب الطباع السلبية (سواء الناجمة عن الجينات أو البيئة المبكرة، أو كلاهما). ويدعو واتسون إلى التركيز الموجه نحو الخارج – الفعل بدلا من التفكير، وإدراك أهدافنا كأهداف مهمة، وفهم دورات الطاقة والخمول التي نواجهها جميعا (ص ١١٦). وينصح كارفر وشاير ممارسي العلاج الذهني السلوكي بتركيز الانتباه على ما في عقول الأفراد المتشائمين من “الأفكار التلقائية” “السلبية بشكل غير مبرر” واللاعقلانية، ثم تحديها، وإزالتها (ص ٢٤٠). وكما يقولان، “بمجرد عزل الاعتقادات [المتشائمة] فإنه يمكن تحديها وتغييرها“ (ص ٢٤٠). (هذا بالرغم من أنه يبدو أن كارفر وشاير، ٢٠٠٣، يشككان أيضا في “محاولة تحويل المتشائمين إلى متفائلين” [ص ٨٩]). ومع أن التشاؤم الدفاعي لنوريم قد ثبت بشكل موثوق أنه استراتيجية معايشة بناءة؛ إلا أن كارفر وشاير يميلان إلى الرد بالإيجاب على سؤالهما “هل التفاؤل دائما أفضل من التشاؤم؟” (ص ٢٣٩). مع أنهما هنا كما يبدو، ولكي نكون منصفين، يتحدثان عن التشاؤم الطبعي (الذي يكون كالسمة شخصية) وليس التشاؤم الدفاعي (وهو استراتيجية مجال محدد لمعايشة القلق). (ومع ذلك، التشاؤم الطبعي والتشاؤم الدفاعي- مرتبطان بدرجة متوسطة، وفقا لنوريم، ٢٠٠١). وفي مقال سابق، اعترف شاير وكارفر (١٩٩٣) بشكل مؤكد أن “التشاؤم الدفاعي ينجح فعلا“، حيث أن المتشائمين الدفاعيين يؤدون أفضل من “المتشائمين الحقيقيين [أي المتشائمون الطبعيون] الذين تنبني توقعاتهم السلبية على خبرات الفشل السابقة“ (ص ٢٩). لكنهما ذهبا أيضا إلى القول بأن “التشاؤم الدفاعي لا يعمل بشكل أفضل من التفاؤل”، وله ”تكاليف خفية”: “الناس الذين يستخدمون التشاؤم الدفاعي يذكرون أعراض نفسية أكثر لديهم على المدى القصير ، وجودة حياة أقل على المدى الطويل من المتفائلين. وتثير هذه النتائج تساؤلات مهمة حول القيمة التكيفية للتشاؤم الدفاعي” (ص ٢٩).

       تعترف نوريم بلا تردد أن هناك مكاسب وتكاليف للتفاؤل الاستراتيجي وبالمثل للتشاؤم الدفاعي (نوريم، ٢٠٠١؛ نوريم و تشانغ، ٢٠٠٢). لذا قد نسأل لماذا تعتبر سلبيات التشاؤم الدفاعي سلبيات حقيقية، بينما يُغَض الطرف عن سلبيات التفاؤل الاستراتيجي من قبل علماء النفس الإيجابي الذين يقارنون التشاؤم الدفاعي بالتفاؤل الطبعي بدلا من مقارنته بالتفاؤلالاستراتيجي، وهذا على ما يظهر أن شاير وكارفر يفعلانه في اقتباساتهما الواردة أعلاه. فمن الواضح أخيرا أن مقارنة التشاؤم الدفاعي بالتفاؤل الاستراتيجي هي المقارنة الأنسب، وذلك لأن مفاهيم نورم محددة بمواقف أكثر من أنها طباع. أيضا، وبغية في تقدير محاسن التشاؤم الدفاعي، تقول نوريم وتشانج (٢٠٠٢) إن علينا أن نعترف بوجود سمة (أو طبع) القلق الذي يسبق استخدام التشاؤم الدفاعي. أي على الرغم من أن “المتفائلين الاستراتيجيين يميلون إلى كونهم أكثر رضا وفي مزاج أفضل من المتشائمين الدفاعيين” إلا أنه من الخطأ “أن نستنتج أن التفاؤل الاستراتيجي أفضل بشكل قاطع من التشاؤم الدفاعي، حتى لو أن المتشائمين الدفاعيين غالبا يؤدون أداء جيدا”، وذلك لأن هذا الاستنتاج “يتجاهل النقطة الحاسمة التي مفادها أن الأشخاص الذين يستخدمون التشاؤم الدفاعي عادة يكونون في حالة قلق عالي” (ص ٩٩٦). ولكل ذلك، فإن نوريم وتشانغ توكدان إنه علينا “مقارنة المتشائمين الدفاعيين بالأشخاص القلقين لكن لا يستخدمون التشاؤم الدفاعي” (ص ٩٩٧). وعندما قامت نوريم وتشانغ بتلك المقارنة، وجد أن

المتشائمين الدفاعيين يحققون مستويات أعلى في تقدير الذات والرضا بمرور الوقت، ويؤدون أداء أكاديميا أفضل، ويكونون شبكات صداقة أكثر دعما، ويحرزون تقدما أكبر في أهدافهم الشخصية مقارنة بالطلاب القلقين الذين لا يستخدمون التشاؤم الدفاعي … ويلتقي هذا البحث مع البحث الذي يقارن التفاؤل الاستراتيجي والتشاؤم الدفاعي ليشير بقوة إلى أن إزالة التشاؤم الدفاعي ليس هو السبيل الصحيح لمساعدة الأفراد القلقين. (ص ٩٩٧)

ورغم ذلك، فإنه يبدو لي أن إزالة التشاؤم الدفاعي هو ما يلمح إلى شاير وكارفر (١٩٩٣، ص ٢٩)، مما يتفق مع روح الرسالة الرئيسة.

       ومع كل ذلك، يوجد سبب يدعو للتفاؤل في رسالة الموجة الثانية الأكثر تكاملية وأقل إقصائية: فقد ضمن المحررين أسبينوال وستاودينغر (٢٠٠٣) فصلا لنانسي كانتور (٢٠٠٣)، ذكرت فيه فوائد التشاؤم الدفاعي والذي بحثت فيه مع جولي نورم. لكن مع ذلك، مازال علماء النفس الإيجابي، المستمرون في نشر الرسالة الرئيسة الاستقطابية التي يعترض عليها بحق علماء النفس الإنسانيون (مثل ريسنيك وآخرون، ٢٠٠١، ص ٧٧)، يدعمون استخدام العلاج الذهني لتحدي وتغيير ما يزعم أنه لدى المتشائمين من أفكار تلقائية سلبية وغير واقعية. ويدعو سيليغمان (٢٠٠٢) بنفسه إلى “الطريقة الموثقة جيدا لبناء التفاؤل التي تتمثل في الاعتراف بالأفكار التشاؤمية ومن ثم نقاشها“ (ص ٩٣): ويقول “إن الطريقة الأكثر إقناعا في جدل وتحدي الاعتقاد السلبي هي توضيح أنها حقيقة خطأ. فمعظم الوقت سيكون لديك حقائق في صفك، إذ أن ردود الفعل المتشائمة للشدائد غالبا جدا هي ردود فعل مبالغ فيها“ (ص ٩٥). لكن ماذا عن الأفكار الإيجابية غير الواقعية (التلقائية) لدى المتفائلين؟ (سنناقش هذا أكثر في القسم التالي). إن هذه ليست هدف التحدي عند علماء النفس الإيجابي. في الواقع إن سليغمان يمجد فضائل “الأوهام الإيجابية” (ص ٢٠٠)، نظرا لمردوداتها الصحية: “إن [وظيفة علم النفس الإيجابي] هي وصف تبعات هذه السمات (على سبيل المثال، يؤدي التفاؤل إلى اكتئاب أقل، وصحة جسدية أفضل، وإنجاز أكبر، وربما بتكلفة أقل واقعية“ (ص ١٢٩). ولذلك يتضح من هذا أن واقعية الأفكار ليست العامل الحاسم في هذه المسألة. مع أن علماء النفس الإيجابي من جميع المشارب يتباهون بالتزامهم بالعلم الصارم، وبكل الواقعية والموضوعية التي يضفيها هذا العلم على مزاعمهم. إضافة إلى ذلك، يجد سليغمان أن “توجه الواقعية“ في المعرفة اليومية أمر جيد، على الرغم من ترويجه بحماس لقوة الأوهام الإيجابية (ص ١٤٢). ولذلك يبدو أن هناك غموض حول الواقعية نفسها عند علماء النفس الإيجابي، أو كما سأسميها الآن: “مشكلات الواقع“.

النوع الثاني من السلبية: السلبية حول النوع الخاطئ

من الإيجابية: “الإيجابية غير العلمية”

ومشكلات الواقع” لدى علم النفس الإيجابي

تهمة الإيجابية غير العلمية واستجابة علماء النفس الإنساني. يبني علماء النفس الإيجابي سعيهم نحو الإيجابية على أساس علم نفس حديث/تقليدي – بكل ما تحمله الواقعية العلمية والموضوعية من  مسوغات وإيمان راسخ. فكما يُعرف شيلدون وكينغ (٢٠٠١) في مقدمة القسم الخاص بعلم النفس الإيجابي في دورية عالم النفس الأميركي ”[علم النفس الإيجابي]” ما هو إلا دراسة علمية للقوى والفضائل البشرية العادية“ (ص ٢١٦) [٢]. ويشبهان علم النفس (الإيجابي) بغيره من “العلوم الطبيعية والاجتماعية” (ص ٢١٦). ويقول سليغمان في الفصل التمهيدي من دليل علم النفس الإيجابي (٢٠٠٢): “[علم النفس الإيجابي] يحاول تطويع أفضل ما في المنهج العلمي لحل المشاكل الفريدة التي يظهرها السلوك البشري بكل تعقيداته” (ص ٤). في كلا الاقتباسين هناك تقديم صريح لعلم النفس (الإيجابي) بمصطلحات تقليدية. فلا وجود، على سبيل المثال، لأي معان خاصة ضد-واقعية/ضد-موضوعية أو ما بعد حداثية لعلم النفس (الايجابي).

       لكن إقصاء علماء النفس الإيجابي المشهور الآن لحركة أخرى تقوم على الإيجابية، لفشلها كما يزعمون في اكتساب الأرضية العلمية، يوضح هذه المسألة. ففي مقالتهما التمهيدية في العدد الخاص من دورية ”عالم النفس الأمريكي“ المخصص لحركة علم النفس الإيجابي يناير ٢٠٠٠، اعترف سليغمان وشيكسينتميهالي (٢٠٠٠)، وبدا انهما يثنيان على “الرؤية الإنسانية الكريمة” (ص ٧) لحركة علم النفس الإنساني. ولكنهما ذهبا بعد ذلك إلى رفض علم النفس الإنساني باعتباره غير علمي، معربين عن استياءهم من دوره الأساسي المزعوم في الأدبيات غير العقلانية وغير العلمية، والنرجسية التي تشجع حركة المساعدة الذاتية (كتب تطوير الذات) التي تسيطر الآن على أقسام علم النفس في مكتباتنا “للأسف، علم النفس الإنساني لم يكون قاعدة إمبريقية تراكمية كبيرة، وأنتج عددا هائلا من حركات المساعدة الذاتية العلاجية. وشجع في بعض أشكاله … شجع على التمركز على الذات والذي بدوره قلل من الاهتمام بشأن العافية الجماعية” (ص ٧).

رد بوهارت وغرينينغ (٢٠٠١) على هذه التهمة ردا مقنعا، بتوجيه الانتباه إلى اتباع علماء النفس الإنساني لتقاليد البحث العلمي والأساس المعرفي المسوغ إمبريقيا. وأجابا على تهمة التمركز حول الذات،

نتمنى لو أن سليغمان وشيكسينتميهالي (٢٠٠٠) قاما بنفسيهما بعمل أكثر علمية في دراسة علم النفس الإنساني. فلا النظرية ولا ممارسة علم النفس الإنساني متمركزان تمركزا ضيقا على الذات النرجسية أو على الإنجاز الفردي. ومن شأن قراءة متأنية لكارل روجرز وأبراهام ماسلو أن تجد أن مفاهيمهما في تحقيق الذات تتضمن المسؤولية تجاه الآخرين … إن لومهم على تفسيرات خاطئة لأفكارهم لا يختلف منطقيا عن لوم سيليغمان على تفسيرات خاطئة محتملة لأفكاره حول التفاؤل (على سبيل المثال، قد يسيء المرء استخدام هذه الفكرة للوم الضحية علـى عدم اتخاذه موقفا متفائلا مناسبا لتحقيق التحسين الذاتي في ظل قمع اجتماعي شديد أو ظلم. [٣] (ص ٨١).

وكرر سليغمان وشيكسينتميهالي في ردهما الثاني (٢٠٠١) اقصائهما لعلم النفس الإنساني، من خلال التأكيد على التزام علم النفس الإيجابي بالعلم “التراكمي والموضوعي والقابل للتكرار” (ص ٩٠): ”نحن علماء أولا” (ص ٨٩). ويؤكد سليغمان مرة أخرى (٢٠٠٢، ص ٧) هذه الرسالة في فصله التمهيدي في الدليل الإرشادي لعلم النفس الإيجابي: “لقد فشل [ألبورت، ١٩٦١؛ ماسلو، ١٩٧١] بطريقة أو بأخرى في اجتذاب جمع من الأبحاث التراكمية والتجريبية لترسيخ أفكارهم”. ويقول ذلك مرة أخرى في كتاب السعادة الحقيقية (٢٠٠٢): “ربما أن أسباب بقاء مساعي [علم النفس الإنساني] العلاجية إلى حد كبير خارج الاتصال الأكاديمي متعلقة باغترابه عن العلم التجريبي التقليدي” (ص ٢٧٥). وكما ذكر سميث (٢٠٠٣) في استعراضه للدليل “يؤكد [سليغمان] على الأداء الإيجابي لألبورت (١٩٦١) وماسلو (١٩٧١)، وفيما عدا ذلك يتجاهل علم النفس الإنساني باعتبار أنه لا يستند استنادا كافيا على البحوث” (ص ١٥٩-١٦٠). وفي رأيي، يمكن فهم هذا الإقصاء في سياق الرسالة الإنفصالية الرئيسة لعلم النفس الإيجابي: إذا زعم شخص أن حركته تشكل “منحى منفصلا داخل العلوم الاجتماعية” (سليغمان و بيترسون، ٢٠٠٣، ص ٣٠٥)، فعليه إذن أن يلغي المناحي المنافسة التي قد تتحدى هذا الامتياز. وبما أنه لا يمكن إقصاء علم النفس الإنساني بدعوى تركيزه على الإمكانيات البشرية والنمو، فعندها يجب إيجاد دعوى من نوع آخر. ولذلك كان أتت هذه: فشله المزعوم في تأسيس مشروع علمي.

       وفي العدد الخاص من دورية ”علم النفس الإنساني“ المخصص لعلم النفس الإيجابي، فند يوجين تايلور (٢٠٠١) “مآخذ سيليغمان الثلاث على علم النفس الإنساني” (ص ١٧)، وهي تحديدا: أن علم النفس الإنساني “لم ينتج أي تقاليد بحثية“ (ص١٧-٢١)  وأنه “خلق عبادة النرجسية” (٢١)، وأنه ”مضاد للعلم” (ص ٢٤-٢٢). وفيما يتعلق بالأخيرة، أدلى تايلور بهذه النقطة:

بعد عام ١٩٦٩ … تم الاستيلاء على محتوى ومنهج علم النفس الإنساني من قبل ثقافة العلاج النفسية المضادة،  مما تسبب في تراجع الحركة الإنسانية في علم النفس الأكاديمي … ويخلط سليغمان بين المجموعة هذه وبين منظري علم الشخصية الأصليين الذين قادوا الحركة الإنسانية لأكثر من ربع قرن في الأوساط الأكاديمية، وكانوا مهتمين أولا وقبل كل شيء باستحداث تقاليد بحثية ”صارمة” – وتدعى بأسماء مختلفة كالشخصية، وعلم الشخصية، وعلم الشخص (ألبورت، ١٩٦٨؛ روجرز، ١٩٦٤) (ص ٢٣).

إلى جانب تايلور، دافع آخرون، البعض منهم في نفس العدد من مجلة ”علم النفس الانساني“، عن المكانة العلمية لعلم النفس الإنساني من خلال الاعتراض على المنحى “الخفضي/الوضعي“ في اكتساب المعرفة، والذي يزعم أنه يصف علم سيلغمان أو علم النفس الإيجابي، وكذلك من خلال الدعوة إلى مزيد من النقاشات والحوارات المعرفية والتأمل الذاتي في الكيفية التي ينبغي أن يسير عليها العلم (على سبيل المثال، راثوند، ٢٠٠١؛ ريسنيك وزملاؤه، ٢٠٠١). ومع أن تايلور يشيد بتنصيب سليغمان “للشخص  المتميز الذي يرتقي فوق إملاءات العلم العمياء” (ص ٢٥)، فهو (٢٠٠١) فهو يحاسب سليغمان على إخفاقه في فهم التناقض المتمثل في (“دس حكم قيمي في نظام يزعم أنه نظام غير قيمي”)، وفي أن هذا التنصيب يأتي في سياق تبنيه المزعوم “للحتمية الخفضية“[10] (ص ٢٥):

يبدو أن جوهر المسألة هو ما إذا كان نموذج العالِم للواقعية بديل أفضل للواقعية من خبرة المرء الشخصية. وبحسب وجهة النظر الإنسانية، لا يمكن للمرء إلا أن يلتزم بالقوة المتساوية للإثنين معا، للتحليل الموضوعي والخبرة الذاتية عندما تصبح نظرية المرء انعكاسية ذاتية تدفع إلى إعادة اختبار ما الذي يمثل الموضوعية. قد تكون هناك حاجة إلى المعرفة الخفضية لبداية انطلاق العلم، ولكن في مرحلة النضج، على جميع العلوم، وحتى أكثرها دقة، أن تواجه القضايا الفلسفية الكامنة حول العلاقة الجوهرية للفاعل/الواعي بالموضوع. إن نظريات سليغمان حول علم النفس الإيجابي لا تحتوي على مثل هذه العناصر الانعكاسية التأملية حتى الآن، لذا يجب الحكم على النظرية بأنها لا تزال في مراحلها الطفولية. [٤] (صفحات ٢٣-٢٤).

       وستناقش في وقت لاحق هذه الدعوة التي وجهها علماء النفس الإنسانيين إلى علماء النفس الإيجابيين كي يراجعوا بتأمل افتراضاتهم المعرفية (والوجودية) – لكني أعترف هنا بضعف تفاؤلي بالحصول على استجابة إيجابية من سليغمان لدعوة الإنسانيين. وعلى أية حال، إن رسالة علماء النفس الإيجابي، سواء الرئيسة أو الموجة الثانية واضحة: إن الواقعية/الموضوعية العلمية التقليدية/الحديثة تشكل محورا مركزيا في ادعاء علم النفس الإيجابي لمنحى جديد ومحسن لدراسة ما هو جيد أو فاضل في الوجود الإنساني.

مشكلات الواقع” لدى علم النفس الإيجابي. على الرغم من الدعوة إلى الواقعية العلمية التقليدية والموضوعية وإقصاء علم النفس الإنساني لإخفاقه المزعوم بالتقيد بذلك المعيار، فإن بعض قادة حركة علم النفس الإيجابية يصرحون بفضائل امتلاك التفاؤل/التوقعات غير الواقعية. تذكر، على سبيل المثال، تقرير تايلور وآخرون (٢٠٠٠) عن العلاقة بين التفاؤل غير الواقعي وزيادة العمر عند المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. هنا إذن، يمكننا البدء في استعراض “مشكلات الواقع” لدى علماء النفس الإيجابي: يوقف علماء النفس الإيجابيون حركتهم على صخرة الواقعية والموضوعية العلمية عندما يزعمون التزامهم بالحقيقة/الواقع بكل ما تستدعيه الواقعية العلمية والموضوعية من إيمان راسخ. إلا أنهم في نفس الوقت، يروجون أحيانا لفوائد تبني اعتقادات هي في حد ذاتها غير واقعية. وعلى الرغم من عدم ظهور أي تناقض صريح حتى الآن، إلا أنه قد ظهر وجود معيار معرفي مزدوج: فمعيار تأمين الأدلة الموضوعية/المحايدة ضروري لتسويغ المعرفة العلمية لكن ليس المعرفةاليومية التي تتطلب فقط معيارا نفعيا لتسويغها، تحديدا بمعنى ما إذا كانت اعتقادات المرء لها عواقب مفيدة (انظر هيلد، ٢٠٠٢).

       ويمكن لعلماء النفس الإيجابي أن يجيبوا على ما سبق بقولهم إن الموضوعية العلمية المبجلة تقتصر على العلاقات الإمبريقية/التجريبية التي تربط بين التمسك باعتقادات معينة من جانب والعافية/طول العمر من جانب آخر. لذا لا يهم ما إذا كانت الاعتقادات (النافعة) نفسها صحيحة موضوعيا أو غير متحيزة، طالما تأكد أن النتائج العلمية صحيحة موضوعيا. وباختصار، قد يقولون ببساطة (كما يفعلون في واقع الأمر) أنه من الناحية العلمية/الموضوعية صحيح أن الناس يستفيدون من التمسك بالاعتقادات التي هي بحد ذاتها متحيزة أو غير صحيحة موضوعيا. (بالقدر الذي تعتمد فيه المعرفة العلمية على الموضوعية في المعرفة اليومية [انظر هيلد، ١٩٩٥؛ بولس، ١٩٩٢]، ما الذي يمنع الأوهام الإيجابية المقبولة من أن تصيب معارفهم العلمية بعدواها؟) ولكن إذا كان المعيار المعرفي المزدوج لا يثير أي مشكلات واقع عند علماء النفس الإيجابي، فلعلنا نسأل اذن، لماذا يسعون باجتهاد لإقناعنا بأن الأوهام الإيجابية/التحيز التفاؤلي التي يطرحونها لا تتعارض مع الواقعية المعرفية؟ ما الذي يحفز هذه الجهود؟

       هناك إجابتان ممكنتان على هذا السؤال النفسي، وليستا مستقلتان عن بعضهما. أولا، من خلال الادعاء بأن تحيز الأوهام/التفاؤلي يمكن أن تكون واقعية، أو على الأقل ليست غير واقعية بشكل كبير، (أ) معيار المعرفة  اليومية إذن يتوافق مع (ب) معيار المعرفة العلمية؛ والأخير هو، في النهاية، ما يُقال (مرارًا) أنه ما يميز الحركة عن حركات “علم النفس الإيجابي” السابقة، واللاتي يعتبرن أدنى علميا. المعيار المزدوج، وإن لم يكن متناقضا في ذاته، قد يخلق انزعاجا عن طريق ارتباطه بتناقض حسن النية، وهو تناقض يطرح إجابة ثانية ممكنة على السؤال النفسي: لماذا يصر علماء النفس الإيجابي على واقعية المعتقدات المنحازة للإيجابية (أ) من ناحية، يؤكد علماء النفس الإيجابي فوائد الأوهام الإيجابية والتفاؤل (غير الواقعي) في سياق المعرفة اليومية. تذكروا إدعاء سليغمان (٢٠٠٢ ص ١٢٩) بأن التفاؤل جيد لنا، حتى لو كانت “التكلفة أقل واقعية“. لكن، (ب) من ناحية أخرى، يقول أيضا إن “التفاؤل المتعلم … يتعلق بالدقة” (ص ٩٦) وإن امتلاك “توجه واقعي” في سياق المعرفةاليومية أمر جيد. ويعد سليغمان (٢٠٠٢، ص ١٤٢) “التمييز” و”التفكير النقدي” نقاط قوة (في المعرفة اليومية) التي تفضي إلى فضائل الحكمة والمعرفة: “من خلال التمييز، أعني دراسة المعلومات بموضوعية وعقلانية… التمييز… يجسد التوجه الواقعي… وهذا جزء مهم من السمة الصحية المتمثلة في عدم خلط رغباتك وحاجاتك الخاصة مع حقائق العالم”. وبالطبع، الجزء (ب) من الجواب الثاني المحتمل على سؤالي النفسي يتناقض ليس فقط مع الجزء (أ) من نفس ذلك الجواب، ولكن أيضا يولد صراعا بين الموضوعية المطلوبة للمعرفة العلمية والتحيز (النفعي) الإيجابي المفضل في المعرفة اليومية.

       وهنا تساق أدلة من الحجج الداعمة للواقعية المزعومة للأوهام الإيجابية والتحيز التفاؤلي[11]. يقول سنايدر وراند و كينغ و فلدمان وودوارد (٢٠٠٢)، على سبيل المثال “إذا كان الناس ذوي الأمل العالي” (الذين، وفقا لسنيدر وسيمبسون ومايكل وتشيفنز، ٢٠٠١، يشتركون في بعض وليس كل ملامح المتفائلين) غير واقعيين، فإنهم غير واقعيين بقدر قليل أو إلى حد بسيط:

نعتقد أن الناس ذوي الأمل العالي يستفيدون بالفعل من الأوهام الإيجابية[12] التي تؤثر على رؤيتهم للواقع… لكنهملا ينخرطون في تشويه صارخ للواقع… [إنما هو] ينظرون للواقع بتحيز قليل نحو اتجاه إيجابي. ومن المفيد فحص هذا “التحيز” في سياق عمل تايلور (١٩٨٣) على الأوهام الإيجابية… وتشمل هذه الأوهام الإيجابية الخفيفةمفهوم-الذات الإيجابي بدرجة مبالغ فيها، والإدراك المبالغ فيه للضبط الشخصي، وتقديرات المستقبل مفرطة التفاؤل. (ص ١٠٠٥)

       ويمضي سنايدر وزملاؤه (٢٠٠٢) بالقول: “إن وجود أمل كبير يعني أن الشخص قد يكون لديه مستوى بسيط من التحيز ذاتي المرجعية نحو الإيجابية، وليس وهم  متطرف عكسي النتائج” (ص ١٠٠٧) . هنا، يوجد تشديد على نعوت مثل “قليلا”، “واضح”، و “غير متطرف”، بينما في اقتباس تايلور وزملاؤه (٢٠٠٠، ص ١٠٢-١٠٣) الذي سبق ذكره، لم تستخدم مثل هذه النعوت لتقييد المعنى. فهناك، تحدثت تايلور وزملائها عن “التفاؤل غير الواقعي” وليس “التفاؤل غير الواقعي قليلا”. كذلك تحدثت تايلور وبراون (١٩٨٨) عن “الأوهام الإيجابية” و “التقييمات الذاتية مفرطة الإيجابية”. وعلى خلاف سنايدر وزملاؤه (٢٠٠٢)، أشارت تايلور وبراون إلى تلك باعتبارها “تحيزات كبيرة” (ص ٢٠٠). ومن ناحية أخرى، تحدثت تايلور نفسها عن “التفاؤل المحدد موقفيا”، الذي يبقى في “حدود المعقول”: “إن التفاؤل، بل وحتى التفاؤل غير الواقعي، ليس بدرجة غير معقولة” (آرمور و تايلور ١٩٩٨، ص ٣٤٩). من الواضح أن هناك شيء من المواربة حول مدى لا واقعية “التفاؤل غير الواقعي”. على سبيل المثال، ساندرا شنايدر (٢٠٠١) في سعيها للحصول على أساس مفاهيمي “للتفاؤل الواقعي”، تضع تفاؤل تايلور في درجة متطرفة أو في النهاية غير الواقعية من هذا الطيف، بينما تقول عن تفاؤل بوميستر بأنه يحتل “مكانا وسطا” نظرا لدعوته إلى “هامش أمثل للوهم“ (ص ٢٥٠-٢٥١). (مما لا شك فيه، إن مسألة مقدار تحريف الناس للواقع إيجابيا، والعلاقة بین درجة هذا التحريف والأداء الأمثل، هي کما تبرهن تیلور وبراون مسألة إمبريقية).

       وقد تعامل علماء نفس إيجابي آخرون مع مشكلات مرتقبة تتعلق بالواقعية بالذهاب إلى أبعد من ذلك: وجدوا أن الذين لديهم تحيز تفاؤلي ليسوا واقعيين بلا استدراكات نعتية فحسب بل كانوا أكثر حكمة. فعلى سبيل المثال، يقول سيغرستروم: “يرى البعض أن المتفائلين سذج وعرضة لللإحباط عندما يواجهون الواقع. وتشير أدلتي إلى أن المتفائلين ليسوا سذجا؛ بل هم أكثر حكمة في صرف طاقاتهم” ( ”سايكولوجي ريسيف“ ٢٠٠٢). وفي دليل علم النفس الإيجابي (سنايدر و لوبيز و اخرون.، ٢٠٠٢)، قالت ليزا أسبينوال والتي فازت بجائزة تمبليتون لعلم النفس الإيجابي في إعادة صياغتها للتفاؤل (آزار، ٢٠٠٠): “أكثر سعادة وحكمة: التفاؤل والعاطفة الإيجابية يعززان التفكير والسلوك الواقعي الحذر” (ص ٧٥٤)، رغم أنها اعترفت أيضا بأن ليس “كل الاعتقادات والحالات الإيجابية مفيدة” (ص ٧٥٤).

       حتى في حال كان التحيز التفاؤلي بالفعل مفيد عمليا في معايشة الحياة، فإن السؤال النفسي يبقى: لماذا يسعى علماء النفس الإيجابيون بجهد كبير للإقناع بأن التحيز التفاؤلي لا يتعارض مع المعرفة الواقعية/الموضوعية المنهجية؟ لقد اقترحت سببين محتملين يمكن تلخيصهما بهذا الشكل: إذا ثبت أن الأوهام الإيجابية والتحيز التفاؤلي واقعية بكل المعاني – أي ليست ذات فائدة عملية فحسب بل أيضا لها مسوغات موضوعية – فعندها يكون قد قضي على مشكلات الواقع الناجمة عن المعيار المزدوج بين المعرفة اليومية والعلمية. وكذلك ينطبق الأمر ذاته على التناقض في تأكيد فضيلة (في سياق المعرفة اليومية) للأوهام الإيجابية والتوجه والواقعي معا، لأن هذان بحسب ما يُزعم أصبحا واحدا ونفس الشيء. بمعنى أنه إذا كان التحيز التفاؤلي متوافقا (بما يكفي) مع نظرية المعرفة الموضوعية، فإن أي تناقض ناتج عن تبني الموضوعية في المعرفة اليومية ومن تبني التحيز الإيجابي في المعرفة اليومية يمكن أن يقال أنه قُلل، إن لم يكن قد قُضي عليه بالكامل.

 

هل ينبغي على علم النفس الإيجابي  أن يتبنى “حلا” شبه ما بعد حداثي لمشكلات الواقع لديه؟

في مقال بعنوان “في البحث عن التفاؤل الواقعي[13]: المعنى، والمعرفة، والغموض الدافئ” المنشور في مجلة عالم النفس الأمريكي (American Psychologist) في عدد مارس ٢٠٠١ والمخصص لعلم النفس الإيجابي، أمسكت ساندرا شنايدر بمشكلات الواقع لدى علم النفس الايجابي من قرونها. في نظري، بدت ما بعد حداثية بعض الشيء، لكن أنا على يقين تام بأنها لم تكن نيتها. ونيتها المعلنة هي الحفاظ على التمييز المفاهيمي بين التفاؤل الواقعي وغير الواقعي، وهو باعتقادي لكي تحل مشكلات الواقع التي أشرت إليها للتو. لا أعتقد مع ذلك أنها نجحت في مهمتها المقصودة، بسبب تحديها لفكرة الموضوعية نفسها، على الأقل ضمنيا، تحديا يقوض الواقعية العلمية/الموضوعية لعلم النفس الإيجابي. وبطبيعة الحال، فإن الكثير ممن يتبنون ما بعد الحداثة، ولاسيما البنيويون والبنائيون الاجتماعيون الراديكاليون، هو يتحدون فكرة الموضوعية. ولكنهم على خلاف شنايدر وغيرها من علماء النفس الإيجابي، يرفضون كل الواقعية العلمية والموضوعية. وفي واقع الأمر، هم يرفضون بسعادة حتى إمكانية المعرفة الموضوعية للواقع، ويفضلون في كثير من الأحيان تسويغ نماذجهم بناء على معيار براغماتي/نفعي (على سبيل المثال، انظر هيلد، ١٩٩٥، ١٩٩٨، ٢٠٠٢).

       وخلافا لأي مذهب ما بعد حداثي، تلتزم شنايدر (٢٠٠١) بشكل من أشكال الواقعية من خلال التأكيد معا على علم نفسي تقليدي وعلى البحث عن شكل واقعي للتفاؤل، تفاؤل يتضمن بصورة صريحة الاهتمام بقيود الواقع (القيود التي بالنسبة لها وآخرين في الحركة يمكن تعريفها بدرجة من الموضوعية) [مثل تايلور، وأسبينوال، وسيغيرستروم]، وهذا على خلاف البنائيين/ما بعد الحداثيين الراديكايين. وهي تحاول البحث عن شكل واقعي للتفاؤل من خلال الدفاع عن التمييز بين “المعنى الغامض” الناشئ عن “الحرية التأويلية” (ص ٢٥٢)، “والمعرفة الغامضة” الناشئة من “عدم اليقين الوقائعي أو نقص المعلومات” (ص ٢٥٣). ولكن في تعريف التفاؤل الواقعي، تدمج نظرية المعرفة (المتعلقة بطبيعة العلم والمعرفة) وعلم الوجود (الذي يتعلق بطبيعة الكينونة أو الوجود – بطبيعة الواقع ذاته). ودمجها هذا ناشىء عن الإصرار أحيانا على أنالواقع ذاته غامض (مسألة وجودية تتعلق بالوجود)، وأحيانا على أن معرفة الواقع غامضة (مسألة معرفية تتعلق بالمعرفة اليومية) أو عن كليهما. وفيما يتعلق “بالواقع الغامض” تتحدث عن “الطبيعة الغامضة للواقع” (ص ٢٥١)، ”والحدود الغامضة للواقع“ (ص ٢٥٧)، وكيف يمكن أن يكون “الواقع غامضا” (ص ٢٥٢). أما فيما يتعلق بدمجها “للواقع الغامض” (علم الوجود) “بالمعرفة الغامضة” (نظرية المعرفة)، تقول إن “الواقع غامض في هذه الحالات [التي نفتقر فيها إلى النماذج السببية الكاملة] بسبب عدم تيقننا من الموقف محل الاهتمام” (ص ٢٥٣). لاحظ هنا أن عدم تيقننا/معرفتنا (مسألة معرفية) تجعل الواقع حرفيا غامض (مسألة وجودية). [٥] وتكمل قائلة: “قد لا توجد هناك حالة محددة يمكن التحقق منها موضوعيا …. وحتى لو وجودت [مسألة وجودية (جزئيا) متعلقة بالوجود]، فقد يعوز الناس الأدوات اللازمة ليصبحوا على وعي تام بها [مسألة معرفية علمية متعلقة بالمعرفة اليومية]” (ص ٢٥٢).

       إذن تدعو شنايدر إلى التفاؤل الواقعي إما عن طريق (أ) تقويض مفهوم الواقع نفسه (ص ٢٥٣)، أو (ب) تقليصمنفذنا الذهني إلى أي واقع قائم (غامض أو غير غامض)، أو (ج) كلا الاستراتيجيتين. وبرؤية شنايدر للواقع ذاته كشيء غامض/في حال تغير مستمر إلى درجة أننا في كثير من الأحيان لا ننفذ إليه (ص ٢٥٢)، فإنها تنحاز فيما يبدو إلى حد ما مع الفلسفة الأكثر تطرفا عند ما بعد الحداثيين/البنائيين، والبعض منهم (على سبيل المثال فيشمان، ١٩٩٩، ص ١٣٠ [٦]) يدافع عن فلسفتهم المعرفية المضادة للواقعية (المذهب القائل بأنه لا يمكن أن يكون لدينا أي معرفة موضوعية أو معرفة للواقع مستقلة عن العارف على الإطلاق) بناء على رؤيتهم الوجودية الخاصة. ولكن مهما كانت درجة ميلها إلى اتجاههم، فهي أيضا تقوض الواقعية/الموضوعية اللازمة للمعرفة غير الغامضة (لواقع غير غامض) التي تستخدمها لدعم ادعاءاتها للحقيقة/الواقع فيما يتعلق بالوجود الموضوعي لشكل واقعي من التفاؤل! وفي الحقيقة، هي تهدم موضوعية العلوم النفسية الحديثة/التقليدية التي يدعيها علماء النفس الإيجابيون لترسيخ حركتهم (هيلد، ٢٠٠٢).

       ولكي نكون منصفين، يذهب العديد من ما بعد الحداثيين إلى أبعد من شناير من خلال ما يبدو وكأنه يقضي على جميع أو معظم قيود الواقع في سعيهم إلى التحرر والعلو. ولخص الفيلسوف تشارلز غويغنون (١٩٩٨) جاذبية مثل هذ النظرة المعرفية للتوجه البنائي/الضد واقعي الراديكالي بإيجاز بليغ: “جزء من هذا الانجذاب، لا شك، يكمن في الشعور المبهج بالحرية الذي نحصل عليه من التفكير في أنه لا توجد قيود على القصص التي يمكننا خلقها في تشكيل حياتنا. فالآن يبدو أن أي شيء ممكن“ (ص ٥٦٦). على سبيل المثال، يقول المعالج البنائي مايكل هويت (١٩٩٦): “إن أبواب الإدراك العلاجي وإمكانياته قد فتحت على مصراعيها من خلال الاعتراف بأننا نبني بنشاط حقائقنا العقلية وليس مجرد الكشف عن “حقيقة” موضوعية أو مجرد التعايش معها (ص ١) (للاطلاع على مزيد من الاقتباسات، انظر هيلد، ١٩٩٥، ١٩٩٨، ٢٠٠٢).

       إن الادعاءات التفاؤلية الضد – موضوعية، كالادعاءات الواردة أعلاه، لا تتعارض مع الأسباب التي قدمتها شنايدر لدعوتها إلى شكل واقعي من التفاؤل. لكن، هناك دليل مباشر بدرجة أكبر على التقارب بين علم النفس الإيجابي وعلم النفس ما بعد الحداثي. وقد ظهر أحد المؤشرات النموذجية على ميل علماء النفس الإيجابي إلى دمج حركة علم النفس ما بعد الحداثي في حركتهم -علم النفس الايجابي- في مرجع علم النفس الإيجابي (سنايدر و لوبيز، ٢٠٠٢)، حيث يحتوي على فصل لزعيم الحركة البنائية مايكل ماهوني (٢٠٠٢) بعنوان “البنائية وعلم النفس الإيجابي”. هناك يجد ماهوني الكثير من القواسم المشتركة بين الحركتين على الرغم من رفض البنائية الصريح للوضعية (ولاعتناق علم النفس الإيجابي لـها) أو نظرية المعرفة الواقعية في العلوم (النفسية) الحديثة. وكان محرر دورية علم النفس البنائي واضحا في هذا الشأن عندما قال: “كما البنيوية الاجتماعية، تأخذ البنائية، كمنطلق لها، رفض ”وضعية“ علوم النفس والتزامها بنظرية المعرفة الواقعية، ونظرية تطابق الحقيقة، ورفض الفلسفة التوحيدية في العلوم” (نيمير، ١٩٩٨، ص ١٤١). وبصياغة أخرى معاكسة لهذا الاتجاه، يوضح ستيفن سانديج وبيتر هيل ما بعد الحداثيين (٢٠٠١) الطرق التي يمكن من خلالها أن يساعد صنف “توكيدي” من ما بعد الحداثية حركة علم النفس الإيجابي في اتخاذ خطوتها البناءة المزعومة إلى ما وراء بعض قيود علم النفس الحداثي” (ص ٢٤٢). ولم يتبين بعد ما إذا كان علماء النفس الإيجابيين على استعداد لقبول هذه “المساعدة” ما بعد الحداثية الضد- وضعية.  فيا ترى أي رفقة غريبة سيكونون! ولذا يبدو من الغريب حقا أن نجد في المرجع (سنيدر و لوبيز، ٢٠٠٢) فصلا لأشد أنصار ما بعد الحداثية الضد-وضعية، ولا نجد فصلا لأي عالم من علماء النفس الإنساني، رغم أن بعض من أتباع نظرية المعرفة سيكونون بالتأكيد أكثر توافقا مع ما يطرحه علماء النفس الإيجابي، ويدين لهم علم النفس التقليدي بالفضل. ( انظر، سميث، ٢٠٠٣، ص ١٦٠)، (٧). وبالطبع، لم ينتقد سليغمان (٢٠٠٢؛ سليغمان و شيكسينتميهالي، ٢٠٠٠، ٢٠٠١) علم النفس ما بعد الحداثي كما انتقد علم النفس الإنساني. وعلى أية حال، لا أتوقع منه أن يناقض نفسه بتقبل يد العون التي يمدها علماء النفس الذين يميلون للتوجه الإنساني لمساعدة علماء النفس الإيجابي، سواء بروح حوارية لمسائل الكلية، والجدلية، ,والتكامل، والتعاون، والتضمين، والتقارب (على سبيل المثال فوليت، لينيروث، و راكستهل، ٢٠٠١؛ راثوند، ٢٠٠١؛ ريسنيك وآخرون، ٢٠٠١؛ ريتش، ٢٠٠١) أو حتى بمستوى بسيط من الاستياء. (على سبيل المثال: تايلور٢٠٠١، ص ٢٧-٢٦).

“إعلان الاستقلال” لعلم النفس الإيجابي:

المزيد من الانقسام لعلم النفس؟

توجد توجيهات كثيرة لتوحيد علم النفس كاستجابة لمشكلة انقسامه المزعومة (على سبيل المثال، هنريكز، ٢٠٠٣؛ سليف، ٢٠٠٠؛ ستاتس، ١٩٩٩؛ ستيرنبرغ وغريغورينكو، ٢٠٠١؛ ويرتز، ١٩٩٩). مايكل كاتسكو (٢٠٠٢) يشخص مشكلة انقسام علم النفس في مستويين. في أحد هذين المستويين، ينظر إلى العلم باعتباره طريقة لاكتساب المعرفة. هنا، تطغى القيم المعرفية على شكل ”القيم الضمنية المتعلقة بالسلوك العلمي السليم“ (ص ٢٦٣). ومن أمثلة القيمة المعرفية التي يعرضها الميل الحالي بين الباحثين نحو تأكيد تفرد اكتشافاتهم أو تميزها، ويقول كاتسكو هذا الميل يؤدي إلى إعادة تسمية الظواهر بمصطلحات جديدة وبالتالي إلى شعور مبالغ بالاضطراب النظري أو الانقسام. وفي المستوى الثاني، ينظر إلى العلم باعتباره مجتمعا تعمل فيه النظريات بوصفها “عملية تشكيل جماعات” (ص ٢٧٦). وهنا، على سبيل المثال، تحل الأيديولوجية والتماسك الاجتماعي – قوة الحركة – محل القيمة المعرفية (مفتوحة النهاية) للاستقصاء. وهذه قيمة اجتماعية/سياسية وليست معرفية، ويشبه كاتسكو مظهرها بالدين والحرب أكثر منها بالعلم (انظر غيست ووودال ١٩٩٨). ويدعو أولئك الذين يتبنون هذه القيمة الاجتماعية بـ”المحاربين العلماء”[14] بدلا من “النموذج الأصيل للعالم-المستكشف” (ص ٢٦٨) بحثا عن الحقيقة (راجع هاك ١٩٩٦). ويقترح كاتسكو (ص ٢٦٩) إلى أنه من المهم إبقاء القيمتين متمايزتين بدلا من الاختباء وراء القيمة المعرفية في الوقت الذي تمارس فيه القيمة الاجتماعية.

       على الرغم من أن سليغمان يتظاهر على الأقل باحترام ما يسميه “علم النفس السلبي” وليس هناك ما يدعوه إلى انكار البحث الصادق عن الحقيقة بين جموع ”المستكشفين-العلماء”[15] داخل حركة علم النفس الإيجابي، فهو مع ذلك يرأس الحركة بتصميم كبير. وقد عمل هو وغيره من المتحدثين في الحركة بجد لتمييز حركتهم ليس عن علم النفس الإنساني فحسب بل وعن بقية علم النفس (والعلوم الاجتماعية). تذكر خطابه الانفصالي والاستقطابي في الفصل الذي قدمه في كتاب أسبينوال و ستودينغر (٢٠٠٣)، حيث أنه بروح الرسالة الرئيسة يُعرف علم النفس الإيجابي بأنه “منحى منفصل في العلوم الاجتماعية” (سليغمان و بيترسون، ٢٠٠٣، ص ٣٠٥) حتى عندما كان مؤلفوا فصول أخرى ينشرون رسالتهم، رسالة الموجة الثانية الأكثر حوارية والداعية للكلية والتكامل. ولذلك ينبغي ألا يكون مستغربا إعلان المحررين شنايدر ولوبيز في الفصل الختامي لمرجع علم النفس الإيجابي، حرفيا استقلال علم النفس الإيجابي: كان عنوان الفصل “مستقبل علم النفس الإيجابي: إعلان الاستقلال” (سنايدر و لوبيز و اخرون، ٢٠٠٢، ص ٧٥١). ويتحدثون هناك عن “الانفصال” (ص ٧٥١، ٧٥٣، ٧٦٤) ويشيرون إلى ما اعتاد أن يكون عليه اختصاص علم النفس إما “كنموذج الضعف”[16] أو “نموذج المرض”[17]، كنقيض “لنموذج القوة في “علم النفس الإيجابي:

من وجهة نظرنا. . . نرى أن المرحلة الأولى من الحركة العلمية – التي قد نصفها بأنها إعلان الاستقلال عن نموذج المرض – قد اكتملت. والميدان الأوسع يعلم الآن بوجود منظور علم النفس الإيجابي. فهذا الكتاب، والذي بني على اعتقادنا بأن علم وممارسة علم النفس الإيجابي يجب أن ينموان بموازاة علم وممارسة نموذج المرض، هو علامة أخرى لإعلان هذا الاستقلال. (ص ٧٥٢)

       وقد تحتوي الفصول نفسها على فروق بسيطة – فعلى سبيل المثال، يقول نيدرهوفر وبينباكر في فصلهما (٢٠٠٢): ”إنه لأمر ساخر نوعا ما أن يناقش نموذج الكتابة [عن التجارب الصادمة] باعتباره خاصية من خصائص علم النفس الإيجابي … ويشجع نموذجنا المشاركين على الاسترسال عن البؤس في حياتهم. ونحن بذلك وبشكل أساسي نبرز المشاعر السلبية المكبوتة أو المخفية إلى الواجهة” (ص ٥٨١). لكن لا يمكن لأحد أن يلتقط هذه الفروق الدقيقة (الجدلية) في خطاب المحررين، الذي يدعم الرسالة الرئيسة والذي  يبدو أن نيدرهوفر وبنيباكر يجيبان عليه. ولقد رد سميث (٢٠٠٣) على استقطاب خطاب الحركة بصورة مباشرة في استعراضه للمرجع:

يبالغ بالطبع المتحدثون باسم الحركة في وصف حداثتها. وأعتقد أن دعاة الوقاية الأولية من المرض العقلي كانت لهم أهداف مشابهة ومتداخلة تماما مع هذه النظرة، هذا على الرغم من أن تركيزهم على المرض العقلي يدق أجراس الإنذار لأنصار علم النفس الإيجابي الأكثر تبعية وولاء. وهنا لدي مشكلة مع طريقة الفئة الأخيرة هذه في استقطاب التباين بين نموذجهم الإيجابي وما يسمونه النموذج المرضي أو الضعف الطبي أو الأيديولوجية المرضية … إن الإشارة المتكررة إلى الأيديولوجية المرضية الطبية في هذا المرجع تظهر لي بوضوح كدليل على أن دعوة بعض علماء النفس الإيجابيين هي أيديولوجية أكثر من أنها عقلانية. (ص 162)

       إن خطاب بعض المتحدثين باسم علم النفس الإيجابي يبدو لي مثل ما يمكن أن نفهمه من كاتسكو (٢٠٠٢) “المحارب-العالم”: “تُعرّف الحركة من خلال تخصيص مجموعة من المعتقدات لتكون مجالها الحصري” (ص ٢٦٧)، والتي تسودها جهود رسم الأرض والدفاع عنها بدلا من أن يسودها البحث عن المعاني المتشابهة أو “التعميمات الوصفية” (ص ٢٦٦، ٢٦٨). تذكر أن ما يسمى بعلم النفس السلبي ونموذج الضعف/المرض لم يكن موجودا على هذا النحو إلى أن جاء سليغمان، وبفعل جريء من البناء الاجتماعي، ووسم وفصل شريحة كبيرة من مجال علم النفس. وقد يفسر لنا هذا الحماس المفرط لدى بعض المتحدثين باسم الحركة جزئيا ما يعتبره البعض جوانب الحركة المفرطة أو المستبدة، وخصوصا سلبيتها الاستقطابية تجاه السلبية وتجاه كل ما جاء قبلها (انظر أسبينوال وستودينغر، ٢٠٠٣؛ بوهارت و غرينينغ، ٢٠٠١؛ كارستنسن و تشارلز، ٢٠٠٣؛ عقد، ٢٠٠٢؛ سميث، ٢٠٠٣؛ تايلور، ٢٠٠١).

 

المعنى الثالث: حكمة ويليام جيمس

كرس ويليام جيمس في كتابه  تنوع الخبرة الدينية (١٩٠٢) محاضرتين لموضوع “دين العقلية الصحية”. هذا الدين هو بالتأكيد أحد مقدمات حركة علم النفس الإيجابي، ومن وجهة نظري، مقدمة لطغيان الاتجاه الإيجابي عموما، وهو ما قد يكون أثرا جانبيا للسلبية الثقافية والمهنية على حد سواء تجاه السلبية، أو السلبية من النوع الأول (هيلد، ٢٠٠٢). وتلى هاتين المحاضرتين محاضرتان عن “الروح المريضة”. وقرب نهاية المحاضرات هذه، يواجه جيمس صعوبة في الاجابة على سؤال شائك:

يمكننا أن نرى حجم التضاد في النظرة إلى الحياة والذي قد ينشأ بشكل طبيعي بين الطريقة العقلية- الصحية والطريقة التي تنظر إلى كل خبرة الشر باعتبارها شيئا أساسيا. بالنسبة للطريقة الأخيرة، والتي يمكن أن نسميها طريقة العقلية-المريضة، فإن العقلية الصحية النقية والبسيطة ليست إلا عمياء وسطحية بشكل لا يمكن وصفه. وبالنسبة لطريقة العقلية-الصحية من ناحية أخرى، تبدو لها طريقة الروح المريضة جبانة ومعتلة … ما الذي سنقوله عن هذا النزاع؟ يبدو لي أنه يتحتم علينا القول بأن العقلية المريضة تمتد عـلـى نطاق أوسع في الخبرة ]البشرية[ وأن مسحها أو دراستها متداخلة. إن أسلوب إبعاد انتباه المرء عن الشر، والعيش ببساطة في ضوء الخير لأمر رائع إن نجح. وسوف ينجح مع الكثير من الأشخاص؛ وسوف ينجح عموما أكثر بكثير مما يفترضه معظمنا؛ وفي حدود عمله الناجح ليس هناك ما يمكن قوله ضده كحل ديني. لكنه ينهار عاجزا بمجرد قدوم السوداوية؛ وحتى لو أن المرء خال جدا من السوداوية هو نفسه، فإن العقلية الصحية وبلا شك غير كافية كمذهب فلسفي، وهذا لأن الحقائق الشريرة التي ترفضها بشكل إيجابي إنما هي جزء حقيقي من الواقع؛ وربما تكون في الأخير أفضل مفتاح لمغزى/دلالة الحياة، وربما هي الشيء الوحيد الذي يفتح أعيننا على أعمق مستويات الحقيقة. (الصفحات ١٦٢-١٦٣).

قد يدعي علماء النفس الإيجابي أنهم لا ينكرون “الحقائق الشريرة” من أي نوع، إذ أنهم بالفعل ينظرون مباشرة في عين الواقع عندما، على سبيل المثال، يسعون إلى إيجاد “معنى في ثكل/فجيعة الفقد”. وهذا المعنى بزعمهم هو الأكثر فضيلة إطلاقا، نظرا للعلاقة بين إيجاد معنى (في الشدائد) وطول العمر (تايلور وآخرون، ٢٠٠٠، ص ١٠٦). ولذلك فإن علماء النفس الإيجابيون قد يوافقون على أن الحياة من دون ابتلاءات لا تستحق العيش، لأنها ستعني حياة أقصر، إن لم تكن حياة بلا معنى، وهذا ليس أقل الأسباب. ولكن إذا كانوا يواجهون السلبية بدلا من إنكارها بواسطة “الأوهام الإيجابية” كما يدعون فعله الآن عندما يعيدون تعريف تفاؤلهم ليكون بالفعل واقعي جدا (أسبينوال و ستودينغر، ٢٠٠٣؛ سنايدر وآخرون، ٢٠٠٢؛ سنايدر ولوبيز وآخرون (٢٠٠٢)، أو عندما يتبني البعض، في رسالة الموجة الثانية الناشئة وغير الرئيسة، إمكانية وجود المعايشة والصحة والنمو في الخبرات السلبية (مثل أسبينوال وستودينجر، ٢٠٠٣؛ كارستنسن & وتشارلز، ٢٠٠٣؛ كينغ، ٢٠٠١؛ لارسن وآخرون،٢٠٠٣ ؛ ريف وسينغر، ٢٠٠٣)، وعندها (قد نسأل) كيف يختلف علماء النفس الإيجابي عن علماء النفس السلبي الذين يعلن المتحدثون باسم حركة علم النفس الإيجابي صراحة استقلالهم عنهم؟ وفي الأخير، عندما يقوم ما يُسمون بعلماء النفس السلبي بدراسة ما فينا من قصور، فإنهم أيضا يفعلون ذلك في أمل إيجابي لعيش أفضل. وإن كان علم النفس السلبي كما ينظر إليه سليغمان يتكون من أ) دراسة قصورنا، أو ب) إيجاد الفضيلة في خبرة سلبيات الحياة والتعبير عنها، وإن كان على الأقل بعض علماء النفس الإيجابي قد بدأوا في الدعوة إلى تضمينه في علم النفس الإيجابي، كما آمل أني قد بينت ذلك سابقا، عندئذ يكون أولئك الذين ينشرون رسالة الموجة الثانية ليسوا علماء النفس الإيجابي أو علماء النفس السلبي، وإنما علماء النفس السلبي-الإيجابي أو علماء النفس الإيجابي- السلبي. وفي كلا الحالتين، لمَ لا ندعوهم فقط علماء النفس؟ كما خلص سميث (٢٠٠٣) حول الحركة إلى هذا: “نجاحها ينبغي أن يؤدي إلى زوالها: علم النفس المتوازن لن يحتاج دعاة لعلم النفس الإيجابي” (ص ١٦٢).

       لقد وجد ويليام جيمس فضيلة في الخبرة السلبية، وكذلك وجد مفسره جيفري روبن (٢٠٠٠)، خصوصا في مناقشة “مبادئ جيمس الثلاثة التي توفر بديلا لما يعتبر إمراضا” (ص ٢٠٩) “ومبادئه الثلاثة التي يمكن الاستفادة منها عندما يوظف الآخرون مصطلحات المرض بطريقة تفضي إلى تقليل الآثار السلبية المرتبطة بتوظيفها” (ص ٢١٣). والأكثر صلة بالموضوع هو المبدأ الثاني: “عندما تستخدم مصطلحات المرض من قبل الآخرون، جادل ضد الفكرة التبسيطية القائلة بالقول إن الخبرات التي توسم بسمة مرضية من قبل الإمراضيين[18] إنما هي خبرات “سيئة” حقا” (ص ٢١٥). هنا يصف روبين “الثمار القيمة” التي وجدها جيمس في ما يعتبر سلبيا أو مرضيا. ويمكن تطبيق نصيحة روبين ليس فقط على مصطلح علم النفس السلبي الذي أطلقه سيلغمان وميله بشكل عام إلى اعتبار الخبرات السلبية أعراضا مرضية، بل وكذلك على مصطلحي أنا: “الجانب السلبي لعلم النفس الإيجابي”. وبناء على ذلك، يمكنني أن أجد الآن في رسالة الموجة الثانية للحركة معنى ثالث وأكثر إيجابية “للجانب السلبي” من علم النفس الإيجابي – تحديدا الاعتراف والتقدير العلني للجانب السلبي من الوجود/الطبيعة البشرية، جانب مازال منكرا أو مقصى من قبل دعاة الرسالة الرئيسة للحركة حتى الآن. وبهذا يكون لدينا منحى أو نهج تضميني، وتكاملي، وجدلي دعا إليه الكثير من علماء النفس منذ وليام جيمس. وبالتالي فإن هذه الرسالة الأحدث تعطيني الأمل، بما في ذلك الأمل في أن علم النفس الإيجابي سيعترف في نهاية المطاف بمديونته لعلم النفس الإنساني (من بين تقاليد أخرى) دون مواربة، تماما كما يدعو بعض علماء النفس الإيجابي الآن الى دمج الانفعالات والأفكار الإنسانية السلبية في العلم الخاص بالحركة.

       ولكن إذا كان على ميداننا أن يبقى مقسما بين خطوط إيجابية وسلبية، فإنني أفضل (رجوعا إلى جيمس) أن أنضم بكل قوة إلى علماء النفس السلبي. وفي الأخير، إن مآسي شكسبير المسرحية لا تقل شأنا عن مسرحياته الكوميدية، وفهمه الدقيق للطبيعة البشرية، بكل تناقضاتها الظاهرة، لم يكن من السهل عدم تقديره. إن صنع عصير الليمون من ليمون الحياة الكثير هو بالتأكيد إحدى طرق جعل الحياة ذات معنى، ولكنها قطعا ليست الطريقة الوحيدة.

 

ملاحظات

  1. أنا لا أدعي أن الأفكار التي ذُكرت في كتاب أسبينوال وستودينجر المشترك (٢٠٠٣) لم تكن موجودة قبل نشرها هناك، لكن بحكم جمعها في ذلك المجلد حققت كتلة خطابية نقدية، ترقى إلى مستوى رسالة بارزة لـ”جماعة” داخل الحركة.

  2. يعتقد شيلدون وكينج (٢٠٠١) فيما يبدو أن التركيز على المشاكل/السلبية التي يجدونها في علم النفس التقليدي ناجم عن “التقاليد المعرفية الخفضية في علم النفس، والتي تدرب المرء على النظر إلى الإيجابية بعين الشك، كمنتج للتفكير الرغبوي أو الإنكار أو الترويج” (ص ٢١٦). وفي ذلك يخفقان في فهم أن الخفضية لا تميل لا إلى الإيجابية ولا إلى السلبية، لكن تسعى (على الأقل بمعناها التقليدي) إلى البحث عن المكونات/الأسباب الأساسية، والتي غالبا ما يعتقد أنها (جزيئيات) بيولوجية أو حتى جسيمات مادية. أي أن مذهب الخفضية مستقل عن أي رغبة في التأكيد على مكامن القوة أو الضعف البشرية. إضافة إلى ذلك، يلمحان إلى أن علم النفس الإيجابي يخرج عن “التقاليد المعرفية الخفضية” لعلم النفس في دراسة مكامن القوة. ولكن كما يحاجج يوجين تايلور (٢٠٠١)، إن الوضعية (التي يقول أنها تكمن وراء “نظرية المعرفة الخفضية للعلوم التجريبية الحديثة”) هي أحد “معاني سيليغمان الثلاثة” لمفردة الإيجابية وتشكل معيارا “يحتكم إليه سليغمان … بانتظام “(ص١٥).

  3. انظر هيلد (٢٠٠٢، صفحات ٩٧٠-٩٧١) لمزيد من النقاش حول العواقب المحتملة غير المقصودة لعلم النفس الإيجابي.

  4. انظر بولز ( ١٩٩٨) وهيلد (٢٠٠٢) لمناقشة كيف يمكن لنوع من التأمل الذاتي، بدوره الداخلي في فعل المعرفة، أن يساعد على تبرير قدرة الانسان على تحقيق المعرفة الموضوعية.

  5. يمكن لشنايدر (٢٠٠١) أن تدافع عن ذلك من خلال الادعاء بأن معرفتنا بالواقع (على سبيل المثال، خطابنا) تقرر أو تؤثر على الواقع الذي نفهمه في نهاية المطاف (انظر هيلد، ١٩٩٨)، لكنها لا تجعل هذه حجة اجتماعية بنائية.

  6. كما يقول فيشمان (١٩٩٩) عن الفلسفة البراغماتية التي يطرحها: تستند البراغماتية الفلسفية على نظرية بنائية اجتماعية للمعرفة. العالم الذي يوجد بشكل مستقل عن عقولنا هو تعقيد غير محدود من التغيير والجدة والنظام والاضطراب. ولكي نفهم العالم ونتعامل معه، نأخذ وجهات نظر مفاهيمية مختلفة، كما لو نرتدي نظارات مختلفة، كل واحدة تعطي منظورا مختلفا للعالم. إن “الحقيقة” البراغماتية لمنظور معين لا تكمن في تطابقها مع “الواقع الموضوعي”، لأن هذا الواقع يتغير باستمرار. بل إن الحقيقة النفعية لمنظور معين تكمن في فائدة المنظور في مساعدتنا على مواجهة وحل مشاكل معينة وتحقيق أهداف معينة في عالم اليوم. (ص ١٣٠)

  7. فيما يتعلق بهذا، هناك في عدد JHP المخصص لعلم النفس الإيجابي مقالات للورا كينج وكينون شيلدون، وهو مثل لورا كينج فاز بجائزة تمبليتون لعلم النفس الإيجابي واشترك مع كينج في تحرير قسم في مجلة عالم النفس الأمريكي بعنوان “لماذا علم النفس الإيجابي ضروري” (شيلدون و كينج، ٢٠٠١). وكيفن راثوند (٢٠٠١)، الذي “ظل نشطا في شبكة أبحاث علم النفس الإيجابي” (ص ١٣٥). ولكن على حد علمنا لا توجد فصول أو مقالات لعلماء النفس الإنساني (تأليف كهذا) لا في كتب عن علم النفس الإيجابي ولا في أعداد خاصة من عالم النفس الأمريكي مخصصة لعلم النفس الإيجابي.

  8. وفقا للناقد الأدبي ويليام واترسون (اتصال شخصي، ١٧ يوليو ٢٠٠٢)، لا تختلف مسرحيات شكسبير الكوميدية عن مآسيه من ناحية الشخصية فحسب ولكن عن طريق المبادئ العامة التي تحكم النهاية: المآسي تنتهي بالدمار والتفكك والموت لبطل الرواية، في حين تنتهي الكوميديا بالثراء والزواج والعيش بسعادة إلى الأبد.

 

 


المراجع

Armor, D. A., & Taylor, S. E. (1998). Situated optimism: Specific outcome expectancies and self-regulation. Advances in Experimental Social Psychology, 30, 309-379

Aspinwall, L. G., & Staudinger, U. M. (2003a). A psychology of human strengths: Fundamental questions and future directions for a positive psychology.Washington, DC: American Psychological Association.

Aspinwall, L. G., & Staudinger, U. M. (2003b). A psychology of human

strengths: Some central issues of an emerging field. In L. G. Aspinwall

& U. M. Staudinger (Eds.), A psychology of human strengths:

Fundamental questions and future directions for a positive psychology

(pp. 9-22).Washington, DC: American Psychological Association.

Azar, B. (2000, July/August). Psychology’s largest prize goes to four

extraordinary scientists. Monitor on Psychology (Online), 31.

Bohart, A. C., & Greening, T. (2001). Humanistic psychology and positive

psychology. American Psychologist, 56, 81-82.

Brennan,F. X.,&Charnetski,C. J. (2000). Explanatory style and immunoglobulin

A (IgA). Integrative Physiological and Behavioral Science, 35,

251-255.

Byrnes, D. M., Antoni, M. H., Goodkin, K., Efantis-Potter, J., Asthana, D.,

Simon, T., et al. (1998). Stressful events, pessimism, natural killer cell

cytotoxicity, and cytotoxic/suppressor T cells in HIV+ Black women at

risk for cervical cancer. Psychosomatic Medicine, 60, 714-722.

Cantor, N. (2003). Constructive cognition, personal goals, and the social

embedding of personality. In L.G. Aspinwall&U. M. Staudinger (Eds.),

A psychology of human strengths (pp. 49-60).Washington, DC: American

Psychological Association.

Carstensen, L. L.,& Charles, S. T. (2003). Human aging: Why is even good

news taken as bad? In L.G. Aspinwall&U. M. Staudinger (Eds.),Apsychology

of human strengths (pp. 75-86). Washington, DC: American

Psychological Association.

Carver, C. S., & Scheier, M. F. (2002). Optimism. In C. R. Snyder & S. J.

Lopez (Eds.), Handbook of positive psychology (pp. 231-243).New York:

Oxford University Press.

Carver, C. S., & Scheier, M. F. (2003). Three human strengths. In L. G.

Aspinwall & U. M. Staudinger (Eds.), A psychology of human strengths

(pp. 87-102).Washington, DC: American Psychological Association.

Fishman, D. B. (1999). The case for pragmatic psychology. New York: New

York University Press.

Follette,W. C., Linnerooth, P. J. N., & Ruckstuhl, L. E., Jr. (2001). Positive

psychology: A clinical behavior analytic perspective. Journal of

Humanistic Psychology, 41, 102-134.

Friedman, H. S., Tucker, J. S., Tomlinson-Keasey, C., Schwartz, J. E.,

Wingard,D. L.,& Criqui, M. H. (1993). Does childhood personality predict

longevity? Journal of Personality and Social Psychology, 65, 176-

185.

Gist, R., & Woodall, S. J. (1998). Social science versus social movements:

The origins and natural history of debriefing. Australasian Journal of

Disaster and Trauma Studies, 2(1). [Online]

Greening, T. (2001). Commentary by the editor. Journal of Humanistic

Psychology, 41, 4-7.

Guignon, C. (1998). Narrative explanation in psychotherapy. American

Behavioral Scientist, 41, 558-577.

Guignon, C. (2002). Hermeneutics, authenticity and the aims of psychology.

Journal of Theoretical and Philosophical Psychology, 22, 83-113.

Haack, S. (1996). Science as social?—Yes and no. In L. H. Nelson & J. Nelson

(Eds.), Feminism, science, and philosophy of science (pp. 79-93).

Dordrecht, the Netherlands: Kluwer Academic.

Held, B. S. (1995). Back to reality: A critique of postmodern theory in psychotherapy.

New York: Norton.

Held,B. S. (1998). The many truths of postmodernist discourse. Journal of

Theoretical and Philosophical Psychology, 18, 193-217.

Held, B. S. (2001). Stop smiling, start kvetching. New York: St.Martin’s

Griffin.

Held,B.S. (2002a).The tyranny of the positive attitude in America: Observation

and speculation. Journal of Clinical Psychology, 58, 965-991.

Held, B. S. (2002b). What follows? Mind dependence, fallibility, and transcendence

according to (strong) constructionism’s realist and quasirealist

critics. Theory and Psychology, 12, 651-669.

Held,B.S.,&Bohart, A.C. (2002). Introduction:The (overlooked) virtues of

“unvirtuous” attitudes and behavior: Reconsidering negativity, complaining,

pessimism and “false” hope. Journal of Clinical Psychology,

58, 961-964.

Henriques, G. (2003). The tree of knowledge system and the theoretical

unification of psychology. Review of General Psychology, 7, 150-182.

Hoyt,M. F. (1996). Introduction: Some stories are better than others. In

  1. F. Hoyt (Ed.), Constructive therapies (Vol. 2, pp. 1-32). New York:

Guilford.

Hybels, C. F., Pieper, C. F., & Blazer, D. G. (2002). Sex differences in the

relationship between subthreshold depression and mortality in a community

sample of older adults. American Journal of Geriatric Psychiatry,

10, 283-291.

Isaacowitz, D. M., & Seligman, M. E. P. (2001). Is pessimism a risk factor

for depressive mood among community-dwelling older adults? Behaviour

Research and Therapy, 39, 255-272.

James,W. (1902). The varieties of religious experience: A study in human

nature. New York: Longmans, Green, and Co.

Katzko, M.W. (2002). The rhetoric of psychological research and the problem

of unification in psychology. American Psychologist, 57, 262-270.

King, L. A. (2001). The hard road to the good life: The happy, mature person.

Journal of Humanistic Psychology, 41, 51-72.

Kogan, M. (2001, January). Where happiness lies. Monitor on Psychology,

32, 74-76.

Larsen, J.T., Hemenover, S. H., Norris,C. J.,&Cacioppo, J.T. (2003). Turning

adversity to advantage: On the virtues of the coactivation of positive

and negative emotions. In L. G. Aspinwall & U. M. Staudinger

(Eds.),A psychology of human strengths (pp. 211-225).Washington,DC:

American Psychological Association.

Mahoney, M. J. (2002). Constructivism and positive psychology. In C. R.

Snyder & S. J. Lopez (Eds.), Handbook of positive psychology (pp. 745-

750). New York: Oxford University Press.

Martin, L. R., Friedman, H. S., Tucker, J. S., Tomlinson-Keasey, C., Criqui,

  1. H., & Schwartz, J. E. (2002). A life course perspective on childhood

cheerfulness and its relation to mortality risk. Personality and Social

Psychology Bulletin, 28, 1155-1165.

Neimeyer, R. A. (1998). Social constructionism in the counselling context.

Counselling Psychology Quarterly, 11, 135-149.

Niederhoffer, K.G.,&Pennebaker, J.W. (2002). Sharing one’s story:On the

benefits of writing or talking about emotional experience. In C. R. Snyder

& S. J. Lopez (Eds.), Handbook of positive psychology (pp. 573-583).

New York: Oxford University Press.

Norem, J. K. (2001a). Defensive pessimism, optimism, and pessimism. In

  1. C. Chang (Ed.), Optimism and pessimism: Implications for theory,

research, and practice (pp. 77-100).Washington, DC: American Psychological

Association.

Norem, J. K. (2001b). The positive power of negative thinking. New York:

Basic Books.

Norem, J. K., & Chang, E. C. (2002). The positive psychology of negative

thinking. Journal of Clinical Psychology, 58, 993-1001.

Peterson,C. (2000).The future of optimism.American Psychologist, 55, 44-

55.

Peterson, C.,& Bossio, L. M. (2001). Optimism and physical well-being. In

  1. C. Chang (Ed.), Optimism and pessimism: Implications for theory,

research, and practice (pp. 127-145). Washington, DC: American Psychological

Association.

Peterson, C., Seligman,M. E. P., Yurko, K.H.,Martin, L. R.,& Friedman,

  1. S. (1998). Catastrophizing and untimely death. Psychological Science,

9, 127-130.

Pols, E. (1992). Radical realism. Ithaca, NY: Cornell University Press.

Pols, E. (1998). Mind regained. Ithaca, NY: Cornell University Press.

Psychologists receive profession’s largest monetary prize for research on

the effect positive traits such as optimism have on psychological and

physical health. (2002, May 23). APA Online.

Raeikkoenen, K., Matthews, K. A., Flory, J. D., Owens, J. F.,& Gump, B. B.

(1999). Effects of optimism, pessimism, and trait anxiety on ambulatory

blood pressure and mood during everyday life.Journal of Personality

and Social Psychology, 76, 104-113.

Rathunde, K. (2001). Toward a psychology of optimal human functioning:

What positive psychology can learn from the “experiential turns” of

James, Dewey, and Maslow. Journal of Humanistic Psychology, 41, 135-

153.

Resnick,S.,Warmoth, A.,&Serlin, I. A. (2001).The humanistic psychology

and positive psychology connection: Implications for psychotherapy.

Journal of Humanistic Psychology, 41, 73-101.

Rich, G. J. (2001). Positive psychology: An introduction. Journal of

Humanistic Psychology, 41, 8-12.

Rubin, J. (2000). William James and the pathologizing of human experience.

Journal of Humanistic Psychology, 40, 176-226.

Ryff, C.D.,& Singer, B. (2003). Ironies of the human condition.Well-being

and health on the way to mortality. In L. G. Aspinwall & U. M. Staudinger

(Eds.),A psychology of human strengths (pp. 271-287).Washington,

DC: American Psychological Association.

Sandage, S. J., & Hill, P. C. (2001). The virtues of positive psychology: The

rapprochement and challenges of an affirmative postmodern perspective.

Journal for the Theory of Social Behaviour, 31, 241-260.

Scheier,M.F.,&Carver,C.S. (1993).Onthe power of positive thinking:The

benefits of being optimistic. Current Directions in Psychological Science,

2, 26-30.

Schneider, S. L. (2001). In search of realistic optimism: Meaning, knowledge,

and warm fuzziness. American Psychologist, 56, 250-263.

Seligman, M. E. P. (1990). Learned optimism. New York: Pocket Books.

Seligman, M. E. P. (2002a). Authentic happiness: Using the new positive

psychology to realize your potential for lasting fulfillment. New York:

Free Press.

Seligman, M. E. P. (2002b). Positive psychology, positive prevention, and

positive therapy. In C. R. Snyder & S. J. Lopez (Eds.), Handbook of positive

psychology (pp. 3-9). New York: Oxford University Press.

Seligman,M. E.P.,&Csikszentmihalyi,M. (2000).Positive psychology:An

introduction. American Psychologist, 55, 5-14.

Seligman, M. E. P., & Csikszentmihalyi, M. (2001). Reply to comments.

American Psychologist, 56, 89-90.

Seligman,M.E.P.,&Peterson,C. (2003).Positive clinical psychology. InL.G.

Aspinwall & U.M. Staudinger (Eds.), A psychology of human strengths

(pp. 305-317).Washington, DC: American Psychological Association.

Sheldon, K. M., & King, L. (2001). Why positive psychology is necessary.

American Psychologist, 56, 216-217.

Slife, B.D. (2000). Are discourse communities incommensurable in a fragmented

psychology? The possibility of disciplinary coherence. Journal

of Mind and Behavior, 21, 261-272.

Smith, M. B. (2003). Positive psychology: Documentation of a burgeoning

movement [Review of the book Handbook of Positive Psychology].

American Journal of Psychology, 116, 159-163.

Snyder,C. R.,&Lopez,S. J. (Eds.). (2002).Handbook of positive psychology.

New York: Oxford University Press.

Snyder,C. R.,& Lopez, S. J. et al. (2002). The future of positive psychology:

A declaration of independence. In C. R. Snyder & S. J. Lopez (Eds.),

Handbook of positive psychology (pp. 751-767). New York: Oxford University

Press.

Snyder, C. R., Rand, K. L., King, E. A., Feldman, D. B., & Woodward, J. T.

(2002). “False” hope. Journal of Clinical Psychology, 58, 1003-1022.

Snyder, C. R., Sympson, S. C., Michael, S. T., & Cheavens, J. (2001). Optimism

and hope constructs:Variants on a positive expectancy theme. In

  1. C. Chang (Ed.), Optimism and pessimism: Implications for theory,

research, and practice (pp. 101-125). Washington, DC: American Psychological

Association.

Staats, A.W. (1999).Unifying psychology requires new infrastructure, theory,

method, and a research agenda. Review of General Psychology, 3, 3-

13.

Sternberg, R. J.,& Grigorenko, E. L. (2001). Unified psychology. American

Psychologist, 56, 1069-1079.

Taylor, E. (2001). Positive psychology and humanistic psychology: A reply

to Seligman. Journal of Humanistic Psychology, 41, 13-29.

Taylor,S. E.,&Brown,J.D. (1988). Illusion and well-being:Asocial psychological

perspective on mental health. Psychological Bulletin, 103, 193-

210.

Taylor, S. E.,Kemeny, M. E., Reed,G. M., Bower, J. E.,& Gruenewald, T. L.

(2000). Psychological resources, positive illusions, and health. American

Psychologist, 55, 99-109.

Terman, L. M., & Oden, M. H. (1947). Genetic studies of genius: IV. The

gifted child grows up: Twenty-five years follow-up of a superior group.

Stanford, CA: Stanford University Press.

Watson, D. (2002). Positive affectivity: The disposition to experience pleasurable

emotional states. InC. R.Snyder&S.J. Lopez (Eds.),Handbook

of positive psychology (pp. 106-119). New York: Oxford University

Press.

Watson,D.,&Pennebaker, J.W. (1989). Health complaints, stress, and distress:

Exploring the central role of negative affectivity. Psychological

Review, 96, 234-254.

Wertz, F. J. (1999). Multiple methods in psychology: Epistemological

grounding and the possibility of unity. Journal of Theoretical and

Philosophical Psychology, 19, 131-166.

Woolfolk, R. L. (2002).The power of negative thinking: Truth, melancholia,

and the tragic sense of life. Journal of Theoretical and Philosophical

Psychology, 22, 19-27.

Reprint requests: Barbara S. Held, Department of Psychology, Bowdoin College,

6900 College Station, Brunswick, ME 04011; e-mail: bheld@bowdoin.edu.

 

[1] Held, Barbara, S (2004). The Negative Side of Positive Psychology. Journal of Humanistic Psychology, Vol.44 No. 1, 9-46. Sage Publication.

[2] Humanistic Psychology.

[3] Reality Problems.

[4] Positive psychology, scientific realism, defensive pessimism, fragmentation, postmodernism, optimism, negativity.

[5] Epistemological position.

[6]  تجنبا للخلط، سنميز في هذه الترجمة بين نظرية المعرفة في الفلسفة Epistemology, Epistemic والمعرفة knowledge (على سبيل المثال كما في المعرفة العلمية scientific knowledge) والمعرفة اليومية knowing التي يقصد بها هنا المعرفة التي تتكون لدى الشخص في الحياة اليومية (المراجع/المدقق).

[7] Empirical

[8] Integration, holism, dialectical, realism, engagement, and contextuality.

[9] Polarization (polarizing).

[10] Reductionistic determinism. الخفضية توجه فلسفي علمي يتمثل في محاولة تفسير منظومة من الحقائق/الوقائع/الظواهر المركبة من خلال منظومات أبسط.

[11] Optimistic bias.

[12] Positive illusions.

[13] Realistic optimism.

[14] Scientist-worriers.

[15] Scientist-explorer.

[16] Weakness model.

[17] Pathology model.

[18] Pathologizers.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *