كلام عام

الحسد في زمن النيوليبرالية: عودة إلى مفاهيم فيبلن – ماري رين / ترجمة: فؤاد ريان

ماري ف. رين

د. ماري ف. رين، باحثة في علم الاقتصاد في جامعة كامبريدج

نسخة PDF


تعد تجربة الشعور بـ الحسد [1] مسألة كونية، عابرة للأزمنة والثقافات. فقد خدم الحسد في المجتمعات ما قبل الرأسمالية أغراضا تطوّرية. لقد لعبت مشاعر الحسد كنظام إنذار داخلي لتنبيه الفرد من قضايا حرجة تتعلق ببقائه. فقد كان الحسد، في تلك المجتمعات، يعمل كتحذير ينبّه الفرد بأنّ أداءه لم يكن ملائما مقارنة مع المنافسين. هذه الأعراض المبكّرة للحسد تمركزت حول كسب احتياجات الحياة المادية، وتأمين شريك للتزاوج، وحول الصحة، وخصوصا تلك الخاصة بالنسل (Foster 1972). لقد فاضل الانتخاب الطبيعي تكّيف الحسد لأنه يحفّز زيادة الجهد للحصول على الموارد الضرورية للبقاء والتكاثر. وعندما كان يتم توفير وسائل البقاء؛ على سبيل المثال، التقليل من وفيات الأطفال، كانت دافعية الحسد تتطور وتنشأ أغراض جديدة لموضوعه (Hill and Buss 2008).

 

(موجز) تطوّر الحسد

   مع تحول المجتمعات إلى الزراعية والاستقرار، تنامى بالتالي الفائض الاقتصادي، وصار بإمكان المجتمع أن يساند نشوء اختصاصات غير تلك المتعلقة بالإنتاج الغذائي. يجادل ستانلي دايموند (1974) (Stanley Diamond) أن الاستعداد الجيني (الوراثي) للحصول على مصدر الرزق وإنتاجه على شكل غذاء أدّى إلى شعور بانعدام الأمن النفسي عند أولئك المختصين بالإنتاج غير الغذائي، حيث لم يعودوا يساهموا في إنتاج تلك الحاجات الأساسية. لقد كان ذلك الشعور بعدم الأمان، وهذه المرحلة المحددة في تطور الحسد، هو الذي دفع هؤلاء المختصين لمحاولة التحكم في إنتاج الفائض. وقد وضع هذا الأساس لما يسميه ثورستاين فيبلن (Thorstein Veblen) (2007، 19) بـ”الثقافة المفترسة”.

   يبين عمل علماء الإنسان، الذين تركّز أبحاثهم على اقتصادات ما قبل الرأسمالية[2]، أنّ دافعية الحسد كانت تتقلص في كل الأمكنة التي كان فيها تشديد التكوين المؤسسي على الاحتياجات المجتمعية ككل أكثر من التركيز على الاحتياجات الخاصة بالفرد، مع وجود آليات ثقافية وعقوبات وردع اجتماعي لذلك (Stanfield 1982). فالمجتمعات ما قبل الرأسمالية كانت تتشارك في دعم النفقات الطقوسية من أجل استرضاء الفلاحين وقمع الحسد من أجل الحفاظ على الوضع القائم (Foster 1972). ومع تطور الحسد، فإنّ المؤسسات الثقافية، كما يتضح في الأعمال الفنية والأدبية، تطورت كي تخفّف من دافعية الحسد، من خلال الردع الاجتماعي لسلوك الحسد، لحماية المرء نفسه من أعين الحاسدين. فأظهرت ثقافات ما قبل المسيحية تجسيدا لمظاهر الحسد: مثل الإلهة الرومانية إنفيديا (Invidia)، والإلهة اليونانية نميسيس (Nemesis) (إلهة الانتقام عند الاغريق) (Kaster 2005). والعهد القديم مليء بالحكايات التحذيرية من شر الحسد. وهناك حكايتان موجودتان في السفر الأول من التوراة: قصة قابيل وهابيل، وقصة يوسف وإخوته. وفي كلتا القصتين تحذير من تبعات المنافسة بين الأشقاء المدفوعة بالحسد (Schimmel 2008). فما زالت فالتمائم من عهد ما قبل المسيحية، مثل خرزة الحسد والخمسة (الكفّ) (the nazar and the hamsa)، والتي كان يعتقد أنّها تحرس من نظرة الحسد، متداولة حتى اليوم (Levy and Zumwalt 2002). لذلك فالجذور التاريخية للحسد قديمة جدا وعابرة للثقافات.

   إنّ مظاهر الحسد التي وجدت في انعدام الأمن النفسي لدى المنتجين في المجالات غير الغذائية تكثّفت في الاقتصادات الصناعية الرأسمالية؛ حيث أنّ تقسيم العمل لا يكفل أي اكتفاء ذاتي للمشاركين في الاقتصاد. وقد صار التراكم في الرأسمالية هو القوة المحرّكة، ذلك أنّ تراكم الثروة والموارد هما اللذان يضمنان للفرد إمكانية إعادة إنتاج مستوى معيشته. لكن على أي حال، فإنّ هذا الدافع للتراكم ليس طبيعيا، أو غريزة بشرية ثابتة، ولا هو موصول بالحمض النووي البشري (DNA). ولكي نعرف أنّ دافع التراكم هو نتاج بناء ثقافي، مدفوع من قبل قوى الرأسمالية، يحتاج المرء فقط إلى أن يعرّج على اقتصادات مجتمعات الصيد الأولى. فهذه المجتمعات كانت في عوز، وفي حالة ارتحال، ولذلك لم تكن تشجّع التراكم لأنّه يعيق تنقلها. لذلك، فإنّ نَهَم الاقتصادات الرأسمالية ليس بسبب تضخيم النزعات الفطريّة البشريّة، بل بسبب التشجيع الثقافي الفاعل لأنماط محددة من السلوك (Stanfield 1982).

   لقد تم توضيح الرابط بين الحسد ودافعية التراكم من خلال “نظرية الطبقة المترفة” (Theory of the Leisure Class)، حيث يسلّط فيبلن (2007) الضوء على طبيعة ونمو “المحاكاة التنافسية” و”التميّز الدافع للحسد”، كمنتج ثانوي وكقوة دافعة، على حد سواء، لشره المستهلك في الاقتصادات الرأسمالية. فقد أصبحت السلع المادية في الاقتصادات الصناعية (وما بعد الصناعية) هي الأداة والتمثيل الرمزي للحالة الاجتماعية (Foster 1972). هذا الانهماك في التراكم المادي، والذي هو جوهر عمل الرأسمالية، هو الذي دفع فيبلن لتحليل دافعية الحسد في ظل الرأسمالية لكل من الحسد تجاه الآخرين، كما هو الحال في “المحاكاة التنافسية”، ومحاولات أن يكون الشخص موضع حسد كما هو موصوف في “التميّز الدافع للحسد”. على كل حال، فإنّ تحليل فيبلن يستكشف فقط التعبير الحميد للحسد، كما هو موضح في الأسفل، لكن الحسد الخبيث يكشف أكثر عن طبيعة هذه المرحلة المتأخرة من الرأسمالية، أي النيوليبرالية.

 

طبيعة الحسد

   هناك تراث طويل في حقول علم النفس الاجتماعي والفلسفة للتمييز بين نوعين من الحسد، أي: الحسد الحميد [الغبطة] مقابل الحسد الخبيث. إنّ التمييز الثقافي لهاتين التجربتين والتعبير عنهما يعود إلى القدم، كما يدل على ذلك تطور بعض اللغات التي لديها تعبيرين مختلفين عن الحسد الحميد والحسد الخبيث. فالتعبيرات عن الحسد الحميد والحسد الخبيث، على سبيل المثال، في اللغات الهولندية، والبولندية، والتايلندية هي على التوالي: “benijden” و”afgunst” في الهولندية، و”zazdrosc” و”zawisc” في البولندية، و” it-chaea” و” rit-yaa” كما في التايلندية (van de Ven, Zeelenberg and Pieters 2009, 420).

   الحسد الحميد هو الشكل الأضعف نسبيا من أشكال الحسد؛ فهو التعبير السلبي عن عاطفة الإعجاب. فهو خال من العداء وذو طبيعة غير خبيثة. فالحسد الحميد يمكن تأطيره كإطراء على المحسود، أو كتقدير لنجاحه (Miceli and Castelfranci 2007; Smith and Kim 2007).  ففي هذه النسخة “المطهّرة” من الحسد يمكن اعتبار الحسد كقوة محفزّة، تلهم دافعية المحاكاة التنافسية على مستوى الفرد والنمو الاقتصادي في المستوى الأعمّ للمجتمع (Smith and Kim 2007, 47; van de Ven 2014). هذا لا يعني أنّ الحسد الحميد شيء مؤذ، ولكن الآثار المؤذية لمحاولة “مواكبة الآخرين” لا يجب إغفالها. ونظرية فيبلن عن الطبقة المترفة تبحث مطولا في الجوانب المضرة والمسرفة للحسد الحميد.

   الجانب الأكثر ظلمة للحسد موجود في الحسد الخبيث، حيث أنّ الحاسد لا يطمح فقط إلى أن يصل إلى نفس مستوى المحسود، ولكن يأمل أن تزول عنه النعمة ويُحطّ به إلى نفس مستواه (أو يفضّل إلى مستوى أقل). يرتبط الحسد الخبيث أكثر بعواطف الاستياء، ويحتوي على عنصر العدائية الموجهة نحو المحسود، حتى عندما لا يكون المحسود قد قام بأي تصرف تجاه الحاسد. ففي الحسد الخبيث، الحاسد لا يرقى في مقارنة نفسه بالمحسود، وهذا بدوره يستفز مشاعر الدونية والعجز في التغلب على تلك النظرة الدونية. وقد يتحول شعور العدائية تجاه المحسود إلى نوايا أو افعال سيئة، حتى عندما لا يكون هناك أي مردود للحاسد. ولذلك، فالحسد الخبيث ليس شعورا استراتيجيا أو موجّها نحو هدف، ولكن غرضه الوحيد هو تفريغ مشاعر الدونية لدى الحاسد (Miceli and Castelfranci 2007).

   يعتمد تحديد نوعية تجربة الحسد في كونها حميدة أو خبيثة على عدد من العوامل اليومية التي تأثّر على الحالة النفسية للحاسد؛ مثل المزاج العام أو كيفية اكتشاف الحاسد لنجاح المحسود في امتلاك أو إنجاز الغرض موضع الحسد. وبالمثل، فإنّ تجربة الحاسد الحالية هي التي تشكل الطريقة التي يتم فيها معالجة ذلك الاكتشاف. فالأفراد الذين يعانون مؤخرا من انتكاسة أو إحباط لديهم ميول أن يتصرفوا بسلبية أكثر مما كان يمكن أن يتصرفوا لو كان حالهم غير ذلك. فالتذكير بالفشل أو بنقائص أخرى يمكنها أن تضخّم من المزاج السلبي الموجود مسبقا (Alicke and Zell 2008).

   لأن الحسد يسير بعكس اتجاه الأعراف الاجتماعية، ولأن الاعتراف بالحسد عادة ما يعني الاعتراف بالدّونية أو بنقيصة ما، فإن الشخص عادة ما ينكر مشاعر الحسد. إنّ حسد شخص ما لأنه، ببساطة، يملك شيء ما لا يملكه الحاسد، بدل أن يكون قد قام بشيء مكروه تجاهه، يعني أن الحاسد يكتم مشاعر سلبية تجاه شخص ما لم يقم بأي فعل تجاهه، وربما حتى تجاه شخص لا تربطه أي علاقة به. هذا الكتم للنوايا السيئة يلحق المزيد من الضرر بتقدير الذات المهزوزة أصلا عند الحاسد، نظرا لخساسة أصولها (Smith 2013).

   يمكن للأفراد غير القادرين على التعامل مع عار الفشل أو الانتكاس أن يبحثوا عن ملجأ لهم في التسويغ، وتحديدا من خلال تغذية تصوراتهم عن الامتيازات كشيء خارجي السيطرة؛ فالحاسد قادر على تفسير نقصه ومكاسب المحسود بما يتوافق منطقيا مع الإطار المرجعي له. هذه التسويغ المنطقي يوقّد الغضب والعدائية تجاه الميزة المتصورة للمحسود والظلم الموجود فيها. ويمكن أن يتكون التسويغ المنطقي من أي عدد من التفسيرات، أو من مزيج من التفسيرات حول سبب نجاح المحسود، مثل: إيعاز ذلك إلى ميزات سابقة على النجاح، أو أنّ نّجاح المحسود قد تحقق من خلال مكاسب ووسائل غير مشروعة، أو من خلال الاحتيال، أو بواسطة امتيازات غير مكتسبة، مثلا، بحكم الولادة أو الشكل الجسدي. إن محاولات تقويض أو تشويه سمعة المحسود تغذي الشعور بالظلم للنقص النسبي عند الحاسد. ومع مراكمة المسوغات، وإيعاز المسئولية لأسباب خارجية، وشخصنة التهجمات، يتم تغذية وتوسيع الشعور بالظلم، خالقا حلقة ذاتية الاستمرار من الحسد الخبيث. ويمكن للحسد الخبيث حينها أن يتحول إلى عداء صريح، وبتغذية كافية، يتحول إلى شماتة (Miceli and Castelfranci 2007; Sundie et al. 2009).

   الشّماتة (Schadenfreude) [أو التَشَفّي] هي كلمة ألمانية من مقطعين، وتعني حرفيا: “الأذى” (Schaden) و”المسرّة” (freude)؛ وتصف الابتهاج الذي يشعره الشخص عندما يشهد مصائب الآخرين. الشّماتة هي فرع من فروع الحسد الخبيث، بالرغم من أنّ الحسد متطلّب لكنه غير كاف كسبب للشّماتة (Smith 2013; van Dijk et al. 2005). السبب السابق على الشّماتة هو الحسد الخبيث، وهو متجذر بحس من الظلم الناتج عن تصور الامتيازات غير العادلة التي يمتلكها المحسود، وتغذيها الكراهية الأولية والغضب المتصاعد (Sundie et al. 2009).

   مظهر آخر أكثر فعالية من مظاهر الحسد الخبيث هو التخريب؛ فأفعال التخريب، التي يحفزها الحسد الخبيث، تنحو إلى التّمظهر في الخفاء، مثل محاولة تقويض الجهود التي يقوم بها زميل العمل، أو نشر الشائعات عن منافس اجتماعي (Chen 2003). فـ”سلوك التقويض الاجتماعي” هذا يهدف إلى الانتقاص من سمعة المحسود، وتشويش علاقاته، بما يتسبب في انحدار أدائه، اجتماعيا، أو في العمل، أو في كليهما (Duffy, Shaw and Schaubroeck 2008, 177).

 

النيوليبرالية والحسد

   تجسّد النيوليبرالية التحول الأيديولوجي في طبيعة الدولة من تلك التي تضمن مسئوليتها التوظيف الكامل وحماية مواطنيها من مقتضيات السوق، إلى مسئوليتها عن التأكيد على المسئولية الفردية وحماية السوق نفسه (Harvey 2005). تتكون السردية النيوليبرالية من بناء أيديولوجي مركزي، الفردانية المفرطة، حيث يكمن موضع السيطرة في ممارسة الفرد للفاعلية من خلال عمليات السوق (الحر). هذا البناء الأيديولوجي البسيط لا يمثل فقط التحول في التركيز من المجتمع إلى الفرد، ولكن أيضا ينكر الطبيعة الاجتماعية الجوهرية للبشر. الفردانية المفرطة التي تعترف فقط بالفعل الفردي والمسئولية الفردية تعطي التبرير الجوهري للنيوليبرالية.

   ويعلّمنا مجاز المسئولية الفردية بأنّ أولئك المحرومين بشكل ما، أو الذين فشلوا في ظل نظام السوق، يستحقون ما هم عليه. بكلمات أخرى، الفقر هو مشكلة الفقراء أنفسهم، وإنها أيضا مشكلة الفقراء أن يبقوا كذلك. وفي المقابل، فالأثرياء يستحقون ما هم عليه، بغض النظر عن الكيفية التي جمعوا فيها ثرواتهم (Jost et al. 2003). ففي ظل أسطورة تساوي الفرص هذه، فكل الأفراد، بغض النظر عن البدايات والخلفيات، هم المسئولون عن نجاحهم أو فشلهم. ففي ظل هذا المجتمع الذي فيه كل فرد قائم بذاته، تكتسب الدونية من خلال الافتقار إلى الجهد وعدم الرغبة في العمل. ويبدو من المعقول هنها اقتراح أن الاستياء والحسد الخبيث موجودة أكثر في ظل النيوليبرالية، حيث المسئولية الفردية مكون حاسم، وحيث يسلّط الضوء على الدونية الفردية بدل تسليطه على فشل النظام أو الظلم الناجم عنه.

  إن موضع الفرد في التراتبية المالية، حسب السردية النيوليبرالية، هو المؤشر الرئيس على النجاح (Wrenn 2014). هذا يعني أنّ الأمان الانطولوجي الفردي يحدد من خلال أدائه في السوق، وبالتالي نجاحه في الحياة. أمّا النجاح الذي يقاس بوسائل غير مالية-مثل العمل الذي يحقق الرضى الذاتي، الذي هو مكافأة في حد ذاته، أو العمل الذي يعتمد على معايير غير ملموسة-فهو غير ذي صلة حسب مبدأ النيوليبرالية. ففي النيوليبرالية، ما لم يكن النجاح ذو مردود مادي، فقيمته تنخفض. فقد وجد الباحثون أنّ الحسد منتشر بشكل خاص في المجتمعات التي تتسم باللامساواة، وخصوصا عندما تكون تلك اللامساوة متجلّية من خلال قوة وممتلكات الـ”الأثرياء” (Foster 1972). ويبدو أنّ هذا يشير إلى أنّ فجوة اللامساواة المتزايدة التي تتسم بها الاقتصاديات النيوليبرالية-ليس فقط توسّع، بل تباعد الافراد من حيث الصفات التي يمكن ملاحظتها-يمكن أن تقود حتى إلى خيبة أمل أكبر وتحول المحاكاة التنافسية، والحسد الحميد إلى حسد خبيث.

   بالإضافة إلى ذلك، فقد وجد علماء الإنسان أنّ التصورات حول الحراك الاقتصادي والاجتماعي تشجِّع أيضا على الحسد. فقد وجد أنّ الأفراد الذين يعيشون في نظام طبقي (كاست) أقل إختبارا للحسد، حيث أن الحدود بين الطبقات معرَّفة جيدا، بينما يوفرّ الجمود الاقتصادي-الاجتماعي الاستقرار، والنظام، ويعطي تفسيرا مقبولا لموضع الفرد في المجتمع (Foster 1972). ومع أنّ “الوحدات الاجتماعية المغلّفة” واضحة المعالم في الرأسمالية بحدود مادية مرئية، مثل الغيتوهات الحضرية، والأندية الخاصة، والتجمعات السكنية ذات الاسوار والبوّابات (Foster 1972, 185)، فقد إستمرّ التصور حول الحدود القابلة للاختراق. فالأفراد القادرون على الخروج من الفقر، هم أهداف محددة للحسد من أولئك المستائين من النظام الاجتماعي. هذا المجاز النيوليبرالي الشائع للحراك الاجتماعي-الاقتصادي، بالإضافة إلى قصص النجاح من حين لآخر، يحفز الإحباط. ويمكن للحسد الحميد الذي كان مرة مصدر الهام أن يتحول إلى استياء وحسد خبيث.

   عند تعريف الغرض من الاقتصاد كتخصيص للموارد النادرة بين المتنافسين، فإنّ الاتجاه السائد في الاقتصاد يشجع الفكرة القائلة بأنّ المشكلة المركزية في جميع الاقتصاديات هي ندرة الموارد. إنّ تأطير مسألة التخصيص كتزاحم مدفوع بشكل فردي لتأمين ما يكفي كل لنفسه، بدل أن تكون عملية قرار جماعي تهدف إلى ازدهار المجتمع ككل، تغذّي بشكل أكبر الدافع التنافسي للنيوليبرالية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذه الندرة المصطنعة تضخم الحسد. ولأنّ الحسد ينشأ من مسلكيات التنافس (Miceli and Castelfranci 2007)، فمن المنطقي عند اشتداد النيوليبرالية، والدافعية نحو التنافس التي تميزها، أن تتضخم مشاعر الحسد كذلك.

   ربما تعطي صناعة الإعلانات المثال الأوضح عن الاستحضار المتعمد للحسد في الرأسمالية. ولنتأكد من ذلك، فطبيعة الإعلانات وأساليب الدعاية تغيّرت عبر الوقت، ولكن سواء وظفّت الإعلانات محتوىً معلوماتياً أو محتوىً خاصاً بفئة محددة، تبقى الرسالة الموجهة هي نفسها: إنّ المستهلك ينقصه شيء ما يمتلكه آخرون. فالدعايات تلعب بلا كلل على وتر مشاعر الحسد. لحسن الحظ، فالنسبة للمستهلك، فالإعلانات تقدم حلاً أيضا، فبشراء المنتج أو الخدمة يمكن للشخص أن يعالج هذا النقص. وبهذا، فالدعاية تمثل مشكلة الحرمان النسبي أو النقص، وتمنح حل الامتلاك من خلال الاستهلاك، وكله من خلال آلية عمل الحسد (Foster 1972; van de Ven, Zeelenberg and Pieters 2009).

 

ملاحظات ختامية

   التنظيم الاجتماعي هو الذي يقود النزعات الكليّة للمجتمع نحو أو بعيداً عن المصالح الفردية، أو نحو المصلحة المجتمعية.  فالنّدرة ليست هي المحرك الكوني للسلوك الاقتصادي، لكنّه التكوين المؤسسي الذي يحدد كل من مسألة الندرة وردّة فعل أعضاء المجتمع عليها، وهو ما يؤكد، في نهاية المطاف، العلاقات الاقتصادية والنظام الاقتصادي الأعم. وهذا لا يعني أنّ المؤسسات هي المحرّك الوحيد للسلوك؛ فهناك تفاعل حقيقي بين الأفراد والمؤسسات، حيث يؤثر كل منها في الآخر، ويتطور بشكل مستقل كنتيجة للتطورات الداخلية. فالإشارة إلى تأثير المؤسسات هو مجرد وسيلة للتأكيد على الفرضية المركزية أنّ السلوك الاقتصادي ينشأ من تكرار أطر التفاعل المنطوية في السياق المؤسسي المحيط (Stanfield 1982).

   يشير الباحثون إلى أنّ الحسد هو مقارنة تصاعدية أكثر من كونه مقارنة بين أفراد متماثلين موضوعيا. وبينما يمكن أن تخدم هذه المقارنة التصاعدية غايات إيجابية، كتشجيع تطوير الذات، والتحفيز، أو تركيز العمل نحو أهداف معينة، وإذا كانت هذه الفروقات متجذّرة في مزايا مسار الخيارات السابقة التي يتمتع بها المحسود، فإنّ المقارنة التصاعدية عندها ستقود إلى خيبة أمل وإحباط (Miceli and Castelfranci 2007).

 على عكس تحليل فيبلن الذي يبرز الحسد الحميد في رأسمالية مطلع القرن العشرين، فقد نمى الحسد الخبيث في الينيوليبرالية. ويبدو هذا منطقيا؛ ففي ظل النيوليبرالية، التي تكرّم المسئولية الفردية والتنافسية، وتمتاز بدرجة عالية من عدم المساواة في الدخل، وعدم المساواة في الحراك الاجتماعي، والنهم الفائق في المشهد الاستهلاكي، فإنّ الحسد، وتحديدا الحسد الخبيث، هو الأكثر اتصالا بها. وبالنظر إلى أنّ الحسد هو دافع بشري، بحيث يمكن تعزيزه، أو تضخيمه، أو إخماده بواسطة الوسط المؤسسى المحيط؛ فيجب على علماء الاجتماع أن يتحملوا المسئولية لدراسة واقتراح تغيير السياسات التي يمكن أن تواجه وتحاول إعادة توجيه الطريقة التي يختبر فيها الافراد أنواع العواطف المختلفة، وخوصا الحسد. الحسد الخبيث شيء غير صحي، وإذا كانت النيوليبرالية كنظام اقتصادي تشجع على الحسد الخبيث، فيجب النظر إلى النيوليبرالية كتنظيم مؤسسي مسموم، والسعي نحو التغييرات المؤسسية التي تواجهها بناء عليه.

 

المصدر

 

فؤاد ريان، مترجم من فلسطين (fd.rayan@gmail.com)


الهوامش:

[1] هناك الكثير من المقولات حول ترسيم الحدود بين شعور الحسد وشعور الغيرة، وبدل من الخوض في الفروقات التي هي بالتأكيد، سأركز على الحسد عندما تكون التجربة العاطفية للحاسد هي عدم امتلاك الشي الذي يريده، والغيرة عندما تكون التجربة العاطفية هي الخوف من خسارة شيء ما يملكه الشخص مسبقا.

 [2] انظر تحديدا الى: Marshall Sahlins (1972), Elizabeth M. Thomas (1959), H. Ian. Hogbin (1951),Raymond Firth (1963).

 

المراجع

Alicke, Mark D. and Ethan Zell. “Social Comparison and Envy.” In Envy: Theory and Research, edited by

Richard H. Smith, pp. 73-93. Oxford, UK: Oxford University Press, 2008.

Chen, Kong-Pin. “Sabotage in Promotion Tournaments.” Journal of Law, Economics, and Organization 19, 1

(2003): 119-140.

Diamond, Stanley. In Search of the Primitive. New Brunswick, NJ: Transaction Press, 1974.

Duffy, Michelle K., Jason D. Shaw and John M. Schaubroeck. “Envy in Organizational Life.” In Envy:

Theory and Research, edited by Richard H. Smith, pp. 167-189. Oxford, UK: Oxford University Press,

2008.

Firth, Raymond. Elements of Social Organization. London: Watts and Co., 1963.

Foster, George M. “The Anatomy of Envy: A Study in Symbolic Behavior.” Current Anthropology 13, 2

(1972): 165-202.

Harvey, David. A Brief History of Neoliberalism. Oxford, UK: Oxford University Press, 2005.

Hill, Sarah E. and David M. Buss. “The Evolutionary Psychology of Envy.” In Envy: Theory and Research,

edited by Richard H. Smith, pp. 60-70. Oxford, UK: Oxford University Press, 2008.

Hogbin, H. Ian. Transformation Scene: The Changing Culture of a New Guinea Village. London: Routledge and

Kegan Paul, 1951.

Jost, John, Sally Blount, Jeffrey Pfeffer and Gyorgy Hunyadi. “Fair Market Ideology: Its Cognitive-

Motivational Underpinnings.” Research in Organizational Behavior 25, 3 (2003): 53-91.

Kaster, Robert A. Emotion, Restraint, and Community in Ancient Rome. Oxford, UK: Oxford University Press,

2005.

Levy, Isaac Jack and Rosemary Levy Zumwalt. Ritual Medial Lore of Sephardic Women: Sweetening the Spirits,

Healing the Sick. Urbana, IL: University of Illinois Press, 2002.

Miceli, Maria and Cristiano Castelfranchi. “The Envious Mind.” Cognition and Emotion 21, 3 (2007): 449-

479.

Sahlins, Marshall. Stone Age Economics. Chicago, IL: Aldine Publishing, 1972.

Schimmel, Solomon. “Envy in Jewish Thought and Literature.” In Envy: Theory and Research, edited by

Richard H. Smith, pp. 17-38. Oxford, UK: Oxford University Press, 2008.

Smith, Richard H. The Joy of Pain: Schadenfreude and the Dark Side of Human Nature. Oxford, UK: Oxford

University Press, 2013.

Smith, Richard H. and Sung Hee Kim. “Comprehending Envy.” Psychological Bulletin 133, 1 (2007): 46-64.

Stanfield, J. R. “Learning From Primitive Economies.” Journal of Economic Issues 16, 2 (1982):471-479.

Sundie, Jill M, James C. Ward, Daniel J. Beal, Wynne W. Chinn and Stephanie Geiger-Oneto.

Schadenfreude as a Consumption-Related Emotion: Feeling Happiness About the Downfall of

Another’s Product.” Journal of Consumer Psychology 19 (2009): 356-373.

Thomas, Elizabeth M. The Harmless People. New York, NY: Knopf, 1959.

Van de Ven, Niels. “Malicious Envy and Schadenfreude.” In Schadenfreude: Understanding Pleasure at the

Misfortune of Others, edited by Wilco W. van Dijk and Japp W. Ouwerkerk, pp. 110-117. Cambridge,

UK: Cambridge University Press, 2014.

Van de Ven, Niels, Marcel Zeelenberg and Rik Pieters. “Leveling Up and Down: The Experiences of Benign

and Malicious Envy.” Emotion 9, 3 (2009): 419-429.

Van Dijk, Wilco, Jaap Ouwerkerk, Sjoerd Goslinga and Myrke Nieweg. “Deservingness and Schadenfreude.”

Cognition and Emotion 19, 6 (2005): 933-939.

Veblen, Thorstein. The Theory of the Leisure Class. Oxford, UK: Oxford University Press, 2007.

Wrenn, Mary V. “Identity, Identity Politics, and Neoliberalism.” Panoeconomicus 4 (2014): 503-515.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق