Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

تجربة الوقت وإدراكه – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد الحربي

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. روبن لو بويدفن ، حول الوقت وطريقة إدراكنا أو إحساسنا به، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

 

نحن نرى الألوان ونسمع الأصوات ونلمس الأنسجة، لكن على ما يبدو أن بعض جوانب العالم يتم معالجتها من خلال حاسة معينة. جوانب أخرى، كالشكل، يتم معالجتها بأكثر من حاسة. ولكن ما هي الحاسة أو الحواس التي نستخدمها عند إدراك الوقت؟ من المؤكد أنه لا يرتبط بحاسة واحدة معينة. في الواقع، يبدو من الغريب القول أننا نرى أو نسمع أو نلمس مرور الوقت. وبالفعل، حتى لو تم منع كل حواسنا من العمل لفترة من الوقت، فلا يزال بإمكاننا ملاحظة مرور الوقت من خلال تغير نمط أفكارنا. ربما حينئذ يكون لدينا ملكة خاصة، متميزة عن الحواس الخمس، لتتبع الوقت، أو ربما، كما يبدو أكثر احتمالا، نستطيع أن نلاحظ الوقت من خلال إدراك أشياء أخرى ولكن كيف؟

يثير إدراك الوقت عددا من الألغاز المثيرة للاهتمام، بما في ذلك معنى أن نقول أننا ندرك الوقت. سوف نستكشف في هذه المقالة مختلف العمليات التي من خلالها نستطيع إدراك الوقت، والتي تؤثر على طريقة تفكيرنا عن حقيقة الوقت. حتما، سوف نهتم بالجانب النفسي لإدراك الوقت، ولكن الغرض من هذه المقالة هو استخراج القضايا الفلسفية، وعلى وجه الخصوص كيف وما إذا كان يمكن استيعاب جوانب تجربتنا في بعض النظريات الميتافيزيقية المتعلقة بطبيعة الوقت والعلاقة السببية

 

  • ما هو “إدراك الوقت”؟

  • أنواع التجارب الزمنية

  • المدة الزمنية

  • الحاضر الخادع

  • الماضي والحاضر ومرور الوقت

  • ترتيب الزمن

  • ميتافيزيقا إدراك الوقت

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


 

 

 

 

ما هو “إدراك الوقت”؟

التعبير “إدراك الوقت” ذاته يدعو إلى الاعتراض، وبقدر ما يكون الوقت شيئا مختلفا عن الأحداث، فإننا لا نرى الوقت على هذا النحو، ولكننا نرى التغييرات أو الأحداث خلال الوقت. لكن يمكننا قول أننا لا نرى الأحداث فقط، بل كذلك علاقاتها الزمنية. كما أنه من الطبيعي أن نقول أننا ندرك المسافات المكانية والعلاقات الأخرى بين الأشياء (كمشاهدة اليعسوب وهي تحوم فوق سطح الماء)، فإنه يبدو من الطبيعي أن نتحدث عن إدراك حدث واحد بعد آخر (كسماع الرعد بعد رؤية البرق)، على الرغم من وجود صعوبة في ذلك أيضا. لأن ما ندركه هو الحاضر كما يجري الآن، فهل بإمكاننا إدراك علاقة بين حدثين دون أن ندرك الأحداث نفسها؟ إن لم يكن بإمكاننا ذلك، فإنه يبدو أننا ندرك كلا الحدثين كحاضر على حد سواء، وفي هذه الحالة يجب إدراكها على أنها أحداث متزامنة لا متتالية. تأتي بعد ذلك المناقضة في فكرة إدراك وقوع حدث بعد حدث آخر، على الرغم من أنها قد تعطي حلا مباشرا. عندما ندرك حدوث “ب” بعد “أ” سنكون بالطبع قد توقفنا عن إدراك “أ” الذي أصبح جزءا من ذاكرتنا لا أكثر. الآن إذا أردنا أن نفسر “الإدراك” بشكل ضيق، مع استبعاد أي عنصر من الذاكرة، فعلينا أن نقول أننا لا ندرك “ب” كلاحق لـ “أ”. لكن في هذه المقالة، سوف نفسر “الإدراك” على نطاق أوسع، ليشمل مجموعة واسعة من تجارب الوقت التي تنطوي بشكل أساسي على الحواس. وبهذا المعنى الواسع، فإننا نرى مجموعة متنوعة من الجوانب الزمنية للعالم. سوف نبدأ بتعداد هذه، ومن ثم ننظر في تفسيرات لكيفية أن يكون هذا الإدراك ممكنا

 

أنواع التجارب الزمنية

هناك عدد من التجارب يسميها إرنست بوبل (1978) “تجارب الوقت الأساسية”، أو الجوانب الأساسية لتجربتنا للزمن. من بين هذه التجارب: (1) المدة (2) عدم التزامن (3) النظام الزمني (4) الماضي والحاضر (5) التغيير (بما في ذلك مرور الوقت). قد نعتقد أن تجربة عدم التزامن هي نفسها تجربة النظام الزمني، ولكنه يبدو أنه عندما يحدث حدثان معا في وقت متقارب جدا، فإننا ندرك أنهما يحدثان في أوقات مختلفة من دون أن نستطيع تحديد أيهما سبق الآخر (انظر Hirsh and Sherrick 1961). قد نعتقد كذلك أن إدراك النظام الزمني يمكن تفسيره من خلال تجربتنا في التمييز بين الماضي والحاضر وبالتأكيد أن ثمة روابط هنا، ولكنها مسألة مثيرة للجدل ما إذا كانت تجربة الزمن – إدراك حدث باعتباره ماض أو حاضر – أكثر أو أقل أهمية من تجربة النظام الزمني، أو ما إذا كان هناك بالفعل شيء يدعى تجربة الزمن. سيتم تناول هذه المسألة أدناه. أخيرا، ينبغي أن نتوقع أن نرى روابط بين إدراك النظام الزمني وإدراك الحركة إن كانت تنطوي ببساطة على إدراك ترتيب المواقف المكانية المختلفة للشيء، وهذه مسألة أخرى مثيرة للجدل سيتم تناولها أدناه.

 

المدة الزمنية

أحد أقدم وأشهر مناقشات طبيعة وتجربة الوقت موجودة في السيرة الذاتية اعترافات القديس أوغسطين. ولد أوغسطين في نوميديا (الجزائر) في عام 354 ميلادية، وشغل مناصب في البيان في قرطاج وميلانو، وأصبح أسقف هيبون  في عام 395 وكانت وفاته في 430. رفض النصرانية في بداية شبابه، قبل أن يؤمن بها أخيرا في سن 32. في الكتاب الحادي عشر من اعترافات، نجد استكشافًا طويلًا ورائعًا في الزمن، وعلاقته مع الإله. يثير أوغسطين في ذلك الكتاب المعضلة التالية: عندما نقول أن حدثا أو مدة زمنية كانت قصيرة أو طويلة، ما الذي نصفه بالقصر أو بالطول؟ لا يمكن أن يكون ما مضى، لأن ذلك قد انتهى، وما هو غير موجود لا يمكن أن يكون له أي خصائص في الحاضر، مثل أن يكون طويلا. كذلك لا يمكن أن يكون لما هو موجود أي خصائص، فليس للحاضر مدة. (لمعرفة سبب لماذا يجب أن نعتبر الحاضر بلا مدة، انظر قسم الحاضر الخادع أدناه). على أي حال، في حين مايزال الحدث مستمرا، لا يمكننا تقييم مدته.

إجابة أوغسطين على هذا اللغز هو أن ما نقيسه، عندما نقيس مدة الحدث أو الفترة الزمنية، موجود في الذاكرة. من هذا يستمد أوغسطين الاستنتاج الراديكالي أن الماضي والمستقبل موجود فقط في العقل . في حين لا نتفق تماما مع أوغسطين في موضوع الاعتماد العقلي للأوقات الأخرى، يمكننا أن نسلم بأن إدراك المدة الزمنية يرتبط بشكل حاسم مع الذاكرة. أحد سمات ذكرياتنا للحدث (وربما على وجه التحديد ذاكرتنا لبداية ونهاية الحدث) هي التي تسمح لنا بتشكيل الاعتقاد حول مدته. لا ينبغي وصف هذه العملية، كما يصفها أوغسطين، أنها مسألة قياس شيء كلي في العقل. يمكننا القول، على الأقل، أننا نقيس الحدث أو المدة الزمنية نفسها، عنصر لا يعتمد على العقل، ولكن بالقيام بذلك عن طريق عملية نفسية.

مهما كانت العملية المعنية هنا، فإنه يبدو من المرجح أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بما يسميه ويليام فريدمان (1990) “ذاكرة الوقت”: وهي الذاكرة لوقت وقوع حدث معين. وهو أنه توجد صلة وثيقة هنا يتبعها الاقتراح المعقول بأننا نستنتج (وإن كان دون وعي) مدة الحدث، بمجرد انتهائه، من المعلومات حول وقت بداية هذا الحدث. أي أن المعلومات ذات الطبيعة المترية (مثل “انفجار الصوت قصير جدا”) مستمدة من معلومات محددة زمنيا، فيما يتعلق بمدى بعد حدوث شيء ما في الماضي. السؤال هو كيف نكتسب هذه المعلومات المحددة زمنيا. قد يكون بشكل مباشر أو غير مباشر، نقيض يمكننا توضيحه بواسطة نموذجين اثنين من ذاكرة الوقت شرحهما فريدمان. يسمي فريدمان الأول نموذج القوة لذاكرة الوقت. إذا كان هناك ثمة شيء كأثر الذاكرة الذي يستمر مع مرور الوقت، فذلك يعني أنه يمكننا أن نعرف عمر الذاكرة (وبالتالي وقت وقوع الحدث المتذكر) من خلال قوة الأثر وبالتالي فإن الحدث الواقع في فترة أقدم يكون الأثر فيه أضعف. هذا يوفر وسيلة بسيطة ومباشرة لتقييم مدة الحدث. لسوء الحظ، فإن نموذج الأثر يتضارب مع سمة مألوفة جدا من تجربتنا: أن بعض ذكريات الأحداث الأخيرة قد تتلاشى بسرعة أكبر من ذكريات الأحداث البعيدة، وبشكل خاص عندما تكون تلك الأحداث البعيدة بارزة جدا (كزيارة طفل غير معتادة لقريب مخيف، على سبيل المثال). نموذج الاستنباط هو تفسير متناقض لذاكرة الوقت. وفقا لهذا النموذج، فإن وقت الحدث لا يُقرأ ببساطة من أحد جوانب الذاكرة منه، ولكن يتم استنباطه من المعلومات حول العلاقات بين الحدث المعني وغيرها من الأحداث التي يعرف تاريخها أو وقتها.

قد يكون نموذج الاستنتاج معقولا بدرجة كافية عندما نتعامل مع أحداث بعيدة، ولكن بدرجة أقل من ذلك مع الأحداث الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، فإن النموذج يطرح عملية معرفية معقدة نوعا ما والتي من غير المرجح أن تحدث في الحيوانات غير البشرية، مثل الجرذان. ومع ذلك، فإن الجرذان جيدة نوعا ما في قياس الوقت على فترات قصيرة تصل إلى دقيقة، كما يتضح من تجارب التكييف الفعالة التي تنطوي على “عملية ذاتية التشغيل”. تحصل في هذه العملية ردة فعل معينة (مثل إنزال رافعة) تقوم بتأخير حدوث صدمة كهربائية خلال فترة زمنية ثابتة، 40 ثانية مثلا، تسمى (استجابة-صدمة)(R-S (response-shock)). في نهاية المطاف، معدل الاستجابة يرصد هذه العملية، بحيث تزداد احتمالية الاستجابة بتسارع مع اقتراب نهاية الفترات الفاصلة. (انظر  Mackintosh 1983 للمناقشة والتجارب ذات الصلة). من الصعب تجنب الاستنتاج هنا بأن مجرد مرور الوقت نفسه يعمل كحافز مشروط: أن الجرذان، لوضعها في مصطلحات متمحورة حول الإنسان، يقدّرون بنجاح فترات الزمن. في هذه الحالة، يبدو نموذج القوة أكثر ملاءمة من نموذج الاستنتاج.

 

الحاضر الخادع

الطبيب النفسي إ. ر. كلاي كان أول من استخدم مصطلح “الحاضر الخادع”، ولكن التوصيف الأكثر شهرة منه يرجع إلى ويليام جيمس، والذي يعد أحد مؤسسي علم النفس الحديث. عاش ويليام من عام 1842 إلى 1910، وكان أستاذا للفلسفة في جامعة هارفارد. تعريفه للحاضر الخادع على النحو التالي: “النموذج لجميع الأوقات المتخيلة هو الحاضر الخادع، وهي المدة القصيرة التي نكون فيها واعين فورا وباستمرار” (جيمس 1890). ما هي مدة هذا الحاضر الخادع؟ في جزء آخر من نفس العمل، يؤكد جيمس “نحن ندرك باستمرار مدة معينة – الحاضر الخادع – متفاوتة من بضع ثوان إلى ليس أكثر من دقيقة غالبا، وهذه المدة (بإدراك محتواها على أنه من جزء واحد سابق وآخر لاحق) هي الحدس الأصلي من الزمن “هذا الاختلاف المفاجئ في طول الحاضر الخادع يثير شكنا أن هناك أكثر من تعريف مخفي في توصيف جيمس الغامض نوعا ما.

هناك مصدران للغموض هنا. الأول هو ما إذا كان “الحاضر الخادع” يشير إلى موضوع التجربة، وهي المدة في الوقت، أو الطريقة التي يتم فيها تقديم هذا الموضوع لنا. الثاني هو كيف ينبغي أن نفسر “واعين فورا”. كلمات جيمس تشير إلى أن الحاضر الخادع هو المدة نفسها، اختيرت كموضوع لتجربة معينة، ولكن “واعين فورا” تفسر الموضوع قليلا. إذن يمكننا تعريف الحاضر الخادع على النحو التالي:

  1. مدى الذاكرة القصيرة؛

  2. المدة المدركة، ليس على أنها مدة، بل على أنها لحظية؛

  3. المدة المدركة مباشرة – أي ليس من خلال وسيط عدد من الإدراكات، اللحظية ربما، الأخرى؛

  4. المدة المدركة على أنها حاضرة وممتدة في الوقت.

إذا كان ما يقصده جيمس هو المعنى الأول، فذلك بالتأكيد من شأنه أن يفسر افتراضه أنه يمكن أن تستمر لمدة دقيقة. ولكن هذا لا يبدو أنها تتعلق تحديدا بتجربة مفهوم الحاضر، لأنه من المؤكد أن بإمكاننا أن نحفظ شيئا في الذاكرة القصيرة، ومع ذلك نراها من الماضي. قد يكون جيمس يعني الحالات كالتي نستمع فيها إلى جملة: إذا لم نحفظ بطريقة ما كل الكلمات في عقلنا الواعي، فإننا لن نفهم الجملة ككل. لكن من الواضح أن الكلمات لا تعالج تزامنيا في وقت واحد، لأن النتيجة حينها ستكون خليط غير مفهوم من الأصوات. (2) يتضح من الحقيقة المألوفة أن بعض الحركات تمر بسرعة بحيث لا نرى منها إلا خيال، كما نرى عندما ننظر إلى مروحة. ما يجري في الواقع في أوقات مختلفة يتم عرضه كما لو أنه يحدث في لحظة، ولكن هذا ليس معياريا ما يقصد به الحاضر الخادع. (3) تفسير موجود في الكتب (انظر، على سبيل المثال، كيلي 2005)، ولكن ليس من الواضح أن هذا هو ما كان يعنيه جيمس، حيث أن جيمس مهتم بظواهر إدراك الوقت، وما إذا كانت التجربة تشكل إدراكا مباشرا أو غير مباشر من الفاصل الزمني لا تبدو أنها مادة ظاهرية. (بالإضافة إلى ذلك، كما يشير كيلي، قد نعتقد أنه من الغريب افتراض أن أجزاء الماضي من الفاصل الزمني يمكن إدراكها مباشرة.)

أخيرا (4): فترة مدركة كحاضر وكفترة ممتدة زمنيا. هذه التجربة هي “خادعة” في أنها، على عكس الحاضر الموضوعي (إذا كان هناك ثمة شيء كهذا – انظر الميتافيزيقيا في إدراك الوقت أدناه)  فاصل زمني وليس لحظة لا حصر لها. يجب أن يكون الحاضر الحقيقي أو الموضوعي بلا مدة، وكما قال أوغستين: في فترة من أي مدة، هناك أجزاء سابقة وفي وقت لاحق. أي إذا كان أي جزء من تلك الفترة حاضرا، سوف يكون هناك جزء آخر ماضي أو مستقبلا.

ولكن هل من الممكن أن ندرك شيء ممتد كالحاضر؟ إذا سمعنا مقطع موسيقي قصير، فالظاهر أننا نسمع المقطع كحاضر، ومع ذلك – لأنه مقطع بدلا من نغمة واحدة – فإننا نسمع أيضا الدرجات الموسيقية متعاقبة، وبالتالي نسمعها ممتدة على مدى فترة. إذا كان هذا لا يبدو مقنعا تماما، تأمل إدراك الحركة. كما يقول برود (1923)، “مشاهدة تحرك عقرب الثواني هو شيء مختلف تماما عن “مشاهدة” تحرك عقرب الساعة. “ليس المعنى أننا نرى الموضع الحالي لعقرب الثانية فنتذكر أين كان قبل ثانية: نحن نرى الحركة فقط، وهذا يؤدي إلى المناقشة التالية:

(1) أن ما ندركه، ندركه كحاضر.

(2) أننا ندرك الحركة.

(3) أن الحركة تحدث خلال فاصل زمني.

لذلك: ما ندركه كحاضر يحدث على مدى فاصل زمني.

مع ذلك، هناك أكثر من نفحة من التناقض حول هذا. إذا كانت أجزاء متعاقبة من الحركة (أو مقطع موسيقي، أو أي تغيير ندركه) يتم إدراكها كحاضر، فمن المؤكد أنها تُدرك متزامنة. ولكن إذا كان يتم إدراكها على أنها متزامنة، فإن الحركة ستكون ببساطة خيال، كما هو الحال في الحالات التي تكون أسرع بكثير من أن تُدرك كحركة. حقيقة أننا لا نرى ذلك كحركة تشير إلى أننا لا نرى الأجزاء المتعاقبة منه في وقت واحد، وبذلك لا نراهم كحاضر. لكن بعد ذلك كيف يمكننا أن نفسر التمييز الذي يوجه برود انتباهنا له؟

أحد الطرق للخروج من هذا المأزق هو أن نقترح أن هناك عمليتين متميزتين تماما تجريان في إدراك الحركة (وأنواع التغير الأخرى). الأولى هي إدراك الحالات المتعاقبة كمتعاقبة، على سبيل المثال المواضع المختلفة لعقرب الثانية. والآخر هو إدراك الحركة الخالصة. هذا الإدراك الثاني، والذي قد ينطوي على نظام أكثر بدائية من النظام الأول، لا يتضمن كجزء من الاعتراف بالعناصر السابقة واللاحقة. (لي بويدفين 2007، الفصل 5)

 

الماضي والحاضر ومرور الوقت

أشار القسم السابق إلى أهمية التمييز بين إدراك الحاضر وإدراك شيء ما كحاضر. قد ندرك شيئا من الماضي كحاضر. بالفعل، نظرا للسرعة المحدودة لانتقال كل من الضوء والصوت (وسرعة الانتقال المحدودة للمعلومات من المستقبلات إلى الدماغ)، فالظاهر أننا لا ندرك إلا الماضي. مع ذلك، فإن هذا بحد ذاته لا يشرح لنا كيف يكون إدراك شيء كحاضر، بدلا من ماض. كما أنه لا يفسر السمة الأكثر إدهاشا في تجربتنا كما هو الحال في الحاضر: أنه يتغير باستمرار. المرور (أو المرور الظاهر) للزمن هو السمة الأكثر إدهاشا فيه، وأي اعتبار في إدراكنا للوقت يجب أن يتضمن هذا الجانب من تجربتنا.

هنا محاولة للقيام بذلك. المشكلة الأولى هي شرح لماذا تكون تجربتنا الزمنية محدودة بطريقة لا نجدها في تجربتنا المكانية. يمكننا أن ندرك الأشياء التي تكون في مواضع مكانية مختلفة: قريب، بعيد، إلى اليسار أو اليمين، في الأعلى أو الأسفل، وما إلى ذلك. بالتالي فإن تجربتنا لا تقتصر على المنطقة المجاورة مباشرة (على الرغم من أنها بالطبع محدودة لمدى بعد الأشياء عنا). لكن على الرغم من أننا ندرك الماضي، فإننا لا ندركه كماض، وإنما كحاضر. علاوة على ذلك، فإن تجربتنا لا تبدو محدودة زمنيا فحسب، بل هي كالتالي: نحن لا ندرك المستقبل، ولا نستمر بإدراك أحداثا عابرة بعد مرور فترة طويلة لوصول معلوماتها إلى حواسنا. الآن، هناك إجابة بسيطة جدا على السؤال لماذا لا ندرك المستقبل، وهي إجابة سببية. باختصار، الأسباب تسبق دائما آثارها؛ الإدراك هو عملية سببية، حيث أن إدراك شيء يعني أن تتأثر سببيا من ذلك؛ وبالتالي فإنه لا يمكننا إلا أن ندرك الأحداث السابقة فقط. إلى الآن تم شرح حد زمني واحد لتجربتنا؛ ولكن ماذا من الآخر؟

لا يبدو أن هناك سببا منطقيا يجعلنا لا نعيش الماضي البعيد مباشرة. قد نميل للمبدأ القائل بأنه لا يمكن أن يكون هناك أي فعل على مسافة زمنية، فيكون لشيء ما من الماضي البعيد التأثير علينا سببيا فقط عبر أحداث أكثر تقريبية. لكن هذا تبرير غير كاف، يمكننا أن نرى شجرة بعيدة لوجود آثارها على العناصر جوارنا (الضوء المنعكس من شجرة على شبكية العين لدينا)، ولكن أولئك الذين يتبنون النظرية الواقعية المباشرة للإدراك لا يرون أنها تتعارض مع موقفهم. هم يقولون أننا لا نزال نرى الشجرة وليس شيئا أكثر مباشرة. ربما ينبغي أن نبحث عن استراتيجية مختلفة، مثل الاستراتيجية التالية والتي توافق الاعتبارات البيولوجية. لكي نكون أعضاء فعالين في العالم، يجب أن نعبر بدقة عما يجري حاليا: أن نكون دائما متأخرين فيما نؤمن به بينما ننشغل بأمور حياتنا يعني أننا سنواجه انقراضا فوريا. نحن الآن محظوظون في أننا لا ندرك إلا الماضي، في معظم الحالات الماضي القريب جدا، لأن انتقال الضوء والصوت، رغم محدوديته، سريع للغاية. علاوة على ذلك، على الرغم من أن الأمور تتغير، إلا أنها تتغير، مرة أخرى في معظم الحالات، بمعدل أبطأ بكثير من المعدل الذي تنتقل فيه المعلومات من الأجسام الخارجية لنا. بالتالي حينما نبني معتقدات حول ما يجري في العالم تكون دقيقة إلى حد كبير. (انظر 1984Butterfield  للحصول على شرح أكثر تفصيلا في هذا الموضوع). حينما يتم تسجيل المعلومات الواردة، فإنها تحتاج إلى الانتقال إلى الذاكرة لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الحديثة. على الرغم من أن الأشياء قد تتغير ببطء نسبة إلى سرعة الضوء أو الصوت إلا أنها تتغير، ونحن لا نقدر على معالجة المعلومات المتضاربة في وقت واحد. لذلك فعاليتنا كأعضاء تعتمد على عدم استمرارنا في تجربة حالة عابرة من الأمور (بدلا من طريقة فيلم الحركة البطيئة) حين يتم استيعاب معلوماتها. قد كفل التطور أننا لا نعيش أي شيء آخر غير الماضي القريب (إلا عندما ننظر إلى السماء).

إدراك شيء ما كحاضر هو مجرد إدراك له: نحن لسنا بحاجة لافتراض عنصر إضافي في تجربتنا المسماة “تجربة مفهوم الحاضر”. يترتب على ذلك أنه لا يمكن أن يكون هناك “إدراك لمفهوم الماضي”. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان مفهوم الماضي شيء يمكننا إدراكه، فإننا سوف ندرك كل شيء بهذه الطريقة، لأن كل حدث هو ماض في الوقت الذي ندركه. ولكن حتى لو لم ندرك أي شيء في الماضي (في نفس الوقت الذي يتم فيه إدراك الحدث المعني) يمكننا أن نتحدث بشكل واضح وعلى نطاق أوسع عن تجربة مفهوم الماضي: التجربة التي نحصل عليها عندما ينتهي شيء ما. وقد تم اقتراح أن الذكريات – الذكريات العرضية على وجه التحديد، أي ذكريات تجاربنا من الأحداث الماضية – يرافقها شعور من مفهوم الماضي (انظر 1921Russel ). المشكلة التي يفترض أن يحلها هذا الاقتراح هي أن الذاكرة العرضية هي مجرد ذكرى لحدث: فهي تمثل الحدث ببساطة، بدلا من حقيقة أن الحدث ماض. لذلك نحن بحاجة لافتراض شيء آخر ينبهنا إلى حقيقة أن الحدث المتذكر من الماضي. التفسير البديل، والذي لا يوافق أي جوانب ظاهراتية من الذاكرة، هو أن الذكريات تقنعنا لنشكل معتقدات ماضية، وبالنتيجة لهذا فإنها تصور حدثا كماض.

بهذا يكون لدينا تفسير مرشح لتجربتنا عن التواجد في لحظة معينة في الوقت، الحاضر (الخادع). وبما أن مضمون تلك التجربة يتغير باستمرار، فإن الموضع في الوقت يتغير كذلك. لكن لا يزال هناك لغز آخر. التغير في تجربتنا يختلف عن تجربة التغير. نريد أن نعرف، ليس فقط ماذا يعني إدراك حدث تلو الآخر، ولكن أيضا ماذا يعني إدراك حدوث حدث بعد الآخر، عندها فقط سنفهم تجربتنا في مرور الوقت. ننتقل إذن إلى إدراك ترتيب الزمن.

 

ترتيب الزمن

كيف ندرك الأسبقية في الأحداث؟ إجابة بسيطة مغرية هي أن إدراك الأسبقية هو مجرد الإحساس الناجم عن حالات الأسبقية، تماما كما يحدث الإحساس بالأحمر بسبب إدراك حالات احمرار. هيو ميلور (1998)، الذي يأخذ هذا المنحى، يرفضه للسبب التالي: إذا كان هذا هو التفسير الصحيح، إذن لن نتمكن من تمييز حدوث س قبل ص، وحدوث س بعد ص، لأنه كلما كان هناك حالة لعلاقة واحدة، هناك أيضا حالة للآخر. لكن ببساطة نحن قادرون على التمييز بين الحالتين، لذلك لا يمكن أن تكون مجرد مسألة إدراك للعلاقة، وإنما شيء مرتبط مع إدراكنا للمتعلقات. لكن مجرد إدراك المتعلقات لا يمكن أن يكون كل شيء مرتبط بإدراك الأسبقية. لننظر مرة أخرى في نقطة برود عن عقرب الثانية وعقرب الساعة. نحن ندرك أولا عقرب الساعة في موضع واحد، مثلا تشير إلى 03:00، وبعد ذلك ندركه في موضع مختلف مشيرا إلى الثالثة والنصف. إذن فإن لدينا إدراكين اثنين، واحد في وقت لاحق من الآخر. قد أكون أيضا على بينة من العلاقة الزمنية بين الموضعين من العقرب. ومع ذلك، أنا لا أدرك هذه العلاقة، حيث أنني لا أرى العقرب يتحرك. في المقابل، أنا أرى عقرب الثاني يتحرك من موضع إلى آخر: أرى المواضع المتعاقبة كما أنها متعاقبة.

 اقتراح ميلور أننا ندرك س يسبق ص يعود لحقيقة أن إدراكنا لـ س يؤثر سببيا على إدراكنا لـ ص. كما أننا نرى عقرب الثانية في موضع واحد، فإن لدينا في الذاكرة على المدى القصير صورة (أو معلومات على شكل ما) لموضعه الأخير، وهذه الصورة تؤثر على إدراكنا الحالي. النتيجة هي إدراك الحركة. ليس من الضروري أن يكون الترتيب المدرك لمواقف مختلفة هو نفس الترتيب الزمني الفعلي لتلك المواضع، ولكنه سيكون هو نفسه الترتيب السببي لإدراكاتهم، وبما أن الأسباب تسبق دائما آثارها، فإن الترتيب الزمني المدرك ينطوي على ترتيب زمني مماثل في الإدراكات. دينتون (2001) قد اعترض على أنه إذا كان التفسير صحيحا، فلا ينبغي لنا أن نتذكر الأسبقية، لأننا نتذكر فقط ما يمكننا أن ندركه حقا. ولكن لا يبدو أن هناك سبب لإنكار ذلك، لمجرد أن إدراك الأسبقية قد ينطوي على الذاكرة قصيرة المدى، فإنه بالتالي لا يعد إدراكا حقيقيا.

هناك اختلاف آخر بين إدراك اللون وإدراك النظام الزمني. فما يدرك في حالة اللون هو شيء له موقع مكاني وزماني محدد. على العكس من ذلك، فإن علاقة الأسبقية ليس لها أي موقع واضح. لكن الأسباب لها مواقع، وبالتالي فإن إدراك الأسبقية هو أصعب نوعا ما في التوفيق مع النظرية السببية للإدراك من إدراك اللون (2004، 2007Le Poidevin ).

في الواقع، فكرة ميلوري أن الدماغ يمثل الوقت عن طريق الوقت: أن الأحداث المنظمة مؤقتا يتم تمثيلها من قبل تجارب منظمة مؤقتا مماثلة. وهذا من شأنه أن يجعل تمثيل الوقت فريد من نوعه. (على سبيل المثال، لا يمثل الدماغ أشياء منفصلة مكانيا عن طريق الإدراكات المنفصلة مكانيا، أو الأشياء البرتقالية من التصورات البرتقالية). ولكن لماذا يجب أن يكون الوقت فريدا في هذا الصدد؟ في الوسائل الأخرى، يمكن أن يكون الوقت ممثلا مكانيا (كما في الرسوم المتحركة والرسوم البيانية والساعات غير الرقمية) أو عدديا (كما هو الحال في التقويم والساعات الرقمية). لذلك ربما يستطيع الدماغ أن يمثل الوقت بوسائل أخرى. أحد الأسباب لافتراض أنه لا بد أن يكون هناك وسائل أخرى تحت تصرفه هو أن الوقت يحتاج إلى أن يكون ممثلا في الذاكرة (أتذكر أن (أ) كان في وقت سابق من (ب)، وأيضا تجربة رؤية أ يحدث قبل ب) والنية (أنا أنوي إلى (ف) بعد (ج)، ولكن ليس هناك طريقة واضحة في تفسير ميلور “تمثيل الوقت بالوقت” يمكن أن تمتد لهذه.

في نموذج ميلور، الآلية التي يتم فيها إدراك النظام الزمني حساسة للوقت الذي تحدث فيه الإدراكات، ولكنها غير مهتمة بمحتواها (عما تكون الإدراكات). دانيال دينيت (1991) يقترح نموذجا مختلفا، تكون العملية فيه مستقلة عن الوقت، ولكنها حساسة للمحتوى. على سبيل المثال، قد يستنتج الدماغ الترتيب الزمني للأحداث من خلال رؤية أي تسلسل منطقي للسبب السببي لتلك الأحداث. واحدة من مزايا نموذج دينيت هو أنه يمكن أن يفسر الحالات المحيرة نوعا ما لـ “إحالة الرجوع بالزمن”، حيث لا يتبع النظام المُدرك نظام الإدراكات. (انظر دينيت 1991 لمناقشة هذه الحالات، وكذلك روش 1999 لمحاولة التوفيق بينها وبين تفسير ميلور).

 

ميتافيزيقا إدراك الوقت

بأخذ مختلف جوانب إدراك الوقت في الاعتبار، نحن نستخدم حتما المفاهيم التي نتخذها لنحصل على نظير موضوعي في العالم: الماضي، النظام الزمني، السببية، التغيير، مرور الوقت وغير ذلك. لكن من أهم دروس الفلسفة، بالنسبة لكثير من الكتاب، أنه قد تكون هناك فجوة، وربما حتى هوة، بين تمثيلنا للعالم والعالم نفسه، حتى على مستوى مجرد تماما. (سيكون من الإنصاف أن نذكر أن ذلك بالنسبة للكتاب الآخرين، وليس تحديدا ما تعلمه الفلسفة). فلسفة الوقت ليست استثناء من هذا. بالفعل، من المثير للاهتمام أن نذكر كم الفلاسفة الذين رأوا أنه، على الرغم من الظواهر، الوقت أو بعض جوانبه غير حقيقي. في هذا القسم الأخير، سوف نلقي نظرة على كيفية تفاعل ثلاث مناقشات ميتافيزيقية متعلقة بطبيعة العالم مع تفسيرات إدراك الوقت.

تتعلق المناقشة الأولى بواقع التقسيم الزمني، أي تقسيمنا للوقت لماض وحاضر ومستقبل. هل الوقت منقسم حقا بهذه الطريقة؟ هل ما هو حاضر ينزلق أكثر وأكثر إلى الماضي؟ أم أن هذه الصورة تعكس فقط وجهة نظرنا عن الواقع الذي لا توجد فيه لحظة فريدة من نوعها، أي الحاضر، ولكن مجرد سلسلة لحظات منظمة؟ يقول المنظرون (أ) أن صورتنا العادية للعالم مقسما تعكس العالم كما هو عليه حقا: أن مرور الوقت حقيقة موضوعية. المنظرون (ب) ينكرون ذلك. المصطلحان النظرية-أ والنظرية-ب يعودان لتمييز مكتاغارت 1908 بين الطريقتين اللتين يمكن بواسطتهما تنظيم الأحداث في الوقت، إما على شكل سلسلة-أ والتي تنظم الأحداث من حيث أنها في الماضي أو الحاضر أو المستقبل – أو كسلسلة-ب التي تضع الأحداث في وقت أبكر، أو في وقت لاحق، أو في وقت واحد مع أحداث أخرى.

بالنسبة للمنظرين-ب، فإن الحقائق الزمنية الموضوعية الوحيدة تهتم بعلاقة الأسبقية والتزامن بين الأحداث. (أتجاهل هنا التعقيدات التي أدخلتها النظرية النسبية الخاصة، لأن نظرية-ب وربما نظرية -أ- يمكن أيضا إعادة صياغتها من حيث توافقها مع النظرية الخاصة.) لا ينكر المنظرون-ب أن معتقداتنا المقسمة زمنيا، مثل أن موجة باردة تمر الآن، أو أن حفل زفاف سالي كان قبل عامين، قد تكون صحيحة، لكنهم يؤكدون أن ما يجعل هذه المعتقدات الحقيقية ليست حقائق عن ماضيّة أو حاضريّة أو مستقبليّة الأحداث، ولكن حقائق غير مقسمة زمنيا متعلقة بالأسبقية والتزامن (انظر 1998Mellor ، أو 1994Oaklander and Smith). في أحد نسخ نظرية-ب، على سبيل المثال، اعتقادي بأن هناك موجة باردة تمر الآن يكون صحيحا لأن مرور الموجة يتزامن مع تشكيلي للاعتقاد. الآن أحد التحديات الجادة جدا لمنظري الزمن غير المقسم هو شرح لماذا، إذا لم يمر الوقت في الواقع، يبدو أنه يمر. ما هو الأساس في مصطلحات -ب النظرية لتجربتنا كما في مرور الوقت؟

التفسيرات التي تم ذكرها أعلاه عن القيود الزمنية على تجربتنا وعن تجربتنا لنظام الوقت، لم تتفق تماما مع مفاهيم التقسيم الزمني أو أفكار النظرية-أ. والحقائق التي ملنا لها تبدو وكأنها نظرية-ب بحتة: أن الأسباب تسبق دائما آثارها، وأن الأمور تتغير ببطء مقارنة بسرعة انتقال الضوء والصوت، وأن قدراتنا على معالجة المعلومات محدودة، وأن من الممكن أن هناك علاقة سببية بين الذكريات والتجارب. لذلك قد يستطيع منظّر الزمن غير المقسم أن يتحرر من الالتزام بتفسير لماذا يبدو أن الوقت يمر. لكن لا يزال هناك شكان: أولا، قد يستطيع المنظر أن يخرج بتفسير أبسط لتجربتنا. ثانيا، قد يتبين أن حقائق سلسلة-ب المفترضة تعتمد على سلسلة-أ، بحيث، على سبيل المثال، يتزامن -أ و -ب بحكم حقيقة أن كلاهما حاضر.

الواضح في هذا هو أنه لا توجد حجة مباشرة من التجربة لنظرية “أ”، حيث أن تجربة الحاضر، كونها ممتدة زمنيا ومتعلقة بالماضي، تختلف اختلافا كبيرا عن الحاضر الموضوعي الذي تفرضه نظرية-أ. (انظر 2005، 2007، 2012 Prosser .)

المسألة الميتافيزيقية الثانية والتي لها تأثير مهم على إدراك الوقت ترتبط مع الخلاف بين نظريتي (أ) و (ب)، وهذا هو النقاش بين الحاضرييّن والأبدييّن. يرى الحاضريّون أن وحده الحاضر موجود (للتفصيل في أنواع مختلفة من الحاضريّة، والتحديات التي يواجهونها، انظر بورن 2006)، في حين أن الأبدييّن يؤمنون بوجوديّة جميع الأوقات على حد سواء. المناقشتان، نظرية (أ) مقابل نظرية (ب) والحاضريّة مقابل الأبديّة، لا يتطابقان بدقة مع بعضمها البعض. من الممكن قول أن نظرية (ب) ملتزمة بالأبدية، لكن منظرو (أ) قد لا يتبنون بالضرورة الحاضريّة (على الرغم من أن بورن يجادل بأن عليهم ذلك).

كيف يمكن ربط ذلك بالإدراك؟ وفقا لنظرية الإدراك غير المباشرة (أو كما يطلق عليها أحيانا، النموذجية)، نحن ندرك الأشياء الخارجية فقط من خلال إدراك شيء وسيط، بيان حسي. في المقابل، وفقا للنظرية المباشرة، إدراك الأشياء الخارجية لا ينطوي على مثل هذا الوسيط. لأن الأجسام الخارجية تكون في مسافات مختلفة منا ولأن، كما تم ذكره أعلاه، الضوء والصوت يسافران بسرعات محدودة، فإن ذلك يعني أن حالة الأشياء التي ندركها سوف تكون بالضرورة في الماضي. في حالة النجوم، حيث تكون المسافات بعيدة جدا، الفجوة الزمنية بين انتقال الضوء من النجم وإدراكنا له قد تكون سنة من سنوات عديدة. يرى الحاضريّون أن الحالات والأحداث والأشياء الماضية لم تعد حقيقية. لكن إذا كان كل ما ندركه في العالم الخارجي هو من الماضي، فيبدو أن الأشياء التي ندركها (أو على الأقل الحالات من تلك الأشياء التي ندركها) غير حقيقية. من الصعب التوفيق بين ذلك وبين النظرية المباشرة للإدراك. لذلك، فإنه يبدو ظاهريا أن الحاضريين ملتزمين بنظرية الإدراك غير المباشرة (انظر 2010 Power، 2015 Le Poidevin).

المسألة الميتافيزيقية الثالثة والأخيرة التي سوف نناقشها في سياق إدراك الوقت تتعلق بالتباين السببي. تفسير إحساسنا بوجودنا في وقت نعتبره في الماضي والحاضر ومرور الوقت يستند على افتراض أن السببية غير متماثلة. قد تم اقتراح أن الأحداث اللاحقة لا يمكن أن تؤثر في الأحداث السابقة لها، باعتبارها حقيقة مستقلة عن العقل، وهذا هو السبب في أننا ندرك الماضي فقط لا المستقبل. لكن محاولات تفسير أساس التباين السببي، من حيث الاعتماد على الواقع المضاد، أو من الناحية الاحتمالية، هي شديدة الإشكالية. أحد الدروس التي قد نستخلصها من صعوبات الحد من التباين السببي إلى أنواع التباين الأخرى هو أن عدم التباين السببي أصلي، وبالتالي فهو غير قابل للاختزال. الدرس الآخر هو أن البحث عن تفسير لا يعتمد على العقل خاطئ. قد تكون السببية متناظرة جوهريا، ولكن بعض سمات تكويننا النفسي والعلاقة مع العالم تجعل السببية تبدو غير متماثلة. هذه المنظورية السببية هي الخط الذي اتخذه هو برايس (1996)، أن التماثل السببي يجب أن يتم تفسيره لحد ما من خلال تكويننا النفسي، بطريقة مشابهة لفهمنا للصفات الثانوية مثل اللون، هي تغير جذري مناقض لافتراضاتنا العادية، ولكن بعد ذلك، فهمنا العادي لعدد من سمات العالم التي تبدو موضوعية – التزامن المطلق والمقسم زمنيا- قد واجه تحديات جذرية مماثلة. إذا كان التباين السببي يعتمد على العقل بهذه الطريقة، فإننا لا نستطيع أن نستند إليه في تفسيره تجربتنا من التباين الزمني – الفرق بين الماضي والمستقبل.

لكن حقائق الإدراك قد تشكل بذاتها مشكلة للمنظورية حول التباين السببي. سنترك موضوع إدراك الوقت مع المعضلة التالية لمؤيدي المنظورية السببية. لنتأمل السلسلة التالية المنظمة سببيا لا توجيهيا:

Φ-β-κ

على افتراض، كما تقول المنظورية، أن السببية متناظرة جوهريا، فإن β تقف في نفس العلاقة السببية لـ Φ و κ. ومع ذلك، وعلى الرغم من أنها ليست موجهة، يتم ترتيب السلسلة في العلاقة بين التوسط السببي وبين الأشياء، وبالتالي β هو سببيا بين Φ و κ. لكن إذا كان الأمر كذلك، فإنه ليس من الواضح كيف يمكن أن تفسر المنظورية لماذا تحمل المبدأ التالي:

إذا كانت β تجربة إدراكية، فإنه لا يمكن أن يكون كل من Φ و κ أهدافا لها

هذا المبدأ لا يطرح السؤال ضد المنظورية بتضمين افتراض حول التباين السببي، لأن إدراكنا للوقت بحدوث (أ) قبل (ب)، يعني أننا لا يمكن أن ندرك (أ) و (ب) في وقت واحد بالتأكيد حقيقة بديهية. ولأن من المؤكد أنها حقيقة موضوعية (على الرغم من أن هذا أمر غير بديهي) أن تجربتنا من (أ) ستكون سببية بين (أ) وتجربتنا من (ب) الآن إذا المنظورية لا يمكن أن تجيب على التحدي لشرح الحقيقة من المبدأ أعلاه، يبدو أن تجربتنا من التماثل الزمني، بقدر ما لديها تفسير سببي، يتطلب السببية لتكون غير متماثلة موضوعيا.

الاستراتيجية الوحيدة المتاحة التي يمكن أن يعتمدها المنظوري السببي لشرح المبدأ المتباين أعلاه من حيث بعض التباين غير السببي الموضوعي. السعر، على سبيل المثال، يسمح بالتناظر الديناميكي الحراري الموضوعي، في أن سلسلة منظمة من حالات الكون سوف تظهر ما يسميه التدرج الحراري: الإنتروبيا سوف تكون أقل في نهاية من السلسلة مما كانت عليه في نهاية المطاف. يجب أن نقاوم إغراء القول بأن الإنتروبيا تزيد، لأن ذلك سيكون مثل التأكيد على أن الطريق يذهب صعودا بدلا من هبوطا دون الاعتراف الطبيعة المنظورية للأوصاف مثل ‘صعود’. هل يمكن أن يفسر التباين الديناميكي الحراري لماذا يشير الإدراك إلى اتجاه واحد؟  أترك هذا السؤال للقارئ ليتأمل به.

 

 

 

 


المراجع

  • Augustine, St.,Confessions, R.S. Pinecoffin (ed.), Harmondsworth: Penguin, 1961.
  • Bourne, Craig, 2006,A Future for Presentism, Oxford: Clarendon Press.
  • Broad, C.D., 1923,Scientific Thought, London: Routledge and Kegan Paul.
  • Butterfield, Jeremy, 1984, ‘Seeing the Present’,Mind, 93: 161–76; reprinted with corrections in R. Le Poidevin (ed.), Questions of Time and Tense, Oxford: Clarendon Press, 61–
  • Callendar, Craig, 2008, ‘The Common Now’,Philosophical Issues, 18: 339–
  • Campbell, John, 1994,Past, Space and Self, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Clark, Andy, 1998, ‘Time and Mind’,Journal of Philosophy, 95: 354–
  • Dainton, Barry, 2000,Stream of Consciousness: unity and continuity in conscious experience, London: Routledge.
  • –––, 2001,Time and Space, Chesham: Acumen.
  • –––, 2013, ‘The Perception of Time’, in Heather Dyke and Adrian Bardon (eds.),A Companion to the Philosophy of Time, Oxford: Wiley-Blackwell, 389–
  • Dennett, Daniel, 1991,Consciousness Explained, London: Allen Lane.
  • Falk, Arthur, 2003, ‘Time plus the Whoosh and Whiz’, in A. Jokic and Q. Smith (eds.),Time, Tense and Reference, Cambride, Mass.: MIT Press.
  • Fotheringham, Heather, 1999, ‘How Long is the Present?’,Stoa, 1 (2): 56–
  • Friedman, William J., 1990,About Time: Inventing the Fourth Dimension, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Gombrich, Ernst, 1964, ‘Moment and Movement in Art’,Journal of the Warburg and Courtauld Institutes, XXVII: 293–
  • Grush, Rick, 2003, ‘Brain Time and Phenomenal Time’, in Andrew Brook and Kathleen Akins (eds.),Cognition and the Brain: the philosophy and neuroscience movement, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hestevold, H. Scott, 1990, ‘Passage and the Presence of Experience’,Philosophy and Phenomenological Research, 50: 537–52; reprinted in Oaklander and Smith 1994, 328–43
  • Hirsh, I.J. and Sherrick, J.E., 1961, ‘Perceived Order in Different Sense Modalities’,Journal of Experimental Psychology, 62: 423–
  • Hoerl, Christoph, 1998, ‘The Perception of Time and the Notion of a Point of View’,European Journal of Philosophy, 6: 156–
  • Hoerl, Christoph and McCormack, Teresa (eds.), 2001,Time and Memory: Issues in Philosophy and Psychology, Oxford: Clarendon Press.
  • James, William, 1890,The Principles of Psychology, New York: Henry Holt.
  • Kelly, Sean D., 2005, ‘The Puzzle of Temporal Experience’, in Andrew Brook and Kathleen Akins (eds.),Cognition and the Brain: the philosophy and neuroscience movement, Cambridge: Cambridge University Press, 208–
  • Le Poidevin, Robin, 1997, ‘Time and the Static Image’,Philosophy, 72: 175–
  • –––, 1999, ‘Egocentric and Objective Time’,Proceedings of the Aristotelian Society, XCIX: 19–
  • –––, 2004, ‘ A Puzzle Concerning Time Perception ’,Synthese, 142: 109–
  • –––, 2007,The Images of Time: An Essay on Temporal Representation, Oxford: Oxford University Press
  • –––, 2015a, ‘ Stopped Clocks, Silent Telephones and Sense Data: some problems of time perception’,Topoi, 34: 241–
  • –––, 2015b, ‘Perception and Time’, in Mohan Matthen (ed.),Oxford Handbook of the Philosophy of Perception, Oxford: Wiley-Blackwell.
  • Mabbott, J.D., 1951, ‘Our Direct Experience of Time’,Mind, 60: 153–
  • Mackintosh, N.J., 1983,Conditioning and Associative Learning, Oxford: Clarendon Press.
  • Martin, M.G.F., 2001, ‘Out of the Past: episodic recall as retained acquaintance’, in Hoerl and McCormack 2001, 257–
  • Mayo, Bernard, 1950, ‘Is There a Sense of Duration?’,Mind, 59: 71–
  • Mellor, D.H., 1998,Real Time II, London: Routledge.
  • Mundle, C.W.K., 1966, ‘Augustine’s Pervasive Error Concerning Time’,Philosophy, 41: 165–
  • Myers, Gerald, 1971, ‘James on Time Perception’,Philosophy of Science, 38: 353–60
  • Oaklander, L. Nathan, 1993, ‘On the Experience of Tenseless Time’,Journal of Philosophical Research, 18: 159–66; reprinted in Oaklander and Smith 1994, 344–
  • –––, 2002, ‘Presentism, Ontology and Temporal Experience’, in C. Callander (ed.),Time, Reality and Experience, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Oaklander, L. Nathan, and Smith, Quentin (eds.), 1994,The New Theory of Time, New Haven: Yale University Press.
  • Odegard, D., 1978, ‘Phenomenal Time’,Ratio, 20: 116–
  • Ornstein, R.E., 1969,On the Experience of Time, Harmondsworth: Penguin.
  • Paul, L.A., 2010, ‘Temporal Experience’,Journal of Philosophy, 107 (2): 333–
  • Phillips, Ian, 2008, ‘Perceiving Temporal Properties’,European Journal of Philosophy, 18 (2): 176–
  • Plumer, Gilbert, 1985, ‘The Myth of the Specious Present’,Mind, 94: 19–
  • –––, 1987, ‘Detecting Temporalities’,Philosophy and Phenomenological Research, 47: 451–
  • Pöppel, Ernst, 1978, ‘Time Perception’, in Richard Heldet al. (eds.), Handbook of Sensory Physiology, Vol. VIII: Perception, Berlin: Springer-Verlag.
  • Power, Sean, 2010, ‘Complex Experience, Relativity and Abandoning Simultaneity’,Journal of Consciousness Studies. 17: 231–
  • Price, Huw, 1996,Time’s Arrow and Archimedes’ Point: New Directions in the Physics of Time, Oxford: Oxford University Press.
  • Prosser, Simon, 2005, ‘Cognitive Dynamics and Indexicals’,Mind and Language, 20: 369–
  • –––, 2007, ‘Could We Experience the Passage of Time?’,Ratio, 20 (1): 75–
  • –––, 2011, ‘Why Does Time Seem to Pass?’,Philosophy and Phenomenological Research, 85 (1): 92–
  • Roache, Rebecca, 1999, ‘Mellor and Dennett on the Perception of Temporal Order’,Philosophical Quarterly, 49: 231–
  • Russell, Bertrand, 1915, ‘On the Experience of Time’,Monist, 25: 212–
  • –––, 1921,The Analysis of Mind, London: George Allen and Unwin.
  • Skow, Brad, 2011 ‘Experience and the Passage of Time’,Philosophical Perspectives, 25 (1): 359–
  • Smith, Quentin, 1988, ‘The Phenomenology of A-Time’,Diálogos, 52: 143–53; reprinted in Oaklander and Smith 1994, 351–
  • Walsh, W.H., 1967, ‘Kant on the Perception of Time’,Monist, 51: 376–
  • Williams, Clifford, 1992, ‘The Phenomenology of B-Time’,Southern Journal of Philosophy, 30: 123-37; reprinted in Oaklander and Smith 1994, 360–

أدوات أكاديمية

 

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

 

مقالات ذات صلة

Augustine, Saint | memory | perception: the problem of | space and time: being and becoming in modern physics | time

 

[1] Le Poidevin, Robin, “The Experience and Perception of Time”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2015/entries/time-experience/>.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *