Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

اللغة العربية الفصحى في حالة انحدار: إليكم ما يثير قلقنا – حسام أبو زهر / ترجمة: حميد يونس


يحذّر الكثيرون من أن اللغة العربية الفصحى ، أو الفصحى العصرية، في حالة انحدار، وهناك من هو سعيد برؤيتها ترحل. على أي حال، من المهم جداً أن نتتبّع العوامل التي دفعت اللغة نحو هذا الانحدار، وما الذي يعنيه الانحدار للمنطقة برمتها.

يرى العرب أن انحدار اللغة العربية الفصحى غالباً يعني فشل بلادهم في الحفاظ على تراث اللغة العربية، لغة القرآن والإسلام، على الرغم من أن البعض يؤيّد فكرة دعم الكلمات المحكية، أو ما يسمى باللغة العامّية، أو اللهجات، كعلامة على أن الهويّات المحلية تكتسب أهمية خاصة بها. وإن ارتداد اللغة العربية الفصحى في الحقيقة يعتبر نذيراً حول البنى التحتية الاجتماعية الركيكة والأنظمة التعليمية المتهالكة.

قبل أن نتعمق في الموضوع أكثر، من الجدير أن نتساءل في ما إذا كانت اللغة العربية الفصحى حقاً في حالة تقهقر وانحدار. لكن للأسف، لا توجد، بشكل أو بآخر، إحصاءات واضحة، وما ينظر إليه الناس العوام لا يتعدى أن يكون مؤشرات فردية. تستعمل اللغة العربية الفصحى عادةً في وسائل الإعلام العربية، وفي المواقف الرسمية مثل الخطابات السياسية، والمواعظ والنصوص الدينية، والأدب. إذ عندما يتحدث الناس عن انحدار اللغة العربية الفصحى، فإنهم يشيرون عموماً إلى انحدار الأدب، ومعرفة القراءة والكتابة، والولع المتزايد في استعمال اللهجات أو اللغات الأجنبية بدلاً من الفصحى.

يعتبر ضعف الاقتصاد، والحروب، ومراقبة المطبوعات غيض من فيض العوامل الرئيسة التي أدّت إلى تدهور اللغة العربية الفصحى. ناهيك عن معدلات الأميّة في الشرق الأوسط الآخذة في الارتفاع، ربما باستثناء العراق في السنوات الأخيرة (وسوريا أيضاً، لو أمكن جمع الإحصاءات من بلد تمزّقه الحروب)، لكن القياسات قد تكون مضلّلة. إذ غالباً ما تنظر الإحصائيات في الأميّة الوظيفية فقط، أو من خلال السؤال عن إمكانية فهم “جملة قصيرة وبسيطة مستوحاة من الحياة اليومية”، والتي تستند بدورها إلى استطلاعات تستخدم مقياساً ثنائياً يحمل طرفي أميّة القراءة والكتابة مقابل معرفتها، حيث يُطلب من الأشخاص الذين يُجرى عليهم المسح أن يجيبوا عن مستواهم المعرفي (والذي يعرّض الاستطلاع إلى انحياز في الاختيار الذاتي). بينما لا تتمّ تغطية الأسئلة المتعلقة بالمستويات المختلفة من معرفة القراءة والكتابة، أو مجموع المهارات المختلفة مثل القدرة على الإنتاج (الكتابة على سبيل المثال)، أو الانخراط في كتابة نصّ، أو محض القراءة غير الفاعلة.

لهذا السبب، لن يكون تناقضاً إذا قلنا أن معرفة القراءة والكتابة الوظيفية آخذة في الارتفاع، ولكنّ التمكّن من واستعمال اللغة العربية الفصحى -مثل الأدب الرفيع والنصوص الأكاديمية- في حالة انحدار. إن العالم العربي اليوم ينشر بين 15000-18000 كتاباً في السنة فقط، والذي يساوي قدر ما تنشر دار (Penguin Random House) الأمريكية وحدها. كانت مصر، في السابق، أكبر ناشرة للكتب. وكان يتراوح إنتاجها بين 7000-9000 كتاباً في السنة. وعلى الرغم من أن نتاجها كان سابقاً في صعود، إلا أنه انخفض بشكل مهول بلغ 70 % بعد ثورة 2011، إلى عام 2016 الذي ظهرت فيه بعض “بوادر الانتعاش” في النشر من جديد. إن اليونان تترجم اليوم خمسة أضعاف عدد الكتب إلى اللغة اليونانية من عدد 22 دولة عربية مجتمعات. كذلك يذكر عبد الفتاح كيليطو، الكاتب والناقد الأدبي المغربي، إن طلاب الماجستير لديه: “لا يقرؤون شيئاً على الإطلاق”.

إن جميع المراكز العربية الرئيسة «مصر، ولبنان، وسوريا، والعراق على وجه الخصوص» تعاني. تكتب نيجار عزمي، أحدى المحررين في مشروع بدون: “كان المشهد المعرفي في مصر، تحت حكم مبارك، مشتتاً”. إذ تقود رقابة المطبوعات المثقفين إلى النشر في الخارج، كالمفكر المصري نصر حامد أبو زيد، البروفيسور والمنظّر الديني في جامعة القاهرة، الذي أعلنت المحكمة العليا بأنه مرتدٌ وطلّقته من زوجته (لا يجوز أن يتزوج غير المسلم من امرأة مسلمة في مصر). وفي نهاية المطاف، دفعته تهديدات القتل أن يطلب وزوجته اللجوء في هولندا. وحتى لو لم يتمّ حظر الكتاب رسمياً، فإن طرق أخرى تجعل الوصول إليه صعبة المنال، مثل عدم وجود منفذ لطباعته ونشره. لقد استفسرنا في الكثير من المتاجر في مصر عن رواية “لبن العصفور” ليوسف القعيد، والتي كتبت باللغة العامّية المصرية، وقالوا لنا إنها ليست محظورة رسمياً لكن المتاجر تأبى أن توفّرها لأنها مثيرة للجدل.

يعاني كلٌّ من سوريا والعراق جرّاء الحروب. من جهة سوريا، التي عرفت سابقاً بأكاديميتها العربية لدراسة وتطوير اللغة، بالإضافة إلى حقيقة أن نظامها التعليمي برمته باللغة العربية، قد تدمّر الآن تماماً. ويجد اللاجئون السوريون أنفسهم في بلدان لا تستخدم اللغة العربية في التعليم، حتى لبنان المجاورة لهم تستخدم اللغة الإنجليزية والفرنسية في نظامها التعليمي.

أدى تضافر هذه العوامل إلى إضعاف الطبقات المتعلّمة «أولئك الذين يقرؤون ويكتبون باللغة العربية الفصحى» في البلدان العربية. غالباً ما تتحدث الطبقات المتعلمة، أو التي تستطيع التحدث عند الحاجة على أقل تقدير، شكلاً أكثر تعلّماً من اللغة العربية، والذي وصفه عالم اللسانيات المصري السعيد بدوي “بالعامّية الفكرية” التي تمثّل شكلاً أقرب للغة الفصحى منها لخطاب العوام الأميّين والأقل تعليماً. وفي حركة نزيف العقول، هاجر الأشخاص القادرون على هذا الخطاب إلى الخارج، أما لتجنّب الحروب، أو للعثور على فرص عمل، أو لتأمين مستقبلهم وأطفالهم. بل حتى الأشخاص الذين لم يغادروا غالباً ما كانوا يفضّلون استعمال اللغات الأجنبية على اللغة العربية الفصحى، بمعيّة أن اللغات الأجنبية أكثر توظيفاً، ورقياً، وعلى الأرجح أنها تضمن لهم وظيفة يقتاتون منها. إن الشباب في جميع أنحاء المنطقة يعملون غالباً بلغة أجنبية، بل إنهم لا يكونون مرتاحين باستعمال اللغة الفصحى. كذلك أفاد حرم جامعة نورث وسترن في قطر، مؤخراً، أن معظم طلابه غير ماهرين كفايةً باللغة العربية الفصحى ليظهروا على قناة الجزيرة. وأفادت الكثير من التقارير أن الشباب الخليجي يستعملون اللغة الإنجليزية أكثر من العربية داخل منازلهم.

تعاني اللغة العربية الفصحى أيضاً من الكيفية التي يراها العرب؛ من حيث أنها تستعمل غالباً في المواقف الرسمية (تسمى اللغة الرسمية أحياناً)، ولكنها من سياق الحديث تتكشّف. مع استنزاف الطبقات المتعلمة، تتحدّد اللغة الفصحى أكثر فأكثر للسياقات السياسية والدينية فقط، والتي ترتبط غالباً بالأنظمة القمعية أو المحافظة. أما بالنسبة للأدب فإنه مادة ثقيلة، وإن هناك عدد قليل جداً من الكتب الخفيفة مثل ما يدعى بـ “كتب الشاطئ”، أو أشكال أدب ذات تسلية أكبر، كالروايات المصوّرة، والتي تنشّر باللغة العربية (العامّية أو الفصحى). في المقابل، تعرض البرامج التلفازية الأكثر شعبية والأفلام باللغة المحكيّة. أما في ما يخصّ وسائل التواصل الاجتماعي، فإن اللهجات العامّية تعلن فيها هيمنتها، بالرغم من أن اللغة العربية الفصحى تستخدم أيضاً.

من المثير للاهتمام، إن هناك بعض الجهود لإعادة تنشيط اللغة العربية الفصحى، ولكن ازاء انخفاض الاقتصادات والحروب والرقابة، لا يُحتمل أن تكون كافية لإنقاذها. تطلق التسميّات على بعض أفلام ديزني باللغة العربية الفصحى بدلاً من اللهجة المصرية، والأخيرة تستعمل غالباً لتكون أكثر مقربةً ووصولاً للأطفال. كما وقد تمّ نشر بعض الروايات المصوّرة باللغة العربية الفصحى. إلا إن هذه المنتجات تعاني من انخفاض في إمكانية الوصول، لذا من غير الواضح إذا كانت سيستمر الربح المادّي منها على المدى الطويل. يذكر همفري ديفيز، المترجم الشهير لأدب اللغة العربية: “إن الروايات المصوّرة والكومكس تخضع، وبالرغم من نجاحها الواسع منذ ثورة 2011 في مصر، للرقابة غالباً بسبب قوّة «تأثيراتها البصرية الفورية»”. وعلى العموم، ينمو في منطقة الخليج وعي واهتمام باللغة العربية الفصحى، إلا إن هذا الوعي لا يصل إلى مرحلة بلورة حلول واقعية ناجعة. ومن المفارقات الباعثة للسخرية، إن الكثير من وسائل الإعلام (المقالات ومقاطع الفيديو) التي تتحدث عن انحدار اللغة العربية الفصحى تظهر باللغة الإنجليزية. وهناك دراسات أيضاً تبحث في كيفية تحسين التعليم العربي، لكنها تحتاج إلى تغييرات اجتماعية وبيروقراطية مكثّفة لا يمكن تحقيقها بسهولة وسرعة.

ينبغي أن يقلق صانعو القرار من انحدار اللغة العربية الفصحى، وذلك ينعكس في انحدار الطبقات المتعلمة وفي فشل الحكومات العربية في خلق أنظمة تعليمية قادرة على تلبية احتياجات شعوبها. على الرغم من أن البعض يحتفي باستعمال اللغة المحكيّة على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، كعلامة على انتصار الهويّات المحلية ازاء الهويّات “الشمولية” القسرية، لكن من الأجدر أن يعامل هذا الاحتفاء بحذر ورويّة. لأن الهويّات المحلية لا تعني بالضرورة هويّات وطنية، بل شبه وطنية، لذلك إنها وبقصد إظهار التماسك الوطني المنيع، تُظهر فشل الدول العربية في توحيد شعوبها.

حتى لو تنامت اللهجات بشكل بارز ووصلت إلى حالة اللغة الوطنية الرسمية «وهي نتيجة غير مرجحة بالنظر للمكانة المرموقة التي يوليها العرب للّغة الفصحى»، فستبرز تحديات أُخر. إن اللغة العامّية لم تستطع أن تطوِّر مفردات تقنية مشابهة للتي تمثلّها اللغة الفصحى على الإطلاق، وهكذا يجب إعادة النظر في الأنظمة التعليمية قاطبة لغرض تدريس اللهجات.

إن الحكاية سوداوية، لكنها لا تعني أن الوضع ميؤوس منه. في السابق، عندما كانت الاقتصادات أقوى، كان باستطاعة الدول العربية أن تبني طبقة متعلمة متكيّفة مع اللغة العربية الفصحى. مع كل ذلك، من دون الاستثمار في الشعوب، ومن دون بذل أي مجهود متضافر لتغيير المنظور الحالي نحو اللغة العربية، ومن دون تصحيح الأنظمة التعليمة من خلال وضع حلقة وصل بين اللغة الفصحى وبين اللهجات، فإننا على الأرجح سنستمر في مشاهدة انحدار اللغة العربية الفصحى، والتي تعكس انحداراً أوسع في المنطقة بأكملها.

 

 

المصدر

 


حسام أبو زهر: مؤسس المشروع العربي الحي (Living Arabic Project)، والذي هو برنامج يهدف إلى جعل اللغة العربية أكثر قبولاً ووصولاً من خلال تطوير قواميس اللغة العربية الفصحى والعامّية على حدٍّ سواء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *