كلام عام

بول فييرابند – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: منال محمد خليف

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. جون بريستون، حول بول فييرابند ، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

 

 

بول فييرابند (1924-1994)، بعد أن درس العلم في جامعة فيينا، انتقل إلى الفلسفة لنيل أطروحته في الدكتوراه، وصنع لنفسه اسماً كشارح و(لاحقاً) كناقد لـ “عقلانية بوبر”، وأصبح واحداً من أشهر فلاسفة العلم في القرن العشرين. ومبتكراً خلاقاً، وأصبح ناقداً لفلسفة العلم بحد ذاتها، ولا سيما محاولات “العقلاني” لوضع أو اكتشاف المنهج العلمي.

 

1- تسلسل زمني موجز لحياة وعمل فييرابند

2- بداية حياة فييرابند

2-1- الشباب (1924-1938)

2-2- الانضمام (1938)

2-3- الحرب (1939-1945)

2-4- أنشطة ما بعد الحرب (1945-1947)

 

3- تحول فييرابند إلى الفلسفة: دائرة فيينا، بوبر، وفيتغنشتاين.

3-1- العودة إلى فيينا: حياة الجامعة، ألباخ، وبوبر ( 1948-1947)

3-2- الاتصال الأول بفتغنشتاين (1952-1948)

3-3- الحياة في كلية لندن للاقتصاد ( 1952 – 1953)

3-4- العودة إلى فيينا ( 1953 – 1955)

 

4- بداية عمل فييرابند: تحرير التجريبية  

4-1- التعيين الأكاديمي الأول: جامعة بريستول ( 1955 – 1958 )

    • 4-2- جامعة كاليفورنيا في بيركلي: السنوات الأولى (1958- 1964 )

    • 4-3- تأثير “الثورة الطلابية”

    • 4-4- أواخر الستينات

      5- العمل اللاحق لفييرابند: نحو النسبية، وما بعدها

    • 5-1- ضد المنهج (1970-1975)

    • 5-2- النتائج السياسية للفوضوية الإبستيمولوجية: العلم في مجتمع حر (1978)

    • 5-3- عشر سنوات رائعة: الثمنينات في بيركلي وزيوريخ

    • 5-4- فييرابند في التسعينات

  • 6- الخاتمة: الأشياء الأخيرة

  • فهرس

    • الكتابات الرئيسية لفييرابند

    • التسجيلات الصوتية

    • المصادر الثانوية

  • الأدوات الأكاديمية

  • مراجع الأنترنت الأخرى

  • مُدخلات ذات صلة


 

 

 

 

 

  • تسلسل زمني موجز لحياة وعمل فييرابند

1924 ولد في فيينا، ابن لموظف حكومي وخياطة

1940 أُدخل إلى خدمة العمل (أدخلت خدمة العمل من قبل النازيين)

1942 وضِع في فيلق رائد في الجيش الألماني. وتطوع بعد التدريب الأساسي بمدرسة الضباط.

1943 علم بانتحار والدته.

1944 زُين بالصليب الحديدي. وترقى إلى رتبة ملازم أول، وحاضر في مدرسة الضباط.

1945 أصيب بطلق ناري في يده وفي بطنه أثناء تراجع الجيش الروسي. وألحقت الرصاصة الضرر بأعصاب عموده الفقري.

1946 حصل على زمالة لدراسة الغناء وإدارة المسرح في فايمار. وانضم إلى “الاتحاد الثقافي للإصلاح الديمقراطي في ألمانيا”.

1947 عاد إلى فيينا لدراسة التاريخ وعلم الاجتماع في الجامعة، وسرعان ما انتقل إلى الفيزياء. وكانت أول مقالة منشورة حول مفهوم التوضيح في الفيزياء الحديثة، فييرابند “الوضعي الخرِف” في ذلك الوقت.

1948 أول زيارة إلى ندوة ألباخ بجمعية الكلية النمساوية، وأصبح سكرتيراً للندوات، وقابل كارل بوبر ووالتر هولتشير، وتزوج الزوجة الأولى، إيدلترود.

1949 أصبح قائدًا للطلاب في “دائرة كرافت”، وهو نادي فلسفي طلابي يلتف حول فيكتور كرافت، وهو مشرف أطروحة فييرابند وعضو في دائرة فيينا، وزار لودفيج فيتغنشتاين دائرة كرافت لإلقاء محاضرة، وقابل فييرابند أيضاً برتولت بريخت.

1951 حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عن أطروحته حول “البيانات الأساسية”. وتقدم بطلب للحصول على منحة المجلس الثقافي البريطاني للدراسة تحت اشراف فيتغنشتاين في كامبريدج. لكن فيتغنشتاين توفي قبل أن يصل فييرابند إلى إنجلترا؛ لذلك اختار فييرابند بوبر كمشرف عليه بدلاً منه.

1952 جاء إلى إنجلترا، للدراسة تحت اشراف بوبر في مدرسة لندن للاقتصاد وركز على نظرية الكم وفتغنشتاين، ودرس مخطوطة تحقيقات فلسفية لفيتغنشتاين، وأعد ملخصاً عن الكتاب. وعقد صداقة مع آخرين من طلاب بوبر، وهو جوزيف أغاسي.

1953 عاد فيرايند إلى فيينا، وتقدّم بوبر بطلب لتمديد منحته الدراسية، لكنّ فييرابند قرّر البقاء في فيينا بدلاً من ذلك. وترجم كتاب بوبر “المجتمع المفتوح وأعدائه” إلى اللغة الألمانية. ورفض العرض بأن يصبح باحثاً مساعداً عند بوبر، وتولى أغاسي المنصب. وأصبح فييرابند باحثاً مساعداً لآرثر باب في فيينا.

1954 نُشرت المقالات الأولى عن ميكانيكا الكم وعن فيتغنشتاين. وقدم باب فييرابند إلى هربرت فيجل.

1955 حصل على أول تعيين أكاديمي له بدوام كامل كمحاضر في الفلسفة في جامعة بريستول، إنجلترا.

وظهر ملخصه لكتاب تحقيقات فلسفية لفيتغنشتاين كمراجعة للكتاب في مجلة المراجعة الفلسفية.

1956 تزوج الزوجة الثانية، ماري أونيل. ونشر مقالاً عن “مفارقة التحليل”. وتعرَّف فييرابند على الفيزيائي

الكمومي ديفيد بوهم، الذي كان لأفكاره تأثيراً عليه بشكل كبير.

1957 قدم ورقة عن النظرية الكمية للقياس في ندوة كولستون للأبحاث في جامعة بريستول.

1958 تولى منصب محاضر زائر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وظهرت ورقتين من أهم أوراقه الأولى، “محاولة في تفسير واقعي للخبرة”، و”التتمة” في أعمال جمعية أرسطو. وفي هذه الأثناء، جادل فييرابند ضد الوضعية ولصالح التفسير الواقعي العلمي للعلاقة بين النظرية والخبرة، وذلك إلى حد كبير على أسس مألوفة من آراء التكذيبي عند كارل بوبر.

1959 تم قبوله بمنصب دائم في بيركلي، وتقدم بطلب للحصول على البطاقة الخضراء للعمل في الولايات المتحدة.

1960 كنتيجة للمناقشات السابقة مع هربرت فيجل، نشر فييرابند “مشكلة وجود الكيانات النظرية”، حيث قال إنه لا يوجد هناك “مشكلة” خاصة بالكيانات النظرية، وأن جميع الكيانات افتراضية. وقدم محاضرتين لكلية أوبرلين، أوهايو، والتي بالغ فيها حول آراء بوبر عن المفكرين ما قبل السقراطيين.

1962 ظهر كتاب “الشرح، والرد، والتجريبية”. وانتقد تفسيرات التجريبي القائمة للشرح والرد النظري (همبل، ناجل)، وقدم مفهوم عدم القابلية للقياس، بناءً على “النظرية السياقية للمعنى” التي ادعى فييرابند أنه وجدها في تحقيقات فيتغنشتاين.

1963 “كيف تكون تجريبيًا جيدًا”، تم نشر ورقة موقف يلخص وجهة نظره، بالإضافة إلى مقالتين رئيسيتين عن مشكلة العقل والجسم، والتي قدم فيها الموقف المعروف الآن باسم “المادية الاستبعادية”.

1965 نشر الجزء الأول من مقال “مشكلات التجريبية”، و”رده على النقد”، والذي قام فيه فييرابند بآخر محاولة جادة لبناء تجريبية “متسامحة”، و”مطهرة”. وعلى الرغم من وجود مسافة ما بينه وبين بوبر، إلا أن فييرابند ما زال قادراً على كتابة مراجعة متوهجة عن “التخمينات والتفنيدات” لبوبر.

1967-1968 انتقل تركيز أوراقه المنشورة الآن إلى “التعددية النظرية”، وهو الرأي القائل إنه من أجل تعظيم فرص تكذيب النظريات الموجودة، ينبغي على العلماء أن يبنوا ويدعموا أكبر عدد ممكن من النظريات البديلة. ودافعت مقالات فييرابند “عن النقد الحديث لتتمة” عن آراء نيلز بور ضد نقد بوبر. فبوبر ليس مسلياً.

1969 تخلى فييرابند في مقالة صغيرة بعنوان “العلم من دون خبرة” أخيراً عن المحاولة لأن يكون تجريبياً، مجادلاً أن الخبرة من حيث المبدأ ضرورية في أي مرحلة من مراحل بناء أو فهم أو اختبار النظريات العلمية التجريبية.

1970 نشر “التعزية للاختصاصي”، التي هاجم فيها فييرابند بوبر من وجهة نظر كونية، ونسخة مقالة “ضد المنهج: مخطط تفصيلي لنظرية فوضوية عن المعرفة”، والتي كُشفت فيها “الفوضوية الإبستيمولوجية” لأول مرة. وزعم فييرابند أنه طبق الليبرالية في كتاب عن الحرية لجون ستوارت ميل على المنهجية العلمية. ونشر القليل خلال السنوات القليلة التالية.

1974 موت صديق فييرابند امري لاكاتوش، والدافع وراء مخططاتهم لتقديم المجلد الحواري “مع وضد المنهج”. كان فييرابند محاضرا في جامعة ساسيكس، وكان مريضاً أيضاً. ونشر مراجعة لاذعة عن “المعرفة الموضوعية” عند بوبر.

عام 1975 ظهور أول كتاب لفييرابند، “ضد المنهج”، وانطلاقة “الفوضوية الإبستيمولوجية”، التي كانت أطروحتها الرئيسية أنه لا يوجد شيء اسمه المنهج العلمي. وأن العلماء العظماء هم الانتهازيون المنهجيون الذين يستخدمون أي تحركات تصل إلى اليد، حتى لو انتهكوا معايير المنهجية التجريبية.

1976-1977 رد فييرابند على معظم المراجعين الرئيسيين لكتاب “ضد المنهج”، وأصابه الاكتئاب. ونشر مقالته الرئيسية الأولى عن النسبية: أيد في المرة الأولى الرؤية بشكل صريح.

1978 يظهر كتاب العلم في مجتمع حر، متضمناً ردوداً على مراجعي كتاب ضد المنهج. وبعض التوضيح للفوضوية الإبستيمولوجية، وتراجع قليل جداً عن الموقف المحدد في كتاب ضد المنهج. واستكشاف مزيد من الآثار السياسية المترتبة على الفوضوية الإبستيمولوجية. كما اشتمل الكتاب على واحدة من تأييدات فييرابند الرئيسية للنسبية، وهي واحدة من الآراء التي أصبح بسببها فييرابند معروفًا. ويظهر المجلد الأول من الطبعة الألمانية من الأوراق الفلسفية لفييرابند. (نشر فييرابند بشكل متزايد باللغة الألمانية من هذه النقطة فصاعدا).

1981 منشور باللغة الإنجليزية لأول المجلدين من الأوراق الفلسفية لفييرابند، مع مادة جديدة في الفصول التمهيدية.

1983 قابل غرازيا بوريني في محاضرات بيركلي.

1984 ينشر “العلم كفن”، والذي يدافع فيه عن التفسير النسبي الواضح لتاريخ العلم الذي يكون هناك بموجبه تغير، وليس “تقدم”. كما يواصل حملته لرد الاعتبار لأرنست ماخ.

1987 منشور كتاب وداعاً للعقل، مجلد جمع بعض الأوراق التي نشرها فييرابند بين عامي 1981 و1987. والنسبية مرة أخرى في الصدارة، خاصة في نسختها “البروتاغورية”.

1988 مرة ثانية، تظهر طبعة منقحة من كتاب “ضد المنهج”، وحذف فصل طويل عن تاريخ الفنون البصرية، ولكنها تدمج الآن أجزاءً من كتاب العلم في مجتمع حر.

1989 تزوج بول وغرازيا في كانون الثاني. وغادرا إلى إيطاليا وسويسرا في الخريف، والسبب إلى حد ما على الأقل آثار زلزال تشرين الأول في كاليفورنيا.

1990 استقال رسمياً من بيركلي في آذار.

1991 تقاعد من زيورخ. ونشر “ثلاثة حوارات حول المعرفة” و”ما وراء العقل”، حُررت تذكارياً من قبل تلميذ سابق، غونزالو مونيفار. وأيضاً الكثير من المنشورات الصغيرة، والعديد منها في المعرفة المشتركة. وعلامات على تزايد التعاسة مع النسبية في منشورات فييرابند حول هذا الوقت. ولكن لا زال يعارض بشدة “الموضوعية”.

1993 نُشرت الطبعة الثالثة من كتاب ضد المنهج. تطور ورم دماغي غير قابل للعلاج عند فييرابند، وتم إدخاله إلى المستشفى.

1994 توفي فيرايند في عيادة جينولييه (جينولييه، كانتون فود، سويسرا) ، 11 شباط. وعُقدت العديد من الندوات التذكارية الرئيسية ومناقشات حوارية حول عمله على مدى العامين التاليين.

1995 قتل الوقت: السيرة الذاتية المنشورة لبول فييرابند.

1999 غزو الوفرة المنشور.

 

  • بداية حياة فييرابند

 (ما لم يُذكر خلاف ذلك، صفحة مراجع لكتاب قتل الوقت: السيرة الذاتية لبول فييرابند، (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1995)، يشار إليها فيما بعد بـ “قتل الوقت”).

 

2-1- الشباب (1924-1938)

ولد بول كارل فييرابند في عائلة من الطبقة المتوسطة في فيينا في عام 1924. وكانت الأوقات عصيبة في فيينا في العشرينات من القرن العشرين: في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت هناك مجاعات، وأعمال شغب بسبب الجوع، وتضخم جامح. كانت أسرة فييرابند تمتلك شقة من ثلاث غرف في فولفغانغغاس، “شارع هادئ مغطى بأشجار البلوط” (صفحة 11). تعطي الفصول الأولى من سيرته الذاتية انطباعاً عن طفولته الغريبة، وأنشطته التي ركزت بالكامل حول عائلته، وانفصاله عن الجيران، والأطفال الآخرين والعالم الخارجي؛ لأن “العالم هو المكان الخطير”(صفحة 15). ويذكر فييرابند أنه بين سن الثالثة والسادسة من عمره، أمضى معظم وقته في مطبخ الشقة وغرفة النوم. وزيارات عرضية للسينما والعديد من القصص، خاصة القصص ذات الهالة السحرية، ويبدو جرت العادة أن تكون مملوءة بأصدقاء الطفولة. كان طفلاً مريضاً، بل هرب من المنزل ذات مرة عندما كان عمره خمس سنوات (الصفحة 7). وعندما انطلق إلى المدرسة في سن السادسة، “لم يكن لديه أي فكرة عن كيف يعيش الناس الآخرين أو ماذا يفعلون” (ص 16). ويبدو أن العالم كان مليئاً بالأحداث الغريبة التي لا يمكن تفسيرها. استغرق الأمر منه بعض الوقت ليعتاد على المدرسة، مما جعله يمرض في البداية. ولكن عندما فعل ذلك اختفت مشاكله الصحية. وعندما تعلم القراءة وجد عالم الكتب الجديد والساحر في انتظاره، وأشبع نهمه بالكامل (ص 25). إلا أن إحساسه بعدم القدرة على شرح العالم استغرق بعض الوقت لتبديده – يتذكر الشعور بهذه الطريقة حول الأحداث في فترة الثلاثينيات وخلال الحرب العالمية الثانية.

اهتم فييرابند بالمدرسة الثانوية (مدرسة ثانوية) التي تعلم فيها اللاتينية والانكليزية والعلم. كان طالباً مفضلاً، أي “طالب تجاوزت درجاته معدلاً معيناً” (ص 22)، وعندما كان في سن السادسة عشر ذاع صيته بمعرفة الفيزياء والرياضيات أكثر من أساتذته، ولكن تم طرده من المدرسة خلال مناسبة واحدة.

فييرابند “تعثر في الدراما” (ص 26) عن طريق الصدفة، حدث شيء ما للممثل الهام في العملية. ثم أدى هذا الحادث إلى آخر، وعندما وجد نفسه مضطراً لقبول نصوص فلسفية بين حزم من الكتب التي اشتراها للمسرحيات والروايات التي أوردوها. ادعى لاحقاً “أنها الإمكانيات الدراماتيكية للتفكير و … يبدو أن قوة تلك الحجج المبذولة على الناس” (ص 27) فتنته بها الفلسفة. وعلى الرغم من شهرته كفيلسوف، إلا أنه فضّل أن يكون مضيفاً. وقال إن اهتماماته كانت دائماً بعيدة المنال إلى حد ما (ص 27).

إلا أن مدرس الفيزياء أوزوالد توماس بمدرسة فييرابند ألهمه الاهتمام بالفيزياء وعلم الفلك. ويبدو أن المحاضرة الأولى التي قدمها (في المدرسة) كانت حول هذه المواضيع (ص 28). وقام مع والده ببناء تلسكوب “وأصبح مراقباً دائماً للمعهد السويسري لأبحاث الطاقة الشمسية” (ص 29). يصف اهتماماته العلمية على النحو التالي:

كنت مهتماً بالجوانب التقنية والأكثر عمومية للفيزياء وعلم الفلك، لكني لم أرسم أي تمييز بينهما. كان إيدنغتون بالنسبة لي، وماخ (كتابه ميكانيكا ونظرية الحرارة)، وهوغو دينغلر (أسس الهندسة) من العلماء الذين انتقلوا بحرية من نهاية واحدة لموضوعهم إلى الآخر. قرأتُ ماخ بعناية شديدة وقدمت العديد من الملاحظات.

لا يخبرنا فييرابند كيف تعرف على واحدة أخرى من اهتماماته الرئيسية – الغناء. كان فخوراً بصوته وأصبح عضوًا في جوقة، وأخذ لسنوات دروساً في الغناء، وادعى لاحقاً أنه ظل في كاليفورنيا حتى لا يتخلى عن معلمه في الغناء. وفي سيرته الذاتية يتحدث عن متعة أكثر من أي متعة ذهنية، مستمدة من وجود واستخدام صوت الغناء المدرب جيداً (ص 83). وخلال الفترة التي قضاها في فيينا في الحرب العالمية الثانية، قادته مصلحته إلى حضور الأوبرا (أولهما الأوبرا الشعبية، ثم دار الأوبرا) مع والدته. وأعطاه مغني أوبرا سابق، يوهان لانجر دروساً في الغناء وشجعه على الذهاب إلى الأكاديمية. وبعد اجتياز امتحان القبول، قام فييرابند بذلك، وأصبح تلميذاً عند أدولف فوغل. وعن هذه المرحلة من حياته، ذكر في وقت لاحق:

كان مسار حياتي… واضحاً: علم الفلك النظري خلال اليوم، ويفضل في مجال نظرية الاضطراب؛ ثم البروفات، التمارين، والتدريبات الصوتية، الأوبرا في المساء …؛ والملاحظة الفلكية في الليل … كانت العقبة الوحيدة المتبقية هي الحرب. (ص 35).

 

2-2- الانضمام (1938)

يروي فيرايند كيف أنه من دون الوقوع في جاذبية أدولف هتلر، كان يقدر أسلوب هتلر الخطابي. أعيد توحيد النمسا مع ألمانيا في عام 1938. وتم التعامل مع زملائه اليهود بشكل مختلف، وبدأ الجيران والمعارف اليهود في الاختفاء. ولكن كالعادة، لم يكن لدى فييرابند أي رؤية واضحة عن الوضع:

الكثير مما حدث لي تعلمته فقط بعد الحرب، من المقالات والكتب والتلفزيون، والأحداث التي لاحظتها إما لم تترك أي انطباع على الإطلاق أو أثرت علي بطريقة عشوائية. أذكرها وأستطيع أن أصفها، لكن لم يكن هناك سياق لمنحها معنى ولا هدف للحكم عليها. (ص 37-8). وبالنسبة لي، كان الاحتلال الألماني والحرب التي أعقبت ذلك مصدر إزعاج، وليس مشكلة أخلاقية، وجاءت ردود أفعالي من أمزجة وظروف عرضية، وليس من منظورٍ واضح المعالم. (ص 38).

إن الانطباع العام الذي تقدمه سيرته الذاتية هو أنه شخصٌ مبتكر ولكنه إنسان منفرد إلى حد ما من دون شخصية مستقرة أو محددة. ويبدو بدلاً من ذلك، أن قراراته ومسارات عمله كانت نتيجة للصراع بين ميله إلى التوافق ومعارضاته. وتماماً كما كان عندما كان طفلاً، بدت الأحداث التي تدور حوله غريبة، وبعيدة وخارج السياق. ومن الصعب جداً رؤيته يتماثل مع أي مجموعة، وكان عليه أن يصنع جندي غير محتمل.

 

2-3- الحرب (1939-1945)

على قدر سجل جيشه، يدعي فييرابند في سيرته الذاتية أن عقله فارغ. إلا أنها في الحقيقة واحدة من الفترات التي يخبرنا عنها أكثر. فبعد اجتيازه لامتحانات الثانوية العامة في آذار 1942، أُدخل في خدمة العمل الرايخ (خدمة العمل التي قدمها النازيون)، وأُرسل للتدريب الأساسي في بيرمازنز، ألمانيا. اختار فييرابند البقاء في ألمانيا ليبتعد عن طريق القتال، ولكن بعد ذلك طلب إرساله إلى حيث كان القتال، وبعد أن أصابه الملل من تنظيف الثكنات! تطلع إلى الانضمام إلى سرب الحماية النازي لأسباب جمالية. ثم تم نشر وحدته في كويلرين في باس، بالقرب من بريست، في بريتاني. ومع ذلك لم تُسجل أحداث الحرب. وفي تشرين الثاني 1942، عاد إلى بيته في فيينا، لكنه غادر قبل عيد الميلاد للانضمام إلى فيلق بايونير بالجيش الألماني.

وجرى تدريبهم في كريمس، بالقرب من فيينا. وسرعان ما تطوع فييرابند بمدرسة الضباط، ليس بسبب الرغبة في القيادة ولكن رغبة في البقاء على قيد الحياة، ونيته في استخدام مدرسة الضباط كوسيلة لتجنب القتال في الخطوط الأمامية. وأُرسل المتدربين إلى يوغوسلافيا. في فوكوفار، وخلال شهر تموز عام 1943، علِم بانتحار أمه لكنه لم يتحرك مطلقاً، ومن الواضح أنه صدم زملائه الضباط بعدم إظهار أي شعور. وفي كانون الأول من العام ذاته، أُرسلت وحدة فييرايند إلى المعركة في الجزء الشمالي من الجبهة الروسية، لكن على الرغم من أنهم نسفوا المباني، إلا أنهم لم يواجهوا أي جندي روسي.

وعلى الرغم من حقيقة أن فييرابند يفيد عن نفسه بأنه كان متهوراً أثناء المعركة، معتبراً أنها حدثاً مسرحياً، حصل على الصليب الحديدي (من الدرجة الثانية) في أوائل آذار 1944، لقيادته رجالاً إلى قرية تحت نيران العدو، واحتلالها. وكان يترقى من جندي خاص إلى وكيل عريف في البحرية، إلى رقيب، وبعد ذلك، في نهاية 1944، إلى ملازم. وفي نهاية شهر تشرين الثاني من ذلك العام، قدم سلسلة من المحاضرات لمدرسة الضباط في ديساو روسلاو، بالقرب من لايبزيغ. وكان موضوعهم (“التأريخي”) هو أن “الفترات التاريخية مثل الباروك، الروكوكو، العصر القوطي تتوحد بجوهر مخفي لا يمكن أن يفهمه سوى دخيل وحيد” (ص 49). إن وصفه لهذه المحاضرات، ومداخل دفتر ملاحظاته في ذلك الوقت، يكشف عن تأثير فريدريك نيتشه في افتتانه بهذا “الشخص الدخيل الوحيد”، و”المفكر المعتزل” (ص 48).

وبعد عودته إلى وطنه من أجل عيد الميلاد عام 1944، صعد فييرابند مرة أخرى القطار إلى الأمام، وهذه المرة لبولندا في كانون الثاني 1945. وتم تعيينه هناك مسؤولاً عن شركة للدراجات. وعلى الرغم من أنه يدعي استمتاعه بدور ضابط الجيش أكثر من استمتاعه لاحقاً في منصب أستاذ الجامعة، كان لابد له من أن يكون على الأقل جندياً مختصاً؛ لأنه في الميدان جاء ليحل محل سلسلة من الضباط المصابين: أولاً برتبة ملازم، ثم كابتن، ثم رائد، قبل أن يُطلق عليه النار أثناء عمل بطولي آخر نتيجة إهمال أدى عام 1945 إلى تراجع الغربيين من الجيش الروسي.

تركته الرصاصة التي استقرت في عموده الفقري مؤقتاً مشلولاً من الخصر إلى الأسفل، مما يعني أنه أمضى وقتاً على كرسي متحرك، ثم على عكازين، ثم سار بمساعدة العصا. وانتهت الحرب بينما كان يتعافى من إصابته، في مستشفى في آبلدا، وهي بلدة صغيرة بالقرب من فايمار، بينما كان يأمل بشدة ألا يتعافى قبل انتهاء الحرب. وجاء استسلام ألمانيا بمثابة ارتياح، ولكن أيضاً كخيبة أمل بالنسبة لآمال وتطلعات الماضي. وقال في وقت لاحق عن قيادته في الجيش أنه “مقاطعة، إزعاج، لقد نسيت ذلك في اللحظة التي انقضت فيها” (ص 111).

 

2-4- أنشطة ما بعد الحرب (1945-1947)

أخذت الحرب مع ذلك حصيلتها حتى من فييرابند. فالرصاصة في عموده الفقري تركته عاجزاً لبقية حياته. (أوصافه للقاءاته الجنسية اللاحقة هي واحدة من أكثر الأجزاء المسلية في سيرته الذاتية).  وعلى الرغم من أنه بدأ يتجاهل تماماً النساء، تزوج أربع مرات، وكان لديه بتفسيره الخاص، الكثير من الأمور. ولكن يبدو أنه كان بعيداً ليس فقط في علاقته بوالديه، ولكن أيضاً في بعض زيجاته. كره حب العبودية على ما يبدو ضمنياً، بل كره على قدم المساواة الحرية التي تحققت عبر اتخاذ إجراء مراوغ. وقد تعثر في دورات الاعتماد، والعزلة، وتجديد الاعتماد الذي انحل تماماً إلى نمط أكثر توازناً بعد سنوات عديدة.

وفي نهاية الحرب، ذهب فييرابند إلى رئيس بلدية آبلدا وطلب وظيفة. وتم تعيينه في قسم التعليم، مع منحه مكتباً وسكرتيراً، وعرفاناً وُضع مسؤولاً عن الترفيه.

وبعد أن تعافى من الشلل عام 1946، حصل على زمالة الدولة للعودة لدراسة الغناء وإدارة المسرح لمدة عام في كلية الموسيقى في فايمار. وانتقل من آبلدا إلى فايمار بعد حوالي ثلاث شهور. وفي فايمار درس المسرح في معهد التجديد المنهجي للمسرح الألماني، وأخذ في أكاديمية فايمار دروساً في اللغة الإيطالية، الإيقاع، البيانو، الغناء والإلقاء. وبقي الغناء أحد أهم اهتمامات حياته. حضر العروض (الدراما، الأوبرا، الباليه، الحفلات الموسيقية) في المسرح الوطني في فايمار، وروى ذكرياته لاحقاً عن نجوم الأوبرا في ذلك الوقت، وتذكر المناظرات والحجج حول المسرح (مثال: الصور النمطية للأدوار والمسرحيات) مع مكسيم فالنتين، هانز إيسلر، إلخ. لذا لعب دوراً صغيراً في أحد أفلام بابيست، وهو مخرج أفلام ألماني بارز. وعلى الرغم من أنه قاد، بتعبيره الخاص، حياة كاملة، أصبح قلقاً وقرر أن ينتقل.

 

3- تحول فييرابند إلى الفلسفة: دائرة فيينا، بوبر، وفيتغنشتاين.

3-1- العودة إلى فيينا: حياة الجامعة، ألباخ، وبوبر (1948-1947)

هكذا عاد فييرابند، ولا يزال على العكازات إلى والديه “منزل سكني في الحي الخامس عشر في فيينا”. وعلى الرغم من أنه خطط لدراسة الفيزياء والرياضيات وعلم الفلك، اختار بدلاً منها دراسة التاريخ وعلم الاجتماع في معهد البحوث التاريخية النمساوية التابع لجامعة فيينا، معتقداً أن التاريخ يهتم على عكس الفيزياء، بالحياة الحقيقية. لكنه أصبح غير راض عن التاريخ، وعاد إلى الفيزياء النظرية. وجنباً إلى جنب مع مجموعة من طلاب العلم، الذين اعتبروا أنفسهم متفوقين بقدر ما على الطلاب بمواضيع أخرى، غزا فييرابند محاضرات وندوات الفلسفة. وعلى الرغم من أن هذا لم يكن أول اتصال له بالفلسفة، يبدو أنها كانت الفترة التي عززت اهتمامه. ويذكر أنه في جميع المداخلات اتخذ طريق الوضعي المتطرف بأن العلم هو أساس المعرفة. وأنه تجريبي؛ وأن المؤسسات غير التجريبية هي إما منطقية أو هراء (ص 68). وستكون هذه الآراء في سياق مناخ الوضعية المنطقية التي وجدت جذورها في دائرة فيينا، وهم مجموعة من الفلاسفة ذوي التفكير العلمي، الذين سعوا في العشرينات من القرن العشرين والثلاثينات إلى نشر المنطق الصوري الذي أعيد إحياءه حديثاً عند جوتلوب فريجه وكتاب مبادئ الرياضيات عند رسل ووايتهيد لتقديم بنية المعرفة البشرية. وكما سنرى، فإن علمية الشاب الوضعي فييرابند تجعله على النقيض مع استنتاجاته اللاحقة إلى حد بعيد.

وفي أول اجتماع للندوة الصيفية الدولية في آب 1948 لجمعية كلية النمسا في ألباخ التي حضرها، التقى فييرابند بفيلسوف العلم كارل بوبر، الذي كان قد قدم لنفسه اسماً كـ “معارضة رسمية” لدائرة فيينا”. (تأسست جمعية الكلية النمساوية في عام 1945 من قبل مقاتلي المقاومة النمساويين، “لتوفير منتدى لتبادل العلماء والأفكار وحتى التحضير للتوحيد السياسي لأوروبا” (العلم في مجتمع حر، ص 109). وفي كتابه الذي صدر عام 1934، منطق الكشف العلمي قام بوبر بتوضيح رؤية التكذيبي الجذابة والمباشرة بأن العلم العظيم أمكن وصفه بأنه عملية يطرح فيها المفكرون تخمينات جريئة ومن ثم يبذلون قصارى جهدهم لتحسينها من خلال محاولة دحضها. وبدلاً من محاولة تطوير منطق استقرائي، جادل بوبر من وجهة نظر (الاستنباطي) بأن المنهج العلمي أمكن وصفه من حيث الاستدلالات الاستنتاجية الصحيحة منطقياً.

ولسوء الحظ، لا تخبرنا السيرة الذاتية لبوبر أي شيء عن اجتماعهم أو علاقتهم، وعلى الرغم من حقيقة أنه كان أكبر تأثير منفرد (إيجابياً أولاً، ثم سلبياً) على عمل فييرايند. وبالنسبة لهؤلاء الذين يأملون أن يستخدم فييرابند مناسبة سيرته الذاتية لتسوية حساباته مع ضميره الفلسفي السابق، تخيب آمالهم أن الكتاب يخبرنا بالقليل جداً عن معرفته ببوبر. وفي مكان آخر يخبرنا فييرابند أنه:

أُعجب بحرية أخلاق[بوبر]، ووقاحته، وموقفه غير المحترم تجاه الفلاسفة الألمان الذين أعطوا الإجراءات وزناً في أكثر من حاسة واحدة، إحساسه بالفكاهة … [و] قدرته على إعادة صياغة مشكلات مضجرة في لغة بسيطة وصحفية. وهنا كان عقلًا حراً، ويطرح أفكاره بفرح، غير مهتم بردة فعل “المحترفين”. (العلم في مجتمع حر، ص 115).

لكن أفكار بوبر نفسها، كما يدعي فييرابند لم تكن جديدة بالنسبة له، فقد تم الدفاع عن الاستنباطية في البداية عام 1925 من قبل فيكتور كرافت، واعتُبرت التكذيبية “أمراً مفروغاً منه” في ألباخ. وأشار إلى أن أفكار بوبر كانت مشابهة أيضاً لأفكار فيلسوف آخر في فيينا، لودفيج فيتغنشتاين (!)، على الرغم من أنه “أكثر تجريداً وفقراً” (العلم في مجتمع حر، ص 116). وعلى مدار السنوات التالية، حضر فييرابند ندوة ألباخ حوالي خمسة عشر مرة أولاً كطالب ثم كمحاضر ورئيس كرسي. وعُرض عليه، وقبل منصب “السكرتير العلمي” للمجتمع، وهذا ما يسميه “الخطوة الأكثر حسماً في حياتي” (ص 70). وفي الواقع، هذا هو القرار الذي يجيب عن أسئلة وجهها بنفسه حول أصل مهنته، وسمعته وحالته في وقت كتابة سيرته الذاتية؛ لأنه يقتفى أثر موقفه فيها.

وفي ألباخ، تقرب منه الشيوعيون أيضاً، بما فيهم المثقف الماركسي والتر هولتشير، الذي أصبح معلمه وصديقه. قاوم فييرابند الحجج السياسية لهوليتشير على أساس “نخبته الشبابية” الخاصة به و”كرهه الغريزي تقريباً لتفكير الجماعة” (ص 73). ولكن على الرغم من أن فييرابند وصف نفسه فيما بعد بأنه كان “مفكراً ايجابياً” في ذلك الوقت، فقد كان هوليتشر، كما يقول، هو الذي أقنعه بقوة حجة الواقعية حول “العالم الخارجي” (جاءت حجج بوبر الهامة عن الواقعية لاحقاً). كانت اعتبارات هولتشير المنتشرة، أولاً: هي أن البحث العلمي أُجري على افتراض الواقعية، ولم يكن من الممكن إجراؤه بطريقة أخرى، وثانياً: أن الواقعية مثمرة ومنتجة للتقدم العلمي، بينما كانت الوضعية مجرد تعليق على النتائج العلمية، وعقيمة في حد ذاتهاً.

لم يقدم هولتشير أبداً حجة من شأنها أن تقود، خطوة خطوة، من الوضعية إلى الواقعية وكان ينظر إلى محاولة إنتاج مثل هذه الحجة كحماقة فلسفية. لقد طور بالأحرى الموقف الواقعي ذاته، ووضّحه بأمثلة من العلم والحس المشترك، وأظهر مدى ارتباطه بالبحث العلمي والعمل اليومي، وكشف بالتالي عن قوته. (العلم في مجتمع حر، ص 113).

وفي نهاية المطاف طور فييرابند هذه الأفكار في سلسلة رائعة من الأوراق بداية عام 1957، بحجة أن العلم يحتاج إلى الواقعية من أجل التقدم، وأن الوضعية سوف تُفسد هذا التقدم. وكانت الحجة تتماشى بالكامل مع مقاربة بوبر، وكذلك مع استنتاجاته.

 

3-2- الاتصال الأول بفتغنشتاين (1952-1948)

كان الارتباط الفكري الرئيسي لفييرابند في أواخر 1940 وأوائل 1950 في قدرته كقائد للطلاب بـ”دائرة كرافت”. كان فيكتور كرافت عضواً سابقاً في دائرة فيينا وأصبح مشرفاً على أطروحة فييرابند. كانت دائرة كرافت عبارة عن نادي فلسفي يدور حول كرافت، والذي يشكل جزءاً آخر من جمعية الكلية النمساوية. وكان كلاً من بيلا جوس، ووالتر هولتشير، وجورج هنريك فون رايت، وإليزابيث أنسكومبي، ووفتغنشتاين من المتحدثين الزائرين. ويقرر فييرابند أن الدائرة عقدت اجتماعات من 1949 إلى 1952 أو “1953 (العلم في مجتمع حر، صفحة 109)، وأنهم وضعوا على عاتقهم مهمة “النظر في المشكلات الفلسفية بطريقة غير متناظرة ومع الإشارة بشكل خاص إلى نتائج العلوم” (“هربرت فيجل: سيرة ذاتية” ، في بول كارل فييرابند وماكسويل (المحررون)، العقل، المادة، والمنهج: مقالات في الفلسفة والعلم في شرف هربرت فيجل، مينيابوليس: مطبعة جامعة مينيسوتا، 1966) ، الصفحات 1 إلى 2) وأن مواضيع مناقشتهم الرئيسية كانت الأسئلة المتعلقة بواقع الكيانات النظرية و”العالم الخارجي”. وحول محاضرة فيتغنشتاين، يذكر فييرابند ما يلي:

لا يمكن حتى زيارة قصيرة ومثيرة للاهتمام للغاية من قبل فيتغنشتاين نفسه (في عام 1952) أن تحسن مناقشتنا. كان فيتغنشتاين مثيراً للإعجاب للغاية في طريقة عرضه للحالات الملموسة، مثل الأميبا تحت الميكروسكوب … ولكن عندما غادرنا لم نكن نعرف بعد ما إذا كان هناك عالم خارجي  أم لا، أو إذا كان هناك عالم، ما هي الحجج المؤيدة لذلك. (فييرابند وماكسويل، المرجع السابق، ص 4. لاحظ أن فييرابند لابد أن يكون قد حصل على التاريخ الخطأ، حيث توفي فيتغنشتاين في نيسان 1951).

فيتغنشتاين، الذي استغرق وقتاً طويلاً لتكوين رأيه ومن ثم ظهر بعد أكثر من ساعة وقدم أداءاً حماسياً وبدى أنه فضل موقفنا عديم الاحترام على الإعجاب الدامغ الذي واجهه في مكان آخر. (العلم في مجتمع حر، ص 109).

وفي عام 1949، تم تقديم فييرابند إلى بيرتول بريخت، ومنحه هولتشير الفرصة ليصبح أحد مساعدي الإنتاج عند بريخت، لكنه رفضها، واصفاً هذا لاحقاً بأنه إحدى أكبر الأخطاء في حياته (العلم في مجتمع حر، ص 114). لكنه يتراجع في سيرته الذاتية عن هذا التصريح، قائلاً إنه ما كان ليستمتع بكونه جزءاً من المجموعة المترابطة التي أحاطت ببريخت. (يبدو أن أسباب انشقاقه لاحقاً من المخيم البوبري كانت مشابهة).

كان الفيزيائيون في جامعة فيينا هم هانز ثيرنغ وكارل برزيبرام، وفيليكس إهرنهافت. وأُعجب فييرابند بثيرنغ وإيهرنهافت، وكان متأثراً بإيهرنهافت، الذي كان يحاضر في الفيزياء هناك منذ عام 1947. وكان إهرنهافت معروفاً بأنه ناقداً شرساً ومستقلاً عن جميع أنواع الأرثوذكسية في الفيزياء، ولكن كان يُنظر إليه أحياناً على أنه دجال. ويقرر فييرابند أنه تشوق هو وزملاؤه من طلاب العلم إلى كشفه على أنه غشاش، ولكن تم التعامل معهم في الواقع في ندوة ألباخ لعام 1949، وبمعركة بين إهرنهافت والأرثوذكس حيث قدم الأول تجاربه لكن الأخير دافع عن موقفهم باستخدام استراتيجيات كان من الممكن أن يفخر بها معارضو غاليليو، والتهكم من ظواهر إهرنهافت على أنها مجرد قمامة. وعلق فييرابند قائلاً: “بعد ذلك بقليل، غار درس إهرنهافت وأمدني موقفنا في ذلك الوقت بالإضافة إلى موقف المهنة بأكملها بتوضيح ممتاز لطبيعة العقلانية العلمية” (العلم في مجتمع حر، ص 111). ولم يقنع إهرنهافت المنظرين الذين حموا أنفسهم بستار حديدي من الإيمان العقائدي من النوع ذاته الذي نشره معارضو غاليليو. وبقي جمهوره تجريبين راسخين، ولم يشكوا أبداً في ضرورة تكييف العلم مع الحقائق. وعلق فييرابند على أن العمل اليومي للعلم، وهو ما أطلق عليه توماس كون “العلم القياسي”، لا يمكن أن يوجد بدون هذا النوع من “الانقسام في الوعي”.

وعلى الرغم من أنه كان قد خطط أصلاً لتقديم أطروحة حول الفيزياء في جامعة فيينا، بدلها فييرابند بالفلسفة عندما لم يجد أي مكان في مشكلة الديناميكا الكهربائية التي كان يحسبها (فيلسوف العلم كعالم فاشل؟). وأكمل أطروحته في الدكتوراه، ” نظرية الجمل الأساسية” في عام 1951 تحت إشراف كرافت. كان موضوع الأطروحة “جمل أساسية”، أو “جمل بروتوكولية”، أي نوع من الجمل التي كانت الوضعية المنطقية قد نظّرت إليها على أنها تشكل أسس المعرفة العلمية. وأفاد لاحقاً أنه في عمله الفلسفي “بدأ منها وعاد إلى مناقشة عبارات البروتوكول في دائرة فيينا” (“اختتام محادثة غير فلسفية”، في مونيفار (1991)، ص526). وهذا أمر غير مفاجئ، بالنظر إلى أن كرافت كان الناجي الوحيد من دائرة فيينا في فيينا. ومع ذلك فإن تأثير كرافت على فييرابند لم يتم التأكيد عليه إلا مؤخراً. وتم تقديم الكثير من المواد من أطروحة فييرابند في (أو استقاها من) اجتماعات دائرة كرافت، وتظهر أيضاً في مقالاته الأولى، مثل “محاولة في التفسير الواقعي للخبرة” (1958). كانت الأطروحة ذاتها “نسخة مختصرة عن المناقشات في دائرة كرافت” (ص 115).

وفي أوائل خمسينيات القرن العشرين، نشر فييرابند العديد من الصحف الألمانية حول فيتغنشتاين، وقد كتب ذلك كنتيجة لقراءة البراهين على التحقيقات الفلسفية، التي أعارته إياها إليزابيث أنسكومبي. والتقى فييرابند لأول مرة أنسكومبي عند إلقاء محاضرة حول ديكارت لجمعية الكلية النمساوية. وجاءت أنسكومبي إلى فيينا لتتقن لغتها الألمانية لترجمة أعمال فيتغنشتاين.

وأعطتني مخطوطات كتابات فيتغنشتاين فيما بعد وناقشتها معي. وامتدت المناقشات على مدى أشهر، وبدأت في بعض الأحيان من الصباح على الغداء حتى وقت متأخر من المساء. وكان لها تأثير عميق علي على الرغم من أنه ليس من السهل على الإطلاق تحديد التفاصيل. (العلم في مجتمع حر، ص 114).

خطط فييرابند للدراسة مع فيتغنشتاين في كامبريدج، وكان فيتغنشتاين مستعداً لاتخاذه كطالب، لكنه توفي قبل وصول فييرابند في إنجلترا. وأصبح كارل بوبر مشرفه بدلاً منه.

 

3-3- الحياة في كلية لندن للاقتصاد (1952 – 1953)

أخبرنا فييرابند في سيرته الذاتية قليلاً عن محاضرات بوبر وندوته الشهيرة في كلية لندن للاقتصاد. بدأت المحاضرات بالادعاء بأنه لا يوجد هناك منهج في العلم، بل هناك بعض قواعد الإبهام البسيطة والمفيدة. حاول بوبر إظهار “كيف أن الأفكار البسيطة التي استُنبطت من متطلبات بسيطة على حد سواء جلبت النظام إلى عالم البحث المعقد”.(ص ص. 88-9). وبعد أن اقتنع بانتقادات بوبر وبير دوهيم للاستقرائية (الرأي القائل بأن العلم يتقدم من خلال التعميم من الحقائق المحفوظة في الخبرة)، اعتبر فييرابند أن التكذيبية خياراً حقيقياً، وكما يقول: “سقطت بسبب ذلك” (ص 89)، مناشدة التكذيبية في أوراقه ومحاضراته. وهذا ليس اعترافه الأول بأنه كان تكذيبياً، بل من الجدير ملاحظة أنه لم يرى أن ذلك يستلزم أن يكون بوبرياً. كان فييرابند (عادة) تكذيبياً ليبرالياً إلى حد ما، مع التشديد دائماً على الصلابة التي كان لابد أن يدافع من خلالها العلماء عن نظرياتهم، والسماح بأن تتمكن النظريات العلمية بالبدء كونها غير قابلة للاختبار. ويؤكد على أن البوبريين المخلصين مثل جون واتكينز وجوزيف أغاسي، وبخوه باستمرار لكونه غير تقليدي (اتُهم في وقت لاحق، من قبل أغاسي، بالانتحال من بوبر). وبدلاً من ذلك رأى في وقت لاحق هذا الفاصل كمثال على مخاطر التفكير المجرد. إن العقلانية هي بالفعل خطرة؛ لأنها “تشل حكمنا” (ص 89) وتُستثمر بـ “سلطة خارقة تقريباً” (ص 90). لكن بوبر أضاف عنصراً خطراً آخر: البساطة. ويتذمر من فييرابند، إن مثل هذه الفلسفة، “قد تكون بعيدة كل البعد عن الواقع … [أي]، مع الممارسة العلمية” (ص 90).

يشير فييرابند هنا إلى مقاربة بوبر نقد علم العلم، التي اتبعها هو نفسه وعززها لفترة طويلة. وفي الفصل الثاني من كتاب منطق الكشف العلمي (1934)، كان بوبر يميز بين الممارسة العلمية والمعايير، أو المبادئ، أو المنهجية العلمية. بحجة مضادة للنظرية “المادية” للمنهج التي تجعل المعايير تعتمد على الممارسة، اختار بوبر بدلاً من ذلك نقد العلم المعياري بقوة، وهو النظام الذي يضع قواعد المنهج المثلى التي يجب على العلماء اتباعها. وهذا هو واحد من أهم جوانب وجهة النظر البوبرية التي أخذها فييرابند أصلاً على متن الطائرة.

إن نقد العلم هذا، والذي يتذمر منه فييرابند الآن، يقدم افتراضاً كاذباً بأن المعايير “العقلانية” يمكن أن تؤدي إلى ممارسة متنقلة، غنية وفعالة كالعلم الذي لدينا بالفعل. التكذيبية من شأنها أن تدمر العلم كما نعرفه. ولم يتطور العلم وفقاً لنموذج بوبر. إنه ليس “غير عقلاني”، بل لا يحتوي على نمط شامل. ويمكن لقواعد بوبر أن تنتج العلم، ولكن ليس العلم الذي لدينا الآن. (تصريحات فييرايند أن الوضعي المنطقي أوتو نيوراث قد وضع بالفعل هذا النقد لبوبر في وقت ما سابقاً (ص 91)).

وفي عام 1952 قدم فييرابند أفكاره حول التغيير العلمي بندوة بوبر في كلية لندن للاقتصاد ومع تجمع فيتغنشتاين اللامع (إليزابيث إنسكوبي، بيتر كاش، هارت وجورج هنريك فون رايت) في شقة أنسكومبي في أوكسفورد. ويبدو أن هذا الاجتماع كان أول بث للمفهوم المهم لعدم القابلية للقياس (على الرغم من أنه ليس المصطلح نفسه، الذي تسلل إلى المنشورات فقط بعد عقدٍ من الزمن):

في إحدى المناسبات التي أتذكر فيها بشكل واضح أنسكومبي من خلال سلسلة من الأسئلة الماهرة، جعلتني أرى كيف يمكن أن يعتمد تصورنا (وحتى تصوراتنا) لحقائق محددة بشكل واضح ومكتفية بذاتها على ظروفٍ غير واضحة فيها. هناك كيانات مثل الأجسام المادية التي تمتثل “لمبدأ الحفظ” بمعنى أنها تحتفظ بهويتها من خلال مجموعة متنوعة من المظاهر وحتى عندما لا تكون موجودة على الإطلاق بينما يتم “إبادة” كيانات أخرى مثل الآلام والصور البعدية مع اختفائها. وقد تتغير مبادئ الحفظ من مرحلة تطورية واحدة للكائن الحي البشري إلى أخرى وقد تكون مختلفة بالنسبة للغات مختلفة (راجع “التصنيفات السرية” الخاصة بـوورف…). كنت أتصور أن مثل هذه المبادئ ستلعب دوراً مهماً في العلم، وقد تتغير خلال الثورات، وقد تنقطع العلاقات الاستنتاجية بين النظريات السابقة على الثورة وما بعد الثورة. (العلم في مجتمع حر ، ص 115). وكما قلت: إن الاكتشافات الكبرى ليست مثل اكتشاف أمريكا، حيث أن الطبيعة العامة للكائن المكتشف معروفة بالفعل. وهي تشبه بدلاً من ذلك إدراك أن أحدهم كان يحلم. (قتل الوقت، ص 92).

هذه الأفكار تلقت استقبالاً فاتراً من هارت، وفون رايت وبوبر.

وقد تُوجت مقالات فييرابند حول فيتغنشتاين في مراجعته للتحقيقات الفلسفية، ونصها الذي درسه بالتفصيل أثناء وجوده في لندن. يقول: “إنني أعود إلى كتابي”، “أعيد كتابة الكتاب بحيث يبدو أشبه بأطروحة مع حجة مستمرة” (العلم في مجتمع حر، ص 116)). ترجمت أنسكومبي موجز فييرابند إلى اللغة الإنجليزية وأرسلته إلى المراجعة الفلسفية. وقُبل من قبل المحرر نورمان مالكولم (بعد أن رفضه جيلبرت رايل، محرر مايند – انظر قتل الوقت، ص 93). كانت هذه المراجعة أول منشور باللغة الإنجليزية لفييرابند. أطلق عليه اسم “الوحش الفتغنشتايني” (ص 115). وعلق في وقت لاحق:

كنت أعرف أن فيتغنشتاين لا يريد تقديم نظرية (معرفة أو لغة)، ولم أقم بنفسي بصراحة بصياغة نظرية. لكن ترتيباتي جعلت النص يتكلم كنظرية وزيفت نوايا فيتغنشتاين. (قتل الوقت، ص 93).

إن تركيز فيتغنشتاين على الحاجة إلى بحث ملموس واعتراضاته على التفكير المجرد (“انظر، لا تفكر!”) يتشابك إلى حد ما مع ميولي الخاصة، والأوراق التي يكون تأثيره ملحوظاً فيها هي لذلك مزيجاً من الأمثلة الملموسة والمبادئ الكاسحة. (العلم في مجتمع حر، ص 115).

في استعراضه للتحقيقات الفلسفية، لخص الكتاب بطريقة فعّالة للغاية، ولفت الانتباه بشكل خاص إلى نقد فيتغنشتاين لعائلة من النظريات “الواقعية” أو “الأساسية” للمعنى، حيث أن معنى الكلمة هو الكائن المعين أو يشار إليها بهذه الكلمة. وجادل فييرابند بأن فيتغنشتاين كان يحاول استخدام برهان الخلف للنظريات الواقعية، وإظهار أنها امتلكت معنى ضمني لا يمكن الدفاع عنه، وأنه لا يمكننا القول مع ذلك إننا نعرف معنى الكلمات التي نستخدمها بشكل مستمر بطرق غير معقدة تماماً.

ولسوء الحظ، كما قيل في بريستون عام 1997 (الفصل 2)، فشل فييرابند تماماً باتباع هذه البصيرة من خلال إقرار مفهوم فتغنشتاين غير التمثيلي للمعنى، والذي بموجبه يتم تحديد معنى المصطلح من خلال استخدامه. وقرن بدلاً من ذلك على نحو خاطئ فكرة أن المعنى يُستعمل مع الوضعية، وفضل فييرابند ما أسماه نظرية المعنى “السياقية”، والتي حددت معنى المصطلح أو العبارة مع أي دور يلعبه في السياقات النظرية. لكنه أفرط في توسيع الفكرة النظرية بحيث تغطي أي سياق مهما كان، وبالتالي حرمانه بالكامل من المحتوى. وبالنسبة لـفييرابند لا يتناقض النظري مع أي شيء على الإطلاق.

وكانت مراجعة الكتاب أيضاً انتقاداً لـفتغنشتاين. ومن الجدير بالذكر أنها تثور ضد مفهوم الفلسفة عند فيتغنشتاين (كـ”التحليل الفلسفي”). وفي مقالة قصيرة نُشرت في العام التالي (1956)، وسع فييرابند نقده بحجة أن النظر في “مفارقة التحليل” الشهيرة لـمور أظهرت أن “الفلسفة لا يمكن أن تكون تحليلية وعلمية، أي مثيرة للاهتمام وتقدمية، وحول موضوع معين ومفيدة في الوقت ذاته “(“ملاحظة حول مفارقة التحليل”، ص 95). وصرح فييرابند سابقاً (عما تصوره من) الفلسفة العلمية. ومثل بوبر، لم يكن لديه سوى القليل من الوقت لنوع من الفلسفة “التحليلية” أو الفلسفة “اللغوية” التي أعقبت كتاب فيتغنشتاين، والتي هيمنت فيها جامعة أوكسفورد على المشهد الفلسفي في الخمسينات وأوائل الستينيات.

وواحدة من الأشياء التي يصدف أنها أكثر وضوحاً من سيرته الذاتية هي الطبيعة المرنة على نحو متسق لآراء فييرابند. يدون أن صديقه أغاسي جعله يغير رأيه تماماً بشأن كتاب كان يعتبره مترجماً. وعندما حث أغاسي فييرابند ليصبح بوبرياً مخلصاً، يبدو أن مقاومة فييرابند كانت تعتمد أساساً على كرهه للمجموعات.

 

3-4- العودة إلى فيينا (1953 – 1955)

بحلول صيف عام 1953، عندما كان على بوبر أن يتقدم بطلب للحصول على أموال إضافية للسماح لفييرابند بالعمل كمساعد له، قرر فييرابند مغادرة الكنيسة البوبرية والعودة إلى فيينا. ورغم أن الموافقة على المساعدة تمت حالاً، إلا أنه شعر بعدم الارتياح. “لم أتمكن من وضع إصبعي عليها؛ لم أكن أعرف إلا أنني أردت البقاء في فيينا”(ص 99).

خلال هذه الفترة لم يكن لدى فييرابند شيئاً ليفعله، وبحاجة إلى المال، وترجم “المجهود الحربي” لبوبر، “المجتمع المفتوح وأعداؤه” إلى اللغة الألمانية، وكتب مقالات عن “المنهجية” و”فلسفة الطبيعة” لموسوعة فرنسية، وأصدر تقريراً حول تطورات ما بعد الحرب في العلوم الإنسانية في النمسا لمكتبة الكونغرس في الولايات المتحدة، وأحدث فوضى في أول فرصة مهنية له كمغني (ص 98). لكنه شعر أيضاً أنه لا يعرف ما يجب القيام به على المدى الطويل، لذلك تقدم بطلب للحصول على وظائف في مختلف الجامعات.

ثم التقى آرثر باب، “الذي جاء إلى فيينا لإلقاء محاضرة عن الفلسفة التحليلية، والذي كان يأمل، ربما بشكل غير واقعي إلى حد ما، أن يتمكن من إحياء ما تبقى من السنوات العظيمة لدائرة فيينا والتقليد التحليلي هناك” (هربرت فيجل: مخطط السيرة الذاتية، ص3). وأصبح فييرابند مساعداً لباب، ورتب باب لقاء له مع هربرت فيجل في فيينا في عام 1954، ودرسوا معاً أوراقاً لفيجل. كان فيجل عضواً في دائرة فيينا حتى هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1930، لكنه لم يتخل أبداً عن رؤية “الواقعي” التي مفادها وجود عالم خارجي معروف. وأقنع فييرابند أن الوضعية التي اتبعها كرافت وباب لم تحل المشكلات التقليدية للفلسفة. إن ورقته “فرضيات وجودية” (1950)، إلى جانب مساهمات “كرافت” وبعض الأفكار التي طرحها بوبر في ألباخ في عامي 1948 و 1949، قللت بشكل كبير من شكوك فييرابند حول الواقعية (المرجع السابق ، ص 4). هنا كيف يروي فييرابند تأثير فيجل:

لقد كانت الصدمة تماماً بسماع فيجل يفسر الصعوبات الجوهرية وبسماعه يشرح بلغة بسيطة للغاية من دون اللجوء إلى الصورية لماذا لا تزال مشكلة التطبيق [من الاحتمالية – التفاضل] من دون حل. لم تكن الصفة الصورية إذن هي الكلمة الأخيرة في المسائل الفلسفية. وكان لا يزال هناك مجالاً للنقاش الأساسي – للمضاربة (كلمة مخيف!)؛ كان لا يزال هناك إمكانية للإطاحة بالأنساق ذات الطابع الصوري العالي بمساعدة القليل من الحس المشترك! (المرجع نفسه، ص 5).

شهد عام 1954 نشر أول المقالات المتعددة لفييرابند حول فلسفة ميكانيكا الكم، وهي أول ثمار الوقت الذي قضاه في الدراسة مع بوبر. وفي هذه المنشورات، أخذ بشكل عام طريق أن الهيمنة التي حققها “تفسير كوبنهاغن” لنظرية الكم كانت غير مستحقة. وكان فييرابند حريصاً بشكل خاص على القول: إنه لم يكن بالإمكان إثبات أن هذا التفسير للنظرية كان علاجاً عاماً لمشكلات الفيزياء المجهرية، أو أن يظن مدافعيها على نحو غير مبرر أنها مسالمة. وجاء للدفاع عن حق منظري “المتغيرات الخفية” مثل لويس دي بروغلي، وديفيد بوم، وجان بيير فيغير، في فرضية وجود بنية تحتية حتمية غير ملاحظة تدعم التكهنات غير المحددة على ما يبدو للأجسام على المستوى الميكانيكي الكمي.

ومع ذلك، جاء فييرابند أيضاً ليعتقد أن نقد بوبر السابق لعقيدة كوبنهاغن كان محدوداً وسطحياً إلى حد ما. ووفقاً لبوبر، فإن تفسير كوبنهاغن كان ببساطة نتيجة لبعض الفلسفات الوضعية السيئة. وكان نيلز بور وويرنر هايزنبرغ، من وجهة النظر هذه، قد أغواهم فلاسفة وضعيين (مثل إرنست ماخ وأتباعه الظاهرين، دائرة فيينا) إلى الاعتقاد بأن نظريتهم ليست تخمينية، بل كانت مجرد وصف مختصر اقتصادي ولكن غير افتراضي للخبرة. جادل فيرايند، على العكس من ذلك، بأن منظري كوبنهاغن كان لديهم بعض الحجج “الفيزيائية”، “العلمية”، أو “الواقعية” الجيدة للتفكير بأن رؤيتهم وحدهم متوافقة حالياً مع النتائج الملموسة للتجارب. ولذلك قدم دفاعاً عن تفسيرهم الوسيط للنظرية الكوانتية. لكن الدفاع كان تكتيكياً فقط، حيث جادل في النهاية بأن النتائج الملحوظة للتجارب نفسها يجب تحديها من خلال وجهة نظر من شأنها أن تكشف عن حقيقتها أو زيفها. لذا استخدم فييرايند حالة الدفع الكمومي من أجل إعادة النظر في القواعد المنهجية التي يشترك فيها العلماء. هذا هو أصل فكرته عن نموذج اختبار “تعددي”، حيث تتم مقارنة النظريات مع بعضها البعض، وكذلك مع “الخبرة”. (لاحظ، على أي حال، أن هذه الفكرة يمكن العثور عليها بالفعل في بوبر، وأن فييرايند أقر في البداية بهذه الحقيقة). ووفقاً لفييرابند، من خلال تأييد الواقعية العلمية فقط يمكن للعالم الالتصاق بمنهجية من شأنها أن تُظهر باستمرار (على نحو مفاهيمي) إمكانات ثورية للنظريات العلمية، وإحياء نوع من الحريق الذي أشعله غاليليو في ظل الرؤية العالمية الأرسطية. مثل هذه الواقعية تفسر النظريات ليس كملخصات للخبرة، بل كتخمينات حقيقية حول واقع مستقل بذاته. كما أنها تضع لغة الملاحظة في القارب المعرفي ذاته كمصطلحاته النظرية: فالملاحظات، كما يقول: هي مجرد “نظرية” (أي افتراضية) مثل النظريات: “والحديث من الناحية المنطقية، كل المصطلحات” نظرية، (لاحظ مقالات فلسفية، المجلد 1، ص32).

 

4- بداية عمل فييرابند: تحرير التجريبية  

4-1- التعيين الأكاديمي الأول: جامعة بريستول ( 1955 – 1958 )

في عام 1955، بمساعدة مراجع من بوبر وإروين شرودنغر، بالإضافة إلى فمه الكبير (العلم في مجتمع حر، ص 116 ، قتل الوقت، ص 102) ، قام فييرابند بتأمين أول منصب محاضر أكاديمي له في فلسفة العلم في جامعة بريستول، انجلترا. ويصف في سيرته الذاتية (الصفحات 103-4) كيف كان على أغاسي أن يساعده في التحضير لهذه المحاضرات؛ لأنها غطت موضوعاً لم يدرسه فييرابند أبداً (راجع أيضاً العلم في مجتمع حر، ص 116). كما يصف كيف شعر لبعض الوقت بأنه بلا اتجاه وغير مستقر: كان “قتل الوقت”.

وفي صيف ذلك العام، زار مرة أخرى ألباخ حيث التقى بفيلسوف العلم فيليب فرانك (وضعي منطقي آخر سابق)، الذي مارس عليه تأثير (تأخر إلى حد ما):

جادل فرانك بأن الاعتراضات الأرسطية ضد كوبرنيكوس اتفقت مع التجريبية، بينما قانون القصور الذاتي عند غاليليو لم يفعل ذلك. وكما هو الحال في حالات أخرى، كمنت هذه الملاحظة في ذهني لسنوات؛ ثم بدأت تلتهب. إن فصول “غاليليو” من كتاب “ضد المنهج” هي نتيجة متأخرة. (قتل الوقت، ص. 103. انظر أيضاً العلم في مجتمع حر ، ص 112).

وفي الوقت ذاته تقريباً، التقى فييرابند مع ديفيد بوم، الذي كان يحاضر في الفيزياء في جامعة بريستول. وكان بوم الحامي المفضل لنيلز بور، وكان أول كتاب له بعنوان “نظرية الكم (إنغلوود كليفس، نيوجرسي: قاعة برنتيس، 1951) ، كان دفاعاً مطولاً عن تفسير كوبنهاغن للنظرية الكوانتية. لكن في أوائل خمسينيات القرن العشرين، رفض بوم رؤيته السابقة، وأصبح أحد المدافعين الرئيسيين عن نظرية “المتغيرات الخفية” التي لا تحظى بشعبية في ذلك الوقت. كان له تأثير كبير على فييرابند، وفصمه بعيداً عن بوبر مع تفسيره الهيغلي إلى حد ما عن بنية الواقع. وفي عملهم الأخير، تحرك بوم وفييرابند في اتجاهات متوازية نحو الاهتمام بالعلم “الهامشي”. وأنتج فييرابند دراسة نقدية لكتاب بوم عام 1957 “السببية والصدفة في الفيزياء الحديثة” في عام 1960، عندما كان لا يزال تحت التأثير الكبير جداً لبوبر. ولكن كما هو الحال دائماً مع فييرابند، فإن أفكار بوم غرقت تدريجياً، وكان لها تأثيراً مرئياً فقط في نتاجاته في أوائل السبعينيات.

وفي عام 1956، تزوج فييرابند للمرة الثانية، وهذه المرة إحدى طالباته السابقات، ماري أونيل. ولكن يبدو أن هذه العلاقة لم تدم طويلاً؛ لأنه أفاد أن زوجته أمضت عيد الميلاد عام 1957 بعيداً عنه مع والديها، وأنها كانت في وقت لاحق على علاقة غرامية، وأن آخر مرة رآها كانت عام 1958.

يتذكر فييرابند دوره في محاضرة بريستول حول ميكانيكا الكم بأنه كارثة. ومع ذلك، في صيف عام 1956، جنبا إلى جنب مع ألفريد لاندي، ترأس حلقة دراسية ناجحة حول القضايا الفلسفية في ميكانيكا الكم في ألباخ. وكان النجاح ذو الصلة مساهمته في ندوة كولستون للأبحاث لعام 1957، حيث قدم ورقة بعنوان “حول نظرية القياس الكمي”. وهنا قدم فييرابند ما أصبح موضوعاً طويلاً في عمله: أنه لا توجد “لغة ملاحظة” منفصلة أو محايدة أو “لغة يومية” تُختبر بها العبارات النظرية للعلم، ولكن “المستوى اليومي هو جزءاً من الشيء النظري وليس شيئاً مستقلاً وكتفياً بذاته”(الأوراق الفلسفية، المجلد الأول، ص 217، التأكيد المضاف). هذه كانت مساهمته الرئيسية في موضوعه المركزي، العلاقة بين النظرية والخبرة. ولم يشكل ذلك فقط قطعاً حاسماً مع المفهوم الوضعي للنظريات، بل أيضاً شيئاً من خطوة أبعد من تصور بوبر.

 

  • 4-2- جامعة كاليفورنيا في بيركلي: السنوات الأولى (1958- 1964)

في صيف عام 1957، قبِل فييربند دعوة من مايكل سكريفن لزيارة مركز مينيسوتا لفلسفة العلم في مينيابوليس. وكان المركز، كما قال فييرابند في وقت لاحق، “واحداً من أهم المؤسسات في الميدان” (ص 115). وهناك التقى بفيجل، كارل همبل، إرنست ناجل، هيلاري بوتنام ، أدولف غرونباوم ، غروفر ماكسويل، إي إل هيل، بول ميهل، وآخرين. وعاد إلى المركز في عام 1958، بعد أن تلقى دعوة أخرى للعمل هناك، مدعوماً بمنحة من مؤسسة العلوم الوطنية. زعلى الأغلب أنه عاد إلى هناك في السنوات التالية.

وبما يقارب هذا الوقت، نُشرت العديد من أهم أوراق فييرابند الاولى. وفي ظل تأثير كل من بوبر وفيتغنشتاين، بدأ فييرابند نقداً فائقاً لفلسفات العلم التقليدية آنذاك المقدمة من قبل أحفاد دائرة فيينا، مفكرو “التجريبي المنطقي” مثل رودولف كارناب، فيجل، ناجل وهمبل. وتم إجراء هذا النقد من خلال دراسة العلاقة بين الملاحظة والنظرية.

ولعل أهم هذه المنشورات الأولى، “محاولة في تفسير واقعي للخبرة” (1958) ، وجادل فييرابند ضد الوضعية لصالح التفسير الواقعي العلمي للعلاقة بين النظرية والخبرة، وإلى حد كبير على أسس مألوفة من آراء التكذيبي كارل بوبر. واشتكى من أن نظريات الوضعي عن المعنى لها عواقب “تختلف عن المنهج العلمي والفلسفة المعقولة”. (مقالات فلسفية، المجلد 1، ص17). وهي تشير على وجه الخصوص ضمنياً إلى ما أطلق عليه فييرابند لقب “أطروحة الثبات”، حتى أن التغييرات الأساسية في النظرية لن تؤثر على معاني المصطلحات في لغة الملاحظة العلمية. وضد هذا الافتراض، دافع فييرابند عما أسماه “الأطروحة الأولى”، والفكرة التي تقول:

إن تفسير لغة الملاحظة يتم تحديده من خلال النظريات التي نستخدمها لشرح ما نلاحظه، وتتغير حالما تتغير تلك النظريات. (المرجع نفسه، ص 31).

وعكست الأطروحة الأولى اتجاه التفسير الذي افترضه الوضعيون. وبدلاً من المعنى المتخيل فوق مستوى الخبرة (أو لغة الملاحظة)، كان فييرابند ينحدر نزولاً من النظرية إلى الخبرة. وبالنسبة له، النظرية ذات معنى بمعزل عن الخبرة، وليس العكس. وتكمن جذور هذه النظرة بوضوح في نظريته السياقية في المعنى، والتي يُمنح بموجبها المعنى للمصطلحات بحكم مشاركتها في السياقات النظرية. ويبدو أنها توحي ضمنياً بأنه لا يوجد تمييز دلالي مبدئي بين المصطلحات النظرية والمصطلحات الملاحظة. وسرعان ما تابع فييرابيند هذا التضمين مع “نظريته بالملاحظة البراغماتية”، التي تقول: إن ما هو مهم حول جمل الملاحظة ليس امتلاكها جوهراً خاصاً للمعنى التجريبي، بل دورها السببي في إنتاج ودحض النظريات.

وفي عام 1958، تمت دعوة فييرابند لقضاء سنة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وقبِل ذلك. وعندما انتهى هذا التعيين الزائر، قررت إدارة الجامعة توظيفه على أساس منشوراته، وبالطبع على فمه الكبير (ص 115). ولكن بسبب منحته بالعمل في منيابوليس، بدأ فقط محاضراً بدوام كامل في بيركلي عام 1960. وهناك قابل توماس كون، وقرأ كتاب كون المرتقب “بنية الثورات العلمية” في شكل مسودة. ثم كتب إلى كون عن الكتاب (نُشرت هذه الرسائل مؤخراً في دراسات في تاريخ وفلسفة العلم، 26، 1995). لكنه لم يكن جاهزاً تماماً لمقاربة كون الوصفية والتاريخية لفلسفة العلم. وعلى الرغم من أن المزيد من الأمثلة التاريخية تخللت أعماله المنشورة، إلا أنه كان لا يزال يستخدمها لدعم استنتاجات التكذيبي الأرثوذكسي.

وفي ما بعد منهجيته، طبق فييرابند من أجل النزاع على تفسير النظريات العلمية مقياساً قوياً للتقليدية المنهجية البوبرية، بحجة أن النزاع بين الواقعيين والأداتيين ليس قضية واقعية بل مسألة اختيار. ويمكننا اختيار رؤية النظريات إما كأوصاف للواقع (الواقعية العلمية) أو كأدوات للتنبؤ (الأداتية)، اعتماداً على ماهية المعرفة العلمية التي نطمح إليها. إن التقيد بهذه المثل العليا المتنافسة (تقريباً: المحتوى الإخباري العالي من جهة، واليقين-الحس من ناحية أخرى) يُحكم عليها من خلال عواقبها المعنية. وتشديداً على أن النظريات الفلسفية لم تنعكس على العلم فحسب بل غيرته، قال فييرابند كذلك أن شكل معرفتنا يمكن أن يتغير ليتناسب مع مُثُلنا. إذن يمكننا أن نملك اليقين والنظريات التي تلخص الخبرة فقط، إذا أردنا ذلك. ولكن، حشد السؤال المعتاد بين المحتوى التجريبي والقابلية للاختبار (الشائع لـ كارناب، وبوبر وفييرابند)، وحثنا على أن نرفض بشكل حاسم مبدأ اليقين وأن نختار بدلاً من ذلك نظريات تتجاوز الخبرة وتعطي شيئاً إعلامياً عن الواقع ذاته. وفي هذا الصدد تابع بوضوح قيادة بوبر، وأعاد بناء التجريبية كمذهب على الشكل الأكثر تفضيلاً لنظرياتنا، بدلاً من اعتبارها رؤية حول مصادر المعرفة.

جادل فييرابند بأن الفكرة المشتركة بين الوضعيين، بأن تفسير مصطلحات الملاحظة لا يعتمد على حالة معرفتنا النظرية، لها عواقب غير مرغوب فيها على الوضعيين. وواحداً منها هو أن “كل لغة ملاحظة وضعية تستند على علم الوجود الميتافيزيقي” (أوراق فلسفية، المجلد 1 ، ص 21). والآخر ينتج عن الأطروحة التي يهتم بها، وتقول: إن النظريات التي نتمسك بها تؤثر على لغتنا، وربما حتى تصوراتنا. وهذا يعني أنه ما دمنا نستخدم نظرية واحدة كافية تجريبياً، فلن نكن قادرين على تخيل تفسيرات بديلة عن الواقع. وإذا قبلنا أيضاً الرؤية الوضعية بأن نظرياتنا هي ملخصات للخبرة، فإن هذه النظريات ستكون خالية من المحتوى التجريبي وغير القابل للاختبار، ومن ثم سيكون هناك تضاءل في وظيفة لغتنا النقدية الجدلية. فكما أن النظريات الميتافيزيقية المتعالية البحتة غير قابلة للتكذيب، فإن ما بدأ كنظرية علمية شاملة تقدم اليقين، سيصبح في ظل هذه الظروف عقيدة لا يمكن دحضها، وأسطورة. ويُقال في بريستون 1997 (الفصل 5) بأن كراهيته لهذا “المأزق الأسطوري” كانت واحدة من القوى الدافعة الرئيسية وراء آراء فييرابند في ذلك الوقت.

دافع فييرابند عن الواقعية التي تفيد بأن “تفسير النظرية العلمية لا يعتمد إلا على حالة الوقائع التي يصفها” (أوراق فلسفية ، المجلد 1 ، ص. 42). وفي الوقت نفسه، ادعى أنه وجد في تحقيقات فيتغنسشتاين الفلسفية نظرية سياقية للمعنى يتم بموجبها تحديد معنى المصطلحات ليس من خلال استخدامها، ولا من خلال اتصالها بالخبرة، بل من خلال الدور الذي تلعبه في السياق الأوسع للنظرية أو الشرح. ومن المفترض أن تغلف الأطروحة الأولى، الاقتراح الرئيسي لعمل فييرابند الأول، كل من النظرية السياقية للمعنى والواقعية العلمية. وقال إن الواقعية فقط، من خلال إصرارها على تفسير النظريات في شكلها الأكثر ضعفاً كعبارات كميّة شاملة تسعى إلى الحقيقة، وتؤدي إلى التقدم العلمي بدلاً من الركود. وتسمح لنا الواقعية فقط بأن نرقى إلى أعلى المثل الفكرية للموقف النقدي والأمانة والقابلية للاختبار.

وعلى عكس الوضعية، التي تتعارض مع العلم بأخذها الخبرات ككتل بناء غير قابلة للتحليل، تُعامل الواقعية الخبرات على أنها قابلة للتحليل، وتوضحها على أنها نتيجة لعمليات لا يمكن الوصول إليها مباشرة. وهكذا تكشف الخبرات وعبارات الملاحظة على أنها أكثر تعقيداً وتنظيماً من التي أدركتها الوضعية. ووسّع فييرابند النظرية السياقية للمعنى بحيث لا تنطبق فقط على المصطلحات النظرية بل على مصطلحات الملاحظة أيضاً، معتبراً أنه لا توجد “مشكلة” خاصة بالكيانات النظرية، وأن التمييز بين مصطلحات الملاحظة ومصطلحات النظرية هو تمييز براغماتي بحت. وإذا كان كما تدل ضمنياً النظرية السياقية أيضا، أن عبارات الملاحظة تعتمد على المبادئ النظرية فأي قصور في هذه المبادئ سوف ينتقل إلى عبارات الملاحظة التي تخطوها، من حيث أن معتقداتنا حول ما هو ملاحظ قد تكون خاطئة، وحتى خبراتنا ذاتها يمكن انتقادها لإعطاء تفسير تقريبي لما يجري في الواقع. وجميع عباراتنا ومعتقداتنا وخبراتنا “افتراضية”. وتحتاج الملاحظات والتجارب دائماً إلى تفسير، ويتم توفير التفسيرات المختلفة من خلال نظريات مختلفة. وإذا كانت المعاني الحالية تجسد المبادئ النظرية، فعندئذ بدلاً من قبول عبارات الملاحظة بشكل سلبي، يجب أن نحاول إيجاد واختبار المبادئ النظرية الضمنية فيها، والتي قد تتطلب منا تغيير تلك المعاني.

ولذلك، عزّز فييرابند عدم الثبات الدلالي، مجادلاً بأن الثبات الدلالي المفترض بتفسيرات الوضعي للرد، والشرح والتأييد، قد تم ويجب أن يُنتهك إذا أردنا إحراز تقدم في العلم. وإذا تم تحديد المعنى من خلال النظرية، فإن المصطلحات في نظريات مختلفة للغاية لا يمكن أن تشترك ببساطة في المعنى ذاته: ستكون “غير قابلة للقياس”. وأي محاولة لاشتقاق مبادئ نظرية قديمة من تلك النظرية الجديدة يجب أن تكون إما غير ناجحة أو يجب أن تؤثر على تغيير معنى مصطلحات النظرية القديمة. وبالتالي، فإن “الرد النظري” المحبب عند التجريبيين المنطقيين يشبه في الواقع استبدال إحدى النظريات وأنطولوجيتا بأخرى. وفي ختام مقاله المعروف عام 1962 “الشرح، الرد، والتجريبية” ، والذي قدم فيه مفهوم عدم القابلية للقياس، خلص فييرابند إلى أن هذا المفهوم حال دون أي تفسير صوري للشرح و الرد أو التأييد. (نُشر كتاب كون بنية الثورات العلمية، والذي استخدم فيه المصطلح ذاته لوصف مفهوم ذي صلة، في العام ذاته).

في أول رحلة نشر رئيسية له من فلسفة العلم، طبق فييرابند هذه الأفكار على مشكلة العقل / الجسم. وفي ورقتين نُشرتا عام 1963، سعى للدفاع عن المادية (تقريباً، الرؤية القائلة بأن كل ما هو موجود هو مادي) ضد الافتراض بأن العقل لا يمكن أن يكون شيئاً مادياً. وعلى الرغم من أن هذه الأوراق تظهر خليطاً غير واضح من الآراء، إلا أنها تُذكر في المقام الأول لكونها بشرت في الموقف المعروف باسم “المادية المدمرة”، والتي تفيد بأن طريقتنا في تصور العقل والظواهر العقلية ترقى إلى نظرية غير كافية جدياً تتعارض مع تفسير علمي (مادي) لتلك الأشياء ذاتها. واقترح فييرابند أن النظريتين المعنيتين غير قابلتين للقياس، لكن مع ذلك يجب علينا تفضيل النظرية المادية على أسس منهجية عامة. وكانت هذه الرؤية المتطرفة لمشكلة العقل / الجسد واحدة من أهم الموروثات لفييرابند. على الرغم من أن فييرابند ذاته يبدو أنه تخلى عنها في أواخر السبعينيات، إلا أنها أُتخذت من قبل ريتشارد رورتي، ومؤخراً بول وباتريشيا تشيرشلاند.

وفي نسخة من أطروحة عدم قابلية القياس لفييرابند، يمكن أن تُنتهك المبادئ الدلالية للبناء الذي يدعم النظرية (في تفسيرها الواقعي) أو “تعطيلها” بواسطة نظرية أخرى. وكنتيجة لذلك، لا يمكن دائماً مقارنة النظريات من حيث محتواها، كما يرغب “العقلانيون”. واستغرق الأمر من فييرابند بعض الوقت لرؤيتها؛ لأنه لم يصف رسمياً هذه الرؤية حتى أواخر الستينات 1960، ولكن هذا يفتح الباب للنسبية، الرؤية القائلة: إنه لا توجد طريقة موضوعية للاختيار بين النظريات أو التقاليد. ولعل هذه هي النتيجة المعلنة على نطاق واسع – والأكثر شهرة للنظرية السياقية للمعنى.

وفي الصحف المركزية الرائدة من هذه الفترة من أعمال فييرابند مثل “كيف تكون تجريبياً جيدًا” (1963)، “الواقعية والأداتية” (1964)، “مشكلات التجريبية” و”الرد على النقد” (1965) كانت حجته الأهم للواقعية العلمية هي المنهجية: الواقعية مرغوبة؛ لأنها تتطلب الإكثار من النظريات الجديدة وغير المتوافقة. وهذا يؤدي إلى التقدم العلمي؛ لأنه ينتج في كل نظرية لها محتوى تجريبي أكثر من غيرها، وذلك لأن اختبار النظرية يتناسب مع عدد التكذيبات المحتملة لها، وأن إنتاج نظريات بديلة هو الطريقة الوحيدة الموثوقة لضمان وجود تكذيبات محتملة. لذا فإن التقدم العلمي يأتي من خلال “التعددية النظرية”، مما يسمح بتعدد النظريات غير المتوافقة، والتي سيساهم كل منها بالمنافسة في الحفاظ على تعزيز قابلية الاختبار، وبالتالي المحتوى التجريبي، للآخريات. ووفقا لنموذج الاختبار التعددي عند فييرابند، يتم اختبار النظريات مقابل بعضها البعض. وهكذا، كان إنموذجاً لما أطلق عليه كون فترات “ما قبل البرادايغم” و”الثورات العلمية”، وهي مناسبة عندما يكون هناك العديد من النظريات غير القابلة للقياس، وجميعها خضعت للتطور من خلال تنافسها مع بعضها البعض. لكنه قلل من أهمية الفكرة التي تقول: إن النظريات قد تتم مقارنتها مع بعضها البعض في المقام الأول لقدرتها على تفسير نتائج الملاحظة والتجربة. وكانت هذه الفكرة بالنسبة لفييرابند أسطورة تجريبية تخفي دور العوامل الجمالية والاجتماعية في الخيار النظري.

إن حجة التعددية النظرية تتبع حتى الآن إلى حد كبير كتاب جون ستيوارت مل عن الحرية (1859)، والذي غالباً ما كان موضع تبجيل فييرابند. لكن فييرايند ذهب لمحاولة إظهار آلية تمكن النظريات من زيادة محتواها التجريبي. ووفقاً لهذا الجزء من الحجة، قد تواجه النظريات صعوبات لا يمكن اكتشافها إلا بمساعدة نظريات بديلة. ويمكن أن تكون النظرية غير صحيحة دون أن نكون قادرين على اكتشاف ذلك بطريقة مباشرة: يتم في بعض الأحيان استبعاد بناء المناهج والأدوات التجريبية الجديدة التي ستكشف عن الخطأ من خلال قوانين الطبيعة، وفي بعض الأحيان قد يعتبر التناقض (إذا تم اكتشافه) غريباً، وربما لا يُقدم له تفسير صحيح. وهكذا يمكن أن تتظافر الظروف لتخفي عنا عوائق نظريتنا. ويتطلب “مبدأ القابلية للاختبار” المنهجي أن نطور نظريات بديلة لا تتوافق مع النظرية القائمة، وأن نطورها بأقوى صيغة لها، كتوصيف للواقع وليس مجرد أدوات للتنبؤ. فبدلاً من الانتظار حتى تصادف النظرية الحالية صعوبات، عندما يبدأ البحث عن بدائل، يجب علينا أن نكثر بقوة من النظريات وندافع عنها بعناد على أمل أن يقدموا لنا تفنيداً غير مباشراً لنظريتنا القائمة. وبالتالي، فإن النظريات التي تكون كافية تجريبياً فقط ستساهم في رفع المحتوى التجريبي لأنصارها. لكن فييرابند يصر على أن أي نظرية، مهما كانت ضعيفة، قد تصبح ملائمة تجريبياً، وبالتالي قد تسهم في هذه العملية. ولكي يكون واقعياً، فإنه يقدم بناءً على ذلك، اقتراحاً ينطوي على المطالبة بدعم أي نظرية بما في ذلك التخمينات التي لا يمكن تصديقها، والتي لا تمتلك دعماً تجريبياً مستقلاً، والتخمينات التي لا تتسق مع البيانات والقوانين المؤكدة بشكل جيد. ويجب أن نحتفظ بالنظريات التي هي في ورطة، وأن نبتكر ونطور نظريات تتعارض مع الظواهر المرصودة؛ لأننا بذلك فقط سنحترم المثالية الفكرية للاختبار.

وبهذا الميل إلى “مبدأ القابلية للاختبار” باعتباره المبدأ الأسمى للمنهجية، ينسى فييرايند أن القابلية للاختبار يجب أن يتم تداولها مقابل الفضائل النظرية الأخرى. إن خوفه المرَضي فقط من النظريات يفقدها محتواها التجريبي ويصبح أساطير يقوده إلى الرغبة في زيادة القابلية للاختبار وإلى تبني مبدأ الإكثار غير المقيد على الإطلاق. كما أنه يتجاهل الدليل التاريخي على أن مناهضة الواقعية يمكن أن يكون تعددي بقدر ما هو واقعي.

وفي ألباخ في عام 1964، توجه فييرابند وفيجل بتقديم حلقة دراسية مشتركة حول التطور الأخير للفلسفة التحليلية. وهناك أعاد فييرابند تسليط الضوء الرئيسي على اتجاه الوضعي المنطقي، رودولف كارناب (الذي كان قد التقى به في جامعة كاليفورنيا). وحاول كارناب إقناع فييرابند بفضائل الوضوح، لكنه فشل. كان فييرابند لا يزال مرتبطا بالفلسفة “العلمية”، واعتبر الفلسفة عديمة القيمة ما لم تقدم مساهمة إيجابية وقابلة للقياس في نمو المعرفة (والتي تعني، بالطبع، العلم).

لكن ندوة في هامبورغ في عام 1965، والتي ناقش فيها فييرابند أسس نظرية الكم مع الفيزيائي فون فايزاكير، كان لها تأثيرا دائماً، ولو تأخر إلى حد ما:

أظهر فون فايزاكير كيف أن ميكانيكا الكم نشأت من بحث ملموس في حين أنني تذمرت، بناءً على أسس منهجية عامة، من أن البدائل الهامة قد تم حذفها. وكانت الحجج المؤيدة لتذمري جيدة للغاية … لكن كان من الواضح فجأة بالنسبة لي أنها فُرضت دون اعتبار للظروف التي كانت تشكل عائقاً بدلاً من أن تكون مساعدة: يجب أن يُمنح الشخص الذي يحاول حل مشكلة سواء في العلم أو في أي مكان آخر حرية كاملة ولا يمكن تقييده بأي مطالب، ومعايير، ومع ذلك يمكن أن تبدو للمنطقي أو الفيلسوف الذي يدرسها فيما يخص دراسته. ويجب التحقق من القواعد والمطالب من خلال البحث، وليس عن طريق مناشدة نظريات العقلانية. وفي مقال مطول، شرحتُ كيف استخدم بور هذه الفلسفة وكيف تختلف عن الإجراءات المجردة. وهكذا فإن البروفيسور فون فايزاكير يتحمل المسؤولية الرئيسية عن تغييري إلى “الفوضوية” – على الرغم من أنه لم يكن مسروراً على الإطلاق عندما أخبرته بذلك في عام 1977. (العلم في مجتمع حر، الصفحة 117).

 

  • 4-3- تأثير “الثورة الطلابية”

كانت فترة منتصف وأواخر الستينات من القرن الماضي وقتاً للتخمر في الثقافة الغربية، وكان فييرابند في غياهبها. وفي بيركلي، بطبيعة الحال، واجه حركة حرية التعبير، وواجه “الثورة الطلابية” هناك أيضا، وكذلك في لندن وبرلين. ومن الواضح أن هذا أثار اهتمامه بالفلسفة السياسية، وخاصة في المسائل السياسية المتعلقة بالعلم. ومنصبه في بيركلي، وقال في وقت لاحق:

كانت وظيفتي هي تنفيذ السياسات التعليمية في ولاية كاليفورنيا، وهو ما يعني أنه كان علي تعليم الناس ما قررته مجموعة صغيرة من المثقفين البيض. (العلم في مجتمع حر، ص118).

ومع ذلك، كانت خبرة فييرابند في ظل هذه السياسات التعليمية هي من دون شك واحدة من الفترات المحددة في حياته الفكرية، وهو الوقت الذي أصبح فيه يشك بعمق في هؤلاء المفكرين و”العقلانية الغربية” ككل:

في السنوات 1964وما بعدها. دخل المكسيكيون والسود والهنود الجامعة كنتيجة لسياسات تعليمية جديدة. هناك جلسوا، فضوليين إلى حد ما، ومُزدرين جزئياً، ومرتبكين جزئياً أملاً في الحصول على “التعليم”. يا لها من فرصة لنبي يبحث عن أتباع! يا لها من فرصة قالها لي أصدقائي العقلانيون، للإسهام في نشر العقل وتحسين الجنس البشري! شعرتُ على نحو مختلف جداً. لأنها أطلعتني على أن الحجج المعقدة والقصص الرائعة التي أخبرت بها حتى الآن جمهوري الأكثر أو الأقل تطوراً قد تكون مجرد أحلام، وانعكاسات لغرور مجموعة صغيرة نجحت في استعباد الجميع بأفكارهم. من كنت أنا لأخبر هؤلاء الناس ماذا وكيف يفكرون؟ (المرجع نفسه، انظر أيضاً كتاب قتل الوقت، الصفحة 123).

وفي ذلك الوقت، قدم فييرابند محاضرتين، واحدة حول الفلسفة العامة، وأخرى عن فلسفة العلم. ويبدو أنه واجه بعض المشكلات في بيركلي عن طريق إدارة ندوته حول خطوط فضفاضة غير مقبولة، وإلغاء المحاضرات بانتظام، وعدم الاستعداد للمحاضرات التي قدمها:

وغالباً ما أخبرت الطلاب بالذهاب إلى البيت – حيث تحتوي الملاحظات الرسمية على كل ما يحتاجون إليه. ونتيجة لذلك، تقلص الجمهور من 300 ، 500 ، حتى 1200 شخص إلى 50 أو 30. ولم أكن سعيداً بذلك. وكنت أفضل جمهوراً أكبر، ومع ذلك كررت نصيحتي حتى تدخلت الإدارة. لماذا فعلتُ ذلك؟ هل كان ذلك لأنه لم يعجبني نظام الامتحان، الذي أفسد الخط الفاصل بين الفكر والروتين؟، هل كان ذلك لأنني احتقرت فكرة أن المعرفة كانت مهارة يجب الحصول عليها وتثبيتها من خلال تدريب صارم؟ أم كان ذلك لأنني لم أفكر في الكثير من أدائي؟ لعبت كل هذه العوامل دوراً. (ص 122).

ولكن على الرغم من تعاطفه مع الأهداف الأصلية للحركة الطلابية، إلا أن فييرابند لم يكن متفائلاً بقادتهم، والشعور بأن أفكارهم كانت استبدادية مثل أولئك الذين كانوا يحاولون استبدالهم. ويذكر أنه قطع عدداً أقل من المحاضرات خلال إضراب الطلاب أكثر من أي وقت مضى أو بعد ذلك! ومع ذلك، من خلال عقد محاضراته خارج الحرم الجامعي خلال حرب الحرم الجامعي هذه، عاند فييرابند الإدارة التي وظفته. وعززت حكاياته المقدمة الدرجات لكل طالب في صفه، بغض النظر عن إنتاجهم (أو الافتقار إليها). كان لديه انطباع بأن بعض زملائه، وخاصة جون سيرل، أرادوا طرده، وأنهم لم يستسلموا إلا عندما أدركوا حجم الأعمال الورقية (ص126).

 

  • 4-4- أواخر الستينات

حاضر فييرابند عن عقيدة الكنيسة في بيركلي خلال صيف عام 1966. (“لماذا عقائد الكنيسة؟ لأن تطور عقيدة الكنيسة يشترك في العديد من السمات مع تطور التفكير العلمي” (ص. 137-8)). وفي النهاية حوّل هذه الأفكار إلى ورقة حول “التجريبية التقليدية”، التي نشرت في عام 1970، والتي قال فيها إن التجريبية اشتركت في بعض السمات الإشكالية مع البروتستانتية. وقد سبق له أن قدم طريقة ما من دفاعه عام 1965 عن شكل “التطهير”، و”التسامح” للتجريبية. وفي عام 1969، نشر المقال المكون من أربع صفحات، وعنوانه “العلم من دون خبرة”، والذي جادل بأن الخبرة الضرورية من حيث المبدأ في أي وقت من مراحل بناء أو فهم أو اختبار النظريات العلمية التجريبية، أعطت في النهاية إشعاراً بأن فييرابند لم يعد مهتماً بتقديم نفسه على أنه أي نوع من التجريبية.

ورغم أن واجباته ومسؤولياته الأكاديمية أخذت بالتضاؤل جدياً، والدخول في صراع مع إدارة جامعته كنتيجة لذلك، فإن فييرابند لم يفسد بعد سمعته الجوهرية كفيلسوف علم. وأفاد بأنه تلقى عروضاً للعمل من لندن وبرلين ويايل وأوكلاند، حيث تمت دعوته ليصبح زميلاً في كلية أول سولز في أوكسفورد، وأنه تراسل مع فريدريك فون هايك (الذي كان يعرفه من قبل في حلقات ألباخ) حول وظيفة في فرايبورغ (ص 127). وقبل الوظائف في لندن وبرلين وييل. في عام 1968، واستقال من جامعة كاليفورنيا بيركلي وغادر إلى مينيابوليس، لكنه نمى بالحنين إلى الوطن، وأعاد تعيينه، وعاد إلى بيركلي على الفور تقريباً.

وفي لندن، ألقى محاضرات في جامعية كوليج وكلية لندن للاقتصاد، والتقى إمر لاكاتوش. وأصبح الاثنان صديقين عظيمين، وتراسلا مع بعضهما البعض بشكل منتظم وكبير حتى وفاة لاكاتوش. ويذكر فييرابند أن لاكاتوش، الذي كان مكتبه بالقرب من قاعة محاضرات كلية لندن للاقتصاد، اعتاد أن يتدخل في محاضراته عندما أبدى فييرابند اختلافه معه (العلم في مجتمع حر ، صفحة 13 ، قتل الوقت، صفحة 128).

 

  • 5- العمل الأخير لفييرابند: نحو النسبية، وما بعدها

  • 5-1- ضد المنهج (1970 -1975)

بعد فترات في لندن وبرلين وييل (كلهم يتراكضون إلى منصبه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي)، تولى فييرابند استاذاً زائراً في جامعة أوكلاند، نيوزيلندا، وحاضر هناك في عامي 1972 و 1974 (الصفحات 134-5 ). حتى أنه تطلع إلى الاستيطان في نيوزيلندا في ذلك الوقت (ص 153)، على الرغم من أن هذا بالكاد يبدو متوافقاً مع أسلوب حياته النفاثة.

وبحلول أوائل السبعينيات من القرن الماضي، كان فييرابند قد أقام حظيرة التكذيبي وكان مستعداً لتوضيح وجهة نظره الخاصة حول المنهج العلمي. وفي عام 1970، نشر مقالة طويلة بعنوان “ضد المنهج” والتي هاجم فيها عدة روايات بارزة عن المنهج العلمي. وخطط هو ولاكاتوش في مراسلاتهم، أخيراً لبناء مجلد النقاش، بعنوان “مع وضد المنهج”، حيث سيقدم لكاتوش القضية “العقلاني” بأن هناك مجموعة محددة من قواعد المنهج العلمي والتي تجعل كل علم جيد علم، وسيهاجمها فييرابند. وكانت وفاة لاكاتوش غير المتوقعة في فبراير 1974، والتي يبدو أنها صدمت فييرابند بشدة، تعني أن الجزء العقلاني من العمل المشترك لم يكتمل أبداً.

وفي نهاية ذلك العام، وجد فييرابند نفسه محاضراً في جامعة ساسكس:

ليس لدي أي فكرة عن لماذا وكيف ذهبتُ إلى جامعة ساسكس في برايتون … ما أتذكره هو أنني قمت بالتدريس بفترتين (1974/1975) ثم استقلت. اثنتي عشرة ساعة في الأسبوع (دورة محاضرات واحدة، والدروس التعليمية المتبقية) كانت أكثر من اللازم. (الصفحة 153).

يتذكر أحد أعضاء جمهور فييرابند الأشياء بمزيد من التفصيل:

جامعة ساسكس: بداية فصل الخريف، 1974. لم يكن هناك مقعد في أكبر قاعة محاضرات الفنون في الحرم الجامعي. وبتوتر، وتحسباً انتظرنا ونتوقع بفارغ الصبر أن يبدأ الحدث المعلن. لم يكن على الوقت المحدد – كالعادة. في الواقع، كانت الشائعات أنه لن يظهر على الإطلاق ذلك أن المرض (أو أنه كان مجرد الملل أو ربما عشيقة؟) كان قد حصره في الفراش. لكن عندما بدأنا في التوفيق بيننا وبين فكرة أنه لن يكون هناك أي أداء في ذلك اليوم على الإطلاق، اندفع بول فييرابند عبر الباب في مقدمة القاعة المزدحمة. بدلاً من الشحوب، ودعم نفسه على عكاز معدنية قصيرة، وسار يعرج إلى السبورة. وبإزالة سترته التقط الطباشير وكتب ثلاثة أسئلة واحدة تحت الأخرى: ما هو العظيم جداً عن المعرفة؟ ما هو العظيم جداً في العلم؟ ما هو العظيم جداً عن الحقيقة؟، لم نكن بخيبة أمل بعد كل شيء!

وخلال الأسابيع التالية من هذه الفترة، وفيما يتعلق ببقية عامه كمحاضر زائر، هدم فييرابند تقريباً كل الحدود الأكاديمية التقليدية. لم يحمل أي فكرة وليس شخصاً مقدساً. وناقش بطاقة وحماس لم يسبق لهما مثيل كل شيء من أرسطو إلى الأزاندي. كيف يختلف العلم عن السحر؟ هل يوفر الطريقة العقلانية الوحيدة لتنظيم معرفتنا بشكل مدروس؟ ما الذي يجب أن نفعله إذا كان السعي وراء الحقيقة يشل عقولنا ويهدد شخصيتنا؟ وأصبحت نظرية المعرفة فجأة منطقة مبهجة للبحث.

خلق فييرابند المساحات التي يمكن للناس فيها التنفس مرة أخرى. طلب من الفلاسفة أن يكونوا متقبلين للأفكار من أكثر المجالات تبايناً وأبعدها على ما يبدو، وأصر على أنه فقط بهذه الطريقة يمكنهم فهم العمليات التي تنمو بها المعرفة. وكان مستمعيه مأسورين، وكان يحتفظ بجمهوره الهائل حتى أصبح مريضاً ومن المضني للغاية أن يستمر، فقد بدأ ببساطة في تكرار نفسه. ولكن ليس قبل أن يقلب المنزل عن طريق كتابة “أرسطو” بأحرف بارتفاع ثلاثة أقدام على السبورة ثم كتابة “بوبر” بأحرف صغيرة غير مقروءة فعلياً أسفلها! (كرينغ 1980، الصفحات 7-106).

ولأن صحته كانت سيئة، بدأ فييرابند في رؤية المعالج الذي أوصي به له. كان العلاج ناجحاً، ومنذ ذلك الحين اعتاد فييرابند على أن يشير إلى حالته كمثال على كل من فشل الطب التقليدي، والإمكانيات غير المكتشفة إلى حد كبير للعلاجات البديلة أو التقليدية.

وبدلاً من المجلد المكتوب بالاشتراك مع لاكاتوش، وضع فييرابند براعته، نسخة من كتاب ضد المنهج (لندن: كتب اليسار الجديد، 1975) ، والذي تصوره في بعض الأحيان كرسالة إلى لاكاتوش (الذي كرس الكتاب له). ومع ذلك، هناك وصف أكثر دقةً وهو الوصف الوارد في سيرته الذاتية:

ضد المنهج ليس كتاباً، إنه مجموعة قطع مختلفة. يحتوي على أوصاف، تحليلات، والحجج التي كنت قد نشرتها، في الكلمات ذاتها تقريباً، عشرة، خمسة عشر، أو حتى قبل عشرين سنة … رتبتها بترتيب مناسب، وأضفت انتقالات، واستبدلت مقاطع معتدلة بأخرى أكثر فظاعة، ودعوت النتيجة “الفوضوية”. أنا أحب أن أصدم الناس … (ص 139 ، 142).

احتوى الكتاب على العديد من المواضيع المذكورة حتى الآن في هذا المقال، ونثرها في دراسة حالة الانتقال من مركزية الأرض إلى علم الفلك الشمسي. ولكن في حين أنه كان يجادل في السابق لصالح المنهجية (أي المنهجية “التعددية”)، فقد أصبح الآن غير راضٍ عن أي منهجية. وشدد على أن النظريات العلمية القديمة، مثل نظرية الحركة عند أرسطو، كان لها دعم تجريبي وجدلي قوي، وأكد من الناحية النسبية، أن أبطال الثورة العلمية مثل غاليليو، لم يكونوا دقيقين كما صُرح عنهم في بعض الأحيان. وصور غاليليو على أنه استفاد بشكل كامل من البلاغة، والدعاية، والحيل المعرفية المختلفة من أجل دعم موقف مركزية الشمس. إن قضية غاليليو حاسمة بالنسبة لفييرابند، حيث أن “الثورة العلمية” هي براديغمه عن التقدم العلمي والتغيير المفاهيمي الجذري، وغاليليو هو بطله بالثورة العلمية. كما سعى أيضاً إلى تقليل أهمية الحجج التجريبية من خلال الإشارة إلى أن المعايير الجمالية، والنزوات الشخصية والعوامل الاجتماعية لها دوراً أكثر حسماً بكثير في تاريخ العلم مما سيشير إليه تأريخ العقلاني أو التجريبي.

ولفت كتاب “ضد المنهج” الانتباه صراحةً إلى نتيجة “الفوضوي المعرفي” بأنه لا توجد قواعد منهجية مفيدة ومستثناة تحكم تقدم العلم أو نمو المعرفة. إن تاريخ العلم معقد لدرجة أنه إذا أصررنا على منهجية عامة لن تمنع التقدم، فإن “القاعدة” الوحيدة التي سيحتويها ستكون اقتراحاً غير مجدي: “كل شيء مقبول”. وعلى وجه الخصوص، من شأن المنهجيات التجريبية المنطقية والعقلانية النقدية لبوبر أن تمنع التقدم العلمي من خلال فرض شروط تقييدية على النظريات الجديدة. إن “منهجية برامج البحث العلمي الأكثر تطوراً” والتي طورها لاكاتوش، إما أنها تحتوي على أحكام قيمة غير محددة المعالم حول ما يشكل علماً جيداً، أو معقولة فقط لأنها الفوضوية المعرفية المُقنعة. ظاهرة عدم القابلية للقياس تجعل المعايير التي يستخدمها هؤلاء “العقلانيون” لمقارنة النظريات غير قابلة للتطبيق. وهكذا فإن الكتاب (بشكل مفهوم) كان قد وصف فييرابند بأنه “غير عقلاني”. في الوقت الذي كان فيه كون يقلل من شأن تطبيقات “اللاعقلاني” بكتابه الخاص، ونُظر إلى فييرابند على أنه يؤدي بحد ذاته الدور الذي كان الآخرون قد رأوه فيه بالفعل. (ومع ذلك، لم يلزم نفسه بالفوضوية السياسية. وكانت فلسفته السياسية مزيجاً من الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية).

وقال في وقت لاحق:

كان أحد دوافعي لكتابة ضد المنهج هو تحرير الناس من استبداد الإرباكات الفلسفية والمفاهيم المجردة مثل “الحقيقة” أو “الواقع” أو “الموضوعية” التي تضيق رؤية الناس وطرق وجودهم في العالم. وبصياغة ما اعتقدت أنه كان موقفي وقناعاتي، انتهى بي الأمر للأسف بإدخال مفاهيم صلبة مماثلة، مثل “الديمقراطية” و”التقليد” أو “الحقيقة النسبية”. والآن بعد أن أدركت ذلك، أتساءل كيف حدث ذلك. إن الرغبة في شرح أفكار المرء، لا تكون بسيطة، ولا في قصة، بل عن طريق “حساب منتظم” ، وهي قوية بالفعل.(ص. 179-80).

 

  • 5-2- النتائج السياسية للفوضوية الإبستيمولوجية: العلم في مجتمع حر (1978)

يبدو أن رد الفعل الحاسم على “ضد المنهج” قد أخذ فييرابند على حين غُرة. لقد صُدم من اتهامه بالعدوانية والفساد، فأجاب باتهام متهمين له بالشيء ذاته. لقد شعر أنه من الضروري الرد على معظم المراجعات الرئيسية للكتاب المطبوع، ثم جمع هذه الردود في وقت لاحق في جزء من كتابه التالي، العلم في مجتمع حر، تحت عنوان “المحادثات مع الأميين”. وهنا قام بتوبيخ المراجعين المؤسسين لكونهم أساءوا قراءة “ضد المنهج”، بالإضافة إلى كونهم غير قادرين دستورياً على التمييز بين السخرية، والمرح، والحجة من خلال الرد إلى المحال، والأشياء (التي يبدو أنها قليلة نوعاً ما) التي التزم بها فعلاً في ضد المنهج. إن مشهد فييرابند لتسوية هذه الاتهامات عند الآخرين لم يكن في حد ذاته دون سخرية. (تشير أرملته إلى أنه في سنواته الأخيرة، كان كتاب العلم في مجتمع حر هو الكتاب الذي يود أن ينأى بنفسه عنه). وفي الضجة المحيطة بـكتاب ضد المنهج، استسلم فييرابند للاكتئاب:

… الآن كنت وحيداً، مريضاً مع بعض الآلام المجهولة. كانت حياتي الخاصة في حالة من الفوضى، وكنت من دون دفاع. وكثيراً ما كنت أتمنى لو لم أكتب هذا الكتاب السخيف (قتل الوقت، ص 147).

رأى فييرايند نفسه على أنه يقوض حجج موقف العلم المتميزة ضمن الثقافة، والكثير من عمله الأخير كان نقداً لموقف العلم ضمن المجتمعات الغربية. نظراً لعدم وجود منهج علمي، ولا يمكننا تبرير العلم كأفضل طريقة لاكتساب المعرفة. ولا تثبت نتائج العلم تميزها، حيث أن هذه النتائج تعتمد في كثير من الأحيان على وجود عناصر غير علمية، والعلم يسود فقط لأنه ” تم التلاعب بالمشهد لصالحه” (العلم في مجتمع حر، ص 102)، والتقاليد الأخرى، على الرغم من إنجازاتها، لم تتح لها فرصة. ويقترح أن الحقيقة هي أن العلم أقرب إلى الأسطورة من الفلسفة العلمية المُعدة للاعتراف به. إنه أحد أشكال التفكير الكثيرة التي طورها الإنسان وليس بالضرورة الأفضل. إنه واضح، صاخب، وقح، لكنه متفوق بطبيعته فقط بالنسبة لأولئك الذين قرروا بالفعل تأييد إيديولوجية معينة، أو الذين قبلوها دون أن يفحصوا مزاياها وحدودها (ص ، ص 295).

لذلك ينبغي استكمال الفصل بين الكنيسة والدولة بالفصل بين العلم والدولة، لكي نحقق الإنسانية التي نحن قادرون على تحقيقها. وبوضع المثل الأعلى لمجتمع حر هو “مجتمع تتمتع فيه جميع التقاليد بحقوق متساوية وتتساوي في الوصول إلى مراكز السلطة” (العلم في مجتمع حر، ص 9) ، يجادل فييرابند بأن العلم يشكل تهديداً للديمقراطية. وللدفاع عن المجتمع ضد العلم كان لابد لنا من أن نضع العلم تحت سيطرة ديمقراطية وأن نشكك بشكل كبير في “الخبراء” العلميين، ونستشيرهم فقط إذا تم التحكم بهم بشكل ديمقراطي من قبل هيئات من الناس العاديين.

 

  • 5-3- عشر سنوات رائعة: الثمنينات في بيركلي وزيوريخ

من بين المناصب الأكاديمية العديدة كلها لفييرابند، ربما كان أكثر ما تمتع به هو فترة رئاسته طوال فترة الثمانينيات في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ. تقدم فييرابند إلى المنصب بعد أن أخبره صديقه إريك جانتش بأن كلية العلوم التطبيقية كانت تبحث عن فيلسوف للعلم. وكانت عملية الاختيار بتفسير فييرابند، طويلة جداً ومتضمنة إلى حد ما (ص 154 وما بعدها). بعد أن ترك مؤخراً منصباً آخر في كاسل، تخلى عن أمله في التعاقد مع السويسري، و”قرر البقاء في بيركلي والتوقف عن التحرك” (ص 158). ولكن بعد عدة مراحل في إجراء اتخاذ القرار مُنح أخيراً الوظيفة، وتبين أن “عشر سنوات رائعة نصفها بيركلي، ونصفها سويسرا” (ص. 158) هي بالضبط ما كان يبحث عنه. وفي زيوريخ حاضر في ثييتيتوس وتيموس لأفلاطون، ثم في فيزياء أرسطو. والحلقات الدراسية التي استغرقت ساعتين، والتي تم تنظيم الكثير منها من قبل كريستيان توماس (الذي كان يحرر معه فييرابند مختارات) جرت على نفس خطوط بيركلي: لا يوجد موضوع محدد بل عروضاً مقدمة من المشاركين (ص 160). اعتبر فييرابند فيما بعد أن هذه هي الفترة التي “قام فيها بعمله الفكري معاً” (ص 162)، وهذا يعني أنه تعافى من ردود الفعل الانتقادية تجاه “ضد المنهج” وأخيراً تم تحريره من ضرورة الدفاع عنه ضد كل الانتقادات. ومع ذلك يبدو أن هذا لم يؤثر على موقفه تجاه العمل: في زيوريخ، رفض عرضاً لأحد المكاتب؛ لأنه لم يكن هناك مكتب يقصد ساعات العمل، وبالتالي لا مضيعة للوقت! (ص 131 ، 158)

جُمعت العديد من أوراق فييرابند الأهم التي نشرت خلال منتصف الثمانينات 1980 معاً في كتاب وداعا للعقل (لندن: فيرسو ، 1987). إن الرسالة الرئيسية لهذا الكتاب هي أن النسبية هي الحل لمشكلات المعتقدات المتعارضة وطرق الحياة المتعارضة. يبدأ فييرابند من خلال اقتراح أن المشهد الفكري المعاصر في الثقافة الغربية ليس مجزأً ومتناثراً بأي حال من الأحوال كما يريد العديد من المفكرين منا أن نعتقد. إن التنوع السطحي يُكذب الوحدة الأعمق، والرتابة المتولدة والمدعومة من قبل الإمبريالية الثقافية والإيديولوجية التي يستخدمها الغرب للتغلب على خصومه في الخضوع. غير أن هذه الوحدة يمكن إظهار أنها ضارة حتى عندما يتم الحكم عليها وفقاً لمعايير أولئك الذين يفرضونها. إن التنوع الثقافي الموجود بالفعل في بعض المجتمعات، هو أمراً جيداً ليس على الأقل لأنه يوفر أفضل دفاع ضد الهيمنة الشمولية.

يقترح فييرابند دعم فكرة التنوع الثقافي على نحو إيجابي، من خلال الإعتبارات الناتجة لصالحه، وعلى نحو سلبي”من خلال انتقاد الفلسفات التي تعارضه” (وداعاً للعقل، ص 5). ويُقال أن الفلسفات المعاصرة من النوع الأخير ترتكز على مفاهيم الموضوعية والعقل. وأنه يسعى إلى تقويض الفكرة السابقة من خلال الإشارة إلى أن المواجهات بين الثقافات ذات الآراء الراسخة والتي يؤمن بها أعضاء الثقافات المعنية كونها صحيحة موضوعياً يمكنها أن تظهر بطرق مختلفة. وقد تكون نتيجة هذه المواجهة استمراراً للآراء القديمة، والتفاعل المثمر والمتبادل، والنسبية أو التقييم الجدلي. وتعني “النسبية” هنا قراراً للتعامل مع نمط حياة الآخرين والمعتقدات التي يجسدونها على أنها “حقيقية بالنسبة لهم”، في حين أنهم يتعاملون مع آراءنا على أنها “حقيقية بالنسبة لنا”. ويشعر فييرابند أن هذه طريقة مناسبة لحل هذه المواجهة.

ومن المسلم به أن هذه النتائج ممكنة بالفعل. لكن هذا لا يؤسس أي شكل من أشكال النسبية. وقد نحول الجدل حوله في الواقع، ونقول: إن إمكانية حل النزاع من جانب أحد المشاركين في حرية الوصول إلى وجهة نظر الآخر تُظهر عدم قابلية النسبية.

ويتذمر فييرابند أن أفكار العقل والعقلانية “غامضة ولا يمكن شرحها بشكل واضح” (وداعاً للعقل، ص 10)؛ زأنهم يتألمون من أوقات الاستبداد التي لم يعد لها أي محتوى سوى “هالة تميزها” (المرجع نفسه) تتمسك بهم وتضفي عليهم الاحترام الزائف:

لا تمتلك العقلانية أي محتوى يمكن تحديده ولا يبرر أي أجندة يمكن التعرف عليها فوق مبادئ الحزب التي صدف أن اسمها قد تم الإستيلاء عليه. وكل ما تفعله الآن هو إقناع الطبقة بالدافع العام نحو الرتابة. لقد حان الوقت لفك ارتباط العقل بهذا الدافع، كما تم اختراقه بشكل كامل من خلال التداعي، لتوديعه بوداعاً. (وداعاً للعقل، ص 13).

النسبية هي الأداة التي يأمل فييرابند أن “يقوض بها أساس العقل” (المرجع نفسه). ولكن هل العقل بالحرف الكبير “العقل”، وتجريد الفلاسفة وحده، والتخلي عنه، أو العقل ذاته أيضاً؟ فييرابند ليس على أرض ضعيفة عندما يدعي أن “العقل” هو مفهوم الفلاسفة الذي ليس له أي محتوى؛ لأنه بالضبط الفيلسوف الذي يرغب في إرفاق محتوى معين بالمفهوم الصوري للعقلانية (على عكس الشخص العادي، الذي يمتلك مفهوماً عن العقل أقرب إلى ما يسميه فييرابند “المفهوم المادي”، حيث يكون العقلاني هو “تجنب آراء معينة وقبول أخرى” (المرجع نفسه، ص10)).

إن النسبية هي نتيجة للمواجهة الثقافية، “محاولة لفهم ظاهرة التنوع الثقافي” (وداعاً للعقل، ص 19). ويدرك فييرابند جيداً أن مصطلح “النسبية” نفسه يُفهم بعدة طرق مختلفة. لكن محاولته لاحتلال موقع نسبي كبير يمكن الدفاع عنه هو الفشل. ويؤيد في بعض النقاط فقط الآراء التي لا ينكرها أحد، بل لا تستحق أن يُطلق عليها نسبية (مثل فكرة أن الناس قد يستفيدون من دراسة وجهات نظر أخرى، بغض النظر عن مدى قوة وجهة نظرهم الخاصة) (وداعاً للعقل، ص 20)). وفي حالات أخرى، ينجح في الاشتراك في رؤية نسبوية حقيقية لكنه يفشل في إظهار السبب الذي يجب قبولها بناء عليه.

إلا أنه في عام 1988، في الذكرى الخمسين لتوحيد النمسا مع ألمانيا، أصبح فييرابند مهتماً بماضيه (ص 1). غادر فييرابند كاليفورنيا ليعيش في سويسرا وإيطاليا في خريف عام 1989 (ص 2). وخلال هذه الحركة أعاد فييرابند اكتشاف ملاحظة انتحار والدته (ص 9)، والتي ربما كانت أحد العوامل التي دفعته إلى كتابة سيرته الذاتية. وتشوق فييرابند إلى تقاعده، وقرر هو وغرازيا أن يحاولا إنجاب أطفال. وزعم أنه نسي خمسة وثلاثين عاماً من حياته الأكاديمية بالسرعة نفسها التي نسي بها سابقاً خدمته العسكرية (ص 168).

 

  • 5-4- فييرابند في التسعينات

في أوائل التسعينيات، عمل فييرابند على إعداد محاضرات كان قد قدمها من قبل في بيركلي في سلسلة من خمس محاضرات بعنوان “ما هي المعرفة؟” ما هو العلم؟ وقد تم تسليمها في الأصل لجمهور عام، ولكنها حُررت ونشرت في وقت لاحق من قبل أرك أوبراهيم ككتاب بعنوان “طغيان العلم” [فييرابند 2011]

إن الموضوعات الرئيسية للكتاب هي على النحو التالي: في بعض الأحيان يقدم العلماء والفلاسفة العلم على أنه نظرة عالمية موحدة، أو منفردة (أو وحش، اعتماداً على تفضيلات المرء). إن العلم ليس غير مكتمل وغير موحد بقوة تامة. وهو لا يتكلم بصوت واحد، وبالتالي فإن النداءات الموجهة إلى”العلم” المجرد ليست في محلها. فالإيديولوجية المعروفة بالموضوعية، أو المادية العلمية، التي تأخذ العلم على أنه مقياسنا النهائي لما هو موجود، هي بالتالي غير مقيدة. والمدافعين عنه والذين يصورون أنفسهم كمدافعين عن العقل، هم في الغالب من نوع الإمبرياليين الفكريين الذين أدت مواقفهم ونصائحهم في الماضي أو ستؤدي، إلى تدمير المجتمعات الأممية الأولى.

والادعاءات الفلسفية الشعبية الأخرى على قدم المساواة حول العلم هي أيضاً معيبة. وفكرة أن العلم ناجح تحتاج إلى استجواب. إن العلم يحقق بعض النجاحات، ولكن هذا يمكن فصله عن الأيديولوجية التي يبدو أنها تدعمه. ففكرة أن العلم يبدأ من الحقائق، ويتجنب النظريات حتى يتم جمع الحقائق هي أسطورة. ويمكن قول الشيء ذاته عن الفكرة القائلة بأن العلم خالي من القيمة، وكذلك فكرة أن النتائج العلمية ذات صلة بالمشكلات الاجتماعية العاجلة.

ويتمثل أحد جوانب عدم وحدة العلم في أن “العلماء” لا ينبغي أن تعني المنظرين فحسب: فالعلم أيضاً (وبشكل أساسي) يميز التجريبيين. إن أهمية الخبرة العملية في عملهم، وما أطلق عليه ميشيل بولاني “المعرفة الضمنية” هي الأكثر بروزاً. ولكن في الواقع، تلعب أنواع الخبرة والمعرفة هذه دوراً مهماً في العلوم، حتى في الأجزاء النظرية الأكثر وضوحاً. إن الصورة العقلانية الأفلاطونية للعلم على أنه تفكير مجرد حول طبيعة الواقع هي التشويه.

وربما يكون التذمر المركزي للكتاب هو أنه ملخصاً خاصاً، ونوع من العلم “الموضوعي” النظري، إلى جانب أنه نوع من التفكير المرتبط بالعلم، ويسيطر الآن على تفكيرنا، ويستبعد أنماط تفكير بشرية أكثر. إن العلمية، والاعتقاد بأن العلم لديه الإجابة على جميع الأسئلة ذات المغزى، هي أيضاً هدفاً. وتتمثل استراتيجية فييرابند النموذجية في أخذ بعض الأفكار المقدسة (على سبيل المثال، أن نجاح العلم يرجع إلى الملاحظة والتجربة)، ونسأل: كيف نشأ؟ وبتتبع أصله نعود إلى مفكرين يونانيين قدماء (عادة أفلاطون، بارمينيدس، أو أكسينوفان)، ويقييم حججهم لأجل ذلك، ويجدهم مقاومين بشكل واضح. وشكواه ليس أن حججهم غير صحيحة، رغم أنها – ستتخذ بالفعل نمط التقييم شبه العلمي. وبدلاً من ذلك، يوضح فييرابند أنه يفضل “القصص” (أو حتى القصص الخيالية) على الحجج، وأن القصص المنافسة يجب تقييمها من حيث مدى اهتمامها أو جاذبيتها أو الكشف عنها. إن أنواع القصص التي يقولها التراجيديون اليونان القدماء، كونهم بشراً أكثر وضوحاً، مقاييس أفضل بكثير من تلك التي يتبعها الفلاسفة اليونان القدماء، لذا لا ينبغي لنا أن نفترض أن الفلاسفة هم أفضل مرشدين لنا في مثل هذه الأمور.

نشر فييرابند أيضاً عدداً كبيراً من الأوراق في التسعينات 1990 (على الرغم من أن العديد منها كانت أوراقاً قصيرة ذات محتوى متداخل). ظهر عدداً منها في مجلة جديدة بعنوان “المعرفة المشتركة”، وكان له يد في افتتاحيتها التي تهدف إلى دمج الرؤى بأجزاء المنظر الفكري كلها.

وعلى الرغم من أن هذه الأوراق كانت موضوعاً مبعثراً، إلا أن هناك بعض المواضيع القوية التي تتخللها، والتي يقارن العديد منها بما يسمى “ما بعد الحداثة” (انظر بريستون 1998). وهنا سوف أرسم فقط الرئيسية منها.

إن أحد المشاريع التي عمل عليها فييرابند لفترة طويلة، لكنه لم يصل إلى مرحلة الإنجاز، تحت اسم “انبثاق العقلانية الغربية”. وفي ظل هذه المظلة كان يأمل في إظهار أن العقل (بالحرف الكبير) والعلم كان قد شرد المبادئ الملزمة للآراء العالمية السابقة ليس كنتيجة للفوز بحجة، بل كنتيجة للعب القوة. في حين أن الفلاسفة الأوائل (المفكرون ما قبل السقراطيين) كان لديهم آراءاً مثيرة للاهتمام، ومحاولتهم لاستبدال وتبسيط أو عقلنة الحكمة الشعبية التي أحاطت بهم كانت قابلة للمقاومة بشكل واضح. وقد أدى إدخالهم للانقسام المظهر / الواقع إلى تفاهة العديد من الأشياء التي كان الناس يعرفونها في السابق. وحتى في أيامنا هذه، قدمت ثقافات الشعوب الأصلية والممارسات المضادة للثقافة بدائل للعقل والعلم الغربي السيئ.

ومع ذلك، فإن فييرابند أدرك في بعض الأحيان أن هذا العلم الراهن يشبه الكثير من الوحدات المتراصة. وفي معظم أعماله بعد كتاب ضد المنهج، يؤكد فييرابند على ما أصبح يعرف باسم “عدم وحدة العلم”. ويصر على أن العلم مجموعة قطع مختلفة، وليس نظاماً أو مشروعاً موحداً. فهو لا يشمل فقط الكثير من المكونات المشتقة من تخصصات “غير علمية” متميزة، بل هذه المكونات غالباً ما تكون أجزاءاً حيوية من “التقدم” الذي حققه العلم (باستخدام أي معيار للتقدم تفضله أنت). العلم عبارة عن مجموعة من النظريات والممارسات وتقاليد البحث وآراء عالمية لا يُحدد نطاق تطبيقها بشكل جيد وتتفاوت مزاياها إلى حد كبير. ويمكن تلخيص كل هذا في شعاره: “العلم ليس شيئاً واحداً، إنه العديد من الأشياء”.

وبالمثل، لا يتكون الارتباط العلمي الأنطلوجي المفترض، “العالم”، من نوع واحد من الأشياء فحسب، بل أنواعاً لا حصر لها من الأشياء، أشياءً لا يمكن “ردها” لبعضها البعض. وفي الواقع، ليس هناك سبب وجيه يفترض أن العالم له طبيعة واحدة محددة. بل نحن الباحثون نقوم ببناء العالم في سياق أبحاثنا، وتضمن تعدد أبحاثنا أن العالم نفسه يتمتع بجودة الجمع العميقة: إن آلهة هوميروس وجسيمات الفيزياء المجهرية هي ببساطة طرق مختلفة يستجيب فيها “الوجود” لـ( أنواع مختلفة من) البحث. كيف يكون العالم “في حد ذاته” غير معروف على الإطلاق. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار العمل الأخير لفييرابند على أنه يتماشى مع “البنيوية الاجتماعية”.

 

  • 6- الخاتمة: الأشياء الأخيرة

احتلت سيرة فييرابند الذاتية حتى وفاته في 11 شباط 1994، عيادة جينولييه، المطلة على بحيرة جنيف. وأعرب في نهاية الكتاب، عن رغبته في أن يكون ما تبقى منه “ليس ورقات ولا إعلانات نهائية، بل حب” (ص 181).

ونُشرت سيرته الذاتية في عام 1995، وظهر مجلد ثالث من أوراقه الفلسفية في عام 1999، وظهر كتابه الأخير “غزو الوفرة”، الذي حرره بيرت تيربسترا في العام ذاته. ويجري حالياً إعداد عدد من أوراقه حول فلسفة ميكانيكا الكم تحت إشراف ستيفانو غاتي وجوزيف أغاسي.

وعلى الرغم من أن تركيز فلسفة العلم قد ابتعد عن الاهتمام بالمنهجية العلمية في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا لا يُعزى إلى حد كبير إلى قبول حجة فييرابند المناهضة للمنهجية. إن نقده للعلم (الذي منحه سمعة كونه “فيلسوفاً مناهضاً للعلم” ، “أسوأ عدو للعلم”، وما إلى ذلك) غير مكتمل. تنبع بعض عيوبه مباشرةً من واقعيته العلمية. فهو يقيم مواجهة مباشرة بين العلم وأنظمة الاعتقاد الأخرى كما لو أنها تهدف جميعها إلى القيام بالشيء ذاته (تعطينا “معرفة العالم”) ويجب مقارنتها بمدى نجاحها في تسليم البضائع. وأفضل طريقة ستكون في كلمات جيلبرت رايل، “أن نستخلص تناقضات لا تقبل المساومة” بين أعمال العلم وتلك الخاصة بأنظمة الاعتقاد الأخرى. واقترب مثل هذا النهج المناسب بشكل أفضل لموضوع فييرابند في وقت لاحق من حياته: إنه تفكك العلم.

كان يُنظر إلى فييرابند باعتباره نسبي ثقافي رائد، ليس فقط لأنه شدد على أن بعض النظريات غير قابلة للقياس، ولكن أيضاً لأنه دافع عن النسبية في السياسة وكذلك في نظرية المعرفة. وباستنكاره للإمبريالية الغربية العدوانية، وانتقاده للعلم ذاته، واستنتاجه أنه قد لا يكون هناك شيئاً “موضوعياً” للاختيار بين ادعاءات العلم وتلك المتعلقة بعلم التنجيم، والشعوذة، والطب البديل، فضلاً عن اهتمامه بالقضايا البيئية. وكان بطلاً لثقافة مضادة مكافحة للتقنية.

لقد أثرت مكونات ومراحل مختلفة من عمل فييرابند على مجموعات مختلفة جداً من المفكرين. وواقعيته العلمية، ونظرية المعنى السياقية، وتم تبني الطريقة التي اقترحها عن المادية من قبل ريتشارد رورتي لفترة، وأيد أيضاً المادية الاستبعادية. وأثَّر نقد فييرابند للاختزالية على فلاسفة علم مثل كليف هوكر، وباس فان فراسين، وجون دوبري، وأثرت وجهة نظره العامة على كتب مثل مقدمة آلان تشالمرز المعروفة لفلسفة العلم “ما هو هذا الشيء الذي يطلق عليه اسم العلم؟” (1978).

كان لفييرابند أيضاً تأثيراً كبيراً داخل الدراسات الاجتماعية. والتي استوحت مباشرةً كتباً مثل كتاب “التخلي عن المنهج” (1973) ، حيث جرت محاولة تجاوز المنهجية. وبصورة أقل مباشرةً، كان قد مارس نفوذاً هائلاً على جيل من علماء اجتماع العلم من خلال نظرته النسبية، البنائية الاجتماعية، واللاعقلانية الظاهرة. ولا يزال من المبكر للغاية القول ما إذا كانت فلسفته ستُذكر، وبأي طريقة.

 

 

 

 


  • فهرس
    • الكتابات الرئيسية لفييرابند
  • “Problems of Empiricism”, Beyond the Edge of Certainty: Essays in Contemporary Science and Philosophy, R.G. Colodny (ed.), New Jersey: Prentice-Hall, 1965, pp. 145–260.
  • Against Method, London: Verso, 1975.
  • Science in a Free Society, London: New Left Books, 1978.
  • Der wissenschaftstheoretische Realismus und die Autorität der Wissenschaften, Braunschweig: Vieweg, 1978.
  • Erkenntnis für freie Menschen, Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1980.
  • Realism, Rationalism, and Scientific Method (Philosophical Papers, Volume 1), Cambridge: Cambridge University Press, 1981.
  • Problems of Empiricism (Philosophical Papers, Volume 2), Cambridge: Cambridge University Press, 1981.
  • Wissenschaft als Kunst, Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1984.
  • Farewell to Reason, London: Verso/New Left Books, 1987.
  • Against Method, London: 1975; Revised edition, London: Verso, 1988.
  • Three Dialogues on Knowledge, Oxford: Basil Blackwell, 1991.
  • Killing Time: The Autobiography of Paul Feyerabend, Chicago: University of Chicago Press, 1995.
  • Conquest of Abundance: A Tale of Abstraction Versus the Richness of Being, B. Terpstra (ed.), Chicago: University of Chicago Press, 1999.
  • Knowledge, Science and Relativism (Philosophical Papers, Volume 3), J. Preston (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1999.
  • Naturphilosophie, eds. H. Heit & E. Oberheim, Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2009.
  • The Tyranny of Science, E. Oberheim (ed.), Cambridge: Polity Press, 2011.
  • Physics and Philosophy (Philosophical Papers, Volume 4), S. Gattei & J. Agassi (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, 2016.
  • Philosophy of Nature, New Jersey: Wiley-Blackwell, 2016.
  • التسجيلات الصوتية
  • Paul Feyerabend:Wissenschaftstheoretische Plaudiereien (Originaltonaufnahmen 1971-1992)Klaus Sander (ed.),  Köln: Supposé, 2000.
  • Paul Feyerabend: Stories from Paulino’s Tapes (Private Recordings 1984-1993), Grazia Borrini-Feyerabend & Klaus Sander (eds.), Köln: Supposé, 2001.
  • المصادر الثانوية
  • Achinstein, P., 1964, “On the Meaning of Scientific Terms”, Journal of Philosophy, 61: 497–509.
  • –––, 1968, Concepts of Science, Baltimore: Johns Hopkins University Press.
  • Agassi, J., 1976, Review of Against Method, Philosophia, 6: 165–177.
  • –––, 2002, “A Touch of Malice” (Review of Feyerabend & Lakatos 1999),Philosophy of the Social Sciences, 32: 107–119.
  • Alford, C.F., 1985, “Yates on Feyerabend’s Democratic Relativism”, Inquiry, 28: 113–118.
  • Andersson, G., 1994, Criticism and the History of Science: Kuhn’s, Lakatos’s and Feyerabend’s Criticisms of Critical Rationalism, Leiden: Brill.
  • Athanasopoulos, C., 1994, “Pyrrhonism and Paul Feyerabend: A Study of Ancient and Modern Scepticism”, in Hellenistic Philosophy (Volume 2), K. Boudouris (ed.), Athens: International Center for Greek Philosophy and Culture, pp. 11–29.
  • Baertschi, B., 1986, “Le Réalisme Scientifique de Feyerabend”, Dialogue, 25: 267–289.
  • Bearn, G.C.F., 1986, “Nietzsche, Feyerabend, and the Voices of Relativism”, Metaphilosophy, 17: 135–152.
  • Ben-Israel, I., 1986, “Philosophy and Methodology of Military Intelligence: Correspondence with Paul Feyerabend”, Philosophia, 28: 71–101.
  • Bernstein, R.J., 1983, Beyond Objectivism and Relativism, Oxford: Basil Blackwell.
  • Bhaskar, R., 1975, “Feyerabend and Bachelard: Two Philosophies of Science”, New Left Review, 94: 31–55.
  • Brown, H.I., 1976, “Reduction and Scientific Revolutions”, Erkenntnis, 10: 81–385.
  • –––, 1983, “Incommensurability”, Inquiry, 26: 3–29.
  • Brown, M.J., 2009, “Models and Perspectives on Stage: Remarks on Giere’s Scientific Perspectivism”, Studies in History and Philosophy of Science, Part A, 40: 213–220.
  • –––, 2016, “The Abundant World: Paul Feyerabend’s Metaphysics of Science”, Studies in History and Philosophy of Science (Part A), 57: 142–154.
  • Brown, M.J. & Kidd, I.J., 2016, “Introduction: Reappraising Paul Feyerabend”, Studies in History and Philosophy of Science (Part A), 57: 1–8.
  • Bschir, K., 2015, “Feyerabend and Popper on Proliferation and Anomaly Import: On the Compatibility of Theoretical Pluralism and Critical Rationalism”, HOPOSThe Journal of the International Society for the History of Philosophy of Science, 5: 24–55.
  • Burian, R.M., 1984, “Scientific Realism and Incommensurability: Some Criticisms of Kuhn and Feyerabend”, in Methodology, Metaphysics and the History of Science, R.S.Cohen and M.W.Wartofsky (eds.), Dordrecht: D.Reidel, pp. 1–31.
  • Butts, R.E., 1966, “Feyerabend and the Pragmatic Theory of Observation”, Philosophy of Science, 33: 383–93.
  • Casamonti, M., 2002, “Mach e Feyerabend”, Rivista di Estetica, 42: 86–117.
  • Chalmers, A., 1986, “The Galileo that Feyerabend Missed: An Improved Case Against Method”, in J.A.Schuster & R.R.Yeo (eds.), The Politics and Rhetoric of Scientific Method, Dordrecht: D. Reidel, pp. 1–31.
  • –––, 1978, What is This Thing Called Science, Milton Keynes: Open University Press.
  • Churchland, P.M., 1979, Scientific Realism and the Plasticity of Mind, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1981, “Eliminative Materialism and the Propositional Attitudes”, Journal of Philosophy, 78: 67–90.
  • Churchland, P.S., 1986, Neurophilosophy: Toward a Unified Science of the Mind/Brain, Cambridgem, Mass.: MIT Press.
  • Coffa, J.A., 1967, “Feyerabend on Explanation and Reduction”, Journal of Philosophy, 64: 500–508.
  • Collier, J., 1984, “Pragmatic Incommensurability”, in P.D.Asquith & P.Kitcher (eds.), PSA 1984, Volume 1, East Lansing, MI: Philosophy of Science Association, pp. 146–153.
  • Collodel, M., 2016, “Was Feyerabend a Popperian?”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 27–56.
  • Corvi, R., 1992, I Fraintendimenti della Ragione: Saggio su P.K.Feyerabend, Milan: Vita e Pensiero.
  • Couvalis, S.G., 1986, “Should Philosophers Become Playwrights?”, Inquiry, 29: 451–457.
  • –––, 1987, “Feyerabend’s Epistemology and Brecht’s Theory of the Drama”, Philosophy and Literature, 11: 117–123.
  • –––, 1988a, “Feyerabend, Ionesco, and the Philosophy of the Drama”, Critical Philosophy, 4: 51–68.
  • –––, 1988b, “Feyerabend and Laymon on Brownian Motion”, Philosophy of Science, 55: 415–421.
  • –––, 1989, Feyerabend’s Critique of Foundationalism, Aldershot: Avebury Press.
  • –––, 2001, “Recent Feyerabendiana”, Metascience, 10: 39–49.
  • Davidson, D., 1973, “On the Very Idea of a Conceptual Scheme”, Proceedings of the American Philosophical Association, 47: 5–20. (Reprinted in Krausz and Meiland 1982).
  • Devitt, M., 1979, “Against Incommensurability”, Australasian Journal of Philosophy, 57: 29–50.
  • Dürr, H-P., ed., 1980, Versuchungen: Aufsätze zur Philosophie Paul Feyerabend’s, Erster Band, Frankfurt: Suhrkamp.
  • ––– (ed.), 1981, Versuchungen: Aufsätze zur Philosophie Paul Feyerabend’s, Zweiter Band, Frankfurt: Suhrkamp.
  • Dusek, V., 1998, “Brecht and Lukács as Teachers of Feyerabend and Lakatos: The Feyerabend-Lakatos Debate as Scientific Recapitulation of the Brecht-Lukács Debate”, History of the Human Sciences, 11: 25–44.
  • Everitt, N., 1981, “A Problem for the Eliminative Materialist”, Mind, 90: 428–434.
  • Farrell, R.P., 2000, “Rival Theories and Empirical Content Revisited”, Studies in History and Philosophy of Science, 31: 137–149.
  • –––, 2000, “Will the Popperian Feyerabend please step forward: pluralistic, Popperian themes in the Philosophy of Paul Feyerabend”, International Studies in the Philosophy of Science, 14: 257–266.
  • –––, 2001, “Feyerabend’s Metaphysics: Process-Realism or Voluntarist-Idealism?”, Journal for General Philosophy of Science, 32: 351–369.
  • –––, 2003, Feyerabend and Scientific Values: Tightrope-Walking Rationality, Dordrecht: Kluwer.
  • –––, 2005, “Feyerabend and Scientific Values: Tightrope-Walking Rationality”, Philosophy of Science, 72(3): 514–517.
  • Finocchiaro, M.A., 1978, “Rhetoric and Scientific Rationality”, in P.D.Asquith & I.Hacking (eds.), PSA 1978, Volume 1, East Lansing, MI: Philosophy of Science Association, pp. 235–246.
  • Floyd, J., 2005, “Homage to Vienna: Feyerabend on Wittgenstein (and Austin and Quine)”, in K.R.Fischer & F.Stadler (eds.), Paul Feyerabend (1924–1994)—Ein Philosoph aus Wien, Berlin: Springer Verlag, pp.465–470.
  • Fuller, S., 1995, “Paul Feyerabend: An Appreciation”, Vest, 8: 7–15.
  • Gattei, S., 2016, “Feyerabend, Truth, And Relativisms: Footnotes To The Italian Debate”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 87–95.
  • Gellner, E., 1975, “Beyond Truth and Falsehood (Review of Against Method)”, British Journal for the Philosophy of Science, 26: 331–342.
  • Giedymin, J., 1970, “The Paradox of Meaning Variance”, British Journal for the Philosophy of Science, 21: 257–268.
  • –––, 1971, “Consolations for the Irrationalist?”, British Journal for the Philosophy of Science, 22: 39–53.
  • –––, 1976, “Instrumentalism and its Critique: A Reappraisal”, in R.S.Cohen, P.K.Feyerabend & M.Wartofsky (eds.), Essays in Memory of Imre Lakatos, Dordrecht: D. Reidel, pp. 179–207.
  • Giere, R.N., 2016, “Feyerabend’s Perspectivism”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 137–141.
  • Goldman, M., 1980, “The Material Basis for Progress in Science”, in P.T.Durbin (ed.), Research in Philosophy & Technology, Greenwich, CT: JAI Press, pp. 23–29.
  • –––, 1982, “Science and Play”, in P.D.Asquith & T.Nickles (eds.), PSA 1982, Volume 1, East Lansing, MI: Philosophy of Science Association, pp. 406–414.
  • Grebowicz, G., 2005, “Feyerabend’s Postmodernism”, Studies in Practical Philosophy, 5: 112–133.
  • Gunaratne, R.D., 1980, Science, Understanding and Truth, Sri Lanka: Ministry of Higher Education Publications.
  • Hacking, I., 1975, Why Does Language Matter to Philosophy?, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1983, Representing and Intervening: Introductory Topics in the Philosophy of Natural Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1991, “Review of P.K.Feyerabend, Against Method, and Farewell to Reason,” Journal of Philosophy, 88: 219–223.
  • Hannay, A., 1989, “Politics and Feyerabend’s Anarchist”, in M.Dascal & O.Gruengard (eds.), Knowledge and Politics, Colorado: Westview Press, pp. 241–263.
  • Hanson, N.R., 1959, “Five Cautions for the Copenhagen Interpretation’s Critics”, Philosophy of Science, 26: 325–337.
  • Harding, S., 2003, Science and Other Cultures: Issues in Philosophies of Science and Technology, London: Routledge.
  • –––, 2006, Science and Social Inequality: Feminist and Postcolonial Issues, Champaign: University of Illinois Press.
  • Harré, R., 1977, Review of P.K.Feyerabend’s Against Method, Mind, 86: 294–298.
  • –––, 1985, “For Method: A Response to Feyerabend”, New Ideas in Psychology, 3: 13–17.
  • Heit, H., 2016, “Reasons for Relativism: Feyerabend on the “Rise of Rationalism” in Ancient Greece”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 70–78.
  • Heller, L., 2016, “Between Relativism and Pluralism: Philosophical and Political Relativism in Feyerabend’s Late Work”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 96–105.
  • Hentschel, K., 1985, “On Feyerabend’s Version of “Mach’s Theory of Research and its Relation to Einstein”, Studies in History and Philosophy of Science, 16: 387–394.
  • Hesse, M.B., 1974, The Structure of Scientific Inference, London: MacMillan.
  • –––, 1980, Revolutions and Reconstructions in the Philosophy of Science, Sussex: Harvester Press.
  • Hollis, M. & Lukes, S. (eds.), 1982, Rationality and Relativism, Oxford: Basil Blackwell.
  • Hooker, C., 1972a, Critical Notice of M.Radner & S.Winokur, Analyses of Theories and Methods of Physics and Psychology (Minnesota Studies in the Philosophy of Science, Volume 4), Canadian Journal of Philosophy, 1: 489–507.
  • Horgan, J., 1993, “Profile: Paul Karl Feyerabend: The Worst Enemy of Science”, Scientific American, May: pp. 16–17.
  • Hoyningen-Huene, P., 1994, “Obituary of Paul K.Feyerabend (1924–1994)”, Erkenntnis, 40: 289–292.
  • –––, 1997, “Paul K. Feyerabend”, Journal for General Philosophy of Science 28 (1): 1–18.
  • –––, 1999, “Paul K. Feyerabend”, in: J. Nida-Rümelin (ed.), Philosophie der Gegenwart in Einzeldarstellungen, Stuttgart: Kröner, pp. 155–160.
  • –––, 1999, “Feyerabends Kritik an Kuhns normaler Wissenschaft”, in J.Nida-Rümelin (ed.), Rationality, Realism, Revision: Proceedings of the 3rd international congress of the Society for Analytical Philosophy, Berlin: de Gruyter.
  • –––, 2006, “More Letters by Paul Feyerabend to Thomas S. Kuhn on Proto-Structure”, Studies in History and Philosophy of Science, 37(4): 610–632.
  • Hull, R.T., 1972, “Feyerabend’s Attack on Observation Sentences”, Synthese, 23: 374–399.
  • Hung, H-C.E., 1987, “Incommensurability and Inconsistency of Languages”, Erkenntnis, 27: 323–352.
  • Jones, W.B., 1978, “Theory-Ladenness and Theory Comparison”, in P.D.Asquith & I.Hacking (eds.), PSA 1978 (Volume 1, East Lansing, MI: Philosophy of Science Association, pp. 83–92.
  • Kadvany, J., 1996, “Reason in History: Paul Feyerabend’s Autobiography”, Inquiry, 39: 141–146.
  • Kidd, I.J., 2008, “Method in the Madness: Feyerabend’s Philosophical Pluralism (Review of Oberheim 2006)”, Metascience, 17: 469–473.
  • –––, 2011, “Objectivity, Abstraction and the Individual: The Influence of Soren Kierkegaard on Paul Feyerabend”, Studies in History and Philosophy of Science, 42: 125–134.
  • –––, 2012, “Feyerabend, Pseudo-Dionysius, and the Ineffability of Reality”, Philosophia, 40: 365–377.
  • –––, 2013, “Feyerabend on the Ineffability of Reality”, in Models of God and Other Ultimate Realities (Volume 2), A.Kasher & J.Diller (eds.), Dordrecht: Kluwer, pp. 849–860.
  • –––, 2013, “A Pluralist Challenge to “Integrative Medicine”: Feyerabend and Popper on the Cognitive Value of Alternative Medicine”, Studies in History and Philosophy of Biological and Biomedical Sciences, 44: 392–400.
  • –––, 2013, “Feyerabend on Science and Education”, Journal of Philosophy of Education, 47: 407–422.
  • –––, 2015, “ What’s So Great About Feyerabend? “ Against Method ”, Forty Years On”, Metascience, 24: 343–349.
  • –––, 2016, “ What’s So Great About Science?: Feyerabend on Science, Ideology, and the Cold War”, E. Aronova & S. Turchetti (eds.) Science Studies during the Cold War and Beyond , Basingstoke: Palgrave Macmillan.
  • –––, 2016, “Feyerabend on Politics, Education, and Scientific Culture”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 121–128.
  • Kidd, I. & Brown, M. (eds.), 2016, Reappraising Feyerabend: Special Issue of Studies in History and Philosophy of Science (Part A), volume 57.
  • Kleiner, S.A., 1979, “Feyerabend, Galileo and Darwin: How to Make the Best out of what you have—or think you can get”, Studies in History and Philosophy of Science, 10: 285–309.
  • Koertge, N., 1972, “For and Against Method” (Review of Radner & Winokur), British Journal for the Philosophy of Science, 23: 274–285.
  • –––, 1980, Review of P.K. Feyerabend’s Science in a Free Society, British Journal for the Philosophy of Science, 31: 385–390.
  • –––, 2013, “Feyerabend, Feminism, and Philosophy”, HOPOSThe Journal of the International Society for the History of Philosophy of Science, 3: 139–141.
  • Kresge, S., 1996, “Feyerabend Unbound”, (Review of Killing Time), Philosophy of the Social Sciences, 26: 293–303.
  • Krige, J., 1980, Science, Revolution and Discontinuity, Sussex: Harvester Press.
  • Kuby, D., 2016, “Feyerabend’s “The Concept of Intelligibility in Modern Physics” (1948)”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 57–63.
  • Kusch, M., 2016, “Relativism in Feyerabend’s Later Writings”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 106–113.
  • Lakatos, I., 1978, The Methodology of Scientific Research Programmes (Philosophical Papers, Volume 1), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Lamb, D, Munévar, G. & Preston, J.M. (eds.), 2000, The Worst Enemy of Science (Essays on the Philosophy of Paul Feyerabend), Oxford: Oxford University Press.
  • Laudan, L., 1989, “For Method: or, Against Feyerabend”, in J.R.Brown & J.Mittelstrass (eds.), An Intimate Relation, Dordrecht: Kluwer, pp. 299–317.
  • Laymon, R., 1977, “Feyerabend, Brownian Motion, and the Hiddenness of Refuting Facts”, Philosophy of Science, 44: 225–247.
  • Leplin, J., 1969, “Meaning Variance and the Comparability of Theories”, British Journal for the Philosophy of Science, 20: 69–75.
  • Lloyd, E.A., 1996, “The Anachronist Anarchist”, Philosophical Studies, 81: 247–261.
  • Machamer, P.K., 1973, “Feyerabend and Galileo: the Interaction of Theories, and the Reinterpretation of Experience”, Studies in History and Philosophy of Science, 4: 1–46.
  • Maia Neto, J.R., 1991, “Feyerabend’s Scepticism”, Studies in History and Philosophy of Science, 22: 543–55.
  • Malolo Dissakè, E., 2001, Feyerabend: Épistémologie, anarchisme, et société libre, Paris: Presses Universitaires de France.
  • Margolis, J., 1970a, “Notes on Feyerabend and Hanson”, in M.Radner & S.Winokur (eds.), Analyses of Theories and Methods in Physics and Psychology (Minnesota Studies in the Philosophy of Science, Volume 4), Minneapolis: University of Minnesota Press, pp. 193–195.
  • Martin, E.C., 2016, “Late Feyerabend on materialism, mysticism, and religion”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 129–136.
  • Martin, M., 1984, “How to be a Good Philosopher of Science: A Plea for Empiricism in Matters Methodological”, in R.S.Cohen & M.Wartofsky (eds.), Methodology, Metaphysics and the History of Science: in Memory of Benjamin Nelson, Dordrecht: Reidel, pp. 33–42.
  • McEvoy, J.G., 1975, “A “Revolutionary” Philosophy of Science: Feyerabend and the Degeneration of Critical Rationalism into Sceptical Fallibilism”, Philosophy of Science, 42: 49–66.
  • Mellor, D.H., 1969, “Physics and Furniture”, in N.Rescher (ed.), Studies in the Philosophy of Science (American Philosophical Quarterly Monograph Series, No. 3), Oxford: Basil Blackwell, pp. 171–187.
  • Moberg, D.W., 1979, “Are there Rival, Incommensurable Theories?”, Philosophy of Science, 46: 244–262.
  • Motterlini, M. (ed.), 1999, For and Against Method, including Lakatos’s Lectures on Scientific Method, and the Lakatos-Feyerabend Correspondence, Chicago: University of Chicago Press.
  • Munévar, G. (ed.), 1991, Beyond Reason: Essays on the Philosophy of Paul Feyerabend, Dordrecht: Kluwer.
  • –––, 1998, Evolution and the Naked Truth: A Darwinian Approach to Philosophy, Aldershot: Avebury.
  • –––, 2002, “Conquering Feyerabend’s Conquest of Abundance?”, Philosophy of Science, 69: 519–535.
  • –––, 2016, “Historical Antecedents to the Philosophy of Paul Feyerabend”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 9–16.
  • Musgrave, A., 1976, “Method or Madness? Can the Methodology of Research Programmes be Rescued from Epistemological Anarchism?”, in R.S. Cohen, P.K. Feyerabend & M. Wartofsky (eds.), Essays in Memory of Imre Lakatos, Dordrecht: D. Reidel, pp. 457–491.
  • –––, 1978, “How to Avoid Incommensurability”, in I. Niiniluoto & R. Tuomela [1979], pp. 337–346.
  • Nagel, E., 1979, Teleology Revisited, and Other Essays in the Philosophy and History of Science, New York: Columbia University Press.
  • Newton-Smith, W.H., 1981, The Rationality of Science, London: Routledge and Kegan Paul.
  • Nordmann, A., 1990, “Goodbye and Farewell: Siegel vs. Feyerabend”, Inquiry, 33: 317–331.
  • Oberdan, T., 1990, “Positivism and the Pragmatic Theory of Observation”, in A. Fine, M. Forbes & L. Wessels (eds.), PSA 1990, Volume 1, East Lansing, MI: Philosophy of Science Association, pp. 25–37.
  • Oberheim, E., 2005, “On the Historical Origins of the Contemporary Notion of Incommensurability: Paul Feyerabend’s Assault on Conceptual Conservatism”, Studies in History and Philosophy of Science, 36(2): 363–390.
  • –––, 2006, Feyerabend’s Philosophy, New York: De Gruyter.
  • –––, 2016, “Rediscovering Einstein’s Legacy: How Einstein anticipates Kuhn and Feyerabend on the nature of science ”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 17–26.
  • Oberheim, E., & Hoyningen-Huene, P., 2000, “Feyerabend’s Early Philosophy” (Review of J.Preston, Feyerabend: Philosophy, Science and Society), Studies in History and Philosophy of Science, 31: 363–375.
  • O’Gorman, F., 1989, Rationality and Relativity: The Quest for Objective Knowledge, Aldershot: Avebury Press, Ch. 3.
  • Papineau, D., 1979, Theory and Meaning, Oxford: Clarendon Press.
  • Pera, M., 1994, The Discourses of Science, Chicago: University of Chicago Press.
  • Phillips, D.L., 1973, Abandoning Method, San Francisco: Jossey-Bass.
  • Post, H., 1971, “Correspondence, Invariance and Heuristics”, Studies in History and Philosophy of Science, 2: 213–255.
  • Preston, J.M., 1995a, “Frictionless Philosophy: Paul Feyerabend and Relativism” History of European Ideas, 20: 963–968.
  • –––, 1997a, Feyerabend: Philosophy, Science and Society, Cambridge: Polity Press.
  • –––, 1997b, “Feyerabend’s Retreat from Realism”, Philosophy of Science, 64: 421–431.
  • –––, 1997c, “Feyerabend’s Final Relativism” The European Legacy, 2: 615–620.
  • –––, 1998, “Science as Supermarket: “Post-Modern” Themes in Paul Feyerabend’s Later Philosophy of Science”, Studies in History and Philosophy of Science, 29: 425–447.
  • –––, 2016, “The Rise of Western Rationalism: Paul Feyerabend’s Story”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 79–86.
  • Preston, J., Munévar, G. & Lamb, D. (eds.), 2000, The Worst Enemy of Science? Essays in Memory of Paul Feyerabend, New York: Oxford University Press.
  • Putnam, H., 1965, “How Not to Talk about Meaning”, in R.Cohen & M.W.Wartofsky (eds.) Boston Studies in the Philosophy of Science, Volume 2 (In Honor of Philipp Frank), New York: Humanities Press, pp. 117–131.
  • –––, 1978, Meaning and the Moral Sciences, London: Routledge and Kegan Paul.
  • –––, 1981, Reason, Truth, and History, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Roe, S.M., 2009, “The Attenuated Ramblings of a Madman: Feyerabend’s Anarchy Examined”, Polish Journal of Philosophy, 3: 67–85.
  • Sankey, H., 1994, The Incommensurability Thesis, Aldershot: Avebury Press.
  • Scheffler, I., 1966, Science and Subjectivity, Indianapolis: Hackett Publishing Co.
  • Scheibe, E., 1988, “Paul Feyerabend un die rationalen Rekonstruktionen”, in P.Hoyningen-Huene & G.Hirsch (eds.), Wozu Wissenschaftsphilosophie? Positionen und Fragen zur heutigen Wissenschaftsphilosophie, Berlin: De Gruyter.
  • Shapere, D., 1966, “Meaning and Scientific Change”, in R.G.Colodny (ed.), Mind and Cosmos: Essays in Contemporary Science and Philosophy, Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, pp. 41–85.
  • Siegel, H., 1989, “Farewell to Feyerabend”, Inquiry, 32: 343–369.
  • Solomon, M., 2008, “Norms of Dissent”, in D.Fennell (ed.), Contingency and Dissent in Science Project Discussion Paper Series, London School of Economics CPNSS Discussion Paper, Technical Report 0908.
  • Sorgner, H., 2016, “Challenging Expertise: Paul Feyerabend vs. Harry Collins & Robert Evans on democracy, public participation and scientific authority”, Studies in History and Philosophy of Science, 57: 114–120.
  • Stadler, F., and Fischer, K. R. (eds.), 2006, Paul Feyerabend: Ein Philosoph aus Wien, Vienna: Springer.
  • Suppe, F. (ed.), 1977, The Structure of Scientific Theories, Urbana: University of Illinois Press.
  • –––, 1989, The Semantic Conception of Theories and Scientific Realism, Urbana: University of Illinois Press.
  • Szumilewicz, I., 1977, “Incommensurability and the Rationality of the Development of Science”, British Journal for the Philosophy of Science, 28: 345–350.
  • Tambolo, L., 2014, “Pliability and Resistance: Feyerabendian Insights into Sophisticated Realism”, European Journal for Philosophy of Science, 4: 197–213.
  • –––, 2015, “A Tale of Three Theories: Feyerabend and Popper on Progress and the Aim of Science”, Studies in History and Philosophy of Science, 51: 33–41.
  • Theocharis, T. & Psimopoulos, M., 1987, “Where Science Has Gone Wrong”, Nature, 329: 595–598.
  • Thomason, N., 1994, “The Power of ARCHED Hypotheses: Feyerabend’s Galileo as a Closet Rationalist”, British Journal for the Philosophy of Science, 45: 255–264.
  • Tibbetts, P., 1976, “Feyerabend on Ideology, Human Happiness, and the Good Life”, Man and World, 9: 362–371.
  • Townsend, B., 1971, “Feyerabend’s Pragmatic Theory of Observation and the Comparability of Alternative Theories”, in R.C.Buck & R.S.Cohen (eds.), PSA 1970 (Boston Studies in the Philosophy of Science, Volume 8), Dordrecht: D. Reidel, pp. 202–211.
  • Trigg, R., 1973, Reason and Commitment, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Tsou, J.Y., 2003, “Reconsidering Feyerabend’s Anarchism”, Perspectives on Science: Historical, Philosophical, Social, 11(2): 208–235.
  • Van Fraassen, B.C., 1980, The Scientific Image, Oxford: Clarendon Press.
  • Watkins, J.W.N., 1984, Science and Scepticism, New Jersey: Princeton University Press.
  • Weckert, J., 1986, “The Theory-Ladenness of Observations”, Studies in History and Philosophy of Science, 17: 115–127.
  • Weimer, W.B., 1980, “For and Against Method: Reflections on Feyerabend and the Foibles of Philosophy”, Pre/Text, 1–2: 161–203.
  • Werth, R., 1980, “On the Theory-Dependence of Observations”, Studies in History and Philosophy of Science, 11: 137–143.
  • Wisdom, J.O., 1974, “The Incommensurability Thesis”, Philosophical Studies, 25: 299–301.
  • Worrall, J., 1978a, “Against Too Much Method”, Erkenntnis, 13: 279–295.
  • –––, 1978b, “Is the Empirical Content of a Theory Dependent On Its Rivals?” in I.Niiniluoto and R.Tuomela (eds.), The Logic and Epistemology of Scientific Change, Acta Philosophica Fennica, 30: 298–310.
  • –––, 1991, “Feyerabend and the Facts”, in Munévar (ed.), [1991], pp. 329–353.
  • Yates, S., 1984, “Feyerabend’s Democratic Relativism”, Inquiry, 27: 137–142.
  • –––, 1985, “More on Democratic Relativism: A Response to Alford”, Inquiry, 28: 450–453.
  • Yuann, J. J., 2007, “A Naturalistic Approach to Scientific Methodology: A Comparative Study of O. Neurath and P. Feyerabend”, in Chienkuo Michael Mi &R.L.Chen (eds.), Naturalized Epistemology and Philosophy of Science, Amsterdam & New York: Rodopi, pp. 171–196.
  • Zahar, E., 1977, “Mach, Einstein, and the Rise of Modern Science”, British Journal for the Philosophy of Science, 28: 195–213.
  • –––, 1978, “Theorienkonflikt und die Steurerung der Erkenntnis”, in O.Molden, (ed.), Konflikt und Ordnung: Europäisches Forum Alpbach, Vienna: Molden Verlag, 1977, pp. 234–239.
  • –––, 1981, “Second Thoughts About Machian Positivism: A Reply to Feyerabend”, British Journal for the Philosophy of Science, 32: 267–276.
  • –––, 1982, “Feyerabend on Observation and Empirical Content”, British Journal for the Philosophy of Science, 33: 397–409.
  • الأدوات الأكاديمية
  • مراجع الأنترنت الأخرى
  • مُدخلات ذات صلة

anarchism | essential vs. accidental properties | Frege, Gottlob | Galileo Galilei | Kuhn, Thomas | Lakatos, Imre | liberalism | logic: inductive | logical positivism | Mach, Ernst | Marxism | meaning, theories of | Mill, John Stuart | Nietzsche, Friedrich | Popper, Karl | postmodernism | Principia Mathematica | quantum mechanics | rationalism vs. empiricism | realism | relativism | scientific method | scientific realism | social democracy | Vienna Circle | Wittgenstein, Ludwig

 

 

 

[1] Preston, John, “Paul Feyerabend”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/feyerabend/>.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق