Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

القانون والإيدلوجيا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. كرستن سينويتش، حول القانون والإيدلوجيا، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


إذا كان القانون نظامًا من القواعد الملزمة التي تحكم العلاقات الاجتماعية، والتي تم تشريعها بواسطة النظام السياسي، فإنه يبدو جليُا أن القانون مرتبط بالأيدلوجيا. وتشير الإيدلوجيا، بشكل عام، إلى نظام من الأفكار السياسية والقوانين والسياسات التي تتداخل معًا بشكل معقد. وكما تتباين الإيديولوجيات عبر الطيف السياسي، فكذلك تتباين النظم القانونية. وهكذا فنحن نتكلم عن النظم القانونية والإيديولوجيات، سواء كنا ليبراليين أو فاشيين أو شيوعيين وهلّم جرا، وغالبًا ما يفترض الناس أن القانون بمثابة التجلي التشريعي للإيدلوجيا السياسية. ويتوقع المرء أن تتشكل ممارسة وفعالية القانون حسب معتقدات الناس السياسية، لذا يبدو أن القانون ينبع من الإيدلوجيا بشكل مباشر وغير مثير للجدل.

على أيه حال، فإن العلاقة بين القانون والإيديولوجيا علاقة معقدة وجدلية ويرجع ذلك إلى تعدد تعريفات الإيديولوجيا والطرق المتباينة التي ترتبط بها مع القانون. وبحث علاقة القانون بالإيديولوجيا -علاوة على ذلك- مسألة شائعة في علم الاجتماع، لذلك غالبًا ما تصاغ الرابطة بين القانون والإيديولوجيا بروح نقدية بغية التشكيك في القانون.

حيث تتعلق المسألة هنا بفهم الإيديولوجيا كمصدر للتلاعب. فلو كان القانون مؤدلجًا، فإنه لا يتعامل مع الخاضعين له بشفافية، ووفقًا لهذا الرأي فإن القانون بمثابة العباءة للسلطة. وفي المقابل، فإن القانون كالمثل الأعلى الذي ينطوي على مجموعة من المؤسسات التي تضبط السلطة وتقيّدها وفقا لمعايير العدالة. لذلك، فإن حضور الأيديولوجيا في القانون يقوض بشكل ما من نزاهته. ولا تتعارض النظرة إلى القانون باعتباره إيديولوجيا فقط مع التفكير السائد حول القانون، ولكن أيضًا يصعب التوفيق مع المواقف الفلسفية المركزية حول القانون مثل المفهوم الوضعي للقانون كمجموعة من القواعد الرسمية، ومثل المفهوم الطبيعي الذي يتحدد فيه القانون استنادًا إلى مبادئ أخلاقية.

 

 

  • 1. المفاهيم الليبرالية للإيديولوجيا

  • 2. المفاهيم الراديكالية للإيديولوجيا

  • 3. الإيديولوجيا ومصادر للقانون

  • 4. الإيديولوجيا وسيادة القانون

  • 5. خاتمة: الإيديولوجيا والعدالة

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


 

 

 

 1. المفاهيم الليبرالية للإيديولوجيا

ما هي الإيديولوجيا؟ صاغ المفكر الفرنسي “كلود دو تراسي” مصطلح الإيديولوجيا في مطلع القرن التاسع عشر في دراسته عن التنوير. بالنسبة لدو تراسي الإيديولوجيا هي علم الأفكار وأصولها. وتنظر الإيديولوجيا للأفكار بأنها نتاج لقوى البيئة المادية التي تشكل تفكير الناس، لا على أنها تظهر عشوائيًا من العقل أو الوعي. واعتقد “دو تراسي” أن رؤيته للإيديولوجيا من الممكن أن تستخدم لأغراض تقدمية سياسية، حيث أن فهم مصادر الأفكار قد يفيد جهود التقدم البشري.

لا تعني الإيديولوجيا اليوم علم الأفكار ولكن الأفكار نفسها، بل أفكار معينة خصيصًا.  فالإيديولوجيات أفكار ذات أغراض السياسية وليست إبستمولوجية/معرفية. وبالتالى فإن إيديولوجيا ما إنما توجد لتأكيد وجهة نظر سياسية معينة، وتخدم مصالح أناس محددين، وتؤدي دورًا وظيفيًا متعلق بالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية. وسمى دانيال بل الإيديولوجيا (نظام من المعتقدات عملية الطابع)، وحقيقة إن الإيديولوجيا “عملية الطابع” تشير إلى أن دورها ليس بجعل الحقيقة واضحة ولكن لتحفيز الناس أن يفعلوا أو يمتنعوا عن أشياء محددة. وهو ما ينطوي على عملية تبرير تتطلب تشويشًا للحقيقة. ومع ذلك، فإن بل ووغيره من علماء الاجتماع/السوسيولوجيين الليبراليين لم يفترضوا علاقة خاصة بين الإيديولوجيا والحالة السائدة، فبعض الإيديولوجيات تدعو للحفاظ على الحالة الراهنة بينما تدعوا الإيديولوجيات الأخرى لتغييره أو إصلاحه.

ومن الممكن أن تشكل الإيديولوجيا القانون وفقًا لوجهة النظر تلك، ولكن قد تتنافس عدة إيديولوجيات لأجل الهيمنة القانونية، وليس ثمة علاقة ضرورية بين القانون وإيديولوجيا محددة. ولا داعي لاعتبار القانون معيبًا، إذ أن كون القانون إيديولوجي قد تشير فقط الى مؤسسات السيادة الشعبية، حيث السياسة العامة تعكس مبادئ ومعتقدات المواطنين: الإيديولوجيا في هذه الحالة طريق مختصرة للإحالة إلى رؤى المواطنين التي جرى ارساؤها بطريقة شرعية في القوانين الوضعية. ومع ذلك جادل “بل” بأن أفكار (ما بعد الحرب العالمية) على الرأسمالية والديموقراطية الليبرالية قد تعبر عن “نهاية الإيديولوجيا”.

 

2. المفاهيم الراديكالية للإيديولوجيا

يوجد في كتابات كارل ماركس وفريدريك أنجلز رؤية أكثر نقدية لعلاقة القانون بالإيديولوجيا ودورها والأغراض التي تخدمها. وذهب ماركس وإنجلز، مثل دو تراسى، إلى أن الافكار تتشكل عن طريق العالم المادي، ولكن باعتبارهم ماديين تاريخيين فانهم يفهمون المادة باعتبارها تتكون من علاقات الانتاج التي تخضع للتغيير والتطوير. علاوة على ذلك، فإن السمات الاستغلالية والاغترابية لعلاقات الاقتصاد الرأسمالي هي التي تثير الأفكار التي أطلقوا عليها “إيديولوجيا”، حيث تنشأ الإيديولوجيا فقط في ظروف اجتماعية مثل تلك التي تنشأ عن الملكية الخاصة، والتي تستحق الشجب والادانة. وتوجد الإيديولوجيا لحماية هذه الظروف الاقتصادية من هؤلاء الذين تستغلهم. وتقدم الإيديولوجيات الرأسمالية تفسيرًا مقلوبا لعلاقات السوق، فمن أجل أن ينظر الناس -مثلًا- لأفعالهم على أنها نتيجة للعوامل الاقتصادية بدلا من يفعلوا عكس ذلك، وبذلك يفهمون أن السوق أمر طبيعي ولا مفر منه. واستند أعضاء من مدرسة فرانكفورت مثل يورجن هابرماس على الفكرة الماركسية القائلة بأن الإيديولوجيا تشوه الواقع، للإشارة إلى دورها في عملية التواصل، حيث علاقات القوة تمنع التعبير الحر والمنفتح عن الآراء والمعتقدات.

وبالتالي فالإيديولوجيا بعيدة عن أن تكون علمًا كما ادعى دو تراسى، أو مجموعة من المعتقدات العملية كما وصفها بل، ولكنها تسليمية/خضوعية/استسلامية/انعزالية *(quietism) ولا يمكن التعويل عليها أبستمولوجيًا/معرفيًا. وتعتبر الإيديولوجيا محافظة حيث أنها تموه الأوضاع الاجتماعية الفاسدة بتقديم سردية وهمية لمبررها أو وظيفتها، بغية شرعنتها وضمان قبولها. وفي الواقع، وفقا لهذه الرؤية للدور الإيديولوجي للقانون، لا حاجة في مجتمع عادل لتفسير مشوه للواقع ومن ثم لا حاجة للقانون. هكذا فإن مفهوم القانون كإيديولوجيا يعتبر مركزيا للرؤية الماركسية التي ترى أن القانون سيتلاشى مع ازدهار الشيوعية (سيبنويتش 1990)* .

وهذه الرؤية السلبية للإيديولوجيا التي تبناها الماركسيون ربما تقترح مفهومًا فجًا، حيث الإيديولوجيا القانونية بمثابة أداة يستخدمها الاقوياء بخبث لضمان خضوع المستضعفين. على أي حال، إنها تمتهن “مفهوم الحق ” حين يكون “القانون تعبير فج ومطلق وخالص لهيمنة طبقة ما”. (إنجلز: رسالة إلى كونراد شميت، أكتوبر 1890). ولأن الإيديولوجيا، كالقانون، تأخذ شكلًا رسميا ومعياريًا، فأن الأقوياء أيضا يقعون فى قبضتها، مقتنعين بسردية النظام الحتمي والعادل الذي يستفيدون منه. والإيديولوجيا، علاوة على ذلك، ليست خيالًا، بل هي نتيجة لأوضاع اجتماعية حقيقية وانعكاس لها. لذلك لابد أن تنجح الإيديولوجيا في خلق إجماع حول الرأسمالية، ولابد أن يكون ذلك من خلال تجسيد الملامح المميزة للرأسمالية. المساواة أمام القانون، كمثال، نابعة من واقع العلاقات الاقتصادية الرأسمالية وتؤثر فيها على حد سواء، حتى لو ظلت كمساواة تظل شكلية وغير تامة. ولن يكون هناك قبول واضح للإيديولوجيا القانونية إذا لم يكن لها علاقة على الاطلاق بالأوضاع الاقتصادية التي تبررها. وفكرة أن الإيديولوجيا تغير الحقيقة مهمة هنا. في استعارة “الكاميرا المظلمة ” التي استخدمها ماركس في كتاب “الإيديولوجيا الالمانية”، حيث زعم ماركس أن الإيديولوجيا تقلب الحقيقة رأسًا على عقب مثلما تفعل عملية التصوير بتقديم صورة معكوسة “الصورة السالبة “. حيث تكشف الصورة المعكوسة الكثير. فهي وصف قابل لإدراك الحقيقة حتى لو كان في نفس الوقت مشوها. تناول كارل منهايم بمزيد من التفصيل العلاقة المعقدة بين الحقيقة والإيديولوجيا من خلال الاشارة إلى الحاجة الانسانية إلى الإيديولوجيا. فليست الإيديولوجيات صحيحة ولا خاطئة بقدر ما هي منظومة من الأفكار المشروطة اجتماعيا والتي تقدم للناس -سواء المحظوظين أو المحرومين – الحقيقة التي يودون سماعها.

وفى العشرينيات، وقع الفقه القانوني الأمريكي تحت تأثير نوع آخر من الرؤى النقدية للإيديولوجيا والقانون. حيث تخلى تيار الواقعية القانونية عن تحليل ماركس المادي التاريخي تحديدًا، ولكنه احتفظ بالفكرة القائلة بأن القوى الاجتماعية خارج القانون في القلب من عملية تحديد ماهية القانون. وعارض الواقعيون السرديات الشكلية التقليدية عن الحكم في القضايا، حيث يستند القضاة إلى مواد قانونية متميزة وفريدة في اصدار أحكامهم.  وبدلًا من ذلك، جادل الواقعيون أن القانون غير قابل للتحديد بطبيعته ويجب أن تفسر الأحكام القضائية وفقا للعوامل الخارجية. وهنا تظهر الإيديولوجيا كنوع من التفسير الواقعي حيث تكون الأحكام القضائية كأثر للأفكار السياسية، سواء للقضاة أنفسهم أو الوسط المهني القانوني عمومًا، أو النخبة المجتمعية، أو حتى غالبية الرأي العام.  وكان نقد الواقعيين للقانون بموازاة رؤية سياسية تقدمية، فاذا كان تأثير العوامل الخارجية على القانون أمرًا لا مفر منه، فإن التغييرات الاجتماعية والسياسية التي بشرت بها دولة الرفاه، لن تخل بسلامة القانون. بل من الارجح، مع توسع السلطة التنظيمية للدولة الادارية *adminstrative state أن يكون تأثير العوامل الخارجية على القانون للسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية، بدلا من التأثيرات السلبية في الماضي.

وهكذا عادت مرة أخرى الرؤية القائلة إن القانون انعكاس للإيديولوجيا، مع ظهور حركة الدراسات القانونية النقدية، في السبعينيات والثمانينيات. والدراسات النقدية القانونية هي تيار راديكالي تشكلت أفكاره بفضل عدد من التأثيرات، الماركسية والواقعية والكلاسيكية، النزعة التفكيكية في الفلسفة، والتيارات السياسية المرتبطة بقضية محددة مثل النسوية والبيئية ومناهضة العنصرية. وتبنت حركة الدراسات النقدية القانونية الفكرة الواقعية بأن القانون غير قابل للتحديد، ورددت الرؤى الماركسية عن أن مصالح الأقوياء تشكل القانون. وقدم دعاة الحركة ملاحظات مدهشة حول طرق ممارسة وتدريس القانون، والتي تعطى انطباعًا مضللًا حول شرعية القانون ويقينيته. حيث تم استهداف مبادئ قانونية معينة على اعتبار أنها تخفى الملامح المتناقضة والتعسفية في إصدار الاحكام القانونية، فمثلا مبدأ “سيادة القانون” الذي أعتبر بمثابة رؤية ساذجة لقانون خال من تأثيرات محتوى القانون والسياق الاجتماعي الذي يعمل فيه. فمن الممكن أن تؤدى عدم قابلية القانون للتحديد إلى نتائج متباينة، على سبيل المثال أشار دونكان كينيدى إلى الطرق المدهشة التي تستطيع من خلالها الإيديولوجيا الشكلية في كتابة الحيثيات القانونية/التسبيب القانوني إلى تجنب الظلم على الرغم من أن الإيديولوجيا غالبا تبطل سبل الانصاف تلك في نفس الوقت. وهكذا يمكننا القول إن الرؤية للقانون كإيديولوجيا تعكس اجماعًا بين الراديكاليين من جميع الاطياف على اعتبار القانون قوة تشتيت للحفاظ على العلاقات غير العادلة للوضع السائد.

 

3. الإيديولوجيا كمصدر للقانون

يبدو إذًا أن النظرة إلى القانون كإيديولوجيا قد قوضت بشكل جذري السجال الشهير حول مصادر القانون. تمحور هذا السجال حول أي أخلاقيات، وإلى أي مدى تعتبر جوهرية لتعريف القانون؟ وجادل القانونيون الطبيعيون بأن القانون لابد وأن يستند جزئيا إلى معايير أخلاقية. منذ توما الأكوينى (توماس أكويناس)، لم تبتعد المعايير كثيرا عن تعاليم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ولكن الحجج الأكثر حداثة، مثل تلك التي قدمها لون فولر ورونالد دوركن، قدمت معايير علمانية نابعة من المثل الإجرائية لحكم القانون والنزعة الدستورية لليبرالية الامريكية. وسلم الطبيعيون، على أية حال، بأن القانون يجب أن يحدد وفقًا لما ينبغي أن يكون عليه.

وذهب الوضعيون بالمقابل إلى أن القانون يتحدد فقط بالحقائق المؤسساتية الداخلية للنظام القانوني، سواء وافقت معاييرًا أخلاقية أم لم توافق. وجادل الوضعيون الأوائل بأن شرعية القانون لا تستند إلى معايير أخلاقية، فالقانون يجب أن يطاع مهما كان ابتعاده عن المثل الأخلاقية. وجادل منظرون أكثر حداثة مثل اتش ال ايه هارت وجوزيف راز بأن الوضعية ملتزمة فقط بالفكرة القائلة أنه بسبب أن القانون سؤال وقائعي، فان تحديد القانون وفقا لمعايير أخلاقية خارج القانون قد يشجع على العصيان. وسلم الوضعيون على أيه حال بأن القانون قد يتوافق مع معايير أخلاقية، ولكن تعريف القانون وما يجب أن يكون عليه يجب أن يظل متمايزًا.

وسعى كل من الوضعيين والطبيعيين إلى تقديم مفهوم لجوهر القانون. وجعل منهم هذا المسعى خصوما لرؤية القانون كإيديولوجيا، والتي تفترض أن محاولة تحديد ماهية القانون مسألة خاطئة بشكل أساسي. فعلى أيه حال، لو كان القانون يتشكل حسب أفكار نابعة من علاقات القوة خارج القانون فأن القانون سيصبح بلا جوهر، سواء كان أخلاقيًا أو مؤسساتيًا. فلو تم اختزال القانون إلى الإيديولوجيا أو اعتباره مجرد أثر لها، فستكون الشرعية احتمالية ولا تستند إلى أساس، ولن يكون لها معنى ضروري أو تعريف، ولا طبيعة جوهرية. وإذا كان القانون يعكس ويشوه وقائع القوة، فإن القوة وليس مبادئ الشرعية هي التي تحدد ماهية القانون، وبالتالي بالنسبة لغالبية المنظرين القانونيين، فإن الإيديولوجيا ليست ملمحًا ضروريا للقانون، وبالتأكيد لا يجب تعريف القانون طبقا للمفاهيم الراديكالية التي ترى أن القانون تشويها للواقع أو تشويها للعلاقات الاجتماعية بالأحرى.

ومع ذلك، أصبح الوضع أكثر تعقيدًا، فالرؤية الماركسية للقانون باعتباره كإيديولوجيا لها بعض الصلات بالنظريات المتنافسة حول مصادر القانون. حيث تتفق الرؤية الماركسية مع الوضعية، فعلى سبيل المثال ترى أن القانون ينبثق من الممارسات المجتمعية، ولكن الممارسات غير القانونية، سياسية واقتصادية واجتماعية، بدلا من الممارسة الخاصة بواقع المؤسسات الداخلية للنظام القانوني. ففي نهاية المطاف تحدد القوى الاجتماعية شكل ومحتوى النظام القانوني. في الواقع، فان فكرة الماركسي لويس ألتوسير ذات نكهة وضعية، تتمثل في إصراره على أن الحقائق السياسية يمكن وصفها وصفا شاملا استنادا إلى البُنى أكثر من الفاعلين الاجتماعيين ذوي المعايير.  وربما توقعنا أن يتعارض العرض الراديكالي للإيديولوجية مع رؤية إيديولوجيا وضعية. وسيرى الراديكاليون موقف الوضعيين من المؤسسات توجهًا غير نقديا بالمرة تجاه البنى الإيديولوجية التي تشكل تلك المؤسسات. ولكن ربما من الممكن تأويل الموقف الوضعي باستبعاد أي شرعية تنسب للمؤسسات التي تحدد القانون لاستيعاب انتقادات الراديكاليين.

أما بالنسبة للطبيعيين، فتسلم الرؤية الماركسية للقانون كإيديولوجيا للقانونيين الطبيعيين بأن القانون ذو طبيعة معيارية. ما الإيديولوجيا؟ أليست نظامًا من الأفكار والمثل؟ ومع ذلك، فإن المعايير تتحدد بحسب المصالح التي تخدمها، وليس العدالة التي تجسدها. نعم، القانون ذو طبيعة معيارية، إلا أن الماركسيون يصرون على مواجهة الطبيعيين أنه بالتأكيد ليس أخلاقيًا. والجانب النقدي للإيديولوجيا الراديكالية يرى أن هناك هوة يصعب تجاوزها مع الطبيعيين، أكثر مما عليه الحال مع الوضعيين.

وبالطبع يمكن للطبيعيين والوضعيين إفساح المجال للرؤية الليبرالية للإيديولوجيا باعتبارها نظامًا من المعتقدات ذات الطبيعة العملية، كمكمل لرؤيتهم لمصادر القانون، على أساس أن الإيديولوجيا جزء من المشهد الاجتماعي التي يطبق القانون مفاهيمه.  ويعبر القانون الطبيعي عن نفسه في إيديولوجيا المجتمع، وربما تعكس المؤسسات التي يتحدث عنها الوضعيين المعتقدات الإيديولوجية.

 

4. الإيديولوجيا وسيادة القانون

كل ما سبق يشير إلى صدام ذي صلة. هذا الصدام/التوتر بين الرؤية الراديكالية للإيديولوجيا ومفهوم “حكم القانون”، القلب النابض للنظام القانوني الليبرالي. إن مبادئًا مثل سيادة القانون ومراعاة الأصول القانونية الواجبة (الحق في المحاكمة العادلة) والعدالة الإجرائية، والشكلية القانونية، والعقلانية الإجرائية، والعدالة كنظام ثابت، كل ذلك يعنى في التحليل الأخير أن هناك متطلبات شكلية معينة لابد أن يفي بها النظام القانوني لكي ينصاع له الفرد. وتستند هذه المتطلبات على المبدأ القائل إن القانون عام ويأخذ شكل “القواعد”. والقانون بحسب تعريفه لا ينبغي أن يكون موجها لحالة محددة أو فرد معين، كما لاحظ لون فولر: تتطلب سيادة القانون أيضًا أن يكون القانون دقيقًا نسبيًا، واضح العبارة، معلنًا، ليس بأثر رجعي، وشاملًا.

إن الرؤية القائلة بأن القانون هو إيديولوجيا -حتى في أشد صورها تطرفًا لا تنكر حضور سيادة القانون في النظام القانوني الليبرالي، بل في الواقع يجري الاستشهاد بها كمثال نموذجي على القانون الإيديولوجي. لأنه على أيه حال، ينظر إليه كأداة لخدمة مصالح الأقوياء، فضلا عن أنه يفكك نفسه بنفسه.  ويتقيد حكم القانون حسب ممارسة السلطة الحكومية والقضائية، مسهلًا أهداف أولئك الذين يمتلكون القوة خاصة الاقتصادية. وهذه ليست حجة مفاجئة، لو أخذنا في الاعتبار أن مفكرا يمينيا مثل فردريك هايك أشاد بحكم القانون كضرورة لتعزيز السوق الحرة.  وهكذا فإن مفكري اليمين واليسار متفقين إذًا على الدور الرأسمالي لسيادة القانون.

أما بالنسبة للمنظرين اليساريين، فإن حكم القانون له جوانب إيديولوجية تخدم الأغراض الرأسمالية بأكثر الاساليب شرًا. عندما يتقيد حكم القانون بممارسة السلطة التنفيذية والقضائية فان ذلك يعنى أن تلك السلطات العامة هي الوحيدة الموجودة أو على الاقل هي التي تهم. وعلاوة على ذلك، فضمان القانون للخاضعين له أنه ينطبق بشكل عمومي ومؤكد، بغض النظر عن أي شيء آخر، ويجعل مقتضى “سيادة القانون” أن العدالة الشكلية هي الشكل الوحيد من العدالة، والمساواة أمام القانون هي المساواة في حد ذاتها.

إن هذه الادعاءات حول حكم القانون والإيديولوجيا تحتاج إلى التمحيص. فهل سيادة القانون تنطوي على التضليل لمصلحة النظام الرأسمالي؟ بالنظر إلى فضائله الشكلية، وغضه الطرف عن مضمون القانون. وهكذا فان سيادة القانون تبدو بريئة من الانحياز الرأسمالي، أو أي انحياز من أي نوع. وكما يقول راز: “مزايا سيادة القانون كمزايا سكين حاد، تمكنه من أداء وظيفته بغض النظر عن هذه الوظيفة “. كما أنه من الصعب أن نرى مبدأ “سيادة القانون” نفسه منخرطًا في أي نوع من التضليل. فعلى سبيل المثال، لا يترتب على المساواة أمام القانون بالضرورة أي التزامات محددة في الكيفية التي ينتظم بها الاقتصاد أو المجتمع، ولا إشاعة الزيف والخطأ. ومع ذلك من الممكن أن تستخدم “شكلانية” سيادة القانون لأغراض إيديولوجية، وتشتيت النقد الاجتماعي، ومنع التغيير الجذري. فاذا كان أنصار” سيادة القانون” يعولون بشده على العدالة الاجرائية، فان ذلك يقلل احتمال ظهور مفاهيم أكثر موضوعية للعدالة. وتاريخيا، كانت المجتمعات التي سادتها سيادة القانون أكثر ميلا لتكون خاضعة للأسواق الرأسمالية، مما يوحى بوجود صلات بين المؤسستين. فإن لسيادة القانون تأثير إيديولوجي، حتى لو لم تكن إيديولوجية في جوهرها.

 

5. خاتمة: الإيديولوجيا والعدالة

تعتبر الفكرة القائلة بإيديولوجية القانون بمثابة اسهام هام في الدراسات القانونية. أولا، قدمت رؤية أكثر نقدية للقانون ودوره، وازالت الغموض عن مجموعة من المؤسسات الاجتماعية. وثانيا: أشارت إلى مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية في فهمنا للقانون. إذا كانت الممارسة القانونية تتشكل وتتأثر بالجوانب القانونية للمجتمع، والقانون بدوره يؤثر على المجتمع والتغيير الاجتماعي، ليس فقط في التأثير الواضح في أحكام محددة، ولكن في الثقافة السياسية التي يسهم القانون في انتاجها.

إن النظرة الماركسية تغامر بالوقوع في اختزال مخل. حيث أن التفكير في القانون كإيديولوجيا فوق أي اعتبار آخر على الطريقة الماركسية من الممكن أن يعزز فهم سطحيا وخاطئًا للعلاقات بين السلطة والشرعية، حيث القانون يخدم مصالح الاقوياء والضمانات القانونية محض ادعاء كاذب. وأيضا، من الممكن أن يؤدى ذلك إلى الاستخفاف بالقانون، مما يتناقض بشكل كلي مع الأهداف التحررية للسياسيات الراديكالية، وهي الأهداف التحررية التي كانت الدافع لنقد القانون كإيديولوجيا بحسب الأصل. حيث يغامر النقد الراديكالي بفقدان جميع امكانات مصادر للقانون كسبيل للانتصاف من الظلم.

وعلاوة على ذلك، فإن استخفاف بعض الرؤى الإيديولوجية بالقانون هو في الحقيقة ثمرة نوع من الطوباوية حول القانون. حيث تجرى المقابلة بين صورة مظلمة لمجتمع تتلاعب به الإيديولوجيا نيابة عن الأقوياء، وصورة مجتمع مثالي بدون إيديولوجيا أو قانون، حيث علاقات البشر بعضهم البعض وبالواقع شفافة وخالية من الصراعات. إن أطروحة نهاية الإيديولوجيا، التي قدمها بل بروح متباهية بالانتصار نيابة عن الليبرالية الاقتصادية، موجودة بشكل مثير للاهتمام، وربما بشكل أبرز في الافكار المثالية الشيوعية. وربما تكون صحيحة أو خاطئة في افتراضها أن البشر يمكنهم تجاوز الإيديولوجيا. ففي الواقع، إن المفهوم الراديكالي للإيديولوجيا يلقى بظلال من الشك على احتمالية أن يستطيع الافراد تقديم سردية موضوعية للواقع، سردية منزهة عن عمليات الاستقصاء المشوهة والمبررة ذاتيا.

كيف أمكن إذن أن تنتشر رؤية إيديولوجية القانون في حقل الدراسات القانونية؟ في الواقع، إن نقدًا أكثر عمقا للإيديولوجيا يدرك أن أيًا من التحرر أو التضليل يمكن أن يتجسد في القانون.   وباستدعاء المفهوم الدقيق لماركس وإنجلز، حيث الإيديولوجيا تعطي صورة معكوسة، ولكنها مع ذلك قابلة للإدراك. ومقتضى ذلك، أن مُثل الشرعية ليست مجرد تمثيلية هزلية إلا على نحو   جزئي وغير مكتمل. واعتمد المؤرخ الماركسي “ايه بى تومسون” على هذه النقطة في جداله لأجل قيمة كونية لسيادة القانون. حيث ادعى تومسون أنه لأجل أن يعمل القانون كإيديولوجيا فإنه لابد أن يقدم بين يديه بعض القيم الاخلاقية الحقيقية/الأصيلة.

ولتوضيح ذلك، لنفترض أن شخصا متوحشا يتخذ قناعا من الأخلاق الحميدة، فإن ذلك لا يجعل السلوكيات الحميدة بلا قيمة. وكذلك الإيديولوجيا القانونية، من الممكن أن تخفى في طياتها الظلم بالطرق التي تخدم العدالة مع ذلك. إن أي حجة ترى للقانون وظيفة إيديولوجية يجب أن تقر قبل ذلك بقيم الظاهرة التي تخدم أهدافًا إيديولوجية، فالإيديولوجيا لا يمكن أن تخلو تماما من الجوانب التحررية برمتها، لو كان القانون يتشدق بالعدالة والمساواة والحرية فلابد أن يحققهم كي يتسنى له أداء وظيفته كإيديولوجيا. وهكذا يمكننا أن نقدر الضمانات الاجرائية القانونية التي يضمنها القانون للخاضعين له، وفي الوقت نفسه نستبعد (السياسات الإستسلامية/سياسات غض النظر) التي ربما تنتج عن السمة الاجرائية.

ولا تزال هناك إمكانية لمقاربات رافضة للقانون، مع التراجع العام في تأثير الماركسية ربما، يفسر ذلك تخلي الأدبيات الحديثة عن استعمال مصطلح إيديولوجيا وإبداله بمصطلحات مثل “خطاب” و”سردية”، وهي المصطلحات التي تفترض أن القانون يجب أن يفهم في سياق سياسي، ولكنها أقل تحديدًا حول طبيعة هذا السياق أو تأثيره. وكل هذا، ربما أصبح مفهوما، إن مفهوم الإيديولوجيا يقدم مقاربة دقيقة ومضيئة للمجال القانوني الذي يعكس العلاقة بين القانون والسياسات التي هي في غنى عن أن تكون عدمية أو اختزالية. وأخيرا من المناسب فهم أن دور القانون الإيديولوجي يتكامل مع المفاهيم الاخرى التي يمكن أن يعرف بها أو يفهم بها القانون. لاسيما لو أدركنا استحالة القضاء على طرق الفهم الإيديولوجية. إن مفهوم القانون باعتبار أن له مصادرًا أخلاقية أو باعتباره مصدرًا في مؤسسات النظام، من الممكن أن يتواجد استقلالا عن وظيفة القانون الإيديولوجية المفترضة، أو عن العملية الإيديولوجية التي صيغ لأجلها. ففي الواقع، أشار النقد الراديكالي للحرب على الارهاب التي تشنها الدول الغربية على المثل القانونية الليبرالية، مثل حقوق الانسان وسيادة القانون، في نفس الوقت الذي انتقد فيه الأغراض الإيديولوجية التي وضعت لأجلها تلك المثل. وطالما لم يصر كل من الطبيعيين والوضعيين على أن مفهومهم للقانون شامل لحقيقته، فإنهم يسمحون بتأثير الإيديولوجيا حتى في أشد صورها تطرفًا. ومن الممكن أن يكون القانون إيديولوجي وفى نفس الوقت أخلاقي أو ظاهرة مؤسساتية. ولن ينجح القانون كإيديولوجيا إلا إذا كان متعدد الأبعاد فقط.

 

 

 


المراجع

  • Bartholomew, Amy (ed.), 2007,Empire’s Law: The American Imperial Project and the War to Remake the World, London: Pluto Press.
  • Engels, F., 1890, Letter to C. Schmidt (October 27, 1890), in K. Marx and F. Engels,Selected Works(Volume 3), Moscow: Progress, 1970.
  • Fisher, W.W.et al., 1933, American Legal Realism, New York: Oxford University Press.
  • Halpin, Andrew, 2006, ‘Ideology and Law,’ Journal of Political Ideologies, 11: 153–
  • Hirst, Paul, 1975,On Law and Ideology. London: MacMillan.
  • Kennedy, D., 1976, ‘Form and Substance in Private Law Adjudication,’ Harvard Law Review, 89 (8): 1685–
  • Mannheim, K., 1936,Ideology and Utopia, New York: Harcourt, Brace and World.
  • Marx, K. and Engels, F., 1976,The German Ideology, (Collected Works, Volume 6), London: Lawrence and Wishart.
  • Sypnowich, Christine, 1990,The Concept of Socialist Law, Oxford: Clarendon.

 

الأدوات الأكاديمية

مصادر أخرى على الأنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

 

مقالات ذات صلة

Engels, Friedrich | Frankfurt School | liberalism | Marx, Karl | nature of law: legal realism | nature of law: natural law theories | rule of law and procedural fairness | socialism

[1] Sypnowich, Christine, “Law and Ideology”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2014/entries/law-ideology/>.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *