كلام عام

الليبرتارية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي الحارس


حول الليبرتارية والملكية الذاتية، وسلطة امتلاك الموارد الطبيعية في المنظور الليبرتاري يسارا ويمينا، واللاسلطوية ودولة الحد الأدنى إلى جانب بعض القضايا الإضافية؛ نص مترجم للد. بيتر فالنتيان وباس فوسين، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


الليبرتارية ، بمعناها الأعمّ، فلسفة سياسية تشدّد على حقوق الأفراد بالحرّية، وباكتساب الممتلكات والاحتفاظ بها وتبادلها، وترى أنّ الدور الرئيسي للدولة هو حماية الحقوق الفردية. وهذه المادّة الموسوعية تتناول الليبرتارية من منظار أضيق ينحصر بوجهة النظر الأخلاقية التي ترى أنّ الكيانات الفاعلة (Agents)، وقبل كلّ شيء، تمتلك أنفسها بشكل كامل، وأنّ لها سلطات أخلاقية محدّدة تخوّلها اكتساب حقوق ملكية الأشياء الخارجية. ولمن أراد الاطّلاع على مناقشة ممتازة لتقاليد الحرّية بشكل أشمل (بما فيها: الليبرالية الكلاسيكية) أن يرجع إلى: Gaus and Mack (2004), Barnett (2004), and Brennan (2012).

ويمكن فهم الليبرتارية كمبدأ أخلاقي أساسي أو مشتقّ، وهذه المادّة الموسوعية ستركّز على الليبرتارية كعقيدة أساسية للحقوق الطبيعية وفقًا لما جاء في كتابات لوك ونوزيك [Locke (1690), Nozick (1974)]؛ ولن تتناول هذه المادّة الاشتقاقات التوظيفية، كما هو الحال في: المبادئ القائمة على غائية أو عواقبية القاعدة (مثلًا في: Epstein 1995, 1998; Rasmussen and Den Uyl 2005; Shapiro 2007)، أو تعاقدية القاعدة (مثلًا في: Narveson 1988; وبشكل ما في Lomasky 1987)، أو العقل العمومي (مثلًا في: Gaus 2012)، أو محاججات رولز (مثلًا عند: Tomasi 2012). والاشتقاقات التوظيفية لليبرتارية تنجذب إلى بعض الاعتبارات من أمثال: الحدود البشرية (كحدود المعرفة والتحفيز)، وتأثيرات المحفّزات، والتكاليف الإدارية، والقيمة الجوهرية للحرية في مفهوم الحياة الطيّبة. وستقتصر هذه المادّة الموسوعية على تناول مصداقية المبادئ الليبرتارية بنفسها دون إضافات.

تُعرَّف الليبرتارية أحيانًا بأنّها المبدأ الذي يرى أنّ لكلّ كيان فاعل الحقّ بالحدّ الأعلى نفسه من الحرّية السالبة التجريبية، حيث تعني الحرّية السالبة التجريبية: غياب التدخّل الإجباري من كيانات فاعلة أخرى عند محاولة المرء القيام بأموره (راجع مثلًا: Narveson 1988, 2000; Steiner 1994; Narveson and Sterba 2010)؛ وهذا ما يدعى أحيانًا بـ”الليبرالية السبنسرية”، نسبةً إلى هيربرت سبنسر. وقد درجت العادة على الادّعاء بأنّ هذه الرؤية تتماثل مع ما أشرنا إليه آنفًا من نسخة “الملكية الذاتية” من الليبرتارية . لكنّ كيگان (Kagan 1994) طرح حججًا قوية رأى فيها أنّ الرؤية الأولى (وفقًا للتفسير المعتمد) تؤدّي إمّا إلى النزعة السلمية الراديكالية (عدم السماح باستخدام القوّة بأيّ حال من الأحوال)، وإمّا إلى التوافق مع نطاق واسع من الرؤى بالإضافة إلى ليبرتارية “الملكية الذاتية” المشار إليها آنفًا. ومع ذلك، فلن نحاول في هذه المادّة الموسوعية تقييم هذه المسألة، بل سنقصر تركيزنا على نسخة (ليبرتارية “الملكية الذاتية”) تلك.

وعلى الرغم من أنّ الليبرتارية يمكن الدفاع عنها كنظرية كاملة لما يمكن السماح به أخلاقيًّا، فإنّ الدفاع عنها يكاد ينحصر في جميع الأحيان بكونها نظرية لـ(العدل) ضمن معنىً أو معنيين من معاني العدل؛ ففي الجانب الأول: يهتمّ العدل بـ(الواجبات الأخلاقية التي ندين بها للآخرين)، ولا يتناول الواجبات غير الشخصية (الواجبات التي ندين بها للاأحد) أو الواجبات التي ندين بها للذات؛ وفي الجانب الثاني: يهتمّ العدل بالواجبات (القابلة للفرض) أخلاقيًا، فلا يتناول الواجبات التي لا يسمح فيها باستخدام القوّة لضمان الامتثال لها أو تصحيح (باستخدام العقوبة، مثلًا) عدم الامتثال (كواجب زيارة الأم في عيد ميلادها، مثلًا). وفي هذه المادّة الموسوعية سنعتبر الليبرتارية نظرية للعدل بكلا المعنيين.

ومن نقاط الجذب المركزية في الفلسفة السياسية الليبرالية أنّها تتعامل بجدّية كبيرة مع المحتوى التاريخي للعدل؛ إذ يحاجج الليبرتاريون بأنّ السؤال عمّا إذا كان العدل متوفّرًا في العالم يتكوّن في الأساس من السؤال عمّا إذا كان الناس يُعامَلون بعدل، وخصوصًا عمّا إذا كانت تُحتَرم حقوقهم بأشخاصهم وممتلكاتهم. وعلى هذا الأساس فإنّ النظريات الليبرتارية للعدل تركّز على العمليات التي تتحقّق النتائج الاجتماعية من خلالها، وهي ترفض النظريات التي تكتفي بالنظر إلى النتائج أو إلى الحالة النهائية للتوزيع. ولا شكّ في أن أشهر الرؤى في هذا المجال هي “نظرية الاستحقاق” لروبرت نوزيك (Nozick 1974)، والتي ترى بأنّ العدل في التوزيع يتكوّن في الأساس من ثلاثة مبادئ وحسب: (1) مبدأ العدل في الاكتساب، (2) مبدأ العدل في النقل، (3) مبدأ تصحيح انتهاكات المبدأين السابقين.

قد تكون شهرة نوزيك سببًا في الظنّ، في كثير من الأحيان، بأنّ الليبرتارية معتقد “يساري”؛ لكنّ هذا الظنّ مخطئ لسببين على الأقلّ: أوّلهما أنّ الليبرتارية تميل إلى أن تكون “يسارية” في القضايا الاجتماعية، لا الاقتصادية، فهي تعارض القوانين التي تقيّد العلاقات الجنسية الشخصية التوافقية (كالجنس المثلاني، والجنس خارج إطار الزواج، والجنس الشاذّ)، والقوانين التي تقيّد استخدام المخدّرات، والقوانين التي تفرض رؤى أو ممارسات دينية على الأفراد، وقوانين التجنيد الإجباري؛ أمّا السبب الثاني فهو أنّ هنالك نسخة من الليبرتارية تدعى “الليبرتارية اليسارية” إلى جانب النسخة الأشهر (الليبرتارية اليمينية)، وكلاهما يؤيّدان الملكية الذاتية الكاملة، لكنّهما يختلفان في سلطات الكيانات الفاعلة في ما يتعلّق باستملاك الموارد الطبيعية غير المملوكة لأحد (كالأرض والهواء والماء والمعادن وغيرها)، إذ ترى الليبرتارية اليمينية أنّ من الطبيعي، مثلًا، استملاك هذه الموارد وأمثالها لأوّل شخص يكتشفها، أو يخلط عمله بها، أو يدّعيها لنفسه بكلّ بساطة، وذلك دون موافقة الآخرين، وسواء دفع لهم قليلًا من المال مقابل ذلك أو لم يدفع؛ أمّا الليبرتارية اليسارية فترى، على العكس من ذلك، أنّ الموارد الطبيعية غير المستملكة تعود ملكيّتها للجميع على نحو مساواتي، وعلى سبيل المثال: قد تشترط على من يدّعون حقوق ملكية الموارد الطبيعية أن يدفعوا للآخرين قيمة هذه الحقوق، وهذا من شأنه أن يقدّم أساسًا لنوع من أنواع التوزيع المساواتي.


  1. الملكية الذاتية

  2. سلطة استملاك الموارد الطبيعية في المنظور الليبرتاري يسارًا ويمينًا

  3. حقوق الفرض .. القيد المسبق والتصحيح

  4. اللاسلطوية ودولة الحدّ الأدنى

  5. بعض القضايا الإضافية

           5.1. الكائنات المحسّة غير المستقلّة ذاتيًا

            5.2. المبادئ التاريخية والعالم الواقعي

  1. الخلاصة

  • بيبليوگرافيا

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على شبكة الأنترنت

  • نصوص ذات صلة


 

 

 

  1. 1. الملكية الذاتية

ترى الليبرتارية ، ضمن المعنى الضيق الذي اقتصرنا عليه في هذه المادّة الموسوعية، أنّ الكيانات الفاعلة تتمتّع بـ(الملكية الذاتية الكاملة)، وذلك في المنطلق على الأقل. وهذه الكيانات الفاعلة لا تتمتّع بالملكية الذاتية الكاملة (أخلاقيًا) إلّا إذا كانت تمتلك ذواتها أخلاقيًا بالطريقة نفسها التي يمكنها بواسطتها الامتلاك الأخلاقي الكامل للجمادات. وسنميّز في ما يأتي بين الملكية الذاتية الكاملة على صعيد العلاقات بين الأشخاص وبين نظيرتها على الصعيد السياسي؛ علمًا بأنّ الكثير من نسخ الليبرتارية تكتفي بالدعوة إلى الأخيرة منهما.

إنّ الملكية الكامل لكيان ما تتكوّن من مجموعة كاملة من حقوق الملكية الآتية:

  1. حقوق تحكّم باستخدام الكيان: وتشمل كلًّا من حقّ حرّية استخدامه وحقّ ادّعاء يضمن عدم استخدام الآخرين له.

  2. حقوق التعويض: وذلك إذا قام أحدهم باستخدام الكيان دون إذن مالكه.

  3. حقوق الفرض: كحقوق تقييد الحرّية إذا كان أحدهم يعتزم انتهاك هذه الحقوق.

  4. حقوق نقل هذه الملكية إلى الآخرين (سواء كان ذلك عن طريق البيع أو التأجير أو الهبة أو الإعارة).

  5. الحصانة من خسارة هذه الحقوق بغير رضى المالك.

ويمكننا أن نبسّط الأمر فنقول: إنّ الملكية الكاملة هي مجموعة من حقوق الملكية بشيء ما تتّصف بأنّها (الأقوى منطقيًا). وهي عبارة يكتنفها بعض الإبهام (لأنّه يمكن أن يكون هنالك أكثر من مجموعة تتّصف بأنّها الأقوى لهذه الحقوق)، لكنّنا نستطيع تحديد نواة مركزية ثابتة لمجموعة الحقوق هذه (كما سنرى في ما يأتي).

في صلب هذه النواة المركزية نجد (التحكّم الكامل بالملكية الذاتية)، أي: الحقّ الكامل للمرء بالتحكّم باستخدامه لذاته. وهنالك من يحاجج بأنّنا نحتاج إلى أمر كالتحكّم بالملكية الذاتية لكي ندرك أنّ بعض الأمور (كالأشكال المتعدّدة للاتّصال الجسدي) لا يمكن فعله للأشخاص دون موافقتهم، لكنّه يصبح مسموحًا بعد نيل الموافقة؛ وعلى هذا الأساس يصبح من غير المقبول أن يقوم المرء بقتل الآخرين أو تشويههم أو استعبادهم أو التلاعب الإجباري بهم دون رضاهم ودون أن يحرّضوه على ذلك.

ويعتقد أحيانًا بأنّ الملكية الذاتية الكاملة تضمن للشخص تمتّعه الأكيد بحقّ أساسي هو (حرّية الفعل)، لكنّ ذلك غير صحيح؛ لأنّه لو كان بقيّة العالم (الموارد الطبيعية والمعالم الحضارية) مملوكة للآخرين بشكل كامل و”بالحدّ الأقصى”، فلن يكون المرء قادرًا حينها على فعل أيّ شيء قبل نيل موافقة المالكين، لأنّ هذا الفعل ينطوي ضمنًا على استخدام ملكيتهم، وعلى سبيل المثال: قد يُعاقَب من يتسلّل إلى أراضي الغير بالتحوّل إلى عبد لدى المالك. وإنّ الحماية التي تقدّمها الملكية الذاتية تُعَدّ إجراءً أساسيًا ضدّ قيام الآخرين بأمور معيّنة ضدّ المرء، لكنّها ليست ضمانة بالحرّية، وعلى الرغم من ذلك، فحتّى هذا الإجراء الحمائي قد يكون مجرّد إجراء شكلي. ولا بدّ لأيّ طرح مقبول للملكية الذاتية أن يسمح بإمكانية ضياع بعض الحقوق (كالحق بعدم الاعتقال، مثلًا) عند انتهاك حقوق الآخرين، وعلى هذا الأساس: إذا كان بقيّة العالم يملكه الآخرون فإنّ أيّ تصرّف يقوم به المرء دون نيل موافقتهم هو تصرّف ينتهك حقوقهم بالملكية، ونتيجةً لهذا الانتهاك قد يفقد المرء بعض أو كلّ حقوقه بالملكية الذاتية. وهذه النقطة تبيّن لنا أنّ اضطرار الكيانات الفاعلة لاستخدام الموارد الطبيعية (شغل الحيّز المكاني، استنشاق الهواء، وما شابه) يجعل الملكية الذاتية، بحدّ ذاتها، خالية من أيّ مضمون هامّ، إذ لا تنطوي على المضامين الهامّة إلّا إذا رافقتها افتراضات حول كيفية امتلاك بقيّة العالم (والعواقب المترتّبة على انتهاك حقوق الملكية هذه).

وهنالك عدّة أسباب تفسّر جاذبية مبدأ الملكية الذاتية الكاملة؛ فهو يقف موقفًا قويًا في تأييد الأهمّية الأخلاقية للفرد وسيادته الأخلاقية، وهو يعبّر عن رفض معاملة الناس كأشياء قابلة للتبادل (يمكن تبادلها بعضها مقابل بعض)، ويبدو أنّه يوفّر نقطة انطلاق واضحة وبسيطة للتفكير حول العدل. ومع ذلك، فقد تبيّن في نهاية المطاف أنّه يثير الكثير من الجدل. وفي ما يلي سنناقش مجموعتين من الاعتراضات المهمّة لمفهوم الملكية الذاتية الكاملة.

تشير أولى مجموعتي الاعتراضات إلى عدد من المضامين المنافية للبديهة في مفهوم الملكية الذاتية الكاملة؛ ومن هذه الاعتراضات أنّها تنكر واجب الفرد بمساعدة المحتاجين إلّا إذا جاءت هذه المساعدة بعد موافقة طوعية أو كتصحيح لإساءة سابقة. ومن يدعون إلى الليبرتارية كنظرية للواجبات المستحقّة للآخرين يقومون في العادة بالدعوة للملكية الذاتية الكاملة (بين الأفراد)، فهم يقعون تحت طائلة هذه الاعتراض، وهم يرفضون أيّ التزام مماثل بحجّة أنّه يؤدّي إلى شكل من أشكال العبودية الجزئية.

لكنّ من يدعون إلى الليبرتارية كنظرية للواجبات القابلة للفرض يجب أن لا يُعدّوا ضمن من يشملهم هذا الاعتراض، فهم يستطيعون الدعوة إلى الملكية الذاتية الكاملة (على الصعيد السياسي) دون الدعوة إلى الملكية الذاتية الكاملة (بين الأفراد)، وهما أمران متماثلان لا يختلفان إلّا بأنّ الأوّل منهما يصمت بشأن الواجبات التي قد يدين بها المرء للآخرين ويشدّد عوضًا عنها على أنّه ما من واجب (يمكن فرضه) في مجال مساعدة الآخرين إلّا بعد موافقة طوعية أو كتصحيح لإساءة سابقة. ولا شكّ في أنّ الكثير قد يصرّون على أنّنا ملزمون بواجب غير طوعي لمساعدة أولي الاحتياجات البالغة عندما يمكننا أن نفعل ذلك بتكلفة ضئيلة من جيوبنا أو من جيوب الآخرين.

أمّا الاعتراضات الباقية فتنطبق على كلا المفهومين: الملكية الذاتية بين الأفراد، والملكية الذاتية السياسية، ولذلك سنتوقّف عن التمييز بينهما في مناقشتها.

والاعتراض الثاني يتعلّق أيضًا بأوضاع يمكن فيها لأولي الاحتياجات البالغة أن يحصلوا على منفعة عظيمة من تدخّل شخص ما. ففي هذه الحالة لا يكون السؤال عمّا إذا كان هذا الشخص يدين لأولي الاحتياجات بواجب معيّن أو ما إذا كان هنالك واجب قابل للفرض يوجب عليه مساعدته، بل يكون السؤال عمّا إذا كان يمكن لـ(الآخرين) استخدام بدن هذا الشخص دون موافقته لمساعدة أولي الاحتياجات. وعلى سبيل المثال: هل يُسمَح بإلقاء شخص بريء على الأرض، بلطف، من أجل إنقاذ عشرة أشخاص أبرياء آخرين؟ إنّ الملكية الذاتية الكاملة (بنوعيها) لا تسمح بذلك انطلاقًا من فكرة قاسية ترى أنّ الأفراد منعزلون في الحالة القياسية وأنّه لا يمكن استخدام أشخاصهم دون موافقتهم من أجل منفعة الآخرين.

والاعتراض الثالث ضدّ الملكية الذاتية الكاملة يتمثّل في أنّها تتضمّن الحقّ بتقديم هبة مقابل خدمات المرء، وأنّ هذه الهبة عندما تُمنَح من أعضاء جيل سابق إلى أعضاء جيل لاحق يمكنها أن تحدث اضطرابًا عظيمًا في ظروف تكافؤ الفرص (من الجدير بالملاحظة أنّ الحقّ بوهب الأشياء الخارجية ليس مثار الاعتراض هنا، لأنّه لا ينطلق من الملكية الذاتية الكاملة لوحدها). ويمكن الدفاع عن حقّ وهب الخدمات الشخصية من خلال التأكيد على ما يمكن أن يكون لهذا الحقّ من دور كبير في العلاقات الشخصية الحميمة؛ وعلاوة على ذلك، فإذا كان لأيّ شخص الحقّ بالقيام بفعل ما لمنفعته الخاصّة به، فمن المعقول أن يكون له الحقّ أيضًا بالقيام بالفعل نفسه لمنفعة شخص آخر. ومن الردود المحتملة هنا أنّه على الرغم من أنّ المتبرّع قد يمتلك سلطة وهب خدماته فإنّ الموهوب ربّما لا يمتلك الحقّ بالانتفاع الكامل من هذه الخدمات (كأن تكون هذه المنافع غير مستثناة من الضرائب، مثلًا).

والاعتراض الرابع ضدّ الملكية الذاتية الكاملة يرى أنّها تسمح بالاستعباد الطوعي، فهي تدّعي أنّ الأفراد لا يمتلكون حقّ التحكّم باستخدام أشخاصهم وحسب، بل يمتلكون أيضًا حقّ (نقل) هذا الحقّ للآخرين (من خلال البيع أو الهبة، مثلًا). وهنالك من الليبرتاريين كروثبارد (Rothbard 1982) وبارنيت (Barnett 1998: 78–82) من ينكر إمكانيّة هذا النقل لأنّ الآخرين لا يمكنهم التحكّم بإرادة الفرد، لكنّ هذا الإنكار قد يجانب الصواب إذا كان ما نناقشه هو الحقّ الأخلاقي بالتحكّم بالاستخدام المسموح به (من خلال منح الإذن أو رفضه)، وليس إمكانية التحكّم من الناحية النفسانية. وهنالك الكثير من الكتّاب، من أمثال لوك (Locke 1690) وغرونباوم (Grunebaum 1987)، من ينكر قابلية نقل الحقوق المتعلقة بذات الشخص، ويستند هذا الإنكار في العادة إلى أنّ هذا النقل وأمثاله يقوّض استقلالية المرء. ويمكن الردّ هنا بأنّ حقّ المرء بـ(ممارسة) الاستقلالية أكثر جوهرية من (حماية أو تعزيز) هذه الاستقلالية. (للتفصيل يمكن الرجوع إلى: Vallentyne 1998. وكذلك: Steiner 1994).

والاعتراض الخامس على الملكية الذاتية الكاملة هو أنّها قد تؤدّي (كما هو حال الحقوق عمومًا) إلى نتائج غير كفوءة؛ فعندما يتعلّق الأمور بالخرجانيات أو السلع العمومية (كالحماية على يد جهاز الشرطة) يكون كلّ شخص أفضل حالًا إذا جرى انتهاك بعض حقوق كلّ شخص من الأشخاص (على سبيل المثال: إذا كان يتوجّب على كلّ شخص أن يشترك في دورية للشرطة مرّة كلّ أسبوع). وإذا أخذنا بالحسبان المشكلات المتولّدة عن (معضلة السجين) وغيرها من أنواع الفشل السوقي، فسيكون من الطبيعي في المجتمعات الكبيرة أن يستحيل استحصال موافقة الجميع على أداء أمثال تلك الخدمات. وبالنظر لأهمّية هذه الخدمات، فمن المعقول أن يُسمَح بإجبار الأفراد على توفير خدمات بعينها (في انتهاك للملكية الذاتية الكاملة) ما دام الجميع يحقّقون منفعة تلائمهم.

إنّ هذه الاعتراضات تشير إلى طرق مختلفة يثبت فيها أنّ الملكية الذاتية الكاملة أمر خلافي؛ وإذا أردنا تلافي هذه الاعتراضات فمن الممكن إضعاف هذا المبدأ على أيّ من هذه الأبعاد، مع التمسّك بروحه العامّة؛ ولن تكون النتيجة نظرية للملكية الذاتية الكاملة، بل نظرية تقترب من فكرتها.

أمّا المجموعة الثانية من الاعتراضات فهي ذات طبيعة أكثر نظريّة؛ وهي تتلخّص في أنّ فكرة الملكية الذاتية الكاملة، بحكم التفحّص، ليست بسيطة ولا واضحة المعالم كما تبدو للوهلة الأولى. ومن وجوه الاعتراض في هذه المجموعة ما يشير إلى تعذّر تحديد فكرة الملكية؛ فالقانون، وهو يتّصف باليقينية، يعترف بحزمة متنوّعة أوسع من ترتيبات الملكية، بما فيها تلك التي تتكوّن من أنواع شديدة الاختلاف من الحقوق، وذلك بالمقارنة مع ما يدافع عنه منظّرو مبدأ الملكية الذاتية. وعلى هذا الأساس ربّما لا توجد فكرة واضحة للملكية يمكن اللجوء إليها للدفاع عن الملكية الذاتية بالخصوص؛ وعلى الرغم من ذلك، فإنّ ادّعاءات الملكية قد تكون النتائج النهائية لحجج أخلاقية (أو قانونية) معقّدة (Fried 2004, 2005).

وثمّة اعتراض آخر يرى بأنّ الملكية الذاتية الكاملة ذات مضامين شديدة التقييد؛ فالاعتراف بحقوق الناس بالملكية الذاتية الكاملة يعني الحكم بظلم حتّى أتفه الانتهاكات الهامشية، كما هو الحال في سقوط مقادير ضئيلة من التلوّث على شخص لا يوافق عليها، فحظر كلّ التصرّفات التي قد تؤدّي إلى أمثال هذه الانتهاكات الهامشية إنّما يُعتبَر فرضًا لحدٍّ غير مقبول على حرّيتنا، لكن من منظور الملكية الذاتية ليس هنالك فرق، في المبدأ، بين الانتهاكات، سواء كانت رئيسية أم هامشية. وعلى هذا الأساس يخلص هذا الاعتراض إلى وجوب رفض مبدأ الملكية الذاتية (Railton 2003, Sobel 2012).

ولمن أراد أن يقرأ ردودًا على بعض هذه الاعتراضات النظرية أن يرجع إلى: (Vallentyne, Steiner, and Otsuka 2005).

 

  1. سلطة استملاك الموارد الطبيعية في المنظور الليبرتاري يسارًا ويمينًا

تلتزم الليبرتارية بنسخة قوية من أطروحات الملكية الذاتية؛ ويرى الكثير من الليبرتاريين بأنّ الاستدلال العقلاني الذي يقف خلف هذه الأطروحة يحتوي أيضًا مضامين حول الحالة الأخلاقية للعالم الخارجي. وبموجب هذه الرؤية يمكن للناس، حرفيًّا، أن يوسّعوا ادّعاءاتهم بالملكية الذاتية لتشمل أشياء مادّية أخرى؛ والحجّة اللوكية التقليدية تعتقد بأنّ من يملك عمله لا بدّ أن يمتلك ثمار عمله أيضًا، حتّى وإن كانت هذه الثمار تتضمّن أشياء لم يملكها أحد قبله.

وعلى هذا الأساس فإن أصحاب الملكية الذاتية يمتلكون سلطات أخلاقية لاستملاك الأشياء الخارجية، كالموارد الطبيعية؛ لكن يمكن هنا التمييز بين الليبرتارية اليمينية ونظيرتها اليسارية في الموقف من كيفية استملاك الموارد الطبيعية (تجب الإشارة هنا إلى أنّنا نستخدم كلمة “موارد” بالمعنى الضعيف للكلمة، أي: “أشياء”، دون أيّ افتراض بما إذا كانت لها أيّة قيمة للأفراد؛ وذلك لأنّ هذا المصطلح يستخدم كثيرًا بمعنى أضيق).

إذا أخذنا بالحسبان أنّ الليبرتارية تفهم العدل التوزيعي بأنّه ذو طبيعة تاريخية في الأساس، فهنالك موضعان للقيود في مجال الممتلكات الشرعية: عند الاستملاك الأصلي أو عند النقل (أو في كلا الموضعين). وبعبارة أبسط: إنّ النظرية الليبرتارية تنتقل من “اليمين” إلى “اليسار” كلّما أكثرت من الإصرار على القيود الهادفة للمحافظة على مستوى من المساواة.

وإنّ النسخة الليبرتارية الأقوى من ناحية هذه القيود المفروضة على الاستملاك الأصلي ترى أنّه ليس لأيّ أحد في البداية الحقّ بحرّية استخدام الموارد الطبيعية، ولا أيّ سلطة أخلاقية باستملاكها. وعلى سبيل المثال: ترى (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة للملكية المشتركة) أنّ الأفراد قد لا يجوز لهم استخدام الموارد الطبيعية إلّا عند توفّر الموافقة الجماعية لأعضاء المجتمع (الإجماع أو قبول الأكثرية، مثلًا). وبما أنّ كلّ التصرّفات تقتضي استخدام بعض الموارد الطبيعية (الأرض، الهواء، …إلخ)، فليس هنالك مجال بعدها ليمارس الأشخاص حرّية التصرّف (إلّا عند موافقة الآخرين)، ومن الواضح أنّه أمر غير ممكن. وثمّة نسخة أقلّ راديكالية من (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة للملكية المشتركة) تسمح للأشخاص باستخدام الموارد الطبيعية، لكنّها تعتقد بأنّهم لا يتمتّعون بأيّة سلطة أخلاقية لاستملاك الموارد الطبيعية دون استحصال الموافقة الجماعية لأعضاء المجتمع (راجع، مثلًا: Grunebaum 1987). وعلى الرغم من أنّ هذا الأمر يترك للأشخاص نطاقًا واسعًا لحرّية التصرّف، فهو لا يترك لهم سوى مقدار قليل من الأمان في خططهم للتصرّف: فهم يتمتّعون بالأمان بعدم السماح للآخرين باستخدام أشخاصهم (مهاجمتهم، مثلًا) دون موافقتهم، لكنّهم لا يتمتّعون إلا بمقدار محدود من الأمان بامتلاكهم للأشياء الخارجية (إلّا بعد استحصال موافقة الآخرين). وعلى سبيل المثال: يُسمَح للأفراد بزراعة التفّاح وجنيه، لكنّ الآخرين يُسمَح لهم بأخذ التفّاح إذا كانوا لا ينتهكون بذلك حقوق الملكية الذاتية (عندما يمكنهم أخذ التفّاح من الأكوام المجنيّة، مثلًا).

وبالنظر للأهمّية المركزية لأمان بعض الموارد الخارجية، فمن غير المعقول أن لا يكون للأفراد سلطة الاستملاك دون موافقة الآخرين؛ وبتعبير أكثر تحديدًا: لا شيء غير معقول أكثر من الاعتقاد بأنّ موافقة الآخرين شرط للاستملاك عندما يستحيل الاتّصال بهم، أو عندما يكون فائق الصعوبة، أو مكلفًا (كما هو في معظم الأحيان). وحتّى عندما يكون الاتّصال سهلًا وعديم التكلفة نسبيًّا، فيبدو أنّه لا يوجد حينها حافز جيّد لاشتراط موافقة الآخرين ما دام المرء لا يستملك أكثر من حصّته المنصفة. ولذلك فإنّ (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة للملكية المشتركة) ليست أمرًا معقولًا.

ونحن ندّعي أنّ الطرح المعقول في مسألة (حقوق الحرّية وسلطات استملاك الموارد الطبيعية) لا بدّ أن يكون (أحادي الجانب)، أي: أن يخضع لشرطين واسعي النطاق:

  1. يسمح للأفراد في البدء باستخدام الموارد الطبيعية دون موافقة أيّ أحد.

  2. يتمتّع الأفراد في البدء بسلطة (استملاك) الموارد الطبيعية (أي: اكتساب حقوق بها) دون موافقة أيّ أحد.

ونلخّص ذلك بالقول: إنّ الموارد الطبيعية في البدء ليست محميّة بقاعدة تتعلّق بالملكية (والتي تشترط استحصال الموافقة قبل الاستخدام المسموح به أو الاستملاك).

ووفقًا للمفهوم الأحادي الجانب لسلطة الاستملاك، فإنّ الأفراد الذين يدّعون أوّلًا بحقوق لملكية موارد طبيعية يكتسبون هذه الحقوق، وربّما يكون ذلك عند تحقّق شروط محدّدة أخرى؛ وهذه الشروط الإضافية قد تتضمّن نوعًا من قيود التفاعل (كأن يكون الفرد قد “مزج عمله” بالمورد أو كان أوّل من اكتشفه) ونوعًا من قيود “الحصّة المنصفة”. وفي ما يلي سنتجاهل، للتبسيط، قيد التفاعل ونركّز اهتمامنا على قيد الحصّة المنصفة.

لنناقش أوّلًا الرؤية التي تطرح الحدّ الأقصى من السماح ضمن الاستملاك الأصلي؛ فـ(الليبرتارية اليمينة الراديكالية)، والتي دعا إليها روثبارد (Rothbard 1978, 1982) ونارفيسون (Narveson 1988: ch. 7; 1999) وفيسر (Feser 2005) على سبيل المثال لا الحصر، تعتقد بأنّه ليس هنالك قيود (الحصّة المنصفة) على الاستخدام أو الاستملاك.[i] فالأفراد يمكنهم استملاك، أو استخدام، أو حتّى تدمير ما يشاؤون من الموارد الطبيعية (ما داموا لا ينتهكون الملكية الذاتية لأحد). ووفقًا لهذه الرؤية، فإنّ الموارد الطبيعية في البدء لا يُكتفى بكونها غير محمية بأيٍّ من قواعد الملكية (أي: الاستخدام المسموح به لا يشترط استحصال موافقة أيّ أحد)، بل هي أيضًا غير محمية بقاعدة الإلزام بالتعويض (أي: لا يمكن المطالبة بتعويض مقابل استخدام الآخرين للمورد). والاعتراض الرئيسي لهذه الرؤية يرى بأنّه ما من أحد من بني البشر خلق الموارد الطبيعية، وليس هنالك من سبب يبرّر أن يقوم أوّل من يدّعي الحقّ بمورد طبيعي بجني حصّة كبيرة (بشكل غير منصف) أو غير متساوية من المنافع التي يقدّمها المورد. وثمّة اعتراض آخر يشير إلى أنّ الاستملاك دون قيود يجعل من الممكن لفرد واحد أن يمتلك العالم بأكمله، ممّا يضع عمليًّا الأفراد المتبقّين الذين لا أملاك لهم في حالة إشكالية تفرض عليهم استحصال موافقة المالك قبل القيام بأيّ شيء؛ ويضاف إلى ذلك أنّه ليس هنالك سبب يدعو للظنّ بأنّ الأفراد يُسمَح لهم أخلاقيًا بتخريب الموارد الطبيعية كما يشتهون؛ فهنالك من شروط (الحصّة المنصفة) ما يقيّد الاستخدام والاستملاك.

ولذلك يجب على النسخ المعقولة للنظرية الليبرتارية أن تحاول تحقيق بعض التوازن بين الرؤيتين: التي تبلغ الحدّ الأقصى في التقييد والتي تبلغ الحدّ الأعلى في السماح. ولنناقش هنا (الليبرتارية اللوكية) التي تسمح بالاستخدام والاستملاك الأحادي لكنّها تشدّد على فرض القيود في كلٍّ من مرحلتي: الاستملاك (على شكل الشرط اللوكي الذي يشترط استبقاء “ما يكفي ولا يقلّ في الجودة” للآخرين)، والاستملاكات اللاحقة (لأنّه لا يمكن لأحد أن يبعد المحتاجين عن ملكيته). وإنّ الرؤية الليبرتارية تعتقد بأنّ الموارد الطبيعية في البدء ليست محمية بأيّ قاعدة للملكية (فلا حاجة لموافقة أحد قبل الاستخدام أو الاستملاك)، لكنّها محمية بقاعدة مستمرّة للإلزام بالتعويض، فمن يستخدم الموارد الطبيعية، أو يدّعي الحقّ بها، يدين بالتعويض للآخرين عمّا قد ينطوي عليه ذلك من تكاليف الإضرار الظالم بهم.

ولقد فسّرت (الليبرتارية اليمينية النوزيكية)، والتي دعا إليها نوزيك (Nozick 1974)، الشرط اللوكي بأنّه يشترط ألا يكون أيّ فرد، بسبب استخدام المورد الطبيعي أو استملاكه، أسوأ حالًا عند المقارنة مع حاله عند عدم استخدام المورد أو استملاكه.[ii] وربّما يعترض أحدهم بأنّ ذلك يفرط في تخفيض مبلغ التعويض، فهو يقيم التعويض على أساس (سعر الحجز) عند كلّ فرد، وهو (أدنى) مبلغ قد يجعل الفرد حياديًا تجاه عدم الاستخدام أو عدم الاستملاك. والموارد الطبيعية تجلب في العادة لمن يستخدمها أو يستملكها منافع عظيمة حتّى بعد دفع هذا التعويض؛ وقد يحاجج البعض بأنّه ليس هنالك من سبب وجيه يمنع من يسبقون غيرهم باستخدام المورد الطبيعي أو الادّعاء بالحقّ به من جني كلّ المنافع الزائدة التي تقدّمها هذه الموارد.

و الليبرتارية الكفائية (الوسطية)، كالتي تهتدي بكتابات سيمونز (Simmons 1992, 1993) أو لوماسكي (Lomasky 1987)، تفسّر الشرط اللوكي بأنّه يشترط على الآخرين أن يتركوا حصّة كافية من الموارد الطبيعية (وفقًا لمفهوم ما للكفاية). وهنالك معايير مختلفة يمكن الاستعانة بها لتحديد الكفاية، لكنّ أكثرها معقولية هي التي تقوم على أساس نوعية الحياة التي ينتظرها المرء، أي: ما يكفي لحياة منتظَرة تستحقّ العيش، أو ما يكفي لحياة منتظَرة تكتفي بضروريات العيش وحسب، أو ما يكفي لحياة منتظَرة تحقّق “الحدّ الأدنى من العيش اللائق”. وبحسب طبيعة العالم ومفهوم الكفاية يمكن لمفهوم الكفاية أن يكون أكثر، أو أقلّ، تطلّبًا من الشرط النوزيكي؛ فإذا كانت الموارد الطبيعية وافرة بما يكفي نسبةً للأفراد يكون الشرط النوزيكي حينها أكثر تطلّبًا (لأنّ الكثير من الأفراد سيحصلون في هذه الحالة على أكثر من الحصّة الكافية دون استخدام أو استملاك)، أمّا إذا كانت الموارد الطبيعية نادرة بحسابات الكفاية، فسيكون الشرط الكفائي حينها أكثر تطلّبًا من نظيره النوزيكي.

وعلى الرغم من أنّ الليبرتارية الكفائية قد تكون أكثر حساسية من نظيرتها النوزيكية فيما يخصّ نوعية الحياة المنتظَرة المتبقّية للآخرين، فإنّ بعض الليبرتاريين، أي: الليبرتاريين اليساريين، يحاججون بأنّها تخفق مع ذلك في ملاحظة المدى الذي تصل إليه الموارد الطبيعية في عائديّتها للجميع على نحو مساواتي ما. ولنفترض هنا أنّ هنالك ما يكفي من الموارد الطبيعية ما يكفي لمنح الجميع حياة رائعة، وأنّ هنالك من يستملك (أو يستخدم) الموارد الطبيعية على نحو لا يترك للآخرين سوى المستوى الأدنى من حياة الكفاية ويحقّق لنفسه حياة رائعة منقطعة النظير. فالليبرتاريون اليساريون يحاججون هنا بأنّه من غير المعقول الاعتقاد بأنّ من يستخدم الموارد الطبيعية، أو يستملكها، قبل غيره يحقّ له جني منافع على قدر هائل من اللامساواة مع الآخرين، فهم يرون أنّ الموارد الطبيعية لم تُخلَق على يد أيّ فرد من بني البشر، وأنّ قيمتها تعود للجميع على نحو مساواتي ما.

ولننتقل الآن إلى ما تراه الليبرتارية اليسارية؛ فهي تعتقد بأنّ الموارد الطبيعية تعود ملكيتها في البدء للجميع على نحو مساواتي ما، أو أنّ ما يُمتلَك منها بشكل شرعي يقع عرضة بمرور الوقت لقيد ما يحافظ على النوعية.[iii] ولقد رفضنا فيما سبق إحدى النسخ (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة للملكية المشتركة) لفشلها في أن تحقّق الأحادية (لأنّها تشترط استحصال موافقة الآخرين لاستخدام أو استملاك الموارد الطبيعية غير المملوكة لأحد). وسنركّز فيما يلي على النسخ اللوكية (وبالتالي: الأحادية) من الليبرتارية اليسارية.

إن (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة للحصّة المتساوية)، والتي دعا إليها، على سبيل المثال، هنري جورج (Henry George 1879) وهيليل ستاينر (Hillel Steiner 1994)، تفسّر الشرط اللوكي بأنّه يشترط على المرء أن يترك للآخرين حصّة متساوية التوفّر من الموارد الطبيعية. فالأفراد أحرار من الناحية الأخلاقية باستخدام أو استملاك الموارد الطبيعية، لكنّ من يستخدم أو يستملك أكثر من حصّته كفرد يدين للآخرين بتعويض مقابل حصّته الزائدة. وهذا القيد لا ينحصر تطبيقه عند الاستملاك وحسب (فلا تخضَع للقيود ما تليه من استملاكات)، بل يجب أن يُحترم دائمًا.

وقد يحاجج البعض بأنّ حتّى ليبرتارية الحصّة المتساوية لا تتّصف بالحدّ الكافي من المساواتية؛ فعلى الرغم من أنّها تشترط التوزيع المتساوي للقيمة التنافسية للموارد الطبيعية، فهي لا تقوم بأيّ تصرّف للتعويض عن أضرار الصفات الداخلية التي لم يخترها المرء (كتأثيرات الجينات أو بيئة الطفولة)؛ ولهذا فليبرتارية الحصّة المتساوية تتوافق مع توقّعات للحياة تتّصف باللامساواة الجذرية.[iv]

لننتقل، بعدها، إلى مناقشة (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة لتكافؤ الفرص)، والتي دعا إليها، مثلًا، أوتسوكا (Otsuka 2003)؛[v] فهي تفسّر الشرط اللوكي بأنّه يشترط على المرء أن يترك للآخرين ما يكفي لتكون لديهم فرصة للرخاء تتساوى في جودتها على الأقلّ مع فرصة الرخاء التي يمكن تحقيقها باستخدام الموارد الطبيعية أو استملاكها؛ ومن يترك ما هو أقلّ من ذلك يُشترَط عليه أن يدفع القيمة التنافسية الكاملة لحصّته الزائدة لمن حُرِموا من حصّتهم المنصفة. وبخلاف الرؤية المؤيّدة للحصّة المنصفة، فإنّ من تزوّدهم صفاتهم الداخلية البدئية بفرص مؤثّرة للرخاء أقلّ تفضيلًا يستحقّون حصصًا أكبر من الموارد الطبيعية. وعلى الرغم من أنّ هذه النسخة من نسخ الليبرتارية على مستوى عالٍ من المساواتية، فهي تحصر المساواتية بتوزيع قيمة الموارد الطبيعية؛ فلا تزال الملكية الذاتية الكاملة تضع القيود على الترويج للمساواة: إذ لا يُشترَط على الأفراد أخلاقيًا أن يقدّموا خدمات شخصية أو أعضاء من أبدانهم لا لشيء سوى أنّهم يتمتّعون بملكات شخصية أكثر قيمة.

 

  1. حقوق الفرض .. القيد المسبق والتصحيح

ناقشنا في ما سبق الحقوق الليبرتارية الجوهرية للملكية الذاتية الكاملة والحقّ باستملاك الموارد الطبيعية؛ لكنّ أيّ نظرية ليبرتارية كاملة يجب أن تحدّد ما للأفراد من حقوق فرض عندما ينتهك الآخرون حقوقهم؛ وفكرة الملكية الذاتية (الكاملة) لا تتضمّن تحديدًا كاملًا لحقوق الفرض، لأنّ الفكرة المعنيّة هي الملكية الذاتية الكاملة (الشاملة)، أي: أن يتمتّع كلّ فرد بالملكية الكاملة، وهي فكرة لا تعطي رأيًا قاطعًا بخصوص حقوق الفرض (وكذلك بخصوص حقوق التعويض). ومن المفترض أنّ مجموعة حقوق الملكية الذاتية، بحدّها الأقصى لكلّ فرد، تتضمّن كلًّا من: حصانة كاملة ضدّ الخسارة حتّى إذا كان الفرد ينتهك حقوق الآخرين (وبالتالي لن يُسمَح للآخرين أبدًا باستخدام القوّة ضدّه دون موافقته)، والحدّ الأقصى من حقوق الفرض ضدّ الآخرين (والتي من شأنها أن تسمح له باستخدام القوّة ضدّ الآخرين لمنعهم من انتهاك حقوقه). لكنّ مجموعة الحقوق هذه غير قابلة لتحقيق الشمول، لأنّه إذا امتلك فرد واحد الحصانة القوية ضدّ خسارة حقوقه فلن يتمكّن الآخرون حينها من امتلاك حقوق فرض قوية (والتي تشترط إلزام المنتهك بخسارة بعض حقوقه بالملكية الذاتية)؛ ولهذا فإنّ الملكية الذاتية الكاملة (القابلة لتحقيق الشمول) لا يمكنها أن تتضمّن حقوق فرض (وإنّما حصانة كاملة ضدّ الخسارة)، أو حقوق فرض كاملة (وإنّما عدم الحصانة من الخسارة بسبب انتهاك الحقوق)، أو أيّ أمر بينهما (للاستزادة بشأن هذا التردّد يمكن الرجوع إلى: Fried [2004, 2005] and Vallentyne, Steiner, and Otsuka [2005]).

ومن المواقف الممكنة في هذا المجال: السلمية المتطرّفة، وبموجبها لا يُسمَح للأفراد أبدًا باستخدام القوّة ضدّ الآخرين دون موافقتهم؛ وهنالك أيضًا: السلمية المعتدلة، وبموجبها لا يُسمَح للأفراد باستخدام القوّة ضدّ الآخرين دون موافقتهم إلّا عند الضرورة في حالة الدفاع عن النفس (أو الدفاع عن الآخرين). هذه الرؤية المعتدلة من شأنها أن تسمح باستخدام القوّة ضدّ شخص ما لمنعه من الاستخدام الظالم للقوّة ضدّ الآخرين، لكنّها لا تسمح باستخدام القوّة لتصحيح انتهاكات سابقة (كالمعاقبة أو استحصال التعويض من منتهكي الحقوق). ومعظم المواقف الليبرتارية قد يسمح باستخدام القوّة في حالات التصحيح، والكثير منها قد يسمح باستخدام القوّة لإيقاع عقوبة جزائية، لكنّ بعضها (مثلًا: Barnett 1998) يرفض العقوبة الجزائية ويصرّ على أن التعويض عن الإضرار الظالم هو المبرّر الجوهري لاستخدام القوّة بهدف التصحيح.

 

  1. اللاسلطوية ودولة الحدّ الأدنى

تشترط الليبرتارية على الدولة، كما على الأفراد جميعهم، احترام الحقوق الأخلاقية للفرد، بما فيها: حقوق الفرد بشخصه وممتلكاته الشرعية؛ وكلّ الدول الحديثة، ومنها دولة الرعاية الاجتماعية، تفشل في تحقيق هذا المعيار؛ ولهذا فإنّ الكثير من سلطات الدولة الحديثة تُعتبَر غير شرعية من الناحية الأخلاقية.

والسبب الرئيسي لانعدام شرعية الدول الحديثة هو أنّها توظّف وسائل القوّة في قضايا لا يسمح فيها باستخدام هذه القوّة؛ فوكلاء الدولة ينتهكون حقوق المواطنين عند قيامهم بمعاقبة، أو تهديدهم بمعاقبة، أيّ شخص يقود درّاجة نارية دون ارتداء الخوذة الواقية، أو يتعاطى المخدّرات، أو يرفض شراء التأمين الصحّي، أو يرفض أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، أو ينخرط في علاقة جنسية سرّية مع موافقة الطرف الآخر، أو يمارس القمار؛ وعلاوة على ذلك، ينتهك وكلاء الدولة حقوق المواطنين عند قيامهم بإجبار، أو تهديدهم بإجبار، الأفراد على نقل ثرواتهم التي يحوزونها بشكل شرعي إلى الدولة من أجل الإنقاذ المالي للشركات الكبيرة، أو توفير الأموال اللازمة للمعاشات، أو مساعدة المحتاجين، أو دفع تكاليف السلع العمومية كالطرق أو المتنزّهات (يرفض الليبرتاريون جميعهم أوجه نقل الثروة هذه إلى حدّ اعتبارها تضاف إلى ما تدين به الدولة للناس بسبب استملاكها للموارد الطبيعية). وبعض المنظّرين الذين يميلون لليبرتارية، كما هو الحال عند هايك (Hayek 1960)، يحاججون بأنّ من الشرعي إجبار الناس على دفع حصّتهم المنصفة من تكاليف توفير الخدمات الشُّرطية الأساسية (أي: حماية الحقوق الليبرتارية والملاحقة القانونية لمن ينتهكها)، لكن من الصعب فهم كيفية شرعنة هذا الأمر على أسس ليبرتارية؛ فإذا كان المرء لا يوافق طوعًا على مشاركة ثروته بهذه الطريقة، فإنّ مجرّد تمكّنه من جني منافع هذه الخدمات لا يولّد، وفقًا للمفاهيم الليبرتارية ، أيّ واجب قابل للإجبار يلزمه بدفع حصّته المنصفة من التكاليف.[vi]

وهنالك اعتراض آخر أكثر راديكالية يرفعه الليبرتاريون بوجه الدولة الحديثة، وهو أنّها تستخدم القوّة، أو التهديد باستخدامها، في الحدّ من حرّية الناس باستخدام القوّة في حماية حقوقهم وفرضها. وعلى الرغم من أنّ معظم الدول تعترف بالحقّ باستخدام القوّة في الدفاع عن النفس، فليس هنالك سوى القليل من الدول التي تعترف بالحقّ القانوني في استخدام القوّة لإجبار من ينتهكون حقوق الآخرين على دفع التعويض أو التعرّض للعقوبة. وفي العادة تقوم الدول بمعاقبة من يحاولون فرض إجراءات التصحيح، حتّى وإن كان المواطن يفرض إجراءات التصحيح نفسها التي قد تفرضها الدولة. لكنّ الليبرتاريين (اللاسلميين) ينكرون ذلك، فلكلّ فرد الحق بفرض حقوقه بطرائق متنوّعة، وهذا الحقّ لا يزول إلّا إذا تخلّى عنه الفرد طوعًا. إذن، فالاعتراض هنا ليس على قيام وكلاء الدولة بفرض حقوق الناس (وهم مخوّلون للقيام بذلك بشكل كامل إذا كان الشخص المحميّ يرغب بذلك)، وإنّما ينصبّ الاعتراض على قيام الدولة باستخدام القوّة لمنع المواطنين من فرض حقوقهم بشكل مباشر.

والاعتراضات السابقة الموجّهة لدولة الرعاية الاجتماعية الحديثة قد تصدر من الليبرتارية بجناحيها اليميني واليساري كليهما؛ لكنّ الليبرتاريين اليساريين يمكنهم تأييد نشاطات محدّدة “شبيهة بنشاطات الدولة” يرفضها نظراؤهم اليمينيون، وذلك لأنّ معظم الرؤى الليبرتارية اليسارية ترى بأنّ على الأفراد واجب قابل للإجبار يلزمهم بأن يدفعوا للآخرين قيمة الحقوق التي يدّعونها بالموارد الطبيعية، ويمكن للأفراد الساعين للعدل الاقتصادي أن يشكّلوا منظّمات يمكنها، بشروط محدّدة، أن تجبر الأفراد على دفع مبالغ لها مقابل حقوقهم بالموارد الطبيعية، ثمّ تقوم هذه المنظّمات بتحويل المبالغ للأفراد الذين يُدان لهم بها (وذلك بعد استقطاع أجرة مقابل الخدمة، إذا كان الشخص المعني موافقًا). ويمكن للمنظّمة أن تقدّم أيضًا خدمات عمومية متنوّعة، كالخدمات الشُّرطية الأساسية، والدفاع الوطني، والطرق، والمتنزّهات، وما أشبه. وبتوفير هذه السلع العمومية سترتفع قيمة الحقوق التي يدّعيها الأفراد بالموارد الطبيعية (أي: إنّ الحقوق بالأراضي التي تتوفّر لها الحماية الشُّرطية أعلى قيمة من الحقوق بالأراضي التي لا تتوفّر لها هذه الحماية). وهذه السلع العمومية لا يمكن توفيرها إلّا عندما تكون ذاتية التمويل بالاعتماد على ما تنتجه من زيادة في الريع.

إن هذه وأمثالها من المنظّمات “المعزّزة للعدل” تنخرط في الكثير من نشاطات الدول الحديثة، ويمكن لليبرتارية اليسارية أن تقبل بشرعية أمثال هذه النشاطات؛ لكنّ هنالك ثلاثة شروط مهمّة تؤهّلها لهذه المنزلة، وهي: (1) أن تكون نشاطاتها محصورة بفرض الحقوق الليبرتارية للناس وتحسين الفرص المتاحة لهم من خلال تقديم السلع العمومية، فلا يجري اللجوء إلى القوّة مطلقًا لتقييد النشاطات التي لا تنتهك أيّة حقوق ليبرتارية؛ (2) عدم الادّعاء باحتكار أيّ من هذه النشاطات، فيمكن أن يكون هنالك الكثير من المنظّمات التي تقدّم أمثال هذه الخدمات؛ (3) وكلاء هذه المنظّمات لا يُسمَح لهم باستخدام القوّة لجعل الفرد يدفع قيمة الحقوق بالموارد الطبيعية إلّا إذا كان استخدام القوّة، وبشكل معقول، هو الطريقة الأنسب لضمان أداء الواجب. والمنظّمات الفاسدة أو غير الكفوءة لا يسمح لها باستخدام القوّة لتحصيل هذه المبالغ، بل حتّى أكثر المنظّمات نزاهة وكفاءة لا يسمح لها أيضًا بذلك عندما يقوم الفرد الذين يدين بالمبلغ بدفعه طوعًا وبشكل مباشر للأطراف المعنيّة (للتفصيل يمكن الرجوع إلى: Vallentyne 2007).

إذن، فـ الليبرتارية لا تكتفي بانتقاد دولة الرعاية الاجتماعية الحديثة، بل تنتقد الدولة عمومًا؛ وإذا أخذنا بالحسبان أنّ الكثير من أوجه الحياة الحديثة يبدو أنّه يتطلّب وجود الدولة، فالموقف اللاسلطوي لليبرتارية يُعتبَر اعتراضًا قويًّا في وجه الدولة؛ لكنّ الليبرتاريون يردّون على ذلك في العادة بثلاثة ردود سريعة: (1) الكثير من تأثيرات الدولة سلبية تمامًا؛ (2) الكثير من التأثيرات الإيجابية التي تحقّقها الدولة يمكن تحقيقها أيضًا من دون الدولة عبر آليات طوعية، ولهذا يميل الليبرتاريون إلى أن يكونوا أكثر تفاؤلًا بإمكانية التوفير اللاسلطوي للنظام والسلع العمومية بالإضافة إلى المساعدات الخيرية؛ (3) إنّ عنف الدولة، وما يرافقه من انتهاكات لحقوق الناس، هو من بين القضايا الأخلاقية الأشدّ خطورة. ولهذا فحتّى لو كانت بعض التأثيرات الإيجابية لا يمكن تحقيقها، فإنّ الغاية لا تبرّر الوسيلة في هذه القضايا. (لمناقشة تفصيلية يمكن الرجوع إلى: Huemer 2012، أوChartier 2012).

  1. بعض القضايا الإضافية

5.1. الكائنات المُحِسّة غير المستقلّة ذاتيًا

تؤكّد الليبرتارية على أنّ كلّ كيان فاعل مستقلّ ذاتيًا يمتلك ابتداءً نفسه بشكل كامل، وأنّ الكيانات الفاعلة لها سلطات أخلاقية باكتساب حقوق الملكية بالموارد الطبيعية والأدوات. لكن ما هو وضع الكائنات غير المستقلّة ذاتيًا، كالأطفال والكثير من الحيوانات، ممّن لها موقف أخلاقي (لأنّها محسّة، مثلًا)؟

من الإجابات الممكنة إنكار وجود أيّ كائن غير مستقلّ ذاتيًا وله موقف أخلاقي (لأنّ الكائنات القادرة على أن يكون لها واجبات أخلاقية، أي: الكيانات الفاعلة، هي التي يُدان لها بأيّ واجبات، مثلًا). والكائنات غير المستقلّة ذاتيًا هي، ببساطة، أشياء للاستخدام، وعلى هذا الأساس يمكن أن تكون ملكية خاصّة مملوكة بشكل كامل للكيانات الفاعلة. لكن القليل جدًّا من الناس من يقبل هذا الوضع، فالطفل ليس ملكية خاصّة مملوكة بشكل كامل لوالديه، وربّما يعمد البعض إلى تعذيب الكلاب للتسلية. وهنالك إمكانية لاعتقاد آخر يرى بأنّ الكائنات المحسّة غير المستقلّة ذاتيًا هي أيضًا تملك أنفسها بشكل كامل، وما يدخل ضمن ذلك من الحقوق تُفهَم على أنّها لخدمة المصالح وليست خيارات لهذه الكائنات (راجع، مثلًا: Vallentyne 2002)، ولهذا المُعتقَد مضمون جامح يرى أنّ الجرذان تحميها حقوق الملكية الذاتية. وربّما يمكننا التوصّل إلى موقف وسط معقول، لكنّ هذا الموقف لم يُطوَّر بعدُ بما فيه الكفاية (راجع، مثالًا عن المحاولات: Steiner 1999).

 

5.2. المبادئ التاريخية والعالم الواقعي

ترى الليبرتارية أنّ العدل في التوزيع الحالي للحقوق القانونية بالموارد يعتمد على ما كان عليه حال الماضي؛ فإذا أخذنا بالحسبان أنّ تاريخ العالم مليء بالعنف الممنهج (التصفية العرقية، الغزو، القتل، الاعتداء، السرقة، …إلخ) يمكننا أن نكون واثقين من أنّ التوزيع الحالي للحقوق القانونية بالموارد لم يتحقّق بشكل عادل وأنّه لم تكن هنالك تعويضات كافية؛ لكنّنا، وفي الوقت نفسه، لا نعلم إلّا القليل بشأن ما حدث في الماضي من انتهاكات محدّدة للحقوق (على سبيل المثال: لا نملك إلّا القليل من المعلومات عن كلّ حالات انتهاك الحقوق، وما نملكه منها لا يتجاوز أفدح الحالات التي حصلت قبل مئة عام)، ولهذا لا نعلم إلّا القليل عما يتطلّبه العدل في أيّامنا هذه.

إنّ المشكلة الإبستيمولوجية التي تواجهها الليبرتارية مشابهة للتي تواجهها المنفعية وغيرها من النظريات العواقبية؛ فهذه النظريات تتطلّب معرفة المستقبل الكامل الذي سينتج من كلّ تصرّف ممكن، ونحن لا نمتلك إلّا القليل جدًّا من هذه المعرفة المطلوبة؛ و الليبرتارية تتطلّب معرفة الماضي الكامل، ونحن لا نمتلك إلّا القليل جدًّا من هذه المعرفة المطلوبة؛ والجواب المناسب في كلتا الحالتين هو أنّ الحقائق تحدّد ما هو عادل، ويجب علينا، ببساطة، أن نقوم بأفضل محاكمة عقلية حول ما هو عادل اعتمادًا على ما نعلم؛ فالواقع الأخلاقي معقّد، وليس من المفاجئ أن يكون من الصعوبة القصوى معرفة ما يُسمح به.

وثمّة إجابة إضافية في حالة الليبرتارية ، إذ يمكن للمرء أن يعتقد بأنّ هنالك قانونًا أخلاقيًا يضع حدودًا لانتهاكات الحقوق؛ فبعد مدّة زمنية كافية (أو، ربّما، بعد مرور مدّة زمنية كافية لم يدّع خلالها أحد بحقّه في التصحيح) يسقط حقّ المطالبة بتصحيح الحالة المعنية من حالات انتهاك الحقوق في الماضي. وإذا كانت المدّة الزمنية قصيرة بما يكفي (مئة عام مثلًا) فمن شأنها أن تحدث انخفاضًا جذريًا في المشكلة الإبستيمولوجية، لكنّه ليس من الواضح ما إذا كان هنالك مبرّر ليبرتاري معقول يستند إلى مبادئ معينة (بالعكس من المبرّرات العملية) لهذا النوع من الحدود القانونية لانتهاك الحقوق.

  1. الخلاصة

تستمدّ الليبرتارية جاذبيتها من أنّها: (1) تقدّم حيّزًا أخلاقيًا واسعًا لحرّية التصرف، (2) تقدّم حماية أخلاقية واسعة ضدّ تدخّل الآخرين، (3) تتعامل بحساسية مع ما كان عليه الوضع في الماضي (على سبيل المثال: ما أُبرِم من اتّفاقيات وما حدث من انتهاكات للحقوق). ولهذا فهي تتعامل بجدّية مع الفكرة القائلة بأنّ الأشخاص كيانات فاعلة مسؤولة فرديًا يعيش كلّ منها حياته الخاصّة به. لكنّ الليبرتارية تواجه اعتراضًا جدّيًا يرى بأنّها توفّر قدرًا مفرطًا من الحماية ضدّ التدخّل ولا تنتبه بما فيه الكفاية للعواقب الفورية لمبادئها (على سبيل المثال: التأكّد من تلبية الاحتياجات الرئيسية للناس، أو تحسين معيشتهم، أو تعزيز المساواة). وكما هو الحال مع كلّ النظريات الأخلاقية والسياسية البارزة، فإنّ التقييم الإجمالي لليبرتارية هو مسألة يحكمها الجدل المستمرّ.

 

 

 

 


بيبليوگرافيا

الليبرتارية اليمينية

  • Barnett, R., 1998, The Structure of Liberty: Justice and the Rule of Law, Oxford: Clarendon Press.
  • Brennan, J., 2012, Libertarianism: What Everyone Needs to Know, Oxford: Oxford University Press.
  • Epstein, R.A., 1995, Simple Rules for a Complex World, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––, 1998, Principles for a Free Society: Reconciling Individual Liberty with the Common Good, New York: Basic Books.
  • Feser, E., 2005, “There Is No Such Thing As An Unjust Initial Acquisition,” Social Philosophy and Policy, 22: 56–80.
  • Friedman, D., 1989, The Machinery of Freedom: A Guide to Radical Capitalism, New York: Harper and Row.
  • Hayek, F.A., 1960, The Constitution of Liberty, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1973, Law, Legislation, and Liberty, Vol. 1: Rules and Order, London: Routledge.
  • Hospers, J., 1971, Libertarianism, Los Angeles: Nash.
  • Lomasky, L., 1987, Persons, Rights, and the Moral Community, New York: Oxford University Press.
  • Kirzner, I., 1978, “Entrepreneurship, Entitlement, and Economic Justice,” Eastern Economic Journal, 4: 9–25. Reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.
  • Locke, J., 1690, Two Treatises of Government, P. Laslett (ed.), New York: Cambridge University Press, 1960. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000b.
  • Machan, T. (ed.), 1974, The Libertarian Alternative: Essays in Social and Political Philosophy, Chicago: Nelson-Hall Company.
  • –––, (ed.), 1982, The Libertarian Reader, Totowa: Rowman and Littlefield.
  • –––, T., 1989, Individuals and Their Rights, La Salle, IL: Open Court.
  • Machan, T. and D. Rasmussen (eds.), 1997, Liberty for the 21st Century, Latham, MD: Rowman and Littlefield.
  • Mack, E., 1995, “The Self-Ownership Proviso: A New and Improved Lockean Proviso,” Social Philosophy and Policy, 12: 186–218.
  • –––, 2002a, “Self-Ownership, Marxism, and Egalitarianism: Part I. Challenges to Historical Entitlement,” Politics, Philosophy, and Economics, 1: 119–146.
  • –––, 2002b, “Self-Ownership, Marxism, and Egalitarianism: Part II. Challenges to the Self-Ownership Thesis,” Politics, Philosophy, and Economics, 1: 237–276.
  • –––, 2010, “The Natural Right of Property,” Social Philosophy and Policy, 27: 53–78.
  • Narveson, J., 1988, The Libertarian Idea, Philadelphia: Temple University Press.
  • –––, 1999, “Original Appropriation and Lockean Provisos,” Public Affairs Quarterly, 13: 205–27. Reprinted in Respecting Persons in Theory and Practice, Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 2002, pp. 111–131.
  • –––, 2000, “Libertarianism,” in the Blackwell Guide to Ethical Theory, H. LaFollette (ed.), Oxford: Blackwell, pp. 306–24.
  • Narveson, J. and J. P. Sterba, 2010, Are Liberty and Equality Compatible?, New York: Cambridge University Press.
  • Nozick, R., 1974, Anarchy, State, and Utopia, New York: Basic Books. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.
  • Paul, J. (ed.), 1982, Reading Nozick: Essays on Anarchy, State, and Utopia, Oxford: Basil Blackwell.
  • Rasmussen, D.B. and D.J. Den Uyl, 2005, Norms of Liberty: A Perfectionist Basis for Non-perfectionist Politics, University Park, PA: Penn State University Press.
  • Rothbard, M., 1978, For a New Liberty, The Libertarian Manifesto, revised edition, New York: Libertarian Review Foundation.
  • –––, 1982, The Ethics of Liberty, Atlantic Highlands: Humanities Press. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.
  • Schmidtz, D., 1991, The Limits of Government, Boulder, CO: Westview.
  • –––, 2006, The Elements of Justice, Cambridge University Press.
  • Shapiro, D., 2007, Is the Welfare State Justified?Cambridge: Cambridge University Press.
  • Wheeler, S., 1980, “Natural Property Rights as Body Rights,” Noûs, 16: 171–193. Reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.

 

الليبرتارية اليسارية

  • Fried, B., 2004, “Left-Libertarianism: A Review Essay,” Philosophy and Public Affairs, 32: 66–92.
  • –––, 2005, “Left-Libertarianism, Once More: A Rejoinder to Vallentyne, Steiner, and Otsuka,” Philosophy and Public Affairs, 33: 216–222.
  • Cohen, G. A., 1995, Self-Ownership, Freedom, and Equality, Cambridge: Cambridge University Press.
  • George, H., 1879, Progress and Poverty, 5th edition, New York, D. Appleton and Company, 1882. Reprinted by Robert Schalkenbach Foundation, 1966. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000b.
  • Grunebaum, J., 1987, Private Ownership, New York: Routledge & Kegan Paul. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.
  • Otsuka, M., 2003, Libertarianism without Inequality, Oxford: Clarendon Press.
  • Steiner, H., 1994, An Essay on Rights, Cambridge, MA: Blackwell Publishers. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.
  • –––, 1999, “Silver Spoons And Golden Genes: Talent Differentials and Distributive Justice,” in The Genetic Revolution and Human Rights: The Oxford Amnesty Lectures 1998, Justine Burley (ed.), Oxford: Oxford University Press.
  • Tideman, N., 2000, “Global Economic Justice,” Geophilos, 00: 134–146.
  • –––, 2001, “Creating Global Economic Justice,” Geophilos, 01: 88–94.
  • Vallentyne, P., 1998, “Critical Notice of G.A. Cohen’s Self-Ownership, Freedom, and Equality,” Canadian Journal of Philosophy, 28: 609–626.
  • Vallentyne, P. and H. Steiner (eds.), 2000a, Left Libertarianism and Its Critics: The Contemporary Debate, New York: Palgrave Publishers Ltd.
  • ––– (eds.), 2000b, The Origins of Left Libertarianism: An Anthology of Historical Writings, New York: Palgrave Publishers Ltd.
  • Vallentyne, P., H. Steiner, and M. Otsuka, 2005, “Why Left-Libertarianism Isn’t Incoherent, Indeterminate, or Irrelevant: A Reply to Fried,” Philosophy and Public Affairs, 33: 201–15.
  • Van Parijs, P., 1995, Real Freedom for All, New York: Oxford University Press. Extract reprinted in Vallentyne and Steiner 2000a.

 

نصوص ذات صلة

  • Barnett, R. E., 2004, “The Moral Foundations of Modern Libertarianism,” in P. Berkowitz (ed.), Varieties of Conservatism in America, Stanford: Hoover Press, pp. 51–74.
  • Chartier, G., 2012, Anarchy and Legal Order: Law and Politics for a Stateless Society, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Christman, J., 1994, The Myth of Property, New York: Oxford University Press.
  • Gaus, G., 2012, The Order of Public Reason: A Theory of Freedom and Morality in a Diverse and Bounded World, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Gaus, G. and E. Mack, 2004, “Libertarianism and Classical Liberalism,” in A Handbook of Political Theory, G. Gaus and C. Kukathus (eds.), London: Routledge, pp. 115–129.
  • Kagan, S., 1994, “The Argument from Liberty,” in In Harm’s Way: Essays in honor of Joel Feinberg, J. Coleman and A. Buchanan (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 16–41.
  • Huemer, M., 2012, The Problem of Political Authority, New York: Palgrave MacMillan.
  • Railton, P., 2003, “Locke, Stock, and Peril: Natural Property Rights, Pollution, and Risk,” in P. Railton, Facts, Values, and Norms, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 187–225
  • Sanders, J. and J. Narveson (eds.), 1996, For and Against the State, London: Rowman & Littlefield.
  • Skoble, A., 2008, Deleting the State, New York: Open Court Press.
  • Simmons, A.J., 1992, The Lockean Theory of Rights, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1993, On the Edge of Anarchy, Princeton: Princeton University Press.
  • Sobel, D., 2012, “Backing Away from Libertarian Self-Ownership,” Ethics, 123: 32-60
  • Sreenivasan, G., 1995, The Limits of Lockean Rights in Property, New York: Oxford University Press.
  • Tomasi, T., 2012, Free Market Fairness, Princeton: Princeton University Press.
  • Vallentyne, P., 2002, “Equality and the Duties of Procreators,” in Children and Political Theory, D. Archard and C. MacLeod (eds.), Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2007, “Libertarianism and the State,” Social Philosophy and Policy, 24: 187–205.

 

مصادر أخرى على شبكة الإنترنت

 

[1] van der Vossen, Bas and Vallentyne, Peter, “Libertarianism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), forthcoming URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2014/entries/libertarianism/>.

[i]                          يحاجج كيرزنر أيضًا (Kirzner 1978) ضدّ فرض أيّ من شروط (الحصّة المنصفة)، لكنّه يطرح محاججته على أساس أنّ من يكتشف المورد هو في الحقيقة يخلقه، وأنّ الخالق يستحقّ ما يخلق. وهي محاججة يمكن انتقادها، لكن في غير هذا الموضع.

[ii]                                    يفسّر نوزيك (Nozick 1974) أحيانًا هذا الشرط بأنّه لا يشترط إلّا أن لا تؤدّي (منظومة) الملكية الخاصّة إلى أن يصبح أيّ أحد أسوأ حالًا بالمقارنة مع حاله في ظلّ (منظومة) للاستخدام المشترك (حيث يكون للكلّ حرّية استخدام ما يشاؤون). لكنّنا إذا أخذنا بالحسبان هذه النظرية القائمة على التصرّف، فلن يكون من المناسب اللجوء إلى حجّة المنظومات.

[iii]                                   يُستخدَم مصطلح “الليبرتارية اليسارية” أيضًا للإشارة إلى آراء سياسية، كالتي يحملها نعوم تشومسكي أو رودريك لونغ، والتي تنظر بعين الريبة لكلّ حالات تركّز السلطة بشكل عامّ (في الحكومة، أو في الشركات، أو في مؤسّسات المجتمع، …إلخ).

[iv]                                   يحاجج ستاينر (Steiner 1994) بأنّ المعلومات الجينية القابلة للتوريث تعدّ من الموارد الطبيعية، وهو يستند إلى هذه الحجّة كطريقة للتعويض عن الصفات الداخلية غير المتساوية.

[v]                                    يمكن القول بأن ڤان بارجيس (Van Parijs 1995) يتماهى في هذا المجال مع (الليبرتارية اليسارية المؤيّدة لتكافؤ الفرص)، لكنّه يفترق عنها افتراقًا شديدًا عندما يتعلّق الأمر بالمنَح والريع الوظيفي.

[vi]                                   ثمّة سيناريو على سويّة عالية من الافتراضية وإثارة الجدل يقدّمه نوزيك (Nozick 1974)، وفيه يصف كيف يمكن للمرء أن يصبح عرضة لمثل هذا الالتزام القابل للإجبار في مجال الدفع مقابل الخدمات الشُّرطية الأساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق