كلام عام

القومية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: منادي عبد الباسط

 

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. ميستشافيك نيناد، حول القومية وتعريفها وأنوعها وعن الجدل الأخلاقي حوليها، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

يُستعمل لفظ ‘القومية’ عموما لوصف ظاهرتين: (1) موقف أعضاء أمة ما حين يهتمون بهويتهم القومية، و (2) الحراك الذي يتخذه أعضاء أمة ما في السعي لتقرير المصير (أو الحفاظ عليها). تثير الظاهرة الأولى أسئلة حول مفهوم الوطن (أو الهوية الوطنية)، والتي تُعرّفُ غالبا باعتبار الأصل المشترك أو الإثنية أو الروابط الثقافية، وخصوصا عما إذا يجب اعتبار عضوية الفرد في وطن ما إراديا أم غير إراديّ؟ أما الظاهرة الثانية فتثير أسئلة عما إذا يجب فهم تقرير المصير على أنه يتضمن امتلاك دولة مُعترفٍ بها مع سلطة كاملة على القضايا الداخلية والخارجية، أم أن المُراد شيءٌ أقل من هذا الاعتبار.

         أصبح من نافل القول اليوم تمييز الأوطان عن الدول، فحيث تتشكل الأوطان من مجتمعات إثنية أو ثقافية، تُعتبر الدولة كيانا سياسيا ذو نسبة سيادة مُعتبرة. وبينما تعتبر دول عديدة أوطانا بمعنى ما، إلا أن هناك أوطانا لا تُعتبر دولا سائدة سيادة تامة. وكمثال على هذا، يُشكل شعب الأمريكيين الأصليين ‘الإيروكوا’ وطنا لكنهم لا يُعتبرون دولة، لأنهم لا يمتلكون السلطة السياسية المطلوبة على شؤونهم الداخلية والخارجية. إذا اختار أعضاء شعب الإيروكوا النضال لتشكيل دولة ذات سيادة لأجل الحفاظ على هويتهم فإن نضالهم سيُبدي معالم القومية الهادفة إلى تأسيس دولة.

         تم تجاهل موضوع القومية في الفلسفة السياسية لفترة طويلة، ويعود سبب ذلك إلى اعتبارها من بقايا عصور بائدة. لكن القومية عادت إلى دائرة الاهتمام الفلسفي خلال العقدين الماضيين ابتداء من التسعينات، وذلك جزئيا بسبب الصدامات الحادة والمثيرة للقلق كتلك التي شهدتها رواندا ويوغوسلافيا والجمهوريات السوفيتية سابقا. تميل عودة القومية إلى عرض صورة غامضة أخلاقيا ومذهلة غالبا لهذا السبب. إن «الصحوة الوطنية» أو الصراع من أجل تحقيق الاستقلال السياسي غالبا ما يكون بطوليا ودمويا. فتشكل دولة قومية غالبا ما يستجيب لشعور مشترك عميق، لكنه يؤدي أحيانا إلى عواقب وخيمة تشمل الترحيل القسري و «إبادة» الأجانب والمذابح الجماعية المنظمة. يعكس النقاش الأخلاقي حول القومية توترا أخلاقيا عميقا بين من يتضامن مع الجماعات القومية المُضطهَدة من جهة، واشمئزازا من الجرائم المُقتَرَفة باسم القومية من جهة أخرى. بل تُشير قضية القومية أكثر من ذلك إلى مجال إشكالات أوسع تتعلق بسُبل معالجة الاختلافات الإثنية والثقافية داخل النُّظُم السياسية الديمقراطية، ولعل هذه من أبرز الإشكالات في النظرية السياسية المعاصرة.

         لقد تحول مركز النقاش حول القومية خلال العقد الأخير إلى قضايا العدالة الدولية، ولعل هذا نتيجة التغيرات التي شهدها المشهد الدولي، فقد أصبحت الحروب الدموية كتلك التي شهدتها يوغوسلافيا أقل وضوحا، في حين استحوذت قضايا الإرهاب و «صراع الحضارات» والهيمنة على النظام الدولي على الاهتمام الشعبي. وتتجلى إحدى نقاط الوصل بين النقاش المبكر والنقاش الحالي في استعراض الخلاف بين رؤى العدالة الدولية القائمة على سيطرة الدول الوطنية السيادية وبين الرؤى الكوزموبوليتية التي تُصر على الحد من السيادة الوطنية، أو تتعدى ذلك إلى تصور اختفائها النهائي. كما تُقدّمُ قضايا القُطر والحقوق القُطرية، والتي تربط موضوع دول قومية أو «الدولة القومية» مع إشكالات تهم الحدود القٌطرية والهجرة والحق في الموارد وقضايا بيئية مهمة، اهتماما جديدا للفلاسفة.

         سنقدم في هذا المدخل قضايا التعريف والتصنيف المفاهيمي أولا في القسم 1 و 2، ثم سنتطرق إلى الأفكار المطروحة في النقاش في القسم 3 حيث سنقدم بإسهاب الأفكار الداعمة للقومية على حساب نقيضتها المناهضة لها، وذلك حتى نمنح القومية الفلسفية جلسة اجتماع مناسبة.

 

  • ما الوطن؟

    • المفهوم الأساسي للقومية

    • مفهوم الوطن

  • أنواع القومية

2-1 مفاهيم القومية: نظرة دقيقة وشاملة

2-2 ادّعاءات أخلاقية: مركزية الوطن

  • النقاش الأخلاقي

3-1 قوميات كلاسيكية وليبرالية

3-2 أفكار مؤيدة للقومية: في الحاجة الأساسية للجماعة

3-3 أفكار مؤيدة للقومية: قضايا العدالة

3-4 الدولة الوطنية في السياق الدولي

  • خاتمة

  • بيبليوغرافيا

-مرشد المُبتدئ للأعمال الأساسية عن القومية

-مراجع

  • وسائل أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذات صلة بالموضوع.


 

  

 

  • ما الوطن؟

    • المفهوم الأساسي للقومية

على الرغم من أن لِلفظِ «القومية» معاني متعددة، إلا أنه يشمل الظاهرتين المذكورتين أعلاه، وهما: (1) موقف أعضاء أمة ما حين يهتمون بهويتهم كأعضاء أمة، و (2) الحراك الذي يتخذه أعضاء أمة ما في السعي لتحقيق (أو الحفاظ) على شكل ما من أشكال السيادة السياسية (انظر مثلا Nielsen، 1998-99، ص 9). تتطلب الظاهرتين المذكورتين توضيحا وافيا أكثر. فالأولى تثير إشكالات تهمّ مفهوم الوطن أو الهوية القومية، ومعنى الانتماء إلى وطن، وكم حري على المرء أن يهتم بوطنه. يُمكن تعريف الأمم والهوية القومية باعتبار الأصل أو الإثنية أو الروابط الثقافية المشتركة.، وبينما يُنظر إلى عضوية الفرد في وطنه على أنها غير إرادية، إلا أنها أحيانا تُعتبر إرادية. أما درجة اهتمام المرء بوطنه التي يتطلبها الوطنيون غالبا ما تكون، إن لم يكن دائما، مرتفعة: فحسب وجهات النظر تلك، تتقدم مزاعم الفرد لوطنه موقع الصدارة على المنافسة حول الولاء والسلطة (انظر أعمال Berlin، 1979، وSmith، 1991، وLevy، 2000، والنقاش في عمل Gans، 2003، ولتحديدٍ بالغ الدقة انظر الصفحات الأولى من عمل Crosby، 2005، وانظر أيضا عمل Yack، 2012، ففيه نقاش مُشوق وغني حول المواقف القومية).

أمّا الظاهرة الثانية فتثير أسئلة حول ما إذا كانت السيادة تتطلب امتلاك كيان سياسي كامل مع سلطة كاملة على الشؤون الداخلية والخارجية، أو ما إذا كان امتلاك شيءٍ أقل من هذا كافيا. فعلى الرغم من أن السيادة تعني في الغالب السلطة الكاملة على كيان سياسي كامل (انظر الجزء الأول من عمل Gellner، 1983، وانظر Meadwell، 2012 و2014، ففيه نقاش مستفيض لرُؤى غيلنر، وانظر أيضا مقالات ل Malesevic وHugarard، 2007)، إلا أن هناك استثناءات كما يُقر بذلك ميلر (Miller، 1992، ص 87، وMiller، 2000). ويدافع بعض الكتاب عن نسخة أناركية للقومية مُعتدلة في الحس الوطني سبق أن ألمح إليها باكونين (Bakunin) (انظر مقال Robert Sparrow: «اتحادنا سر قوتنا: الأناركية والحس الوطني» في عمل (Primoratz) وPavkovic، 2007).

على الرغم من القلق الذي تثيره التعريفات التي وردت، إلا أن هناك قدرا مهما من الاتفاق حول شكل القومية النسقي تاريخيا. إنها تقدم أولوية لادعاءات الوطن على ادّعاءات الولاء الفردي والسيادة الكاملة كهدف دائم لبرنامجها السياسي. تُعتبر السيادة القُطرية حسب التقليد المعمول به عنصرا محدِّدا لسلطة الدولة وأساسيا للوطنية. لقد حظيت بالتّمجيد في الأعمال الكلاسيكية الحديثة كأعمال توماس هوبز وجون لوك وروسو، كما أنها تعاود الظهور اليوم في النقاش الدائر بالرغم من شك الفلاسفة اليوم فيها (انظر بقية المقال). فالقضايا التي تهم السيطرة على حراك المال والبشر (وخاصة الهجرة) والحقوق في الموارد المُتضمَّنة في السيادة القُطرية جعلت من الموضوع محورا سياسيا في عصر العولمة، ومسألة مثيرة فلسفيا بالنسبة للدّاعين إليها ولمناهضيها على السواء.

يرى الوطنيون الدولة القُطرية، كوحدة سياسية، على أنها ‘مِلكٌ’ لجماعة إثنية ثقافية بشكل مركزي، أنها وجماعة مسئولة بشكل فعال عن حماية وتثبيت تقاليدها. تتجسد وجهة النظر هذه في القومية الكلاسيكية «الإحيائية» التي ازدهرت في القرن التاسع عشر في أوروبا وفي أمريكا اللاتينية. انتشرت هذه القومية الكلاسيكية لاحقا عبر العالم ولا زالت آثارها بادية في ممارسات عدد من القوميات المعاصرة.

 

1.2 مفهوم الوطن

تتعلق قضية القومية في شكلها العام بتحديد معالم الفضاء بين المجال الإثني–الثقافي (ويشمل الجماعات الإثنية الثقافية أو «الأمم»)، وبين مجال التنظيم السياسي. لقد أتينا على ذكر أهمية الموقف الذي يتخذه أعضاء أمة ما حين يهتمون بهويتهم الوطنية. تُثير هذه النقطة نوعين من الأسئلة. ويشمل النوع الأول أسئلة وصفية:

(1.أ) ما الوطن وما الهوية القومية؟

(1.ب) ماذا يعني الانتماء لوطن؟

(1.ج) هل العضوية في وطن ما إرادية أم لا إرادية؟

أما النوع الثاني فيشمل أسئلة معيارية:

  • د) هل موقف الاهتمام بالهوية القومية صائب دائما؟

  • هـ) إلى أي مدى يجب على المرء الاهتمام بها؟

يُناقش هذا الجزء من المقال الأسئلة الوصفية، وذلك بدءا ب (1.أ) ثم (1.ب). (أما الأسئلة المعيارية فسنتناولها في الجزء الثالث الذي يهُم النقاش الأخلاقي.) إن أراد أحدنا حثّ الناس على النضال من أجل مصالحهم القومية، فيجب أن تكون لديه فكرة ما عما هو الوطن وماذا يعني الانتماء إليه.  لذلك، ومن أجل تشكيل وتأسيس تقييمهم وادعاءاتهم وإرشاداتهم للحراك الوطني، قدم المفكرون المؤيدون لفكرة القومية شرحا مبسطا لنظريات الإثنية والثقافة والقومية والدولة. في المقابل، دحض مناهضو القومية تلك الشروحات. هنالك اليوم بعض المسلمات حول الجماعات الإثنية والأوطان التي تُعتبر أساسية لمؤيدي القومية، وهنالك أيضا شُروحٌ نظرية تُقدّمُ كأفكار داعمة للمسلمات الأساسية المذكورة آنفا. فالتعريف والوضع الذي تحظى به الجماعة الاجتماعية التي تستفيد من البرنامج القومي، والتي تدعى «الأمة» أو «الوطن الإثني» أو «الجماعة الإثنية» مثلا يُعتبر أساسيا. وبما أن القومية تبرز على الخصوص في الجماعات التي لا زالت دون كيان الدولة السياسي، فإن تعريف الوطن والقومية حصرا في علاقتها بالانتماء لدولة أمر غير وارد.

           تُصنّفُ الولاءات «المدنية» حصرا غالبا في خانة «الوطنية patriotism» أو «الوطنية الدستورية» (انظر Habermas، 1996، انظر أيضا النقاش في عمل Markell، 2000، ولفهم أفضل للوطنية، انظر Primoratz وPavkovic، 2007). يتركنا هذا مع خيارين متطرفين وعدد من الأفكار الوسطية. أما الخيار المتطرف الأول فقد قدمته ثلة صغيرة ومتميزة من المنظرين ومن بينهم رينان (Renan) 1882 وفيبر (Weber) 1970، (انظر بروبايكر Brubaker 2004، ففيه دفاع حديث عن هذا الخيار، أما عمل بروبايكر الآخر 2013، فيقدم مقارنة لهذا الخيار مع الدين). فوفقا لتعريفهم الإرادي الخالص، يُعتبر الوطن جماعة من الناس تتطلع إلى تنظيم سياسي مشترك شبيه بمنظمة الدولة السياسية. فإن نجحت هذه الجماعة في تشكيل دولة، فإن ولاءات أعضاء الجماعة تُصبح «مدنية» بطبيعتها (مقابل «إثنية»). وعلى الطرف الآخر، تُركّز ادّعاءات مؤيدي القومية على الجماعة التي لم يكن لديها فرصة الاختيار الإرادي وتملك أصلا أو لغة أو تقليد أو ثقافة مشتركة: إن الوطن الإثني النموذجي هو مجتمع ذو أصل وثقافة وعلى الخصوص اللغة والتقاليد. يُعد التمييز بين القومية «المدنية» والقومية «الإثنية» ذو علاقة بالطرح الذي قدمته مدارس أقْدم للعلوم الاجتماعية والسياسية، (على الرغم من عدم تطابقهما)، إذ يُزعم أن القومية المدنية من أوروبا الغربية، بينما القومية الإثنية من أوروبا الوسطى والشرقية، والتي بدأت في الأصل في ألمانيا (ويُعتبر هانس كون Hans Kohn، 1965 من أبرز مؤيدي هذا التمييز). تميل النقاشات الفلسفية التي تتخذ من القومية تيمتها الأساس إلى التركيز على الشكل الإثني الثقافي فقط، وعلى هذا النهج سنكمل ما تبقى من المقال. سنسم كل جماعة تتطلع إلى تكوين دولة لها على هذا الأساس بـ «الوطن الإثني»، وذلك للتأكيد على أسسها الإثنو-ثقافية عوضا عن الأسس المدنية. إن الخلفية الإثنو ثقافية للفرد هي التي تُحدد عُضويته في الجماعة بالنسبة لمؤيدي القومية. فلا يُمكن لأحدنا أن يختار عضويته في جماعة ما، بل على العكس من ذلك، تعتمد العضوية على عنصر صدفة الأصل أو التنشئة الاجتماعية المُبكرة. لكن، لقد أصبح الاشتراك في الأصل ذا طابع أسطوري لمعظم الجماعات المعاصرة المشكلة للقومية: لقد اختلطت الجماعات الإثنية لآلاف السنين اليوم.

وبذا يميل المفكرون المؤيدون للقومية إلى التأكيد على العضوية الثقافية للفرد فقط ويتحدثون عن «العضوية الوطنية» ويتغاضون عن جزء «الإثنية» (انظر Miller، 1992، و0200، و Tamer، 1993، 2013، و Gans، 2003). يضيف مُقترح ميشيل سايمور بتقديمه «تعريف اجتماعي ثقافي» بُعدا سياسيا إلى البعد الثقافي حصرا، ويقول: الوطن هو كل جماعة ثقافية مرتبطة، إمكانا وليس بالضرورة، بأصل مشترك وتجمعها روابط مدنية (Seymour 2000). هذا هو نوع التعريف يقبله معظم أطراف النقاش اليوم. وحسب هذا التعريف، فإن الوطن يبدو فئة مُختلطة تشمل عُنصريْ الإثنو ثقافي والمدني، إلا أنه أقرب إلى الطرف الإثنو ثقافي الخالص منه إلى الطرف المدني الخالص.

           لقد اختلفت الأسس الوصفية للادّعاءات القومية خلال القرنين الماضيين. فالكتابات الألمانية تتحدث عن «روح الشعوب»، بينما تتحدث كتابات متأخرة أغلبها فرنسي عن «العقلية الجمعية» والتي تُعزى إليها قوى سببية. وتُعتبر عبارة «الشخصية القومية» الخاصة بكل وطن إحدى بنات أفكار العبارات السابقة، والتي لا زالت على صلة بالموضوع إلى اليوم تحت غطاء تسميات كـ «أشكال الحياة» والمشاعر القومية (انظر Margalit 1997، انظر المرجع كاملا في الهوامش أسفله). لقد كان ربط الرؤى القومية بالاستعارات العضوية للمجتمع ممارسة دارجة لمدة قرن حتى حلول نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد اقترح أشعيا برلين (Isaiah Berlin) في بداية السبعينات، وهو وقت متأخر جدا، تعريفا جزئيا للقومية على أساس أنها تتشكل من الاعتقاد بأن الشعوب تنتمي إلى جماعة إنسانية خاصة، وبأن «…شخصيات الأفراد الذين يشكلون الجماعة تتشكل بتأثير من شخصيات الجماعة، كما لا يمكن فهمها دون العودة إلى الشخصيات الجماعية…» (نشر لأول مرة سنة 1972، وأعيد طبعه بمدينة برلين سنة 1979، ص 341). فمؤيد القومية حسب أشعيا برلين يدّعي القول بأن «نمط الحياة في مجتمع ما يُشبه نمط حياة الكائن الحيوي» (انظر المرجع السابق)، وبأن حاجات هذا الكائن الحيوي تُحدد الهدف الأسمى لكل أعضائه. يتحاشى معظم مؤيدي القومية، وخاصة الفلاسفة، لغة كهذه. لقد استعيض عن استعارة الكائن الحيوي والشخصية المحكي عنها باستعارة رئيسية ألا وهي الهوية الوطنية والتي تركز على العضوية الثقافية، وتُستعمل لكل من هوية الجماعة وهوية أعضائها القائمة على أساس اجتماعي، أي على هوية ‘جورج’ القومية على أنه مواطن إنجليزي أو بريطاني على سبيل المثال. يُفكك عدد من المؤلفين هذه الاستعارة بطرق مختلفة، فبعضهم يُشدد على لا إرادية العضوية في المجتمع، والبعض الآخر يُؤكد على قوة التي يُعرّف بها المرء نفسه في المجتمع، بينما يربطها آخرون طرف ثالث بالهوية الشخصية لكل عضو من المجتمع. قدم فلاسفة مؤيدون للقومية كآليزداير مكنتاير (Alisdair MacIntyre) (1994) وشارلز تايلور (Charles Taylor) (1989)، وميشيل سايمور (M. Seymour) في معالجتهم لهذه القضايا رؤىً مهمة ساهمت في تقديم والحفاظ على مواضيع مهمة كالمجتمع والعضوية والتقليد والهوية الاجتماعية ضمن النقاش الفلسفي المعاصر.

           لنعد الآن إلى جذر قضية «أصالة» الجماعات الإثنوثقافية أو الأمم الإثنية. عادة ما نميّز في العلوم السياسية والاجتماعية بين نوعين من الرؤى: أولا، هناك رؤى «بدائية»، وحسب هذه الرؤى، فإن الأمم الإثنو ثقافية إما وُجدت «منذ الأزل» (وهذه رؤية متطرفة، ونسخة كاريكاتورية شيئا ما، وتبقى أقرب الصور إلى البلاغة القومية التي عرفها القرن التاسع عشر)، أو أنها وُجدت على الأقل لمدة طويلة خلال العصر الما قبل حديث (انظر Hastings، 1997. انظر نقاشا مستفيضا لأفكاره في كتاب Nations and Nationalism، الجزء التاسع، 2003). يقود أنثوني سميث (Anthony Smith) مدرسة أسماها «الإثنو-رمزية»، وتقدم الأخيرة نسخة شعبية معتدلة لهذه الرؤية (انظر أعماله المنشورة سنوات 2009، و2001 و2008 وكتابه سنة 2009 وورقة له حول الموضوع سنة 2011). انظر أيضا أعمال جون هاتشينسون (John Hutchinson)، والتي تقدم تطويرا جذابا لهذه الرؤية (وخاصة عمله المنشور سنة 2005) وعمل روشوالد (Roshwald) (2006، وقد حظيت أعمال الكاتبين معا بنقاش مستفيض في كتاب Nations and Nationalism، 2008، الجزئين 1 و8 بالتتابع)، وقد خُصّص الجزء السابع لأنثوني سميث وتناول سؤال القومية الإثنية (والمجلد من تحرير ليوس وكروزبي   Leous وGrosby2007)، كما قدم مؤخرا آزار كات وألكسندر ياكبسون Azar Gat وAlexander Yakobson دفاعا تاريخيا عن هذه الرؤية (2013). إن الأمم تشبه الخرشُوف الشّوْكِي، هناك أوراق غير مهمة» يمكن تناولها واحدة بعد الأخرى، لكن ثمة أيضا القلب أو الجوهر، وهذا القلب هو ما يتبقى بعد أن يتم تناول أوراق الخرشوف (ويعود أصل هذه الاستعارة إلى ستانلي هوفمان (Stanley Hoffman). للتفصيل في هذا الشأن انظر النقاش بين (Smith)، 2003 و (Özkirimli)، 2003). ولتفصيلٍ تاريخي وافٍ في هذا الشأن انظر مجموع المقالات الحديثة في (Derks) و (Roymans)، 2009). أما الرؤى الثانية فهي الرؤى الحداثية، التي تضع أصل الأمم في العصور الحديثة. ويمكن تصنيفها قدما حسب إجابتهم على سؤال إضافي وهو: إلى أي مدى تُعتبر الأمة الإثنو ثقافية واقعية؟ تقول الرؤية الحداثية الواقعية بأن الأمة واقع معاش، لكنها تبقى بناءا حديثا ووسيلة نجاح تقبع في أصل الرأسمالية (انظر Gellner، 1983، وHobsbawm، 1993، وBreuilly، 2001 و2011). وتقع الرؤية الحداثية الواقعية على طرفٍ نقيض مع الرؤية الراديكالية المناهضة للواقعية، فالأمم حسب هذه الرؤية كيانات «مُتخيَّلة» ذات سلطة واقعية: والمقصود هو أن الاعتقاد فيها يُسيطر على المؤمنين بها (انظرBendict Anderson، 1965). أما الرؤية المتطرفة المناهضة للواقعية فتقول بأن الأمم مجرد «بناءات» (انظر Walker، 2001، وانظر أيضا Malesvic، 2011، والذي يقدم نظرة عامة وحديثة إضافة إلى عرض مهم للأعمال حول الموضوع). تبدو هذه الرؤى المختلفة على أنها دعم لادعاءات أخلاقية مختلفة حول الأمم. انظر مثلا مجموع المقالات المهمة من تحرير (Breen) و (O’Neill)، 2010، وأيضا (Lecours) و (Moreno) (2010). ويقدم عمل (Vincent)، 2001 والمجلد الموسوعي من تحرير (Delanty) و (Kumar) (2006)، يُقدم نظرة عامة حول القومية والنظرية السياسية. هناك أيضا عرض عام متأخر لهذه الرؤى، والذي يجمع بين النظرية السياسية والتاريخ والبحث الكمي من تأليف (Wimmer) (2013). وهناك أيضا كتب حول الموضوع كعمل (De Lange) (2010) وعمل (Bechhover) و (McCrone) 2009.

          لقد قدم مفكرون قدماء مجهودا فكريا مهما للتأسيس الادّعاءات المعيارية على أرض واقعية أنطولوجية صلبة تخُصّ الأمم، بدءاً بمفكرين عظماء كهيردر (Herder) وأوتّو باور (Otto Bauer) مرورا بمهندسي الدعاية الذين نحوا منحى كل من هيردر وباور.  فالأمم بالنسبة لهؤلاء واقع حال، أي كيانات ملموسة. لكن النقاش الأخلاقي المعاصر حاول التقليل من أهمية الشرخ بين الواقعي والمُتخيَّل. لقد ذهب فلاسفة معاصرين إلى القول بأن الادعاءات القومية التطبيعية التقويمية متوافقة مع الطابع «المُتخيّل» للأمة. (انظر في هذا الصدد مثلا أعمال McCormick، 1982، وMiller، 1992، و2000، وTamir، 1992، وGans، 2003، وMoore، 2009، و2010، وDagger، 2009، وقد حظيت المسألة بنقاش شيق في عمل Frost، 2006). يُشير كل المؤلفين المذكورين آنفا إلى أن التخيل المشترك يمكنه ربط الشعوب ببعضها، وبأن التفاعل الحقيقي الناتج عن هذه اللحمة يمكن أن يقود إلى الشعور الجمعي بواجبات أخلاقية سامية بين أفراد الشعب الواحد.

لنعد الآن إلى السؤال (1 ج) حول طبيعة المواقف المؤيدة للقومية. تتعلق قضية التبسيط التي شغلت علماء السياسة والمجتمع بالشعور الإثنو قومي، وهي القضية النسقية للموقف المؤيد للقومية. هل من غير العاقل والرومنسية واللامبالاة أن يشغل أحدنا نفسه بالقشور كما يبدو؟ لقد أحدث هذا السؤال شرخا بين المؤلفين الذين ينظرون إلى القومية على أنها أمر لاعقلاني وبين آخرين يحاولون شرحها على أنها شعورا عاقلا نوعا ما. يقترح من يعتبرونها لا عقلانية تفسيرات مختلفة لسبب الإجماع حولها رغم تنافيها مع العقل. يقول بعضهم بنبرة الناقد على أن القومية تقوم على «وعي زائف». لكن، ما مصدر هذا الوعي الزائف؟ تقول أبسط الإجابات بأن مصدره هو تلاعب «النُّخب» المباشر ب «العامة». أما على الطرف النقيض فيعتقد الناقد الأبرز للقومية (Elie Kedourie) (1960) بأن هذه اللا عقلانية تلقائية. وذهبت (Liah Greenfeld) قبل عقد مضى ربط العقلانية بالمرض العقلي في مقالها المستفز سنة (2005)، انظر أيضا كتابها المنشور سنة (2006). أما على الطرف العاكس فقد قدم (Michael Walzer) اعتبارا متعاطفا مع المشاعر القومية في عمله المنشور سنة (2002). أما الكتاب المرتكزين على التقليد الماركسي فيقدمون قراءات عميقة مختلفة. فعلى سبيل المثال، يرى البنيوي الفرنسي (Etienne Balibar) بأن القومية هي نتيجة «الإنتاج» الإيديولوجي الذي يتحقق بآليات لا علاقة لها بالسذاجة التلقائية للأفراد، لكنها تبقى على صلة بعوامل اجتماعية بنيوية وغير ذاتية. (انظر Balibar وWallerstein، 1992). (يقدم Glenn 1997 أيضا نظرة شاملة للمقاربات الماركسية). أما الآن فسنتناول طروح المفكرين الذين يعتبرون أن المشاعر القومية مشاعر عقلانية، ولو بشكل فضفاض جدا. يعتقد بعض الكتاب بأنه من العقلاني في أغلب الأحيان أن يصبح الأفراد قوميين أو وطنيين (انظر Hardin، 1985). تأمل عملة القومية بوجهيها: فعلى الوجه الأول، يُعتبر الولاء لجماعة إثنو قومية والانسجام معها ذا صلة بالتعاون داخل الجماعة، والتعاون أسهل في صف الجماعة الإثنو قومية التي يشكل الفرد جزءا منها. خذ على سبيل المثال الروابط الإثنية في جماعة متعددة الإثنيات، فالفيتنامي الذي انتقل حديثا إلى الولايات المتحدة سيتلقى العون المرغوب من بني جلدته من الفيتناميين: فاللغة والتقاليد والتطلعات المشتركة كلها ستساعده كثيرا في شق طريقه في محيط جديد عليه. فما إن يُوطد صاحبنا علاقته بزملائه فإن انتماءه إلى الجماعة يُصبح أمرا واقعا، إذا فمن المنطقي أن يستمر تعاونهم هذا بينما تضمن المشاعر الإثنية المشتركة أواصر الثقة والروابط الوثيقة التي تضمن التعاون. مسالة أخرى حين تتغير المولاة: وكي نبقى في مثالنا متى يكون من المفيد أكثر للفيتنامي تطوير ولاء وطني للولايات المتحدة؟ لقد حظي هذا السؤال بنقاش مسهب في عمل (David Laitin) (1998)، والذي حظي بتلخيص في عمله المنشور سنة 2001، وهو العمل الذي تم تطبيقه بخصوص الحقوق اللغوية في عمل كل من (Laitin) و(Reich)، 2004. انظر أيضا (Laitin)، (2007)، والذي اعتمد على مواد من الاتحاد السوفيتي سابقا. أما على الوجه الآخر من العملة، فإن النفور من التعاون مع الأجنبي قد يقود أحيانا إلى صراعات مريرة بين القوميات الإثنية المختلفة. هل بإمكاننا إذا تفسير قطبي الصراع الإثنو قومي بشكل منطقي؟ يقترح كتاب ك (Russel Hardin) تقديم إجابة تنبع من نظرة عامة تعالج سؤال: متى يكون السلوك العدواني عقلانيا؟ أي إن وجد فرد ما صعوبة في الثقة بشخص آخر، فمن المسئولية أن يتخذ الحيطة. فإذا اتخذ الطرفان سياسة الحيطة تجاه الآخر فإن كل منهما يميل إلى اعتبار عدوانيا بشكل تصاعدي. ومن هنا يُصبح من العقلاني اعتبار كل منهما للآخر على أنه العدو. ومن الشك المجرد وعبر خطوات صغيرة ينشب الصراع. (إن التطور السلبي المذكور غالبا ما يُقدّمُ على أنه عرض من أعراض معضلة السجين، انظر مدخل مُعضلة السجين). من السهل نسبيا تحديد الظروف التي ينطبق فيها هذا النمط العام على التضامن والصراعات القومية (انظر Wimmer، 2013). يسمى نمط التفكير الذي رسمناه توا «نهج الاختيار العقلاني». لقد مكّن نمط التفكير هذا تطبيق الأدوات المفاهيمية المأخوذة من تحليلات الاقتصاد واللعب النظري لسلوك التعاون واللاتعاون في تفسير الإثنو قومية.

           إنه لما يستحق الذكر أن نقول بأن الخيار العقلاني الفرداني، والذي يتمحور حول العقلانية الشخصية يواجه كثر. يُظهر تقليد في السيكولوجيا الاجتماعية، والذي بدأه (Henry Tajfel) (1981)، بأن الأفراد قد ينتمون إلى جماعة عشوائية الاختيار حتى وإن كان الانتماء إليها دون فائدة. هل ثمة عقلانية من أي نوع تحدد هذه النزعة إلى الانتماء؟ يُجيب بعض المؤلفين ك (Sober وWilson، 1998) بالإيجاب. ويقترحون بأن هناك نوعا غير شخصي من العقلانية التطورية. فالأفراد الذين يعملون على تطوير مشاعر الانتماء والولاء لجماعة ما ينتهي بهم الأمر إلى تحسين فرصهم في السباق التطوري، بالتالي نحن ورثنا مثل هذه النزعات. في البدء، كانت مشاعر الانتماء محجوزة للأقارب، داعمة تكاثر جينات المرء. بيد أن التطور الثقافي استولى على آليات الانتماء التي نشأت بدءا في التطور البيولوجي. وكنتيجة لهذا، فإننا نستثمر ما كان محجوزا أصلا للقرابة في جماعتنا الثقافية. تختلف شروحٌ مُسهبة من المنظورات السوسيو-بيولوجية كثيرا فيما بينها، وتشكل برنامجا بحثيّا واعدا (يقدم عمل Goetze 2001 نظرة عامة حول الموضوع). ثمة أعمال متنامية تجمع بين تلك المسائل وبين العلوم المعرفية بدءا بعمل (Searle-White 2001)، مرورا بـ (Hogan 2009)، و (Yack 2012).

           أما فيما يخص السؤال الأخير (1د)، فإن الأمة تُرى بطبيعة الحال على أنها مجتمع غير إرادي ينتمي إليه الفرد بالولادة والتنشئة، ويتقوى الانتماء إليها بإقرار الفرد الواعي بها. يُعبر (Avishai Margalit) و(Joseph Raz) عن نظرة شائعة عندما يقولون عن الانتماء إلى أمة ما: «إن أهلية العضوية في أمة ما تُحدّد حتما بمعيار قياس غير إرادي. لا يمكن لأحد منا أن يختار انتماءه إلى جماعة ما. إن الفرد ينتمي بناءا على جوابه عن سؤال: من أكون؟» (1990، ص 447). يجلب الانتماء إذا فوائد جمّة للفرد: «إن الانتماء إلى شكل من أشكال الحياة القومية يعني عيش الفرد وسط إطار يقدم معنىً لاختياراته بين البدائل، وهذا ما يمكنه من تحديد هويته.» (Margalit 1997، ص 83). لماذا يعتبر الانتماء القومي غير إرادي؟ إن الانتماء القومي غالبا ما يُعزى إلى الطبيعة اللاإرادية للانتماء اللغوي: فالطفل لا يقرر أيَ لغة ستكون لغته أو لغتها الأصل، وغالبا ما تُعتبر اللغة الأم أهم مخزونٍ للمفاهيم والمعرفة والأهمية الاجتماعية والثقافية. فكل هذه الأشياء مُتضمَّنةٌ في اللغة، ولا توجد خارج إطارها. فالتنشئة الاجتماعية المبكرة هي تنشئة في كنف ثقافة ما، وغالبا ما تدخل هذه الثقافة في اعتبارها قافة قومية. يقول (Margalit): «ثمة أشخاص يعبرون عن أنفسهم تعبيرا مُفرْنسا (من فرنسا)، بينما يملك آخرون شكل حياة يُعبّرُ عنها ‘بطريقة كورية’ أو ‘إيسلندية’.» (1997، ص 80). إذا فالانتماء الناتج عن الوضع المذكور غالبا ما يتخذ صيغة لا إرادية. (بالطبع هناك استثناءات للرؤية اللاإرادية المذكورة، فعلى سبيل المثال، نجد المنظرين القوميين الذين يتقبلون تغيير القومية الإرادي لدى بعض الأفراد. (انظر تعريف Ernest Renan، 1882 الشهير للأمة، والتي تتشكل حسب رأيه من «الاستفتاءات اليومية»).

 

 

  • أنواع القومية

2-1 مفاهيم القومية: الضيقة والواسعة

لقد أوضحنا منذ بداية هذا المدخل بأن القومية تركز على أمرين: (1) موقف أعضاء أمة ما حين يهتمون بهويتهم القومية، و (2) الحراك الذي يتخذه أعضاء أمة ما في السعي لتحقيق (أو الحفاظ على) الاستقلال السياسي. إن النقطة الأساسية سياسيا هي رقم (2): أي الحراك الذي يؤطره القوميون. وهذا ما نلتفت إليه هنا، بدءا بالسيادة والقطر التي هي نقط الارتكاز في كل نضالات السيادة الوطنية. تثير هذه النقط مسألة مهمة:

(2 أ): هل تتطلب السيادة السياسية داخل قُطر أو عليه إقامة دولة أو شيئا أقل بأسا من الدولة؟

إن الجواب التقليدي هو أن الدولة مطلوبة. أما الجواب الأكثر تحررا فهو بأن شكلا من أشكال الاستقلال السياسي يكفي. ومتى ما ناقشنا هذا، فبإمكاننا الالتفات إلى القضايا المعيارية ذات الصلة.

(2 ب): ما نوع الحراك المسموح أخلاقيا لتحقيق السيادة والحفاظ عليها؟

(2 ج): تحت أي ظروف من المسموح أخلاقيا اتخاذ حراك من هذا النوع

        لننظر أولا إلى الجواب القومي التقليدي على السؤال (2 أ). السيادة القومية تتطلب دولة «مملوكة كحق مكتسب» من قبل الوطن الإثني (Oldinquest 1997 الذي أخذ التعبير عن عمل الكاتب Czeslaw Milosz). يتضمن تطوير أجوبة على نفس منطق التفكير ذكر أو التلميح إلى أجوبة مخصوصة فيما يتعلق بـ (2 ب) و (2 ج)، أي أن استعمال القوة في الصراع من أجل الحصول الاستقلال الوطني ضد السلطة المركزية المهددة يكاد يكون وسيلة مشروعة دائما من أجل تحقيق السيادة. بيد أن القومية لا تهتم بخلق الدولة فقط ولكن بالحفاظ عليها وتقويتها. تُستعمل القومية أحيانا لدعم مبررات تمدد الدولة (ولو كلف الأمر إشعال فتيل الحروب)، وفي اتّباع سياسات العزل. يُبرّرُ التوسع غالبا بمغازلة شعار الضم الحرفي لكل أعضاء الأمة تحت دولة واحدة، وأحيانا تحت ذرائع المصالح القُطرية أو الموارد. أما فيما يخص الحفاظ على السيادة عبر السبل السلمية أو الإيديولوجية البحتة، فإن القومية السياسية تبقى على صلة وثيقة بالقومية الثقافية، حيث تصر الأخيرة على الحفاظ على الثقافة وتوارثها أو، حتى نكون أكثر دقة، على الحفاظ على خصال ثقافية قومية محددة في شكلها الأنقى، يتم ذلك عبر تكريس الإبداع الفني والتربية والبحث لهذا الغرض. وبالطبع فقد تكون الخصال الإثنو قومية موضوع الحفظ خصالا حقيقية أو مختلقة في جزء منها أو كلها. ويدعي المعيار ذو الصلة، حسب النهج التقليدي هنا أيضا، بأن من حق كما من واجب الفرد «المقدس» دعوة غيره إلى هذا التقليد، كما أن قوته تتجاوز مصالح أخرى وحقوقا أخرى (ويُعتبر هذا السبيل الذي تحتاج الأمم إلى اتّباعه في صراعها من أجل تحقيق الاستقلال). ونتيجة لهذا، فإن للقومية الكلاسيكية قول في ترتيب المواقف حسب الاستحقاق أيضا، حيث يُمنح ولاء المرء لأمته منزلة الواجب الأساس لدى كل أعضاء الأمة، ويُعتبر هذا جوابا على السؤال (1 هـ)، أما السؤال (1 و) فتجيب عنه القومية الكلاسيكية بأن المجال أمامه مفتوحا. باختصار ومن أجل الإشارة المستقبلية:

القومية الكلاسيكية: هي البرنامج السياسي الذي يرى بأن الخلق والحفاظ على دولة ذات سيادة كاملة ملك لجماعة قومية إثنية («شعب» أو «أمة») كواجب أوّلي لكل أعضاء الجماعة. ويزعم بأن الواجب الأول لكل عضو من الجماعة هو الالتزام بالثقافة الإثنو قومية المتعارف عليها في كل القضايا الثقافية، ويقوم هذا على الاعتقاد بأن وحدة الثقافة المناسبة (أو «الطبيعية») هي الأمة الإثنية.

غالبا ما يكون القوميون الكلاسيكيون يقظون فيما يخص نوع الثقافة الذي يحمونه وينشرونه، بالإضافة إلى الموقف الذي يتشكل لدى الشعوب تجاه دولتهم القومية. يحمل هذا الموقف المُتيقظ أخطارا محتملة: فقد تسقط بعض عناصر الثقافة ذات الطابع الكوني أو تلك التي لا تُعرّف على أنها قومية فريسة لحماس قومي كهذا. كما تضع القومية الكلاسيكية متطلبات إضافية في حياة أفرادها اليومية، من اقتناء المنتجات الوطنية ولو بأسعار مرتفعة عوض بديلاتها المستوردة حتى وإن كانت أرخص منها، أو إنجاب أعضاء قوميين مستقبليين بقدر طاقة الفرد. (انظر Yuval-Davies، 1997 وYack، 2012).

         هناك رؤى معتدلة مختلفة إضافة إلى القومية الكلاسيكية (وقريباتها الأكثر راديكالية) تُصنف اليوم على أنها قومية. وقد تحول النقاش الفلسفي فعلا إلى هذه الرؤى المعتدلة أو الشديدة الاعتدال، ويقترح معظم الفلاسفة الذين يصفون أنفسهم على أنهم قوميين برامج قومية معتدلة جدا. دعوني أصنفها بإيجاز:

  إن القومية في معناها الأعرض مواقف وادعاءات وتوجيهات مركبة للعمل تتطلع إلى قيمة سياسية وأخلاقية وثقافية أساسية للأمة وللجنسية والواجبات المستقاة (لأفراد الأمة الأعضاء ولكل أطراف ثالثة منضوية سواء كانت أفرادا أم جماعة) من هذه القيمة.

         يمكن للقوميات بهذا المعنى الأعرض أن تتباين في تصوراتها للأمة نوعا ما في مبرراتها ومدى قيمتها واجباتها الموصوفة. (رغم أن هذه التصورات تبقى ضمنية في خطابها). ويمكن أن ينطبق المصطلح على حالات أخرى لا تشملها القومية الكلاسيكية، مثلا في حالة الأشكال السياسية المُفترَضة لما قبل الدولة التي يمكن للهوية الإثنية اتخاذها). إن القومية المعتدلة أقل تطلبا من القومية الكلاسيكية، وتوسم أحيانا بـ «الوطنية». (ويُحجز «الوطنية»، في استعمال آخر وهو تقدير المجتمع الوطني والولاء للدولة، وهذا يضعها في موضع تضاد مع القومية التي تقوم على الجماعات الإثنو ثقافية). إن تشعّب القومية الأكثر صلة بالفلسفة هي تلك التي تؤثر على الموقف الأخلاقي للادعاءات والممارسات القومية الموصى بها. سنسم هنا الرؤى الفلسفية المدروسة التي قُدّمت لصالح القومية بـ «القومية النظرية»، ويعمل المضاف إليه ‘النظرية’ في التمييز هذه الرؤى عن الخطاب القومي الأقل تعقيدا والأكثر شيوعا في الممارسة اليومية. يمكن رسم مواضع الادعاءات النظرية القومية التقييمية المركزية على خارطة النظرية السياسية بشكل مفيد ومبسط نوع ما كما سيلي:

         يجب على الادعاءات القومية التي تقدم الأمة على أنها محور الفعل السياسي أن تجيب على سؤالين عامّين مهمين. أولا، هل هناك جماعة اجتماعية كبيرة (أصغر من البشرية كلها) لها أهمية أخلاقية خاصة؟ يقول الجواب القومي بوجود واحدة فقط وهي الأمة. فعندما يستوجب الظرف اتخاذ قرار حاسم، فالأولوية للأمة. (وهذا الجواب مُتضمّنٌ في تعريفات القومية المُعتمدة التي وردت في أعمال أشعيا برلين، والتي ناقشناها في المدخل 1، وعمل سميث 2001). ثانيا، ما هي أسس واجبات الفرد تجاه الجماعة المتمركزة أخلاقيا؟ هل تقوم على عضوية إرادية أو غير إرادية في الجماعة؟ عادة ما يختار المفكرون القوميون جواب اللا إرادية يُقرّون بأن الدعم الإرادي لهوية الفرد الوطنية الإرادي إنجاز مهم أخلاقيا. أما على الخارطة الفلسفية، فإن الرؤى الداعمة للقومية عموما تُناسب الموقف الطائفي العام تماما. فمعظم الفلاسفة الداعمين للقومية هم طائفيون اختاروا الأمة كمجتمع مفضل (على النقيض من أشباههم الطائفيون الذي يفضلون مجتمعات أبعد في المدى كتلك التي تحددها التقاليد الدينية العالمية.) بيد أن يرفض بعض المؤلفين الذين يصفون أنفسهم على أنهم قوميون ليبراليين التعزيز الطائفي، من أبرزهم (Will Kymlicka) (2001، 2003، 2007).

         قبل المضي في المزاعم الأخلاقية، دعوني أخط باختصار القضايا ووجهات النظر المرتبطة بالقطر والحقوق القطرية والتي تُعد جوهرية للبرامج السياسية القومية (أشيرُ هنا إلى أنني أتبع تصنيف A. Kollers (2009، الجزء الأول) الجيد فيما يخص الموضوع). لماذا يُعتبر القطر مهما للجماعات الإثنو قومية؟ وما هو مدى وأسس الحقوق القطرية؟ تكمن أهمية القُطر الأساسية في السيادة وكل إمكانيات الرقابة الداخلية والاستبعاد الخارجي المحتملة. أضف إلى ذلك وجهة نظر روسو التي تفيد بأن أشكال التعلق السياسي بالقطر مقيدة بشكل أساسي وأن الحب، أو الصداقة المدنية الجماهيرية حتى نوفيها حقها من الاعتدال، يتطلب بالنسبة لجماعة الفرد استبعاد بعضٍ «ما»، فتغدو أهمية الأمر واضحة تماما. ماذا عن أسس المطالبة بالحقوق القطرية؟ يعتمد القوميون والرؤى الداعمة للقومية غالبا على ارتباط أعضاء الأمة بقطرهم القومي وعلى القيم المُؤسِّسة للقطر بالنسبة للأمة لتبرير ادعاء الحق في القطر. (انظر ميلر، 2000 وMeissels، 2009، مع بعض التبسيط الذي أضفناه أسفله). ويشبه هذا في نواحٍ عدة التبرير الذي يقدمه من يقولون بحقوق السكان الأصليين، (انظر Tully، وHendrix، 2008)، كما أنه يشبه أيضا ما قدمه (Kollers) سنة (2009) في نظريته الإثنو جغرافية اللاقومية، غير أنه يختلف في تفضيله للجماعات الإثنو قومية على أنها حاملة الحق الوحيدة. تقف وجهات نظر التعلق هذه في تضارب صارخ مع الرؤى الأكثر براغماتية عن الحقوق القطرية كسبل لفض الصراع (انظر مثلا Levy، 2000). إن عائلة الرؤى الفردانية التي ترسخ الحقوق القطرية في حقوق ومصالح الأفراد هي إحدى البدائل المتداولة، مثل حقوق الإنسان في (Buchanan، 2004)، وحقوق الملكية ما قبل سياسية عند جون لوك في (Simmons، 2001)، وحقوق الأفراد في مصادر الثروة (Steiner، 1999)، وحقوق الممارسة السياسية (Wellman، 2005). تقع فكرة (Pogge) (إن صح تأويلنا لها على هذا المنوال) بأن الفلسفة السياسية ليس لديها أسئلة أو مشاكل قطرية، والتي يسميها (Kollers) «التوجه التفكيكي»، في الطرف النقيض من الرؤى المناهضة للقومية. ويُعتبر بعضٌ من الكتّاب المذكورين نقادا للقومية عالميين، من أبرزهم (Buchanan) و (Pogge).

 

2-2 ادّعاءات أخلاقية: مركزية الوطن

         نمر الآن على البُعد المعياري للقومية. سنصف أولا جوهر البرنامج القومي ذاته، أي نرسم ونصنف الادعاءات القومية المعيارية والتقيمية المعتادة.  يمكن أن يُنظر إلى هذه الادعاءات على أنها أجوبة على المعيار الفرعي لأسئلتنا الأولية (1) المواقف الداعمة للقومية، و (2) والحراك القومي.

         سنُلاحظ بأن هذه الادعاءات توصي مسارات عمل متعددة، يهمها من الناحية المركزية ضمان واستدامة التنظيم سياسي، أي تنظيم الدولة، لمجتمع إثنو قومي مُعطى (بالتالي مقدما أجوبة أكثر تحديدا لأسئلتنا المعيارية (1 هـ)، و (1 و)، و (2 ب)، و (2 ج)). فضلا على أنها تحفز أعضاء الجماعة على نشر محتويات إثنو ثقافية معروفة على أنها خصائص جوهرية للحياة الثقافية داخل الدولة. وأخيرا، سنناقش اتجاهات الفكر المتعددة الموالية للقومية والمطروحة دفاعا عن تلك الادعاءات. ولكي نبدأ، دعونا نعُد إلى الادعاءات التي تهتم بمواصلة تعزيز سلطة الدولة والثقافة القوميتين. تلك التي يطرحا القومي على أنها أعراف سلوكية. تتعلق التنوعات الفلسفية الأكثر أهمية بثلاث جوانب من الادعاءات المعيارية كتلك:

  • الطبيعة المعيارية للادعاء وقوته: هل يعزز الحق فقط (فلنقل، امتلاك واستدامة شكل من الحكم الذاتي السياسي، أي الدولة كمثال مفضل ومعتاد، أم حياة ثقافية تتمحور حول ثقافة إثنو قومية معروفة)، أم يعزز واجبا أخلاقيا (امتلاكه واستدامته)، أم واجبا أخلاقيا وشرعيا وسياسيا؟ إن الادعاء الأقوى يكمن القومية الكلاسيكية المعتادة. فقواعد السلوك المعتادة أخلاقية وكذلك واجبات داخلها قابلة للتطبيق قانونيا لجميع الأطراف بمن فيهم الأعضاء في الأمة الإثنية حالما تتأسس الدولة. بينما تتحدث نسخة أضعف منها رغم كونها متطلبة عن الواجب الأخلاقي فقط («الواجب المقدس»). في حين تكتفي النسخة الأكثر ليبرالية بادعاء حق الجماعة الإثنو قومية امتلاك دولة «امتلاكا مشروعا».

(2) قوة الادعاء القومي في علاقته بحقوق ومصالح خارجية مختلفة: ولإعطاء مثال حقيقي، هل استعمال اللغة المحلية مهم للغاية لدرجة أنه يجب انعقاد المؤتمرات الدولية بها، ولو على حساب خسارة مشاركين مهمين من الخارج؟ يوزن قوة الادعاء القومي هنا مقابل ادعاءات أخرى، بما فيها ادعاءات مصالح وحقوق الأفراد والجماعات. إذ تقع التباينات في القوة المقارنة للادعاءات القومية على سلم ذي قطبين متناقضين. فمن جهة، وهي جهة غير محببة، تحظى الادعاءات القومية المتطرفة بالأولوية مقارنة مع أي ادعاءات أخرى، بما فيها حقوق الإنسان. وباتجاه الوسط، تقع القومية الكلاسيكية التي تمنح الادعاءات المتمحورة حول القومية أولوية على المصالح الفردية واحتياجات عدة (من ضمنها الفوائد الجماعية النفعية)، ولكن ليس بالضرورة أولوية على حقوق الإنسان. (انظر مثلا، McIntyre، 1994، وOldenquist، 1997). أما على الجهة المقابلة، وهي الجهة الأكثر إنسانية واعتدالا وليبرالية، فتحظى الادعاءات القومية المركزية بوضع شرعي (Prima facie) فقط. (انظر Tamir، 1993، وGans، 2003، وعمل Miller، 2013، وهو الأكثر حداثة بين الثلاثة، الذي يبحث عن تنازلات في الفكرة).

 (3) لأي جماعة تُعتبر الادعاءات القومية مقبولة؟ وما مداها؟ تدعي إحدى المقاربات بأن هذه الادعاءات مقبولة من قبل كل القوميات الإثنية وبالتالي هي كونية. أحد الأمثلة هو الزعم بأن «على كل الجماعات الإثنية أن تمتلك دولة لها»، ولكي نضعه بشكل رسمي:

القومية الكونية: هي البرنامج السياسي الذي يدعي بأن على كل جماعة إثنية قومية أن تمتلك دولة شرعية وعليها تعزيز مصالح تلك الدولة.

وكبديل، يمكن للادعاء أن يكون أكثر تخصيصا، كالادعاء القائل: «من حق الجماعة (أ) أن تمتلك دولة لها» حيث لا يتضمن هذا أي شيء حول أي جماعة أخرى.

القومية التخصيصية: هو البرنامج السياسي الذي يدعي بأن يجب على أمة إثنية قومية ما أن تحصل على دولة خاصة بها، دون أن يشمل الادعاء نفس كل الأمم الإثنية. ويدعي هذا بطريقتين:

أ-إما الحذف (وهذه هي القومية التفصيلية الغير متأملة)

ب- وعبر تحديد من ستستبعد: «يجب أن تحصل الجماعة (أ) على دولة بينما لا يجب على الجماعة (ب) أن تفعل.» (القومية الجائرة)

وُصفت أكثر الحالات الفرعية من التخصصية صعوبة وشوفونية، أي (ب)، أحد النزوع، بـ«الجائرة»، بما أنها تُنكر علنا امتياز حق امتلاك دولة لبعض الشعوب. يقترح (T. Pogge)، في عمله الصادر سنة (1997) تقسيما إضافيا للعنصر (ب): الموقف «الرفيع»، وهو الذي ينكر حق بعض ‘أنواع’ الجماعات في امتلاك دولة خاصة بها، والموقف «المنحط»، وهو الموقف الذي ينكر امتياز امتلاك دولة لجماعات ‘مخصوصة’. يُدافع المنظرون القوميون الجادّون عن النوع الكوني فقط، بينما يدافع المنظرون القوميون العامّيون غالبا عن نسخة أنانية غامضة (” على بعض الأمم الحق امتلاك دولة، على رأسها أمتي!”). وتأتي القومية الكلاسيكية على الشّاكِلتيْن، التخصيصية والكونية.

على الرغم من أن أبعاد الاختلاف الثلاث: القوة الداخلية، والقوة المقارِنة، والمدى، مستقلون منطقيا، إلا أنهم على متشابكين سيكولوجيا وسياسيا. فالشعوب التي تتميز بالراديكالية في ناحية ما، تميل أيضا إلى أن تكون راديكالية في مناح أخرى. أي بمعنى آخر، تبدو رزمة من المواقف الأكثر استقرارا، بحيث تنتمي المواقف المتطرفة (أو المعتدلة) في بُعد واحد سيكولوجيا وسياسيا إلى المواقف المتطرفة (أو المعتدلة) في أبعاد أخرى. إن الجمع بين المواقف المتطرفة في بُعْدٍ مع مواقف معتدلة في أبعاد أخرى يُعتبر غير مستقر سيكولوجيا واجتماعيا.

لقد كانت الصورة القومية للأخلاق قريبة تقليديا من المنظور المهيمن في نظرية العلاقات الدولية التي تُدعى «الواقعية». وللتوضيح، فالمنظور يقول بأن الأخلاقيات تنتهي عند حدود الدولة القومية، أما ما تجاوزها فلا يُعد سوى أناركية. ويبدو هذا الطرح واضحا في عمل (Freiderich Meinecke)، (1965، المقدمة)، وفي عمل (Raymond Aron)، (1962)، ويبدو أقل وضوحا وعلنا في عمل (Hans Morgenthau)، (1946)، ولفهم أفضل لارتباط الطرح في الأعمال المذكورة انظر مقال (Micahel C. Williams) (2007)، وانظر أيضا الكتاب من تحرير (Duncan Bell) (2008)، ففيه تتويج للادعاء القومي الكلاسيكي حول الدولة القومية، أي ما يفيد بأن من حق الأمة الإثنية أو الشعب أن يحصلوا على دولة خاصة بهم ويقترح ما سيحصل مستقبلا وهو أن تدخل الدول القومية في منافسة مع أخريات باسم شعوبها المشكّلة لها.

 

  1. 3. النقاش الأخلاقي

1.3 القوميات الكلاسيكية والليبرالية

         لنعد الآن إلى تعريفنا المعياري الأول والقائم حول (1) المواقف و (2) الأفعال، هل يمكن تبرير الانحياز القومي، وإلى أي مدى؟ ما نوع الأفعال المناسبة لتحقيق السيادة؟ وعلى وجه الخصوص، هل الدول الإثنو- قومية والمُنتجات الثقافية القومية المحمية مؤسساتيا مستقلة عن الإرادة الفردية لأعضائها، وإلى أي مدى يمكن للمرء أن يصل لحمايتها؟ إن النقاش الفلسفي، سواء مع أو ضد القومية، هو نقاش حول الشرعية الأخلاقية لادعاءاتها الأساسية. فالقضية الأخلاقية الحاسمة هنا خصوصا هي: هل يُعتبر كل شكل من أشكال القومية مسموحا به ومبرر أخلاقيا، وإن لم يكن، فإلى أي حد تُعتبر بعض أشكالها سيئة؟ (انظر Chatterjee، وSmith، 2003، لمزيد من التفصيل في النقاش، وانظر أيضا Feltham وCottingham 2010.)

         لماذا تتطلب الادعاءات القومية الدفاع عنها؟ تبدو هذه الادعاءات عقلانية في بعض الأحيان: على سبيل المثال، نجد معاناة الأمم التي لا تملك دولا خاصة بها، فتاريخ اليهود والأرمن ومعاناة الأكراد تاريخيا وحاضرا تضفي مصداقية على فكرة أن أسوأ مشاكلهم ستحل لو امتلكوا دولتهم الخاصة. وعلى الرغم من هذا، توجد أسباب مهمة تدفعنا إلى سبر أغوار الادعاءات القومية أولا. فالسبب الأعم هو أنه يجب أن نوضح أولا بأن الشكل السياسي للدولة القومية له قيمة في ذاته، وبأن للمجتمع القومي قيمة سياسية وأخلاقية خاصة، وبأن الادعاءات التي تُقدمُ لصالحه تمتلك المصداقية المعيارية. متى ما تحقق هذا، فإن هناك حاجة لدفاع إضافي. إذ تبدو بعض الادعاءات الأخلاقية في موقع صراع مع قيم مختلفة تميل الشعوب إلى تقبلها، ولو في ظروف الحياة المعاصرة العادية على الأقل. فبعض هذه القيم تعتبر أساسية للمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، بينما تظل أخرى مهمة خصوصا لازدهار الإبداع والثقافة. تتضمن القيم الأساسية المجموعة الأولى؛ الحرية الفردية والحياد النبيل (خاصة تجاه أعضاء الجماعات المختلفين ثقافيا عن الفرد المعني). غالبا ما تتدخل الواجبات الخاصة على الفرد تجاه ثقافته الإثنو قومية مع حقه في الحرية الفردية، وعند تأملها جيدا، يبدو أن هذه الواجبات تتعارض مع حقوق الأفراد الآخرين، كالحق في الخصوصية مثلا. لقد لاحظ كُتّابٌ من الحركة النسوية بأن الاقتراح القومي القائل بأن النساء يمتلكن واجبا أخلاقيا يكمن في إنجاب أعضاء جدد للأمة ورعايتهم من أجل الأمة يتصادم مع خصوصية النساء وحريتهن الفردية (انظر Yuval Davis، 1997، وMoller-Okin، 1999، و2002، و2005، والنقاش الذي أتى في المجلد حول ‘أوكين’ وSatz، وآخرين 2009). كما أن قيمة أخرى مهددة وهي التنوع داخل المجتمع الإثنو قومي، والتي قد تُجهض أيضا في التجانس الذي تفرضه ثقافة قومية مركزية.

         تتعارض الواجبات تجاه الأمة أيضا مع قيمة الإبداع الحر. فأمْر الكتاب والموسيقيين والفلاسفة على سبيل المثال بنشر إرثهم القومي كواجب خاص يُناقض حرية الإبداع بالنسبة لهم. والسؤال هنا ليس ما إذا يملك هؤلاء الأفراد حق نشر إرثهم القومي، بل ما إذا كان واجبهم فعل ذلك.

         تقع بين هاتين المجموعتين من القيم المُهدّدة، أي القيم التي تقوم على الحرية الفردية وتلك على حرية الإبداع، قيمٌ تقوم أساسا من الحاجات الطبيعية للشعب الذي يعيش تحت ظروف عادية، (Barry، 2001). يتعايش اليوم مواطنون من خلفيات إثنية مختلفة في الدول المعاصرة ويقدرون نوعية الحياة هذه. يبدو واقع التعايش هذا إنجازا يجب الحفاظ عليه. فالقومية لا تشجع تعدد الثقافات واختلافها على هذه الشاكلة، ودليلنا على هذا نظرية القومية (وخاصة القومية الكلاسيكية) والتجربة. لكن المشكل يأخذ شكلا أكثر تعقيدا. فمن خلال التجبة، لا يبدو من الصدفة القول بأن شكل القومية الخصوصية الجائرة منتشرة جدا، والتي تدّعي حق أمة الفرد في الدولة، بينما تُنكر حق الآخرين فيه. إن مصدر المشكل هو المنافسة على المصادر المحدودة، فكما أوضح ذلك (Ernest Gellner) (1983): هنالك قطر صغير جدا لا يكفي لكل الجماعات الإثنية المتنافسة في سبيل خلق دولة خاصة بها، ويمكن قول الأمر نفسه على المنتجات التي يطالب القوميين بأن تكون لبني جلدتهم دون غيرهم من ساكني القطر. فحسب بعض الكتاب ك (McCabe، 1997) يُعتبر الطرح ‘الجائر’ أكثر انسجاما من أي شكل من أشكال القومية الأخرى: فإِنْ منح المرء تقديرا وافيا لجماعته الإثنية، فالأسهل أن يوليها ولاءه التام. إذ لو فضل المرء ثقافته دون تردد على غيرها في كل شيء، فإن الاهتمام بغيرها يصبح مضيعة محضة للوقت والاهتمام. في حين يقدم الطرح الكوني العادل تعقيدات سيكولوجية وسياسية مهمة. والتي تأتي من صراع بين الارتباط العفوي للفرد بجماعته، وبين واجب اعتبار الجماعات كلها على أنها متساوية. وقد يجعل الصراع المذكور الموقف الإنساني العادل غير مستقر سيكولوجيا، ويصعب التمسك به في حالتي الأزمة أو الحرب، كما أنه يصبح غير فعال سياسيا.

         إن الفلاسفة المتعاطفين مع القومية واعون بالشرور التي أتت بها القومية التاريخية، وعادة ما يحافظون على مسافة تجاهها. عادة ما يتحدثون عن «تراكمات مختلفة شوهت سمعة القومية»، كما أنهم حريصون على «فصل فكرة القومية نفسها عن هذه التراكمات.» (Miller، 1992، و1987، و2000). شارك الكتاب الوقورون المؤيدون للقومية في حوار فلسفي لا زال جاريا بين المؤيدين والمناهضين لهذا المزعم. (انظر مختارات المقالات ل McKim وMcMahan، 1997، وCouture وNielsen وSeymour، 1998، وMiscevic، 2000، وPrimoratz وPavkovic، 2007). من أجل مساعدة القارئ على أن يشق دربه عبر هذا النقاش، سنلخص باقتضاب الاعتبارات المفتوحة أمام الإثنو قومي (ة) للدفاع عن قضيته(ها). (قارن ما سنقدمه هنا مع عمل (Lichtenberg) (1997)، ففيه نظرة مجملة مفيدة حول الموضوع.) يمكن استخدام دروب فكرية أخرى مبنية على هذه الاعتبارات للدفاع عن مختلف مشارب القومية، من الراديكالي إلى المعتدل جدا.

         من المهم تقديم تحذير يتعلق بالافتراضات الأساسية والدعائم البارزة في كل خط فكري ملخص أدناه: تحديا، أن الافتراضات غالبا ما تعيش حياة مستقلة في المتن الفلسفي. ويلعب بعضها دورا رئيسا في الدفاعات المُقتَرَحة عن الرؤى التقليدية المختلفة، والتي لها علاقة ضعيفة بمفهوم الأمة على وجه الخصوص.

         وللاختصار، سأقلص كل خط فكري إلى حجة موجزة، فالنقاش الحقيقي أعمق من أن يوجز في سطور قليلة. وسأشير ما بين قوسين إلى دروب نقدية بارزة التي هاجمت مطروحة قدما في النقاش. (نوقشت بشكل مفصل في (2001 Miscevic)). ستُقسم الأطروحات الأساسية الداعمة للقومية التي تدعي التأسيس لادعاءاتها الأساسية حول الدولة والثقافة إلى قسمين. تُدافع المجموعة الأولى من الحجج عن الادعاء بأن المجتمعات القومية تملك قيمة عليا، والتي تُرى غالبا على أنها غير ذرائعية ومستقلة عن رغبات واختيارات الأفراد المشكلين للجماعة، وتحاج بأنه يجب حمايتهم من طرف الدولة وسياسات الدولة الرسمية. أما المجموعة الثانية فأقل عمقا ‘فلسفيا’ (أو ‘شمولية’)، وتتضمن أطروحات عن متطلبات العدالة، مستقلة عن التصورات المهمة حول الثقافة والقيم الثقافية.

         ستُقدم المجموعة الأولى هنا بتفصيل أكثر بما أنها شكلت لب النقاش. إذ أنها تصور المجتمع على أنه المصدر العميق للقيمة أو كوسيلة نقل فريدة تربط أعضاءه بقيم مهمة. وبهذا المعنى، يمكننا القول بأن أطروحات هذه المجموعة مُجتمعاتية بمعنى «عميق» بشكل مخصوص، بما أنها تقوم على خصائص أساسية للوضع البشري. هنا التوصيف:

 المنظور المُجتمعاتي العميق: هو منظور نظري حول القضايا السياسية (أي حول القومية في حالنا هذا) يبرر نظاما سياسيا معينا (أي الدولة القومية هنا) عن طريق حشد افتراضات فلسفية عميقة حول الطبيعة الإنسانية واللغة والروابط الاجتماعية والهوية (بمعنى فلسفي أعمق).

         ويأتي الشكل العام لأطروحات المُجتمعاتية العميقة كالآتي: أولا الطرح المجتمعاتي: هناك خير لا جدال عليه (كهوية الشخص مثلا)، ووجد نوع ما من المجتمع حتمي لامتلاكه وحمايته. ثم يأتي الادعاء القائل بأن الأمة الإثنو ثقافية هي نوع المجتمع المثالي المناسب لهذه المهمة. ومما يدعو للأسف أن هذا الطرح نادرا ما يُدافع عنه بالتفصيل في الدراسات. لكن هاهنا نموذج من (Margalit)، والذي اقتبسنا جملته الأخيرة أعلاه:

         «الفكرة هي أن الناس يستعملون أساليب مختلفة للتعبير عن إنسانيتهم. وتُحدد الأساليب بالمجتمعات التي ينتمون إليها. فهناك أناس يعبرون عن أنفسهم ‘فرنسيا’، بينما لدى آخرين أشكال حياة يُعبّرُ عنها ‘كوريا’ أو … ‘إيسلنديا’». (1997، ص 80).

         ثم يتبع استنتاج الدولي: من أجل أن يحتفظ المجتمع بهويته ويدعم هوية أعضائه، عليه أن يتخذ شكل الدولة السياسي (دائما أو على الأقل بشكل طبيعي). إن الاستنتاج من هذا النوع هو أن من حق المجتمع الإثنو قومي امتلاك دولة إثنو قومية ومن حق وواجب مواطنيها تفضيل ثقافتهم الإثنية مقابل أي ثقافة إثنية أخرى.

         على الرغم من أن الافتراضات الفلسفية العميقة في هذه الأفكار تتفرع من التقاليد الطائفية، إلا أن أشكالا ضعيفة أخرى اقتُرِحت من قبل فلاسفة أكثر ليبرالية. تقترح الدروب الفكرية المجتمعاتية الأصلية لصالح القومية أن هناك قيمة ما في الحفاظ على التقاليد الثقافية الإثنو قومية وفي مشاعر الانتماء لأمة مشتركة وفي التضامن بين أعضاء الأمة. قد يدعي قوميٌّ ليبرالي بأن هذه ليست قيم مركزية للحياة السياسية، لكنها قيم على كل حال. بل تبدو الرؤى المناقضة دراماتيكيا كالفردية والكونية المحْضتيْن جافّتان وتجريديتان وغير انفعاليتان بالمقارنة. وعندما أقول الكونية (الكوزمبوليتية)، فأنا أقصد المبدأ السياسي والأخلاقي من النوع الآتي:

         الكونية هي الرؤية القائلة:

  • تتوجه الواجبات الأخلاقية الأساسية على الفرد نحو كل البشر (بغض النظر عن البعد الجغرافي والثقافي)، وأن

  • على الترتيبات السياسية أن تعكس بأمانة هذا الواجب الأخلاقي الكوني (على شكل ترتيبات تتجاوز الدولة وتحظى بالأولوية على الدول القومية).

يحاج نقاد الكونية أحيانا بأن هذين الادّعاءين غير مُتّسقين، بما أن البشر يجتهدون بشكل أفضل عموما تحت تنظيم مؤسساتي عالمي (كالذي نملك) يركز القوة والسلطة على مستوى الدول.

يحبّذ عدد من الفلاسفة خليطا من الكونية-الليبرالية والوطنية- القومية حين يُجبرون على الاختيار بين قوى الطرح القومي والطرح الكوني. يُمجد ب. باربر (B/ Barber) في كتاباته «الخليط المدهش للكونية والرؤية ضيقة الأفق (parochialism)» والذي يحدد في نظره الهوية القومية الأمريكية. (انظر Cohen 1996، ص 31). ويدعي تشارلز يايلور بأنه «ليس أمامنا خيار سوى أن نكون كونيين ووطنيين.» (انظر المرجع السابق، ص 121). ويقترح هيلاري بوتنام أن الولاء لما هو أفضل في التقاليد المتعددة التي يشارك فيها كل منا، ما يبدو على أنه خط وسيط بين الوطنية الضيقة الأفق وبين كونية بالغة التجريد. (انظر المرجع السابق، ص 114). قد تنبأ أشعيا برلين (1979) وتايلور (1989، 1993) بهذا التنازل، كما تم العمل بنسخه العدة بالتفصيل من قبل كتّاب مثل (Yael Tamir) (1993)، ودافيد ميلر (David Miller 1995، 2000، 2007)، وكاي نيلسون (Kai Nelson 1998)، ومايكل سايمور (Michel Seymour 2000)، وشايم كانز (Chaim Gans (2003)، (انظر أيضا النقاش حول عمل ميلر في عمل (De Schutter وTinnevelt 2011). وقد احتل صدارة الاهتمام في العقدين الماضيين في النقاش وحتى أنه حفز لإعادة قراءة القومية التاريخية من منظوره، على سبيل المثال في (Miller 2005أ) و(Sung Hu Kim 2002)، و (Brian Vick 2007). يتقبل معظم الكتاب القوميين الليبراليين نسخا مختلفة ضعيفة للأطروحات التي سنسطرها تاليا، جاعلة إياهم داعمين لادعاءات قومية معتدلة أو بالغة الاعتدال.

يجب أن يُذكر هنا مقترحا أكثر مثالية، ويعود إلى (Chandran Kukathas 2003)، والذي يجمع بشكل جيد بين تعددية ثقافية مع تميز مجتمعات مخصوصة والذي تحتفي به القومية الكلاسيكية. يتضمن «أرخبيله الليبرالي» من وحدات تدعى «الجُزُر» تختلف تماما فيما بينها، لكنها متجانسة ثقافيا من الداخل في غالبها. قد تكون بعض هذه الجزر غير محببة إطلاقا بالمعايير الليبرالية، بيد أن ما يجعل الأرخبيل ليبراليا بالمجمل هو أن كل مجتمع يضمن لأعضائه المعارضين حقهم في الرحيل (وهو ما قد يكلف ثمنا باهظا إن لم يجد أعضاؤها السابقين مكانا يوفر لهم حياة كريمة). لذلك قد يكون أول مستوى من التنظيم السياسي غير ليبراليا (يأمل كوكاثاس ألا يصبح الحال كذلك)، بينما يكون المستوى الثاني ليبراليّا بقوة. يجمع هذا المقترح بطريقة جيدة الخصائص التقليدية للقومية الكلاسيكية مع خصال ليبرالية جدا، أناركية تقريبا للمجمل. ومن سوء الحظ، يصعب تخيل ما قد يحفظ لحمة هذا الأرخبيل دون دولة قوية موحِّدة، وهذا ما لا يملكه كوكاثاس. إن الخطر الجلي هو انحدار نحو أرخبيل متعدد الأقطاب، ببعض جزر كبيرة وقوية (كجزيرة إسلامية ضخمة، جزيرة ضخمة أوروبية النوع، وهلم جرا).

فلأعد إلى الخط الرئيسي للشرح. هذه هي عناصر ضعف الإثنو قومية الكلاسيكية التي يقترحها القوميون الليبراليون القوميون، والقوميون الليبراليون المُقيدون، والقوميون الكونيون. أولا، للادعاءات الإثنو قومية نقطة قوة بديهية واحدة، ولا يمكنها أن تتجاوز حقوق الفرد. ثانيا، لا يمكن للادعاءات الإثنو قومية الشرعية أن ترقى تلقائيا إلى الحق في الدولة، بل إلى الحق في مستوى معين من الاستقلال الثقافي. النموذجان الأساسيان للاستقلال هما إما قطري وغير قطري؛ يتضمن الأول تفويض اتخاذ القرار القطري، أما الثاني فيعني الاستقلال الثقافي الممنوح للأفراد بغض النظر عن مكان إقامتهم داخل الدولة. (لنقاش محفز جدا عن الامتيازات المقارِنة المُثبّطات في كل منهما، انظر مقالات راينر باوبوك (Reiner Baubock) وويل كيمليكا (Will Kymlicka) في عمل دييكوف(Dieckoff) (2004)، حيث يدافع الأول عن الاختيار الغير قطري، بينما يدافع الثاني عن الاختيار القطري.) ثالثا، تخضع القومية الإثنية للوطنية المدنية والتي لا علاقة لها أو تملك علاقة نزرة بالمعايير الإثنية. رابعا، تُقبلُ الأساطير الإثنو قومية و”المغلوطات المهمة” المشابهة لها إن كانت غير مؤذية أو مهينة، ففي تلك الحالة مسموح بها أخلاقيا في الحالتين رغم مغلوطيتها. وأخيرا، يجب أن تستمد أي شرعية قد تمتلكها الادعاءات الإثنو قومية من الخيارات التي يتخذها الأفراد أصحاب العلاقة بحرية.

 

3-2 أفكار مؤيدة للقومية: الحاجة الشديدة لمجتمع

تأمل الآن الأطروحات المخصوصة في المجموعة الأولى. يعتمد الطرح الأول على افتراضات تظهر في الأطروحات التالية أيضا، لكنها تعزو قدما إلى المجموعة قيمة داخلية. بينما تشير الأطروحات اللاحقة أكثر إلى قيمة أدواتية للأمة مشتقة من قيمة الازدهار الفردي والفهم الأخلاقي والهوية الثابتة وما شابهها.

 

  1. الطرح من منطلق قيمة داخلية: تُعتبر كل جماعة إثنو قومية ذات قيمة في ذاتها ولذاتها بما أنها توجد فقط ضمن الإطار الطبيعي الحاوي لتقاليد ثقافات مختلفة حيث تُنتج وتنتقل المعاني والقيم المهمة. إن أعضاء تلك الجماعات أقرب لبعضهم بطرق عديدة عبر تكلم نفس اللغة وتشارك العادات والتقاليد عمن لا يتشاركون معهم نفس الثقافة. وبالتالي يصبح المجتمع شبكة من الأعضاء المرتبطين أخلاقيا، أي مجتمع أخلاقي بروابط التزام خاصة وقوية جدا. يتعلق التزام بارز لكل فرد بالسمات المحددة للمجتمع الإثني، على رأسها اللغة والعادات: يجب رعايتهما وحمايتهما وحفظهما وتقويتهما. وغالبا ما يُنتقد الافتراض العام بأن الواجبات الأخلاقية تزيد مع القرب الثقافي على أنه مُعضل. والأدهى من ذلك، فحتى لو سلمنا بهذا الافتراض العام نظريا فإنه ينهار مع التجربة. فغالبا ما ينقلب الحراك القومي على الجيران القريبين (والشبيهين) عوضا عن على الغُرباء البعيدين، إلى حد أن في سياقات مهمة عديدة لا يفيد الاستنجاد بالقرب. بيد أنه قد يستعيد قوته الواعدة ضد جماعات بعيدة ثقافيا.

  1. الطرح من منطلق الازدهار: إن المجتمع الإثنو قومي أساسي من أجل ازدهار كل واحد من أعضائه. فداخل هذه الجماعة فقط على وجه الخصوص يمكن للفرد اكتساب مفاهيم وقيم أساسية لفهم الحياة الثقافية للمجتمع عموما، وحياته الخاصة بالتحديد. لقد كان ثمة جدل مستفيض من جهة المناصرين للقومية عما إذا كان تنوع القيم جوهري للفصل بين الجماعات القومية. أشار القوميّون الليبراليون الكنَديون سايمور (1999) وتايلور وكيمليكا إلى أن ‘الاختلافات في القيم بين مناطق مختلفة من كندا’، التي تتطلع إلى قومية منفصلة، هي ‘شحيحة”. استنتج كيمليكا (1993، ص 155) أن انفصال القيم ليس هو المهم. لا تزال هذه النتيجة متسقة مع طرح الازدهار إن لم تؤخذ ‘المفاهيم والقيم’ على أنها قومية بشكل خاص، كما يدعي القوميون المُجتمعاتيون (MacIntyre 1994، وMargalit 1997). يشير نقاد القومية إلى أن الازدهار قد يحمل ثمنا باهظا جدا، خصوصا على هيئة العدوان على الجيران. ويشير ب. ياك ( Yack) إلى الخطر في الأوضاع التي تتضافر فيها عوامل مختلفة ضد الجيران: «حسابات المصلحة، ومشاعر الصداقة الاجتماعية ومعتقدات العدالة». (2012، ص 221)، انظر أيضا النقاش في عمل ياك وهيرن (Hearn) وآخرين (2014).

  1. الطرح من منطلق الهوية: يؤكد الفلاسفة المجتمعاتيون على أهمية التربية على الطبيعة كقوة رئيسة في تحديد هويتنا كشعوب، إننا نصبح ما نحن عليه بسبب الظروف الاجتماعية والسياقات التي ننضج فيها. لهذا الادعاء شيء من الصحة. فهوية كل فرد منا تعتمد على مشاركتهها في الحياة الجماعية (انظر MacIntyre 1994، وNielsen 1998، وLagerspetz 2000). فنيلسون مثلا يكتب:

«لكي نضع الأمور كما هي، إننا تائهون إن لم نُعرف أنفسنا بشيء من الواقع الاجتماعي الموضوعي: أي أمة، وليس بالضرورة دولة، بتقاليدها الخاصة. فما نجده لدى الشعوب هو الحاجة ليس لقول ما يمكنهم فعله فحسب وإنما أن يقولوا من يكونون، وهذا مغروس عميقا كالحاجة لتطوير مواهبهم. وهذا موجود وليس مختلق، موجود في تعرف المرء على نفسه من خلال الآخرين في ثقافة مشتركة قائمة على الجنسية أو العرق أو الدين أو الخلط بين الثلاثة…وتحت الظروف الحديثة، لا يمكن تحقيق هذا الحفاظ وتغذية الوعي القومي هذا دون دولة قومية تتوافق مع هذا الوعي القومي». (1993، ص 32).

          باعتبار أن أخلاق الفرد تعتمد على امتلاكه لهوية شخصية ناضجة ومستقلة، فإن الظروف الاجتماعية التي تحتضن وترعى تطور الهوية الشخصية هذه يجب أن تُحفظ وتُدعّم. (للاطلاع على الوجه الآخر للفكرة، انكار أهمية الهوية الثابتة والمتجانسة والتي تقترح هويات هجينة، انظر مقالات Iyall Smith وLeavy 2008). يدعي الفلاسفة القوميون بأن الأمة هي الصيغة الصحيحة للحفاظ وتشجيع مجتمعات مانحة للهوية كهذه. وعليه، يجب تنظيم الحياة الجماعية حول ثقافات قومية خاصة. ويقترح القوميون الكلاسيكيون أن يجب أن تُمنح دولها الخاصة، بينما يقترح القوميون الليبراليون بأن على الثقافات أن تحصل على الأقل على نوع ما من الحماية السياسية. (للاطلاع على نقاش القضايا اللغوية التي تُربط غالبا بالهوية، انظر Kymlicka وPatten 2003 وPatten 2003).

  1. الطرح من منطلق الفهم الأخلاقي: إن القيمة الأخلاقية شق مهم على وجه الخصوص من القيمة. إن بعض القيم عالمية كالحرية والمساواة، لكن تلك تجريدية للغاية و”هشة”.  فالقيم الغنية و «المتينة» ملحوظة فقط ضمن تقاليد معينة لأولئك الذين طبقوا من كل قلبهم عادات ومعايير التقليد المعني. فكما يضعها تشارلز تايلور: «إن اللغة التي أتينا لتقبلها هي تلك التي تعبر عن قضايا لصالحنا.» (1989، ص 35). تقدم الأمة إطارا طبيعيا للتقاليد الأخلاقية، وبالتالي للفهم الأخلاقي، إنها مدرسة الأخلاق الأولى. (وأشير هنا للإنصاف بأن تايلور نفسه متردد في شأن صيغة الأخلاق القومية). ما يُلاحظ غالبا في هذا الخط من الفكر أن أمما بعينها لا تمتلك أخلاقا تخصها وحدها، كما أن الأخلاق «المتينة»، إن استفضنا، قد تختلف عبر انقسامات أخرى كالطبقة والتقسيم الجندري أكثر مما هي عبر الجماعات الإثنو قومية. (انظر Laegard (2007)، من أجل نقاش حديث راقي ومثير لبعض المُخرجات المفاجئة للادعاء بأن هناك «قيما قومية»، وما يحدث عندما تُعدّ القيم الليبرالية الكلاسيكية «قيماً قومية»).

  1. الطرح من منطلق التنوع: تساهم كل ثقافة وطنية بشكل فريد في تنوع الثقافات البشرية. يكتب أشعيا برلين، وهو أحد أشهر المدافعين عن هذا الطرح في القرن العشرين، في تأويله لفكرة يوهان هيردر الذي كان أول من منح الفكرة أهميتها:

«إن ‘علوم فراسة’ الثقافات أمر فريد. إذ تقدم كل واحدة صقلا رائعا للمؤهلات البشرية في زمنها ومكانها وبيئتها الخاصة. ويمنع علينا إصدار أحكام ذات قيمة مُقارنة، لأن ذلك هو قياس ما لا يُقاس.» (1976 ص 206).

وعليه فإن حامل القيمة الأساس هو مُجمل الثقافات التي كل ثقافة قومية وأسلوب حياة يساهمان في المجمل يشتقان قيمتهما الخاصة. بالتالي الطرح من منطلق التنوع هو تعددي، إذ أنه يعزو القيمة لكل ثقافة بعينها من المنظور الجمعي الكلي للثقافات. إذا افترضنا أن الأمة (الإثنو-) قومية هي وحدة الطبيعية للثقافة، فإن الحفاظ على التنوع الثقافي يرقى إلى الحماية المؤسساتية لنقاء الثقافة (الإثنو-) قومية. يمكن حماية تعدد الأنماط الثقافية ودعمها عبر ربطها ب «أشكال الحياة» الإثنو قومية. غير أنه يمكن لعدم اتساق براغماتي أن يحدد هذا الطرح. إن المسألة هي من بإمكانه أن يقترح شرعيا تنوعا إثنو قومي على أنه مثالي: فالقومي مرتبط بشدة بثقافته (ها)، بينما الكوزموبوليتي متحمس للغاية للحفاظ على الصلات ما بين الثقافات التي تتجاوز فكرة امتلاك دولة قومية واحدة، فضلا على ذلك، هل للتنوع قيمة لدرجة أنه يستحق الحماية حيثما وُجِد؟ هل يجب أن تقتصر حماية التنوع على أوجه محددة من الثقافة أو (الثقافات) المُقترحة بعمومية تامة؟ (انظر Francois Grin في Kymlicka وPatten (2003) من أجل صيغة محددة ومعتدلة لطرح من منطلق التنوع، ملتمسين الأنطولوجيا مع التنوع الحيوي تجانسه غير أنهما يركزان على التعدد اللغوي حصرا.)

إن الخط الفكري (1) ليس فردانيا. ويمكن تقديم (5) دون الإشارة إلى الأفراد: قد يكون التنوع خيرا في ذاته، وقد يكون خيرا للأمم. لكن خطوط التفكير الأخرى في المجموعة التي قُدمت للتو مرتبطة جمعيها بأهمية الحياة الاجتماعية في علاقتها بالفرد. لقد خرجت من المنظور المجتمعاتي «العميق»، والتيمة المكررة فيها هي أهمية واقع أن العضوية في المجتمع ليست اختيارية وإنما لا إرادية. ثمة أساس طائفي عام في كل طرح (أي مجتمع أمر حاسم لهوية المرء أو لازدهاره أو أي صالح مهم، مجتمع لا يملك الفرد فيه خيار الانتماء من عدمه). والتي تُعتبر عنصر حسمٍ في هوية الفرد، أو في ازدهاره أو في خير مهم أخرٍ ما.) ويرتبط هذا الأساس بادعاء وصفي ضيق ومرتكز على الأمة، ومفاده أن الأمة القومية هي تحديدا نوع المجتمع أكثر ملائمة لهذا المهمة بشكل مثالي. بيد أن القوميين الليبراليين لا يجدون هذه الفكرة مقنعة تماما. فحسب منظورهم، قد لا تدعم أساسات هذه الأطروحات حُزمة الطموحات القومية كاملة وقد لا تص بشكل غير مشروط. انظر (Hale) (2008). تستحق خلاصة هايل أن تُقتبس: «إن الإثنية مدفوعة باختزال غير يقيني، بينما السياسات الإثنية مدفوعة بالمصالح.» (2008 ص 241). مع هذا، ثمة الكثير في تلك الأطروحات، وقد تدعم القومية الليبرالية وتتخذ موقفا أكثر اعتدالا لصالح الثقافات القومية.

نختم هذا الجزء من المقال بالإشارة إلى موقف داعمٍ للقومية على قدر كبير من التشويق والأهمية طوره دايفيد ميلر (David Miller) على مدى عقود، بدءا بعمله الصدر سنة 1990 وصولا إلى عمله الصادر سنة 2013. إن ميلر يقبل تنوعا متعدد الثقافات داخل المجتمع، لكنه يؤكد على هوية قومية ممتدة، متخذا الهوية القومية البريطانية مثاله الرئيس، والتي تشمل الإنجليز والأسكتلنديين وهويات إثنية أخرى. ويطالب بـ «هوية شاملة متاحة لأعضاء كل الجماعات الثقافية.» (2013 ص 91). يزعم ميلر أن هوية كهذه ضرورية للتضامن الاجتماعي الأساسي وتتجاوز الوطنية الدستورية البسيطة بكثير. قد يذكر مشكك ما يلي: إن مشكل المجتمع المتعدد الثقافات هو أن الهوية القومية كانت تاريخيا مسألة روابط إثنو قومية، وتطلبت تشابها في السمات الثقافية الغالبة ذات الثقل (كاللغة المشتركة، «والتاريخ المشترك كما يُتذكر»، والعادات، والدين وهلم جرا). غير أن الدول متعددة الثقافات عادة ما تضم جماعات بتاريخ ولغات وديانات وحتى مظاهر مختلفة جدا. كيف إذا يمكن تحقيق «الهوية القومية» الممتدة بدءا بالهوية الضعيفة للانتماء المشترك إلى دولة معينة؟ يبدو كأن المرء واقع في معضلة. يتطلب ترسيخ التضامن الاجتماعي في الهوية القومية أن تكون الأخيرة هشة وأن يبدو أنها ستنتهي إلى هوية ثقافية وحدوية. قد تكون الوطنية الدستورية التصرف الوحيد الذي بإمكانه ترسيخ تضامن كهذا بينما يحافظ على التنوع الثقافي الأصلي.

 

3-3 نقاشات لصالح القومية: قضايا العدالة

تهم أفكار القسم الثاني العدالة السياسية ولا تعتمد على الادعاءات الميتافيزيقية حول الهوية، والازدهار والقيم الثقافية. إنها تستنجد بالظروف (أكانت حقيقية أم مُدّعاة) القادرة على جعل السياسات القومية عقلانية (أو مُتقبّلَة أو ضرورية حتى)، ظروف (أ) كحال نظام جزءٍ مهم من العالم على شكل دول قومية (حتى يتسنّى لكل جماعة جديدة تطمح إلى خلق دولة قومية تتبّع نمط قائم)، أو (ب)، أو على شكل ظروف دفاع الجماعة عن نفسها، أو إنصاف المظالم من الماضي، وكلها ظروف قد تبرر السياسات القومية (وهذه فقط حالة من بين أخريات). تقدم أفكار أخرى الأمة على أنها عامل إيجابي يفضي إلى الصالح السياسي المهم كالمساواة.

  • طرح الحق في تقرير المصير الجماعي: لكل جماعة ذات عدد كاف من الأفراد حق بديهي في حكم نفسها، وتقرير عضويتها المستقبلية، إن كانت تلك إرادة الأعضاء المشكلين لها. إن الإرادة السياسية للأعضاء أنفسهم في الواقع هي التي تؤسس للحق في دولة إثنو قومية ولمؤسسات وممارسات ثقافية ترتكز على الإثنية. تقدم هذه الفكرة التبرير للادعاءات (الإثنو) قومية على أساس أنها تنضح من إرادة أعضاء الأمة. وعلى هذا الأساس تُعتبر أمرا مناسبا جدا للقومي الليبرالي، لكنها لا تجد نفس الصدى لدى المجتمعاتي العميق الذي يعتبر أن واجبات الأمة مستقلة عن خيارات أفرادها، وتحظى لديه الأمة بالأسبقية على خيارات الأفراد. (يقدم بيوكانان Buchanan في عمله الصادر سنة 1991 نقاشا مُسهبا لهذا الطرح، وقد أصبح عمله مرجعا معاصرا مُعتمدا، انظر أيضا Moore 1998 وغانز 2003. انظر أيضا Levy كما ورد في Dieckoff 2004، ففيه مناظرات وتبادل للأفكار حول الموضوع، انظر أيضا المجلد حول الانفصال في Pavkovic وRadan 2007، وChritopher Heath Wellman 2005، كما يقدم كوهن Kohen 2006 مجلدا مهما عن المنظور القانوني، بينما يقدم عمل Casertano 2013 حالات مدروسة مهمة، ويقدم ياك 2012 في الجزء العاشر حكما مفرطا في السلبية عن الموضوع.)

  • طرح الحق في الدفاع عن النفس والتعويض عن مظالم الماضي: يمنح القمع والظلم الجماعة الضحية حقا مشروعا في الانفصال. فإن تعرضت جماعة أقلية إلى القمع من قبل جماعة الأغلبية إلى حد أن كل عضو بالتقريب في جماعة الأقلية يعيش حياة شظف أسوأ من تلك التي يعيشها جل أعضاء جماعة الأغلبية بسبب انتمائه للأقلية، فإن الادعاءات القومية باسم الأقلية تُعتبر عقلانية وأخلاقيا ومُقنعة جدا. يُعتبر هذا الطرح جوابا مُقيَدا عن أسئلتنا (2 ب) و (3 ج): إن استعمال القوة لتحقيق السيادة شرعيٌّ فقط في حالات الدفاع عن النفس أو التعويض عن المظالم. وبالطبع فلا زال يوجد الكثير مما يجب فعله في سبيل تحديد من قد تُستعمل القوة ضده شرعيا، وكم من الأذى قد يقع في صف كم من الأعداء. ويُقر الطرح أيضا حقا تعويضيا نموذجيا مقبولا من وجهة نظر ليبرالية. (انظر النقاش في Kukathas وPoole 2000، وأيضا بيوكانان 1991، وWaldron 1992 حول مظالم الماضي).

  • طرح المساواة: إن أعضاء جماعة الأقليات غالبا ما يعانون الحرمان في علاقتهم مع الثقافة المسيطرة، لأنهم بحاجة ماسة لأولئك الذين يتكلمون نفس اللغة وينتمون إلى نفس الثقافة لتدبير شؤون حياتهم اليومية. ولأن حرية تدبير الشؤون وقضاء الحاجات اليومية خير عام، ونعلم أنه من الصعب تغيير اتكال الفرد على ثقافة الأقلية المنتمي إليها أو التخلي عنها لبلوغ الخير المذكور، فإن هذا الاتكال قد يقود إلى بعض أشكال اللامساواة إن لم تُتّخذ إجراءات خاصة بهذا الشأن. يجب على بناء الأمة التلقائي الذي تقوده الأغلبية أن يراعي أشكال الحيف هذه. وعليه، يتطلب الحياد الليبرالي نفسه أن تُقدم الأغلبية بعض المنتجات الثقافية الأساسية كمنح الحقوق الفارقية (انظر كيمليكا 1995 ب، و2001، و2003). إن أشكال الحماية الدستورية، وحق الجماعة الأقلية في إطارها الدستوري الخاص هي تصويب تستعيد الأقلية بموجبه المساواة مع الأغلبية، وتوجيه للدولة القومية الناتجة عنه إلى مسار الاعتدال والتعدد الثقافي. (انظر كيمليكا 2001 و2003). (ونشير أيضا إلى اقتراح حديث مثير للاهتمام قدمه Robert E. Goodin (2006)، والذي يميز فيه ما بين عامِليْ تحفيز يقفان خلف التعدد الثقافي ونوعان ممكنان ناتجان عنهما، وهما: التعددية الثقافية المتعددة اللغات، والتعددية الثقافية الوقائية. والأخير من نوع طرح كيمليكا، ويركز على حماية مصالح الأقلية من حيف الأغلبية، بينما ينضح الأول من مُثُل التعدد وقيمة الاختلاف، واللذين، في حال توافرهما في دولة ما، يسمحان «بتوسعة دائرة خيارات الفرد المستقل.» (2006 ص 290).)

  • طرح النجاح: نجحت الدولة القومية في الماضي في تعزيز المساواة والديمقراطية، كما يقول (Craig Calhoun) في كتاب حديث له: «… فتخيّل الديمقراطية يتطلب التفكير في» الناس «على أنهم نشطون ومنسجمون، واعتبار الذات على أنها عضو وذات فاعلة. إن الليبرالية تمنح فكرة الذات الفردية الفاعلة شيئا منها، لكنها تقدم القليل في أفضل الأحوال فيما يخص العضوية والانسجام الجماعي وقدرة العامة. إن القومية هي التّشكّل الخطابي الأكثر تأثيرا في تهميش أبعاد الديمقراطية هذه في العصر الحديث.» (2007 ص 174). يعتبر التضامن الإثنو قومي حافزا قويا خلف التوزيع العادل للمنتجات. (انظر Miller 1995، وCanovan 1996، 2000). وتبدو الدولة القومية أيضا عنصرا أساسا في تأمين الحياة الأخلاقية للمجتمعات في المستقبل، لأنها شكل المؤسسة السياسي الوحيد القادر على حماية المجتمعات من تهديد العولمة والاستيعاب القسري. (انظر عمل Mason 1999 الذي يقدم فيه نقاشا نقديا مسهبا لهذه الفكرة.) إن كالهون واع بحدود مدحه للقومية حيث أتى على ذكر بعضها في نفس الصفحة التي اقتبسنا منها أعلاه.

قدم مؤخرا (A. Roshwald) في كتابه الذي صدر سنة 2006 نظرة مُحبِطة عن نجاح الدولة القومية، كتابٌ أشار فيه إلى الطبيعة المتناقضة والمتضاربة للادعاءات القومية. نقتبس أسفله ملخصا وافيا عنه ورد في (A. Smith) يقول فيه:

«إن القومية بالنسبة لروشوالد عتيقة وحديثة في الآن نفسه، فهي تستخدم تصورين توأمين للزمن الدائري والخطي: إنها تنشد تقرير المصير بينما تحرص على إبراز كونها ضحية، وتصر على خاصية اصطفاء الأمة وتدعي لنفسها كونية مهمتها في الآن عينه، كما أنها تكشف أخيرا عن تعايش الدم النقي والمختلط، وعن تطابق الأمة الإثنية والمدنية. وعلى الرغم من هذه التناقضات، إلا أن القومية قادرة أبدا على تجديد نفسها والتكيف مع وضعيات مختلفة…» (سميث 2008 ب، ص638).

قد يجد من يدعمون الرأسمالية مناشدة من نوع أكثر إشكالا للنجاح من نظرية (Liah Greenfeld) التي تعتبر بأن «القومية هي العامل المسؤول عن إعادة توجيه النشاط الاقتصادي باتجاه النمو» وبأن «الموقع الغير مسبوق الذي حظي به المجال الاقتصادي في الوعي الحديث ليس إلا نتيجة ديناميكيات المجتمع الأمريكي، والتي تتحدد بدورها بالخصائص الفريدة للقومية الأمريكية.» (2001 ص 1). تنتقد غرينفيلد القومية بشدة، وقد يخطر ببال أحد حشد نظريتها (بعد تجريده من موقفها النقدي) للدفاع عن القومية.

يمكن ضم هذه الأفكار السياسية إلى أفكار مُجتمعاتية عميقة أخرى. لكن منظور المُجتمعاتيين الصريح يقدم «ثقافوية ليبرالية liberal culturalism» تُناسب مجتمعات مُتعددة إثنيا وثقافيا. وهي نسخة أكثر بعدا عن القومية الكلاسيكية من القومية الليبرالية التي تسم أعمال (Tamir) و (Nielsen). وترفض أي أساس فلسفي مجتمعي (أي من الطرح المجتمعي) (انظر عرض كيمليكا المفصل ودفاعه عن الفكرة في عمله (2001)، وعمله المتأخر ذو النفس الموسوعي (2007) الذي يصر على نعت الثقافوية المذكورة ب «القومية»، وعمله (2003) حيث قدم فيه مقتضبا عن الفكرة، انظر أيضا غانز (2003)). تشير فكرة بناء الأمة المعتدل إلى تعددية ثقافية مفتوحة، حيث تتلقى كل جماعة نصيبها في الحقوق التعويضية، لكن، وعوضا عن عزل نفسها، تشارك كل جماعة في ثقافة مدنية مشتركة متداخلة، وتحافظ على تواصل مفتوح مع مجتمعات فرعية أخرى. إن أخذنا في الاعتبار اختلاف المجتمعات التعددية وحدة التفاعل العابر للأمة، فإن الانفتاح المذكور يبدو للكثيرين على أنه الضامن الوحيد لاستقرار الحياة الاجتماعية والسياسية (انظر نقاش الطرح المذكور في Shapiro وكيمليكا 1997). يعتبر الانفتاح أمرا ضروريا لتفادي مصيدة «القطط الجوّاسة prowling cats» كما سمتها (Margaret Canovan) (2001). تحذر كانوفان من أن «النظريات القومية الجديدة تحوي عن غير قصد بواعث منحرفة على فعل المضاد تماما لما قصده المنظرون». ويبدو الاعتدال المفرط الحل الوحيد لهذه المعضلة. قد يقود جدل الدعوة إلى اعتدال الادعاءات القومية في سياق المجتمعات التعددية  بناء على هذا إلى موقف يُقدر الاختلافات الثقافية، لكنه يبقى موقفا ليبراليا وقد يصل إلى الكوزموبوليتية في تطلعاته الحاسمة.

إن الموقف الليبرالي معتدل ومدني، ولا زال هناك الكثير مما سيقال دفاعا عنه. إنه يحاول مصالحة حدوسنا في صالح نوع ما من الحماية السياسية للمجتمعات الثقافية ذات الأخلاق السياسية الليبرالية. ويطرح هذا بالطبع قضايا التطابق بين المبادئ الليبرالية الكونية وأشكال تعلق الفرد بأمته الإثنو ثقافية. يفصِل القوميون الليبراليون جدا ك (Tamir) الأمة الإثنو ثقافية (ethno-cultural nationhood) عن وضعية امتلاك دولة مستقلة (statehood) فصلا تاما. ويقترحون أيضا بأن نوع حب البلد أو التعلق به يضعف في وجود كل أشكال الاعتبارات الكونية، وهو ما يقوض المصالح القومية في النهاية (انظر تامير 1993 ص 115، وانظر أيضا Moore 2001 وGans 2003). ثمة نقاش دائر اليوم بين القوميين المُتفلسفين (philosophysing) حول نسبة الضعف والتنازل اللتان تُعتبران مطابقتان لموقف قومي كما يُعرّف. (فعلى سبيل المثال تقدم كانوفان 1996، (ج 10) تامير على أساس أنه تخلى عن مثل ‘الدولة القومية’، وعليه يكون قد تخلى بالتالي عن الأمة. وينتقد سايمور (1999) تغاضي تايلور وكيمليكا المقصود عن البرامج القومية الأصيلة، واقتراحهما القاضي بتعويض القومية بالتعددية الثقافية.) هناك أيضا خيط فكر ناظم حاضر في أعمال بعض القوميين الليبراليين يُعتبر على صلة بمصالح كوزموبوليتية، (انظر Nielsen 1998 و1999). انظر مقدمة عمل (Delanty) و (Kumar) (2006) ومساهمة ديلانتي في العمل المذكور من أجل الاطلاع عن مقاربة أكثر سوسيولوجية لجدل العالمي والإثنو قومي.)

تم إدماج قضايا القومية باطراد في النقاش حول النظام العالمي في السنين الأخيرة (انظر مداخل العولمة والكوزموبوليتانية على الموسوعة). يُعتبر الرابط المفاهيمي الأساسي هو الادعاء القائل بأن وضع الدول القومية وضع طبيعي ومستقر ومناسب، وتشكل كلها وحدات مناسبة للنظام العالمي. ويقوم الادعاء المذكور على أساس الافتراض القائل بأن كل دولة قومية تعني تباعا «شعبا» ما، أي ساكنة متجانسة تقدر التضامن مع مواطنيها. وتُعتبر النظرة التي تشكلت مع مقال جون راولز (John Rawls) «قانون الشعوب»، وهو المقال الذي أبدى حسن ظن كبير بالنظام الدولي المكون من دول قومية متحررة ومُهذبة من حيث الممكن السياسي والقيمة الأخلاقية العالية له. ويحاجج نقاد راولز الكوزموبوليتيين، وعددهم يزداد، ما يناقض الوضع التقديري الذي منحه للدولة القومية، وينتقدون افتراضه القائل بتجانس «الشعوب». (انظر Pogge 2001 و2002، وO’Neill 2000، وNussbaum 2002، وBarry 1999.) يهم نقاش على علاقة بهذا دور الأقليات في مسارات العولمة (انظر Kaldor 2004). لقد ولّد اهتمام الفلاسفة بأخلاقيات النظام العالمي مقترحات مهمة حول وحدات بديلة أقل من الأمة وعابرة لها، والتي قد تلعب دورا مُميَزا عن دور الدول القومية، وقد تصل مرحلة تكميل دور الدول القومية (انظر Held 2003 الذي يقدم ملخصا رائعا عن هذا الطرح، بينما يقدم Walzer 2004، في الجزء 12 نظرة شاملة رائعة وحديثة عن فكرة البدائل). والمثير أكثر من ذلك هو أن المقاربتان قد تلتقيان في النهاية: فالقومية الليبرالية المتعددة الثقافات، والكوزموبوليتانية المعتدلة التي تقدر الاختلاف تشتركان في الكثير. وقد حذا هذا التقارب (Kok-Chor Tan) للبحث فيه، انظر عمله الصادر سنة (2004)، وخصوصا الجزء الخامس. لكن التقارب بين الفكرتين يبدو أكثر في مقاله الصادر سنة 2011، انظر أيضا كتابه الصادر سنة 2012).

 

3-4 الدولة القومية في السياق الدولي

دعونا نبدأ بالعودة بإيجاز إلى النقاشات الحديثة حول القطر والأمة، وبعد ذلك سنتطرق إلى قضايا العدالة الدولية. يحاول القوميون الليبراليون ك (Miller 2000، وGans 2003، وMeissels 2009) الحفاظ على الرابط القومي التقليدي بين «المِلكيّة» الإثنية للدولة والسيادة والسيطرة القُطرية، غير أن هذا يتم في إطار مرنٍ ومتطور. وعلى هذا الأساس تُقدم (Tamar Meissels) طرحها في صالح «أخذ الترتيبات القومية القائمة في الاعتبار على أساس أنها عامل أساسي في ترسيم الحدود القطرية»، لأن لِخيْط الفكر الناظم هذا «أسُسٌ ليبرالية» (في أعمال جون لوك مثلا) وجاذبية ليبرالية قومية (انظر عمل ميسيلز 2009، ص 159)، والذي يقوم على ارتباطه بشعار تقرير المصير القومي الليبرالي. تجمع ميسيلز بين هذا الطرح وبين تأويل دعاوى ‘الحق التاريخي’ لدى (Chaim Gans) القائلة بأن الأخير يعني «الحق في الأقطار الشكلية (formative territories)» (غانز 2003، ج الرابع عشر). إنها إذا تجمع «الأفكار التاريخية كادعاءات في الأقطار الشكلية» مع فكرتها عن الاستيطان، وتُصر على تفاعلهما ودعمهما لبعضهما البعض حيث تقدمهما على أساس أنهما «على علاقة وطيدة بالافتراضات القومية الليبرالية وتقومان على أسسها الفكرية.» (ميسيلز 2009، ص 160). وعلى الرغم من ذلك تؤكد ميسيلز بأن الروابط الشكلية بقطر ما قد تكون مشتركة بين جماعات إثنية متعددة، وقد تتنافس دعاوى الحق المتعددة في القطر الواحد على أساس سبق الاستقرار في المكان. (ينطلق ياك Yack (2012، ص 203) من نفس الفكرة، لكنه يخلص إلى نتائج أكثر تشاؤما).

يمكننا القول، في ظل الصراعات القومية التي عرفها القرن العشرون، بأن الدول التي تحترم تعدد الثقافات، والتي إن قُسّمت إلى جماعات صغيرة ومغلقة ومعزولة، لا تلتصق ببعضها إلا بترتيب تسويات مؤقتة، بأنها تبقى جوهريا غير مستقرة.  وقد يتطلب الاستقرار على هذا الأساس تعزيز المجتمعات التعددية، كما تصورها الثقافيون الليبراليون، لكثافة التفاعل العابر للدولة بين الجماعات الثقافية من أجل إحباط انعدام الثقة، والتخفيف التعصب، وخلق أساس متين للتعايش.

وعلى الطرف المقابل من هذا يُشير الكتاب الكوزموبوليتيين ك (Buchanan 2003، وWaldron 2005) إلى الاستقرار المتعدد لجماعات مختلفة في قطر واحد، وإلى أهمية قرب جماعات إثنو ثقافية مختلفة عن بعضها البعض. إنهم يؤكدون على التعدد الثقافي الداخلي. يجب على حدود الدولة أن تجمع شتات جماعات ثقافية متميزة (وخاصة الجماعات الإثنو قومية) لأسباب تعود إلى أهمية السلام والأمن، وهذا هو الحال غالبا. فإن جمعنا بين الحافز الثقافي من أجل تعزيز تعددية ثقافية منفتحة، وحافز والدرون القائم على الأمن، والذي هدفه بناء دولة ذات كفاءة في فك النزاعات وإقامة العدل، يصبح تشكيل دولة آنذاك واجبا نُدينُ به لكل من قد ندخل معهم في صراع دائم (انظر والدرون 2005).

لكن، أين سنتوقف؟ يُثارُ هذا السؤال لدينا لأنه يوجد بالعالم الكثير من الأقطار المتعددة الأحجام المفتوحة جغرافيا والمتفاعلة فيما بينها. انظر مثلا إلى الانفتاح الجغرافي للسهول القارية الكبيرة وأضف سهولة التفاعل اليوم (قد يقول أحدنا: «لا توجد جزيرة تُعدّ جزيرة اليوم»)، وانظر أخيرا إلى الاتصال الإيكولوجي جدا للأرض بالمناخ، أمر دراماتيكي حقا. يقترح المنطق الكوزموبوليتي فيما يخص مصالح السلام والأمن دمج وحدات أكبر وأكبر في مخطط يُعيد نفسه إلى الأبد. فمثلا، تم خلق الاتحاد الأوروبي لتأمين سلام دائم، وقد تتبع نهجه هذا وحدات ماكرو- إقليمية أكبر من الدولة. قد يشير دمج اعتبارات إثنو ثقافية وأخرى قائمة على الأمن على هذا الأساس في النهاية إلى توجه كوزموبوليتي عند صياغة معضلات أو حلها فيما يخص مشاكل القطر. يقودنا هذا إلى القضية الأكبر، قضية الكوزموبوليتانية.

ما هي واجبات الأمم والدول القومية تجاه جيرانها، وتجاه الأمم البعيدة حتى؟ يعود هذا السؤال اليوم إلى دائرة النقاش حول القومية (انظر مداخل العولمة والكوزموبوليتية على الموسوعة). ويشمل عددا من المواضيع الفرعية: من المسؤولية القومية تجاه الآخر، إلى التعويضات والعدالة التوزيعية ما وراء حدود الدولة، مرورا بواجبات الدولة فيما يخص المشاكل البيئية العالمية كالنفايات والتغير المناخي، وأخيرا إلى الهجرة وواجبات الدول القومية تجاه الهجرة المُحتملة.

ولأن المدخل الحالي يخص القومية، فإننا نؤكد على الأعمال الداعمة للقومية، ونأخذ ميلر (2007، و2013) كنسقٍ (براديغم) هنا. قد نفكر مبدئيا بموقفين وسطيين يقعان بين قطبين متناقضين: فمن جهة، لدينا دول قومية منغلقة تماما كيوتوبيا الدولة التجارية المغلقة لِفيخته (Fichte) التي طورها في بدايات القرن التاسع عشر، ولدينا من جهة أخرى دولا قومية مفتوحة الحدود تماما كالنظام الذي اقترحه (Joseph Carens 2013)، لكن النمط القومي الشديد لم يعد موضوع نقاش جاد في الجدل الأخلاقي اليوم، وبوسعنا القول بناء على هذا بأن الطرف النقيض الداعم للقومية يُعتبر اليوم موقفا معتدلا، وتجسده أعمال ميلر المذكورة. إليكم مقترحا نموذجيا من أعماله يخص العدالة العالمية بناء على نظام الدول القومية:

«قد يُصبح تخصيص جزء مئوي من الناتج المحلي الإجمالي لأهداف تنموية مسألة كبرياء وطني، وقد يخص هذا الأمر مشاريع في دولة معينة أو مجموعة بلدان….» (2013 ص 182).

يُضيف ميلر، قد يؤدي طرح مشابه غرض تخفيض نسب انبعاث غازات الدفيئة. يعتبر هذا تحديا فعلا، وقد يسأل ناقد ما، إلى أين سيؤدي هذا في ظروف عادية؟ تخيل لو تم تقبّل المقترح من قبل الدول الصناعية الرائدة فيما يخص موضوع تقديم المعونة، وأن كلا منها اختارت المستفيدين من إجراء مماثل. افترض أن الدولة المتبرعة (ب 1) تبنت الدولة المُستفيدة (ج 1) وأقدمت على تقديم العون. ماذا لو أن فصيلا سياسيا معاديا ل (ب 1) من (ج 1) دفع بمواطنيه إلى أحضان دولة متبرعة أخرى؟ هل ستسمح الدولة (ب 1) للفصيل المعادي من (ج 1) باختيار من تشاء، أم أنها ستتدخل في خياراتها ب «لطف» لمنعها (في وضع دولي لا توجد فيه سلطة دولية مُنظِمة)؟ وهكذا فإن احتاجت الدولة (ب 1) لدعم دولي في تعاملاتها مع دولة قوية أخرى سنسميها هنا (ب 2)، فإنها ستعتمد بالتأكيد على الدولة (ج 1) لتحصل على ما تريد. يأخذ هذا النظام شكلا استعماريا شيئا ما. (قد تحدث أشياء أكثر سوءا في حالة أزمة اقتصادية: فإن كانت (ب 1) تمنح العون الغذائي ل (ج 1) لعقد من الزمن، فإنها ستصبح أكثر طمعا في موارد (ج 1) خلال الأزمة، ما الذي قد يمنعها آنذاك من ابتزاز (ج1)؟)

يبدو هذا أكثر مما توقعنا في قضية تقديم الإعانات. نجد على الطرف النقيض كوزموبوليتانيين أقوياء ك (Thomas Pogge) الذي يلوم النظام العالمي على الحيف الذي يلحق الفقراء، ويقترح إعادة توزيع مُعتبرة للمنتجات كمحاولة لإحقاق العدالة. ونجد ما بين القطبين المذكورين آنفا كُتّابا ك (Mathias Risse) (2013)، والذي يقترح تصورا رفيع البناء للعدالة التي ستحافظ على النظام الدولتي (من الدولة) للسياسات الدولية، لكنه يحافظ في نفس الوقت على الملكية المشتركة لكوكب الأرض، ويخُصّ الدولة بواجبات مهمة: يُسمح بوجود أشكال اللامساواة الطبقية، لكن بشرط أن يتوفر لكل سكان الأرض ما يكفي لسد حاجياتهم الأساسية.

ويقترح ميلر أيضا مقترحا داعما للقومية هو الأكثر عمقا فكريا، ويهم الهجرة. ويسمح مقترحه هذا للاجئين بطلب اللجوء مؤقتا حتى يتحسن الوضع في بلدانهم الأصلية، كما أنه يضع شروطا على الهجرة الاقتصادية. ويهاجم ميلر عن ورود (من وَرَدَ) طرح الدفاع عن معيار عالمي للمساواة، والفرص، والرفاه الاجتماعي، إلخ، لأن معايير المساواة المنصفة مرتبطة بسياقات تختلف عن بعضها البعض. نعم، للشعوب الحق في الحد الأدنى من مستوى المعيشة، لكن الحق في الهجرة يرِدُ فقط كآخر إجراء بعد أن تُستنفذ الإجراءات في بلد المهاجر الأصلي.

إن من رواد الطرف النقيض كما ذكرنا جوزيف كارينز (2013) الذي يدافع عن الحدود المفتوحة دون قيد أو شرط. وتبدو رؤىً حديثة كأنها تصب في نفس الاتجاه، أي في موقف وسط. وهناك نجد مقترحات كتلك التي قدمها (Thomas Christiano) (2012)، وماثياس رييز (2013)، و (Michael Blake) (2013). يقترح كريستيانو مثلا العمل من أساس الأعراف القائمة العادلة نسبيا التي تفرض التعاون بين الدول. إنه يعتقد بأن الطريقة المُثلى للتقدم هي النقاش والتفاوض بشأن الاتفاقات الجماعية لإرضاء كل من الدول المُتبرعة والدول المستفيدة وتكريما للأعراف القانونية الدولية. قد ترسل دول فقيرة عددا من العمال إلى دولة غنية بشكل مؤقت. وسيعود هؤلاء العمال إلى بلدانهم الأصل لتعزيز التنمية فيها. وسيقدم القانون الدولي إطارا لشرعنة الخطوة، وستقدم المفاوضات بين الدول من جهة أخرى حلولا عملية وعادلة كما نأمل.

 

4-خاتمة

إن فلسفة القومية اليوم لا تعني نفسها كثيرا بالشكل الخطير والعدواني من القومية الحاقدة التي غالبا ما تحتل الصدارة في الأخبار والبحث السوسيولوجي. وعلى الرغم من أنه يمكن لهذا الشكل من القومية الضارة أن يكون ذات فائدة عملية بالغة في تجييش الشعوب المضطهدة واستعادة حسهم بالكرامة، إلا أن تكاليفها الأخلاقية أكثر إضرارا من فوائدها فيما يراه الفلاسفة. ينأى الفلاسفة القوميون بأنفسهم عن أشكال القومية العدوانية هذه، ويبحثون في سُبُل بناء والدفاع عن نسخ أكثر اعتدالا، وبالتالي أتت تلك لتغدو المركز الأساسي للنقاش الفلسفي الحديث.

يحمل هذا النقاش رسالة منهجية مهمة غالبا لا تُلحظ. يشير الكُتّاب المُدافعون عن أهمية الاعتبارات الثقافية والإثنو قومية إلى تأثيرها العملي الهائل، ويؤكدون على العوامل الواقعية والاجتماعية والتاريخية. فلا عجب أن المفكر البارز الداعم للقومية (D. Miller) على أهمية الحقائق الاجتماعية والتاريخية للفلسفة السياسية والقرارات الأخلاقية (2013، ج 1 و2). يصر الكُتّاب الكوزموبوليتيين حين ينهلون من المصادر المعتادة للتنظير في الفلسفة السياسية على المبادئ – المبادئ والحقائق (بما فيها الحقائق المفترضة) والحدس عبر الممارسات الفكرية. بينما يؤكد مؤيدو القومية على الحقائق. ويُعتبر مطلب ميلر «الانتباه إلى افتراضات مبادئنا ذات الطبيعة الواقعية» (2013 ص 26) سمة مميِّزة للمنهجية الداعمة للقومية.

لقد انطلقنا في عرض الادعاءات التي يدافع القوميون عنها من الأكثر راديكالية منها إلى البدائل القومية الأكثر تحررا. وعرضنا في دراسة أفكار هذه الادعاءات نقاشات مجتمعاتية متطلبة ميتافيزيقيا والتي تربض على تصورات مجتمعاتية عن الثقافة كمبدئها القائل بأن الأمة الإثنو ثقافية هي المجتمع الأكثر أهمية لكل الأفراد. وهذا ادعاء جدير بالاحترام ومثير للاهتمام. لكن معقوليته لم يتحقق بعد. لقد نتج عن النقاش الأخلاقي للقومية عدة مضعفات للحجج القائمة على الثقافة والتي اقترحها القوميون الليبراليون، مما يجعل هذه النقاشات أقل طموحا لكن أكثر معقولية بكثير. لقد أصبح القوميون الليبراليون متقبلين لفكرة أن تعرف المرء على نفسه عبر تعددية الثقافات والمجتمعات مهم لهويته الاجتماعية وذلك بعد أن تخلوا عن النموذج القومي القديم لدولة تملكها جماعة أثنو ثقافية مهيمنة واحدة.

جلبت القومية الليبرالية قدما نقاشات أكثر اعتدالا وأقل شحنا فلسفيا وميتافيزيقيا، مبنية على اهتمامات تخص العدالة. تشدد تلك على الأهمية العملية للعضوية الإثنو ثقافية وحقوق الجماعات الإثنو ثقافية في التعويض عن الحيف الذي لحقها وفي حقوقها الديمقراطية في التجمع وعلى الدور الذي يُحتمل أن تلعبه الروابط الإثنو ثقافية في تعزيز ترتيبات اجتماعية عادلة. لقد اقترح ثقافيون ليبراليون ككيمليكا صِيَغاً تعددية وموجزة للقومية مبنية حول هذه الحجج. في تلك النسخ المختزلة، يجحد أو يترك مشروع بناء الدول القومية الكلاسيكية وتُعوض بشكل هوية قومي أكثر وعيا يمكنه الازدهار مجتمع متعدد الثقافات. غير أن مشروعا جديدا كهذا قد يتطلب توسعة أكبر لمنظوراتنا الأخلاقية. لقد علمنا القرن العشرين بأن الدول المتعددة الثقافات والمنقسمة إلى مجتمعات صغيرة ومعزولة ومغلقة والملتصقة ببعضها فقط عبر ترتيبات مؤقتة هي دول غير مستقرة جوهريا. ولذا قد يتطلب الاستقرار من المجتمع المتعدد الثقافات كما تصوره الثقافيون الليبراليون تعزيز تفاعل مكثف بين الجماعات الثقافية من أجل إحباط انعدام الثقة والتخفيف من التعصب، وخلق أساس متين للتعايش. من جهة أخرى وكما ذكرنا أعلاه فيما يتعلق بقضايا العدالة القطرية، ستنتشر الفئات الاجتماعية إلى ما وراء حدود الدولة الواحدة حالما تتم شرعنة العضوية في ثقافات وجماعات متعددة (الجماعات المرتبطة بأواصر دينية أو عرقية)، مما سيشكل مدخلا لحد أدنى من المنظور الكوزموبوليتي. وقد يقود الجدل الداخلي الذي يدفعه القلق حول الهوية الإثنو ثقافية إلى ترتيبات تعددية وقد تصبح كوزموبوليتية سياسية بعيدة بالأحرى عما يُفهم يشكل كلاسيكي على أنه قومية.

 

 

 

 


المراجع

مرشد المبتدئين إلى الكتب

هذه قائمة قصيرة بكتب عن القومية قابلة للقراءة ومقدمات مفيدة للكتب. أولا، كتابان كلاسيكيان في علم الاجتماع بآراء متضادة هما:

  • Gellner, E., 1983, Nations and Nationalism, Oxford: Blackwell.
  • Smith, A. D., 1991, National Identity, Harmondsworth: Penguin.

مقدمتان قصيرتان وقابلتان للقراءة:

  • Özkirimli, U., 2010, Theories of Nationalism, London: Palgrave Macmillan.
  • Spencer, P. and Wollman, H., 2002, Nationalism, A Critical Introduction, London: Sage.

أفضل أنطولوجيتين حديثتين من البحوث الفلسفية عالية الجودة عن أخلاقية القومية هما:

  • McKim, R. and McMahan, J. (eds), 1997, The Morality of Nationalism, Oxford: Oxford University Press.
  • Couture, J., Nielsen, K. and Seymour, M. (eds.), 1998, Rethinking Nationalism, Canadian Journal of Philosophy, Suplement Volume 22.

ويستمر الجدل في:

  • Miscevic, N. (ed), 2000, Nationalism and Ethnic Conflict. Philosophical Perspectives. La Salle and Chicago: Open Court.
  • Dieckoff, A. (ed.), 2004, The Politics of BelongingNationalism, Liberalism, and Pluralism, Lanham: Lexington.
  • Primoratz, I. and Pavković, A., 2007, Patriotism, Philosophical and Political Perspectives, London: Ashgate.
  • Breen, K. and O’Neill, S. (eds.), 2010, After the Nation? Critical Reflections on Nationalism and Postnationalism, London: Palgrave Macmillan.

مقدمة علم اجتماع جيدة ومختصرة للقومية عموما:

  • Crosby, S.E., 2005, Nationalism: A Very Short Introduction, Oxford: Oxford University Press.

وعن نقد القومية المستوحى من الجندر:

  • Yuval-Davis, N., 1997, Gender & Nation, London: Sage Publications.

وحديثا:

  • Heur, J., 2008, “Gender and Nationalism,” in Herb and Kaplan 2008.
  • Hogan, J., 2009, Gender, Race and nation, London: Routledge.

تظل أفضل مقدمة عامة عن جدل الطائفي- الفرداني:

  • Avineri, Shlomo and de-Shalit, Avner (eds.), 1992, Communitarianism and Individualism, Oxford: Oxford University Press.

انظر من أجل دفاع لا قومي عن المزاعم الثقافية:

  • Kymlicka, W. (ed.), 1995, The Rights of Minority Cultures, Oxford: Oxford University Press.

ثلاثة دفاعات قابلة للقراءة جدا عن القومية المعتدلة جدا:

  • Miller, D., 1995, On Nationality, Oxford: Oxford University Press.
  • Tamir, Y., 1993, Liberal Nationalism, Press, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Gans, C., 2003, The Limits of Nationalism, Cambridge: Cambridge University Press.

يُعرض نقد متعدد وذكي ومتأمل في:

  • Barry, B., 2001, Culture and Equality, Cambridge: Polity Press.

تحليل مثير للاهتمام عن التضامن الجماعي على العموم والقومية على الخصوص مكتوب في نظرية تقاليد الاختيار المنطقي والتحليل التحفيزي:

  • Hardin, R., 1985, One for All, The Logic of Group Conflict, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Yack, B., 2012, Nationalism and the Moral Psychology of Community, Chicago: University of Chicago Press.

ثمة أطروحات واسعة لعمل اجتماعي وسياسي مثير للاهتمام على القومية، والذي بدأ بنبذة في:

  • Motyl, A. (ed.) 2001, Encyclopedia of Nationalism, Volumes I and II, New York: Academic Press.

هذه مراجعة موسوعية حديثة:

  • Herb, G.H. and D.H. Kaplan (2008), Nations and Nationalism: a Global Historical Overview, four volumes, Santa Barbara, CA: ABC Clio.

هذه دراسة اجتماعية تفصيلية للحياة تحت القانون القومي:

  • Billig, M., 1995, Banal Nationalism, London: Sage Publications.

أكثر أنطولوجيا قصيرة وقابلة للقراءة هي لبحوث مختصرة مع وضد العولمة (والقومية) من قبل كتّاب رائدين في المجال:

  • Cohen, J. (ed.), 1996, Martha Nussbaum and respondents, For Love of Country: Debating the Limits of Patriotism, Boston: Beacon Press

المصادر:

  • Anderson, B., 1965, Imagined Communities, London: Verso.
  • Aron, R., 1962, Peace and War, Malabar: R. Krieger Publishing.
  • Avineri, Sh. and de-Shalit, A. (eds.), 1992, Communitarianism and Individualism, Oxford: Oxford University Press.
  • Balibar, E., and Wallerstein, I., 1992, Class, Race Nation, London-New York: Verso
  • Barber, B., 1996, “Constitutional Faith,” in Cohen (ed.) 1996.
  • Barry, B., 1999, “Statism and Nationalism: a Cosmopolitan Critique,” in Shapiro and Brilmayer (eds.) 1999.
  • –––, 2001, Culture and Equality, Cambridge: Polity.
  • Bechhofer, F. and McCrone, D. (eds.), 2009, National Identity, Nationalism and Constitutional Change, London: Palgrave Macmillan.
  • Bell, D. (ed.), 2008, Political Thought and International Relations Variations on a Realist Theme, Oxford: Oxford University Press.
  • Berlin, I., 1976, Vico and Herder, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 1979, “Nationalism: Past neglect and Present Power,” in Against the Current, New York: Penguin.
  • Billig, M., 1995, Banal Nationalism, London: Sage Publications.
  • Blake, M., 2013, Justice and Foreign Policy, Oxford: Oxford University Press.
  • Breuilly, J., 2001, “The State,” in Motyl (ed.) 2001.
  • –––, 2011, “On the principle of nationality,” in G. Stedman Jones and G. Claeys (eds.), The Cambridge History of Nineteenth-century Political Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Brubaker, R. 2004, “In the Name of the Nation: Reflections on Nationalism and Patriotism,” Citizenship Studies, 8(2): 115–127.
  • –––, 2013, “Language, religion and the politics of difference”, Nations and Nationalism, 19(1): 1–20.
  • Buchanan, A., 1991,  The Morality of Political Divorce from Fort Sumter to Lithuania and Quebec, Boulder: Westview Press.
  • –––, 2004, Justice, Legitimacy, and Self-determination, Oxford: Oxford University Press.
  • Buchanan, A. and M. Moore (eds.), 2003, States, Nations, and Borders: The Ethics of Making Boundaries, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Calhoun, C. 2007, Nations Matter. Culture, History, and the Cosmopolitan Dream, London: Routledge.
  • Canovan, M., 1996, Nationhood and Political Theory, Cheltenham: Edward Elgar.
  • –––, 2000, “Patriotism Is Not Enough,” British Journal of Political Science, 30: 413–432.
  • –––, 2001, “Sleeping Dogs, Prowling Cats and Soaring Doves: Three Paradoxes in the Political Theory of Nationhood,” Political studies, 49: 203–215.
  • Carens, J., 2013, The Ethics of Immmigration, Oxford: Oxford University Press.
  • Casertano, S., 2013, Our Land, Our Oil! Natural Resources, Local Nationalism, and Violent Secession, Wiesbaden: Springer.
  • Chatterjee, D.K. and B. Smith (eds.), 2003, Moral DistanceThe Monist, Volume 86, Number 3.
  • Christiano, T., 2008, “Immigration, Community and Cosmopolitanism” in San Diego Law Review, 933(Nov–Dec): 938–962.
  • –––, 2012, “The Legitimacy of International Institutions,” in A. Marmor (ed.), The Routledge Companion to Philosophy of Law, London: Routledge.
  • Christiano, T. and Christman, J. (eds.), 2009, Contemporary Debates in Political Philosophy, Oxford: Wiley Blackwell.
  • Cohen, J. (ed.), 1996, For Love of Country: Debating the Limits of Patriotism, Boston: Beacon Press.
  • Colm Hogan, P., 2009, Understanding Nationalism: On Narrative, Cognitive Science and Identity, Ohio: Ohio State University Press.
  • Couture, J., K. Nielsen and M. Seymour (eds.), 1998, Rethinking Nationalism, Canadian Journal of Philosophy, Supplemental Volume 22.
  • Crowley, B.I., 1987, The Self, the Individual and the Community, Oxford: Clarendon Press.
  • Dagger, R., 2009, “Individualism and the Claims of Community” in T. Christiano and J. Christman (eds.) 2009, PAGES.
  • De Shutter, H. and Tinnevelt, R. (eds.), 2011, Nationalism and Global Justice – David Miller and His Critics, London: Routledge.
  • DeLange, D., 2010, The Embeddedness of Nations, London: Palgrave Macmillan.
  • Delanty, G. and Kumar, K. (eds.), 2006, The SAGE Handbook of Nations and Nationalism, Thousand Oaks, CA: Sage Publications.
  • Derks, T. and N. Roymans (eds.), 2009, Ethnic Constructs in Antiquity-The role of Power and Tradition, Amsterdam: University of Amsterdam Press.
  • Eisenberg, A., and J. Spinner-Halev (eds.), 2005, Minorities Within Minorities, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Feltham, B. and Cottingham, J. (eds.), 2010, Partiality and Impartiality: Morality, Special Relationships, and the Wider World, Oxford: Oxford University Press.
  • Frost, C., 2006, Morality and Nationalism, London: Routledge.
  • Gans, C., 2003, The Limits of Nationalism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Gat, A. and Yakobson, A., 2013, Nations: the long history and deep roots of political ethnicity and nationalism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Glenn, J., 1997, “Nations and nationalism: Marxist approaches to the subject,” Nationalism and Ethnic Politics, 3(2): 79–100).
  • Gellner, E., 1983, Nations and Nationalism, Oxford: Blackwell.
  • Goetze, D., 2001, “Evolutionary Theory,” in Motyl (ed.) 2001.
  • Goodin, R. E., 2006, “Liberal Multiculturalism: Protective and Polyglot,” Political Theory, 34(3): 289–303.
  • Greenfeld, L., 2001, The spirit of capitalism : nationalism and economic growth, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 2005,“Nationalism and the Mind,” Nations and Nationalism, 11(3): 325–41.
  • Iyall Smith, K.E., and Leavy, P. (eds.), 2008, Hybrid Identities: Theoretical and Empirical Exampinations, Leiden: Brill.
  • Habermas, J., 1996, Between Facts and Norms: Contribution to a Discourse Theory of Law and Democracy, Cambridge: Polity Press.
  • Hale, H.E., 2008, The Foundations of Ethnic Politics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hardin, Russell, 1985, One for All, The Logic of Group Conflict, Princeton: Princeton University Press.
  • Hastings, A., 1997, The construction of nationhood: Ethnicity, Religion and Nationalism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hearn, J., Kukathas, Ch., Miller, D., and Yack, B., 2014, “Debate on Bernard Yack’s book Nationalism and the Moral Psychology of Community,” Nations and Nationalism, 20(3): 395–414,
  • Hechter, M., 2001, Containing Nationalism, Oxford: Oxford University Press.
  • Held, D., 2003, “Cosmopolitanism: globalisation tamed?,” Review of International Studies, 29: 465–480.
  • Hendrix, B.A., 2008, Ownership, Authority, and Self-Determination: Moral Principles and Indigenous Rights Claims, University Park: Pennsylvania State University Press.
  • Hobsbawn, E.J., 1990, Nations and Nationalism since 1780: Programme, Myth, Reality, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hutchinson, J., 2005, Nations as Zones of Conflict, London: Sage; see also the debate on this book in Nations and Nationalism, 14(1) (2008): 1–28.
  • Joppke, C. and S. Lukes (eds.), 1999, Multicultural Questions, Oxford: Oxford University Press.
  • Kaldor, M., 2004, “Nationalism and Globalisation,” Nations and Nationalism, 10(1–2): 161–177.
  • Kedourie, E., 1960, Nationalism, London: Hutchison.
  • Kim, Sung Ho, 2002, “Max Weber’s Liberal Nationalism”, History Of Political Thought, XXIII(3): 432–457.
  • Kohen, M.G. (ed.), 2006, Secession, International Law Perspectives, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kohn, H., 1965, Nationalism: its meaning and history, New York: Van Nostrand Reinhold Company.
  • Kok-Chor Tan, 2004, Justice Without Borders: Cosmopolitanism, Nationalism and Patriotism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2011, “Nationalism and Global Justice: A Survey of Some Challenges,” in Aurelio, D.P., De Angelis, G. and Queiroz, R. (eds.), Sovereign Justic, Global Justice in a World of Nations, Berlin/New York: de Gruyter.
  • –––, 2012, Justice, Insitution and Luck, Oxford: Oxford University Press.
  • Kolers, A., 2009, Land, Conflict and Justice, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kukathas, C., and R. Poole (eds.), 2000, Australasian Journal of Philosophy(Special Issue on Indigenous Rights), Volume 78.
  • –––, 2003, The Liberal Archipelago: A Theory of Diversity and Freedom, Oxford: Oxford University Press.
  • Kuran Burcoglu, N. (ed.), 1997, Multiculturalism: Identity and Otherness, Istanbul: Bogazici University Press.
  • Kymlicka, W. (ed.), 1995, The Rights of Minority Cultures, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 1995b, Multicultural Citizenship, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2001, Politics in the vernacular, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2003, “Liberal Theories of Multiculturalism,” in L.H. Meyer, S.L. Paulson, and T.W. Pogge (eds.), Rights, culture and the Law, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2003a, “Futures of nationalism,” in Özkirimli, U. (ed.), Nationalism and its Futures, London: Palgrave Macmillan.
  • –––, 2007, “Community and Multiculturalism,” in Goodin, R. and Pettit, P. (eds.), A Companion to Contemporary Political Philosophy, Oxford: Blackwell.
  • –––, 2007a, Multicultural Odysseys: Navigating the New International Politics of Diversity, Oxford: Oxford University Press.
  • Kymlicka, W., and A. Patten (eds.), 2004, Language Rights and Political Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • Lægaard, S., 2007, “Liberal nationalism and the nationalisation of liberal values,” Nations and Nationalism, 13(1): 37–55.
  • Lagerspetz, O., 2000, “On National Belonging” in Miscevic (ed.) 2000.
  • Laitin, D., 1998, Identity in Formation: The Russian-Speaking Populations in the Near Abroad, Ithaca: Cornell University Press.
  • –––, 2001, “Political Science” in Motyl (ed.) 2001.
  • –––, 2007, Nations, States, and Violence, Oxford: Oxford University Press.
  • Laitin, D.D., and R. Reich, 2004, “A Liberal Democratic Approach to Language Justice,” in W. Kymlicka and A. Patten (eds.), Language Rights and Political Theory, New York: Oxford University Press.
  • Lecours, A. and Moreno, L. (eds.), 2010, Nationalism and Democracy: Dichotomies, Complementarities, Oppositions, London: Routledge.
  • Leoussi, A.S., and Grossby, S. (eds.), 2007, Nationalism and Ethnosymbolism: History, Culture and Ethnicity in the Formation of Nations, Edinburgh: Edimburgh University Press.
  • Levy, J., 2000, Multiculturalism of Fear, Oxford: Oxford University Press.
  • Lichtenberg, J., 1997, “Nationalism, For and (Mainly) Against,” in McKim & McMahan (eds.) 1997.
  • MacCormick, N., 1982, Legal Right and Social Democracy, Oxford: Clarendon Press.
  • MacIntyre, A., 1994, “Is Patriotism a Virtue,” in Communitarianism, M. Daly (ed.), Belmont, CA: Wadsworth.
  • Malesevic, S. and Haugaard, M. (eds.), 2007, Ernst Gellner and Contemporary Social Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2011, “The chimera of national identity,” Nations and Nationalism, 17(2): 272–290.
  • Margalit, A., 1997, “The Moral Psychology of Nationalism,” in McKim and McMahan (eds.) 1997.
  • Margalit, A. and J. Raz, 1990, “National Self-Determination”, The Journal of Philosophy, 87(9): 439–461.
  • Markell, P., 2000, “Making Affect Safe for Democracy: On ‘Constitutional Patriotism’,” Political Theory, 28(1): 38–63.
  • Mason, A., 1999, “Political Community, Liberal-Nationalism and the Ethics of Assimilation,” Ethics, 109: 261–286.
  • Meadwell, H., 2012, “Nationalism chez Gellner,” Nations and Nationalism, 18(4): 563–582.
  • –––, 2014, “Gellner redux?”, Nations and Nationalism, 20(1): 18–36.
  • McCabe, D., 1997, “Patriotic Gore Again,” The Southern Journal of Philosophy, 35: 203–223.
  • McKim, R. and McMahan, J. (eds.), 1997, The Morality of Nationalism, Oxford: Oxford University Press.
  • Meinecke, F., 1965 [1924], Machiavellism, New York: Praeger.
  • Meisels, T., 2009, Territorial Rights, New York: Springer, 2nd
  • Miller, D., 1992, “Community and Citizenship,” in Avineri and de Shalit 1992.
  • –––, 1995, On Nationality, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2000, Citizenship and National Identity, Oxford: Blackwell.
  • –––, 2005a, Crooked Timber or Bent Twig? Isaiah Berlin’s Nationalism, Political Studies, 53: 100–123
  • –––, 2005b, “Immigration: The Case for Limits,” in A. Cohen and C. Wellman (eds.), Contemporary Debates in Applied Ethics, Oxford; Blackwell.
  • –––, 2007, National Responsibility and Global Justice, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2013, Justice for Earthlings, Essays in Political Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Miller, D. and Hashmi, S. (eds.), 2001, Boundaries and Justice: Diverse Ethical Perspectives, Princeton: Princeton University Press.
  • Miscevic, N. (ed.), 2000, Nationalism and Ethnic Conflict. Philosophical Perspectives, La Salle and Chicago: Open Court.
  • –––, 2001, Nationalism and Beyond, Budapest, New York: Central European University Press.
  • Moore, M. (ed.), 1998, National Self-Determination and Secession, Oxford: Oxford University Pressb.
  • –––, 2001, “Normative justifications for liberal nationalism: justice, democracy and national identity,” Nations and Nationalism, 7(1): 1–20.
  • –––, 2009, “Communitarianism and the Politics of Identity” in T. Christiano and J. Christman (eds.) 2009, PAGES.
  • Morgenthau, H., 1946, Scientific Man vs. Power Politics, Chicago: University of Chicago Press.
  • Motyl, A. (ed.), 2001, Encyclopedia of Nationalism(Volume 1), New York: Academic Press.
  • Nielsen, K., 1998, “Liberal Nationalism, Liberal Democracies and Secession,” University of Toronto Law Journal, 48(2): 253–295.
  • –––, 1998–99, “Cosmopolitanism, Universalism and Particularism in the age of Nationalism and Multiculturalism,” Philosophical Exchange, 29: 3–34.
  • O’Neill, 2000, Bounds of Justice, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Okin, S. M., 1999, “Is Multiculturalism Bad for Women?” and “Response,” in Boston Review, 1997; reprinted with some revisions in «Is Multiculturalism Bad for Women?» J. Cohen, M. Howard, and M. Nussbaum (eds.), Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2002, “ ‘Mistresses of Their Own Destiny’: Group Rights, Gender, and Realistic Rights of Exit,” Ethics, 112: 205–230.
  • –––, 2005, “Multiculturalism and Feminism: No Simple Question, No Simple Answers,” in Eisenberg and Spinner-Halev (eds.) 2005.
  • Oldenquist, A., 1997, “Who Are the Rightful Owners of the State?,” in P. Kohler and K. Puhl (eds.), Proceedings of the 19thInternational Wittgenstein Symposium, Vienna: Holder Pichler Tempsky.
  • Özkirimli, U., 2003, “The nation as an artichoke? A critique of ethnosymbolist interpretations of nationalism,” Nation and nationalism, 9(3): 339–355.
  • Patten, A. , 2003, “Liberal Neutrality and Language Policy,” Philosophy and Public Affairs, 31(4): 356–386.
  • Pavković, A. and P. Radan (eds.), 2007, Creating new states : theory and practice of secession, London: Ashgate.
  • Pogge, T., 1997, “Group Rights and Ethnicity,” in I. Shapiro and W. Kymlicka (eds.), Ethnicity and Group RightsNomosVolume XXXIX, New York: New York University Press.
  • –––, 2001, “Rawls on International Justice,” The Philosophical Quarterly, 51(203): 246–53.
  • –––, 2002, World Poverty and Human Rights, Cambridge: Polity Press.
  • Putnam, H., 1996, “Must we choose between patriotism and universal reason?,” in Cohen, J. (ed.) 1996.
  • Rawls, J., 1999, The Law of Peoples, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Renan, E., 1882, “What is a nation?,” in Nation and Narration, H. Bhabha (ed.), London: Routledge; reprinted in Nationalisms, J. Hutchinson and A. Smith (eds.), Oxford: Oxford University Press.
  • Risse, M., 2012a, “Global Justice” in Estlund, D., The Oxford Handbook of Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2012b, On Global Justice, Princeton: Princeton University Press.
  • Roshwald, Aviel, 2006. The Endurance of Nationalism: Ancient Roots and Modern Dilemmas, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Satz, D., Sutton, M., and Reich, R. (eds.), 2009, Toward a Humanist Justice: The Political Philosophy of Susan Moller Okin, Oxford: Oxford University Press.
  • Searle-White, J., 2001, The Psychology Of Nationalism, New York: Palgrave.
  • Seymour, M., 1999, La nation en question, Montreal: L’Hexagone.
  • –––, 2000, “On Redefining the Nation,” in Miscevic (ed.).
  • Shapiro, I., and Kymlicka, W. (eds.), 1997, Ethnicity and Group Rights, Nomos, Volume XXXIX, New York: New York University Press.
  • Shapiro, I. and Brilmayer, L. (eds.), 1999, Global Justice, Nomos, Volume XLI, New York: New York University Press.
  • Simmons, A.J., 2001. “On The Territorial Rights of States,” Philosophical Issues, 11: 300–26.
  • Smith, A.D., 1991, National Identity, Penguin, Harmondsworth.
  • –––, 2001, Nationalism, Cambridge: Polity Press.
  • –––, 2003, “The poverty of anti-nationalist modernism,” Nation and nationalism, 9(3): 357–370.
  • –––, 2008a. The cultural foundations of nations: hierarchy, covenant and republic, Oxford: Blackwell Publishing
  • –––, 2008b, “Opening remarks,” Nations and Nationalism, 14(4): 637–663.
  • –––, 2009, Ethno-symbolism and nationalism: A cultural approach, London: Routledge.
  • –––, 2011, “National identity and vernacular mobilization in Europe”, Nations and Nationalism, 17(2): 223–256.
  • Sober, E., and D.S. Wilson, 1998, Unto Others, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Spinner-Halev, J., 2008, “Democracy, Solidarity and Post-nationalism,” Political Studies, 56: 604–628.
  • Steiner, H., 1999, “Just Taxation and International Redistribution,” in Shapiro and Brilmayer (eds.) 1999, 171–91.
  • Tajfel, H., 1981, Human groups and social categories, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Tamir, Y., 1993, Liberal Nationalism, Princeton: Princeton University Press.
  • Taylor, C., 1989, Sources of the Self, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1993, Reconciling the Solitudes, Montreal: McGill-Queen’s University Press.
  • Tully, J., 1994, An Approach to Political Philosophy: Locke in Contexts, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Twining, W. (ed.), 1991, Issues of Self-determination, Aberdeen: Aberdeen University Press.
  • Vick, B., 2007, “Of Basques, Greeks, and Germans: Liberalism, Nationalism, and the Ancient Republican Tradition in the Thought of Wilhelm von Humboldt”, Central European History, 40(4): 653–681.
  • Vincent, A., 2001, “Political theory”, in Motyl (ed.) 2001.
  • Waldron, J., 1992, “Superseding Historic Injustice,” Ethics, 103(1): 4–28.
  • Walker, R., 2001, «Postmodernism», in Motyl (ed.) 2001.
  • Walzer, M., 2002, “Passion and politics”, in Philosophy and Social Criticism, 28(6): 617–633.
  • –––, 2004, Arguing about War, New Haven & London: Yale University Press.
  • Weber, M., 1970, From Max Weber, H. H. Gerth and C. Wright Mills (trans.), London: Routledge.
  • Wellman, C.H., 2005, A Theory of Secession: The Case for Self- Determination, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Williams, M.C., 2007, “ Morgenthau now: Neoconservatism, national greatness, and realism,” in M. C. Williams, Realism Reconsidered The Legacy of Hans Morgenthau in International Relations, Oxford: Oxford University Press.
  • Wimmer, A., 2013, Waves of War: Nationalism, State Formation and Ethnic Exclusion in the Modern World, Cambridge: Cambridge University Press.

مصادر أخرى من الإنترنت:

 

[1] Miscevic, Nenad, “Nationalism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2018/entries/nationalism/>.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق