كلام عام

سقراط – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. ديبرا نيلس، حول حياة سقراط وفلسفته، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

    يظل الفيلسوف سقراط، مثلما كان الأمر في حياته (469 – 399 ق.م)[[i]]، لغزا، ومحيرا، وعلى الرغم من أنه لم يترك تراثا مكتوبا، فإنه يُعد أحد الفلاسفة القلائل الذين أثَّروا، إلى الأبد، في  تغيير النظرة إلى الفلسفة ذاتها. معلوماتنا عنه كلها منقولة، ومعظمها يشتد عليه الخلاف، وبرغم ذلك، تظل محاكمته وموته، على يد الديموقراطية الأثينية، أسطورة تأسيسية للنظام التربوي الفلسفي، بل إن تأثيره قد تجاوز الفلسفة ذاتها، وفي كل العصور. وبسبب من أن حياته، اعتبرت، بنحو شائع، مثالا نموذجيا للحياة الفلسفية، وبنحو أعم، مثالا لما ينبغي أن تكون عليه حياة أي شخص، فقد نال سقراط الكثير من الإعجاب وقلده كثيرون، وهذا يكون عادة من نصيب مؤسسي المذاهب الدينية ـ مثل يسوع أو بوذا ـ لكن الأمر يصبح غريبا بالنسبة لشخص كان يسعى بقوة إلى جعل الآخرين يمارسون تفكيرهم الخاص، أو لشخص أُدين وأُعدم بتهمة الكفر بآلهة أثينا. من المؤكد أنه كان محط إعجاب الكثير، إلى درجة دفعتهم إلى الكتابة عنه، وكلهم رأوا فيه شخصا غريبا بالنسبة إلى تقاليد القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا: في مظهره، وشخصيته، وسلوكه، وكذلك في آرائه وأساليبه.

الأمر الشائك، هو صعوبة تمييز سقراط التاريخي عن سقراط الموجود في نصوص من كتبوا عنه، علاوة على ذلك، عن شخصيات سقراط المتعددة في تفسيرات العشرات من المفسرين المتأخرين، ويشار إلى تلك المسألة، التي يدور حولها الخلاف، باسم: المشكلة السقراطية. فكل عصر، وكل تحول ثقافي يُنتج سقراطه الخاص به. وما لا يقل صحة عن ذلك؛ أننا لا نعرف سقراط “الحقيقي”: فكل ما لدينا هو مجموعة من التفسيرات، وكل منها تُصور سقراطا “ممكنا نظريا” بحسب تعبير كورنليا دي فوجل (1955-28). في الواقع، كانت دي فوجل تكتب بينما كان نموذج تحليلي جديد لتفسير سقراط، على وشك أن يصبح نموذجا قياسيا؛ نموذج جريجوري فلاستوس، الذي سيهيمن حتى منتصف التسعينيات. من هو سقراط بالفعل. تلك هي المسألة الأساسية بالنسبة لتفسير فلاستوس لمحاورات أفلاطون الفلسفية ـ كما هو الحال بالنسبة لأي تفسير ـ لأن شخصية سقراط هي الشخصية المهيمنة في معظم محاورات أفلاطون.

 

1. غرابة سقراط

2. المشكلة السقراطية: من هو سقراط الحقيقي؟

  • 2.1 ثلاثة مصادر رئيسية: أريستوفانيس، وزينوفون،وأفلاطون

    2.2 استراتيجيات تفسير معاصرة

    2.3 آثار فلسفة سقراط

    3. التسلسل الزمني لسقراط التاريخي في سياق التاريخ الأثيني والتواريخ الدرامية في محاورات أفلاطون

    4. التراث السقراطي وتجاوزه لمجال الفلسفة

  • المراجع والمصادر

  • مراجع ونظرات عامة

  • الفلسفة التحليلية لسقراط

  • تفسيرات قارية

  • قضايا تأويلية

  • دراسات متخصصة

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الشبكة

  • مدخلات ذات صلة

 


 

 

  1. غرابة سقراط

تختلف مقاييس الجمال من مكان لآخر، وفي عصر سقراط كان الجمال يُقاس، ببساطة، بحسب مقاييس تتجلى على تماثيل آلهة ذات فخامة، ومتناسقة الأعضاء، تزين الأكروبول الأثيني منذ بلغ سقراط الثلاثين من عمره. كان المظهر الأنيق، والحركة الوقورة، من الأمور المهمة بالنسبة لرجل ذي طموحات سياسية، حيث كان الجمال والخير مترابطان في المخيلة الشعبية. وتتفق المصادر المتوفرة على أن سقراط كان بالغ القبح، يشبه كائنا أسطوريا أكثر منه إنسانا، ولا يشبه، بحال من الأحوال، تلك التماثيل، التي أُكتشفت لاحقا في العصور القديمة، وتزخرف الآن مواقع الإنترنت، وأغلفة الكتب. فقد كانت لديه عينان جاحظتان، ناتئتان في جانبي وجهه، جعلتاه، مثل سرطان البحر، قادر على رؤية ما على جانبيه بمثل ما يرى ما يدور أمامه، وأنف أفطس، واسع المنخرين، وشفتان غليظتان. وكان شعره طويلا منسدلا، على الطراز الأسبرطي (حتى أثناء اندلاع الحرب بين أثينا وأسبرطة)، وكان يمشي حافيا، ولا يغتسل، حاملا عصاة، بادي الكِبر. لم يكن يبدل ثيابه، وإنما يرتدي في النهار ما كان يتغطى به ليلا، كما كان غريبا في مشيته أيضا؛ التي وصفها البعض بأنها مشية متعجرفة، تثير الخوف، مما يبقي جنود الأعداء بعيدا عنه. وكان محصنا من آثار الخمر والبرد، غير أن ذلك جعله موضع شك من جانب قرنائه من الجنود في الحملة العسكرية. ويمكننا، بأريحية، افتراض أنه كان معتدل الطول (حيث لم يذكر أحد شيئا عن ذلك)، وذا بنية قوية، نظرا إلى الحياة المفعمة بالنشاط التي كان يحيياها. وعلى خلاف ذلك التراث الأيقوني عن بطنه الكبير، فقد وُصف سقراط ورفقاؤه بأنهم جوعى (أريستوفانيس “الطيور” 1280-83).

حول السمات الشخصية لسقراط، أنظر: محاورة “ثياتيتوس“، ومحاورة “المأدبة“، لأفلاطون، و”المأدبة” لأكسينوفان، و”السحب” لأريستوفانيس. تمثال سقراط، من خشب البلوط، للنحات برانكوزي، ويصور مظهر سقراط وغرابته، بحيث يبدو مختلفا من كل زاوية عن الأخرى، ومن ذلك؛ إذا نظرت إلى عينه الثانية، فلن تكون الأولى في مجال نظرك (ارجع إلى: متحف الفنون الحديثة، الصفحة الخاصة بتمثال سقراط لبرانكوزي، والتي تقدم زوايا رؤية إضافية). وهناك مصادر أخرى لبيان ما كان عليه سقراط من قبح، ولكنها غير متوفرة، وهي رسومات للفنان السويسري المعاصر هانز إرني.

عند نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، كان من الأمور المسلم بها، بدرجة أو بأخرى، أن من دواعي الاحترام لأي رجل أثيني، إيثار الشهرة والثروة والشرف والسلطة السياسية، على حياة العمل. رغم أن كثيرا من المواطنين كانوا يعتمدون في معاشهم على العمل، في عدد كبير من الوظائف المتنوعة، وكان المتوقع منهم أن يتخلوا عن الكثير من أوقات راحتهم ـ إن كان لديهم أوقات راحة أصلا ـ للإنشغال بالمصالح العامة للمدينة. عادة ما كان الرجال يشاركون في مجلس الحكم، وفي محاكم المدينة، والقادرون على ذلك إنما يهيئون أنفسهم للنجاح في الحياة العامة، بالتعلم على يد البلغاء من الخطباء، والسوفسطائيين الأجانب، الذين يثرون ويشتهرون من تعليمهم لشباب أثينا كيفية استخدام الكلمات لتحقيق مصالحهم. ومن أشكال التعليم الراقي، التي عُرفت في أثينا: الرياضيات، والفلك، والهندسة، والموسيقى، والتاريخ القديم، وعلوم اللغة. وما يبدو غريبا بالنسبة لسقراط أنه لم يكن يملك عملا يرتزق منه لمعاشه، كما لم يتطوع بالمشاركة في إدارة شئون الدولة، بل لزم الفقر، وعلى الرغم من ذلك، فقدحرص شباب المدينة على مرافقته، وتقليده، وكان سقراط يصر بشدة على أنه ليس معلما (أفلاطون: “الدفاع” 33a-b)، ورفض، طوال حياته، أن يتقاضى أجرا مقابل ما يفعله. ومما يخفف من حدة غرابة هذا السلوك، أن صورة المعلمين والطلاب آنذاك تصور المعلمين كأباريق، تسكب محتواها في كؤوس فارغة، تمثل الطلاب. ولأن سقراط لم يكن مجرد ناقل معلومات ليتلقاها الآخرون بنحو سلبي، فقد اعترض على تشبيهه بالمعلمين، وإنما هو يساعد الآخرين على أن يعرفوا بأنفسهم، ما هو حقيقي، وصالح، وخير (أفلاطون: محاورتي “مينون“، و”ثياتيتوس“) وذلك منهج تعليمي جديد، ومن ثم، مثير للشبهات. كان سقراط معروفا بما يسببه من إرباك، وصدمة، وحيرة، لشركائه في الحوار، خلال تلك التجربة البغيضة، التي يتكشف لهم جهلهم خلالها، وهي الحالة التي، أحيانا، يحل الفضول العقلي الأصيل محلها.

لم يكن أمرا ذا أهمية أن كان لسقراط رأي في النساء، أرقي من آراء معظم رفاقه، فقد تحدث عن “الرجال والنساء”، و”الرهبان والراهبات”، كما ورد في كلامه أسماء نساء أجنبيات كن معلمات له: فقد ذكر أنه تعلم البلاغة على يد أسبازيا من ميليتوس، عشيقة بيركليس (أفلاطون: محاورة “مينيكسينوس“)، كما تعلم أفانين الحب من الراهبة ديوتيما من مانتينيا (أفلاطون: “المأدبة“) لقد كان سقراط غير تقليدي بهذا الأعتبار. كان من عادة مواطني أثينا من الذكور، من أهل الطبقات العليا، ألا يتزوجوا قبل بلوغهم الثلاثين من العمر، أما النساء الأثينيات، فلم يكن متعلمات، ويبقين معزولات حتى يبلغن، وحينها يزوجهن أباؤهن. وبالتالي، فإن التنشئة الاجتماعية، وتربية الذكور ـ التي غالبا ما كانت تتضمن انخراطا في علاقات من النوع الذي تدل عليه كلمة “لواط الغلمان” (غالبا ما كانت تُستخدم) ـ كانت تنشئة يشوبها الانحراف، يصير فيها الشباب الذين قاربوا البلوغ، خمسة عشر أو سبعة عشر عاما، مثل العشيقات للعشاق من الذكور الأكبر سنا، وتحت رعاية هؤلاء ونفوذهم، يقومون بتنشئتهم وإرشادهم. كان أمرا سائدا بين الأثينيين أن يرى البالغين من الذكور في الشباب الصغار موضوعا للجاذبية الجنسية، وصار عُرفا، سواء من جهة الأسرة أو الأصدقاء، على أن مثل هذه العلاقة ذات فائدة للطرفين. غير ان نوعا من المداراة (الإنكار) كان يحوط مثل هذه العلاقات: “رسميا” فإن هذه الاتفاق لا يتضمن إنشاء علاقة جنسية بين العاشقين، وإذا حدث، فإنه ليس من حق المعشوق أن ينال متعة جراء ذلك، غير أن الشواهد القديمة (كالمسرحيات الكوميدية، والرسومات على المزهريات، إلخ) تدل على أنه غالبا ما يتم خرق هذه الشروط، (Dover 1989,204). ما كان غريبا بخصوص سقراط؛ رغم  أنه لم يكن استثناء من تلك القاعدة، التي ترى في صغار الشباب موضوعا للجاذبية (أفلاطون: محاورات “خارميس” ((155d، و”بروتاجوراس“(309a-d)، إكسينوفان: “المأدبة“(4.27-28) )، إلا أنه رفض تلك التزلفات الجسدية، حتى تجاه المفضلين لديه (أفلاطون: “المأدبة“(219b-d)) ووجه جل اهتمامه إلى إصلاح أرواحهم، وأرواح سائر الأثينيين (أفلاطون: الدفاع(30a-b))وهي المهمة التي ذكر أنه كُلِّف بها بوحي من أبوللو، في معبد دلفي، إذا فسرنا ما نقله عن ذلك، صديقه كريفون، بنحو صحيح (أفلاطون: الدفاع 20e-23b)، وهو إدعاء اعتبره مواطنوه مناف للعقل. وقد أظهر سقراط ظواهر شخصية أكثر غرابة، مثل ذلك الصوت الباطني daimoniom الذي يمنعه من فعل بعض الأمور المعينة، قليلة الأهمية، أو ذات أهمية، وغالبا ما لا يكون لها علاقة بمسائل الصواب والخطأ (لا ينبغي الخلط بين ذلك وبين فكرة الأنا العليا أو الضمير)، غير أن هذا التلميح الضمني بأن شيئا ما يقوم بإرشاده، وأنه يتصف بكونه إلهيا أو شبه إلهي، كان مثار شك لدى الأثينيين.

عادة ما كان سقراط يُرى في السوق، وفي الأماكن العامة الأخرى، يتناقش مع كافة أنواع الناس ـ صغار وكبار، رجال ونساء، عبيد وأحرار، أغنياء وفقراء ـ وفعليا، مع كل من يمكن أن يغريه على مشاركته في تقصي الأمور المهمة، من خلال السؤال والجواب. كان شغف سقراط في حياته هو تفحص واختبار حياة الناس؛ حياته وحياة الآخرين، وذلك لأن “الحياة التي لا تُمتحن بالتحديات، هي حياة لا تستحق أن تُعاش” كما قال أثناء محاكمته (أفلاطون: الدفاع 38a). وقد واصل سقراط مهمته بإخلاص وصدق، يسأل الناس عن أكثر الأمور أهمية، مثل: الشجاعة، أم الحب، أم المهابة، أم الاعتدال، وعن حال نفوسهم بشكل عام. كان يفعل ذلك، بغض النظر عما إذا كان الشخص الذي يسأله يرغب في المشاركة في ذلك أم لا، وقد حاكى الشباب الأثيني سقراط في أسلوبه الاستفهامي، مما كان سببا في انزعاج بعض أكابر الأثينيين. وكان مشهورا بالتهكم، وإن كان المعنى الدقيق لهذا التهكم مثيرا للجدل والخلاف، على الأقل، فإن تهكم سقراط يقوم على قوله أنه لا يعرف شيئا ذا أهمية، وأنه يرغب في سماع الآخرين، وإن بقي هو المهيمن والموجه لكل نقاش. أحد مظاهر الغرابة الأخرى في سقراط، والتي تكرر الحديث عنه، ويجب ذكره، هو انصرافه بإلحاح عن الانخراط سياسيا سواء بالانضمام إلى الأوليجارشية أو الديموقراطية، مع ذلك، فقد كان له أصدقاء وأعداء بين الطرفين، كما أنه أيد وعارض أفعالا لكلا الجانبين.

 

  1. المشكلة السقراطية: من هو سقراط الحقيقي؟

إن المشكلة السقراطية بمثابة متاهة من التعقيدات، التي تنشأ من حقيقة أن الكثير ممن كتبوا عن سقراط تتباين نتائج أعمالهم في جوانب بالغة الأهمية، تاركين لنا حيرة التساؤل، أيها، إن وُجد، هو التصوير الدقيق لسقراط التاريخي. توجد، وستظل دوما، مشكلة سقراطية، “ذلك أمر لا يمكن تجنبه”، قال جوثري (1969,6)، عائدا بنظره إلى التاريخ المتلاطم بين الأزمان القديمة والمعاصرة، والذي عرضته الصحافة بالتفصيل (1996) لكن تم تناولها بإيجاز فيما يلي.

 تتزايد الصعوبات بسبب أن من عرفوا سقراط وكتبوا عنه كانوا قبل أن يتم إنشاء أسس معيارية للتصنيفات الحديثة، أو حساسيات، فيما يخص تأسيس الدقة التاريخية، أو الضرورة الشعرية. فكل مؤلف يقدم تفسيره الخاص لشخصية وحياة شخصياته، سواء كان يقصد ذلك أم لا، وسواء كان ما يؤلفه رواية، أو سيرة ذاتية، أو فلسفة (في حال كان الموضوع الفلسفي يتضمن شخصيات). لذا، كان من الضروري إنشاء معايير أخرى، نتمكن بها من تقرير: أي من تلك التصورات المتنازعة هي عن سقراط، كما كان بالفعل. إن نظرة إلى المصادر الثلاثة الأساسية القديمة، سوف توفر لنا أساسا لتقدير مدى اختلاف التفسيرات المعاصرة (أنظر 2.2) كما ستوضح لنا أهمية تلك التفسيرات (أنظر 2.3).

أمر واحد مؤكد حول سقراط التاريخي: أنه حتى بين من عرفوه في حياته، هناك خلاف عميق حول ما كانت عليه تصوراته وأساليبه الفعلية. وفيما عدا تلك المصادر الأساسية، التي سنتكلم عنها لاحقا، كان هناك من يُطلق عليهم: “صغار السقراطيين” وسبب التسمية لا يعود إلى قيمة أعمالهم، وإنما لأن القليل جدا من أعمال بعضهم، أو لأشيء من أعمال البعض الآخر، هو ما بقي حول تصوراتهم عن سقراط، والتي، من المحتمل، ألا نعرفها أبدا[[ii]]. بعد موت سقراط، أصبح تراث المسألة أكثر تباينا، كما ذكر نيهاماس (1999, 99): “باستثناء المدرسة الأبيقورية، فقد رأت كل مدرسة فلسفية قديمة، على اختلاف توجهاتها الفلسفية، في سقراط، مؤسسا فعليا لها، أو نمطا للشخصية التي يستلهمها أنصارها”.

  • مصادر رئيسية ثلاثة: أريستوفانيس، وزينوفون، وأفلاطون

أريستوفانيس (±450 ق.م. ±386 ق.م. )

مصدرنا الأول، من المصادر الباقية مازالت ـ وهو المصدر الوحيد الذي يمكنه إدعاء أنه عرف سقراط في أعوامه الأولى ـ هو الكاتب المسرحي أريستوفانيس، في ملهاته المسرحية “السحب“، التي عُرضت عام 423 ق.م.، حينما كان كاتبا المصدرين الآخرين: زينوفون، وأفلاطون، ما زالا أطفالاً. في هذه المسرحية نرى سقراط رئيسا لمدرسة التفكر، التي يرتادها الشباب لدراسة العالم الطبيعي، من الحشرات إلى النجوم، ولدراسة أساليب الجدال المراوغ أيضا، دون مراعاة لأصول اللياقة الأثينية؛ حيث يقوم الممثل، الذي يرتدي قناع سقراط، بالتهكم على الآلهة التقليدية لأثينا (سطور 247-48، 367، 423-24)، لتي يحاكيها بطل المسرحية،لاحقا، بنحو هزلي، وهو يقدم تفسيرات طبيعية للظواهر التي يعتقد الأثينيون  أنها من تدبير الآلهة (سطور 227-33، أنظر: ثياتيتوس e152، c-d153 ، e173 – a174، فيدون a96 – a100). الأسوأ؛ أنه يعلم الشباب طرقا غير شريفة، لتجنب تسديد ما عليهم من ديون (سطور 1214- 1302) كما يشجع الشباب على ضرب آبائهم برضا آبائهم أنفسهم (سطور 1408- 46).

بحسب أريستوفانيس كمصدر، فقد كان زينوفون وأفلاطون أصغر من سقراط بحوالي خمس وأربعين سنة، وعلى ذلك، فإن معرفتهم بسقراط ستكون مقصورة على أعوامه الأخيرة. وقد يتولد عند المرء شك معقول في أن حياة وشخصية سقراط كانت من تمام الاتساق، بحيث أن ما كان من تصوير أفلاطون لشخصية سقراط، في الخمسينيات والستينيات من عمره، كرجل لا يستقيم منه أن يفعل ما كان من سخرية وهجاء، مثلما كان يفعل وهو شاب، كما صورته مسرحية السحب، وآخرين من الشعراء الهزليين. إضافة إلى ذلك، أن الأعوام بين عرض مسرحية السحب، وبين محاكمة سقراط، كانت أعوام حرب واضطراب، لذا، فأن ما كان يتفاخرب به بركليس، من حرية الفكر الأثينية، عند بداية الحرب (ثيوسيديدس 2.37-39)، قد تآكلت تماما عند نهايتها (أنظر 3). هكذا، فإن ما بدا هزليا قبل ربع قرن، حيث نرى سقراط معلقا في سلة على المسرح، كان أمرا منذرا بالشر عندئذ.

إن الملهاة بطبيعتها مصدر معلومات خادع عن أي شخص، غير أن هناك سبب قوي لأن نظن أن تصوير سقراط ـ في السحب ـ لم يكن مجرد مبالغة هزلية، وإنما تضليل منهجي؛ وذلك أن السحب تدمج في شخصية واحدة، هي شخصية سقراط، ملامح قد تبدو الآن فريدة من نوعها، بالنسبة لآخرين من مثقفي القرن الخامس قبل الميلاد (Dover 1968, xxxii-lvii)، فربما أختار أريستوفانيس سقراط ليمثل المثقف المألوف، لأن سقراط كان ذا مظهر بدني غريب، هزلي في ذاته. كان أريستوفانيس معارضا أصيلا، لما رآه كاضطراب اجتماعي، من جراء ما كان يتمتع به الشباب الأثيني من حرية في الدراسة، على يد خطباء بلغاء، وسوفسطائيين (أنظر 1)، وفلاسفة طبيعيين، مثل الفلاسفة السابقين على سقراط، ممن كانوا يبحثون في الكون والطبيعة. إن امتناع سقراط عن تلقي أي أجر لقاء الفلسفة، لم يكن بالأمر الدال بالنسبة لمسرحية هزلية. ترجع أهمية تصوير أريستوفانيس لسقراط، إلى أن سقراط أفلاطون يقول أثناء محاكمته (الدفاع 18a-b, 19c) أن معظم المحلفين قد نشأوا على اعتقاد صحة تلك الافتراءات التي أشاعتها المسرحية عنه. وينظر سقراط إلى أريستوفانيس بأعتباره أشد خطرا من أولئك الثلاثة الذين وجهوا إليه الاتهام، عام 399 ق.م.، ويبرر ذلك بأن أريستوفانيس قد سمم عقول الرجال وهم بعد شباب صغار. ولم يتوقف أريستوفانيس عن إتهام سقراط في عام 423 ق.م.، عندما حلت مسرحية السحب في المركز الثالث، بعد مسرحية أخرى جاء فيها وصف سقراط كرجل حافي القدمين، وإنما، سرعان ما شرع في مراجعة المسرحية، لينشرها بعد ذلك، ولكنها لم تُعرض أبدا. ويبدو أن أريستوفانيس تخلى عن إحياء مسرحية السحب عام 416 ق.م.، لكنه واصل هجومه على سقراط مرة أخرى، عام 414 ق.م.، في مسرحية الطيور، وعام 405 ق.م.، في مسرحية الضفادع، حيث يشكو التأثير الضار لسقراط على شباب المدينة، ومن بين اتهاماته: استخفاف سقراط بالشعراء[[iii]].

زينوفون (±425 ق.م. ±386 ق.م. )

مصدر آخر لسقراط التاريخي، هو الجندي المؤرخ زينوفون. يقول زينوفون، في صراحة واضحة، عن سقراط: “لم ألقى من قبل شخصا يهتم بتلك الدرجة الكبيرة، باكتشاف ما يعرفه كل فرد من رفاقه” (ميمورابيليا 4.7.1) ويعزز أفلاطون عبارة زينوفون، في محاوراته، التي نرى فيها سقراط وهو يعدِّل في مستوى ونمط الأسئلة، لتتلائم مع خصوصية الشخصية التي يحاورها. فإذا كان صحيحا أن سقراط قد نجح في بسط حواره بالمستوى الملائم لكل فرد من رفاقه، فإن ما يفسر تلك الاختلافات البارزة بين سقراط زينوفون، وسقراط أفلاطون، بنحو كبير، هو الاختلافات بين شخصيتهما. فزينون كان رجلا عمليا، ذا قدرات محدودة في تناول المسائل الفلسفية، فكان من المنطقي أن يصور سقراط كشخص عملي، يقدم نصائح مفيدة، لأن ذلك هو الجانب الذي شهده زينوفون من سقراط. إضافة إلى ذلك، فإن سقراط زينوفون يقدم المشورة في موضوعات مارسها زينوفون نفسه، بينما سقراط لم يمارس: جمع المال (زينوفون: ميمورابيليا 2.7) ، أو إدارة العقارات (زينوفون:  أوكونيميكوس)، مما يدل على أن زينوفون قد شرع في كتابة حوارات سقراط (كما حدد أرسطو نوعها الأدبي في كتابه “فن الشعر” 1447b)، جاعلا من شخصية سقراط ناطقا بلسان آرائه وتصوراته هو. ومن أعماله الأخرى، التي تذكر سقراط، أو تصوره: أناباسيس Anabasis، والدفاع Apology، وهلينيكا Hellenica، والمأدبة Symposium.

مما دعم إدعاء زينوفون الوجيه، باعتباره أحد مصادر حياة سقراط؛ هو عمله كمؤرخ، فكتابه هلينيكا (تاريخ اليونان) هو أحد المصادر المهمة للفترة الزمنية بين 411 ق.م. و 362 ق.م.، ويأتي في الأهمية بعد تاريخ ثيوسيديدس، الذي توقف في سرده التاريخي عند منتصف الحروب البلوبونيزية. ورغم ميل زينوفون للأسلوب الوعظي، وعدم اتباعه، في تأريخه، للأعراف  السائدة، التي  وضعها ثيوسيديدس، فيظل هناك من يرى، باعتبار أن ليس لديه توجهات فلسفية يدعو إليها، احتمال أنه قدم صورة أدق لسقراط مما قدمها أفلاطون. لكن ثم اعتباران أضعفا هذا الإدعاء:  (1) أن سقراط الذي تصوره أعمال زينوفون كثير التجوال على قدميه، وهذا مما يَصعُب معه تصور كونه ملهما لأكثر من خمسة عشر شخصا، لكتابة حوارات سقراطية، في الفترة التالية لموته. (2) لم يكن في مقدور زينوفون التواجد لعدة ساعات مع سقراط، أو مع يثق في معرفته الجيدة به؛ فقد كان يعيش في إرتشيا، التي تبعد حوالي 15 كيلومترا، عبر جبال هيميتوس، عن المناطق الحضرية، التي يتردد عليها سقراط، في أثينا، وكان شغفه بالخيل والفروسية (التي ألف عنها كتابا قيما) يستغرق جل وقته. كما أنه رحل عن أثينا عام 401 ق.م. في بعثة إلى فارس، ولأسباب عدة (كجندي مرتزق لدى التراخيين والإسبرطيين، وتعرضه للإبعاد) لم يعد للإقامة في أثينا مرة أخرى. والاعتبار الثالث: (3) تبين أنه ليس صائبا افتراض أن زينوفون سوف يطبق معايير الدقة ذاتها على حوارات سقراط بمثل ما يفعل مع أعماله التاريخية.[[iv]]  إن المعلومات التاريخية، وتلك المتعلقة بالسيرة الشخصية، التي ينشرها زينوفون في مذكراته عن سقراط، لا تتوافق مع ما نحصل عليه من معلومات من مصادر إضافية أخرى، مثل علم الآثار، والتاريخ، وسجلات المحاكم، والأدب. ولقد كان الاستخدام الواسع للكمبيوتر في مجال الدراسات الكلاسيكية، وإمكانية إجراء مقارنة بين شخصيات من الزمن القديم، والقدرة على جمع معلومات عن كل منهم، من مصادر مختلفة، هو ما منح هذه الملاحظات عن أعمال زينوفون السقراطية مصداقيتها؛ إن مذكرات زينوفون مجرد آثار أدبية، تحوي العديد من الأمور التي لم تحدث بمثل ما تم تصويرها.

أفلاطون (3/424 ق.م. ـ347 ق.م. )

اعتاد الفلاسفة تمييز ما قدمه زميلهم الفيلسوف أفلاطون عن سقراط. كان أفلاطون في حوالي الخامسة والعشرين من عمره، عندما حوكم سقراط وأُعدم، ويحتمل أنه قد عرف سقراط الكهل في معظم حياته، فقد كان من الصعب لفتى ينتمي إلى طبقة أفلاطون الاجتماعية، ويقيم في المقاطعة التي تعتبر المركز السياسي (ديمي) في كوليتوس، داخل حدود المدينة المسوَّرة، ألا يلقى سقراط. وتتفق المصادر الباقية على أن سقراط كان يتواجد، غالبا، حيث يقضي شباب المدينة أوقاتهم. إضافة إلى ذلك، فقد تأكد توافق تصوير أفلاطون للأشخاص الأثينيين، بشكل ملحوظ، مع الشواهد الآثارية والأدبية؛ في استخدامه للأسماء والأماكن، والعلاقات العائلية، وروابط الصداقة، وحتى في تأريخه التقريبي للأحداث، في معظم المحاورات الموثقة، والتي يمثل سقراط الشخصية الرئيسية فيها. تتضمن المحاورات تواريخ درامية، تقع في محلها، وحيث أننا نعرف أكثر عن شخصياتها، وبرغم المفارقات التاريخية العارضة، يتضح أن المحاورات تتسم بواقعية أكثر مما يُظن بها.[[v]] إن محاورات: أيون، ولايزيس، وأيوثيديموس، ومينون، ومينيكسينوس، وثيلتيتوس، وأوطيفرون، والإطار العام للمأدبة، والدفاع، وكريتون، وفيدون (رغم ما يقول أفلاطون من أنه لم يكن حاضرا لإعدام سقراط)، والإطار العام لبارمنيدس، هي التي حقق فيها أفلاطون أكبر تواصل مع من صورهم من الأثينيين.

ولا يترتب على ذلك، على أية حال، أن أفلاطون قد عكس آراء وأساليب سقراط (أو أن أي أحد غيره فعل ذلك) كما ذكرها، وبدرجة أقل، بمثل ما تكلم بها سقراط فعلا. هناك عدد من التحذيرات والمحاذير، التي يجب ذكرها ابتداءا: (i) من المحتمل أن أفلاطون قام بخلق شخصية سقراط (أو شخصيات أخرى) لخدمة أغراضه، سواء الفلسفية، أو الأدبية، أو كلتيهما. (ii) المحاورات التي تصور سقراط كشاب، ورجل، تجري أحداثها، إن كانت جرت بالفعل، في فترة تسبق مولد أفلاطون، أو حينما كان طفلا صغيرا. (iii) على المرء أن يكون حذرا بخصوص التواريخ الدرامية لمحاورات أفلاطون (انظر3)؛ لأنها محددة استنادا إلى الشخصيات الذين نتعرف عليهم من خلال المحاورات، ومن مصادر غيرها. (iv) ينبغي التعامل مع التواريخ المحددة بقدر من الشك، لما قد يعرض لها من خطأ بخصوص الدقة الرقمية. حتى إذا تعلق الأمر باحتفال معين، أو أية إشارات أخرى تحدد الموسم أو الشهر الذي تدور فيه المحاورة، أو مولد إحدى الشخصيات، فعلى المرء أن يضع احتمالا لوقوع خطأ ولو ضئيل. وعلى الرغم من أنه صار مكروها استخدام تعبيرات مثل: “تقريبا”، أو “أقل أو أكثر” في كل حين، فلم يكن القدماء في حاجة أو رغبة في تلك الدقة المعاصرة، فيما يخص تلك الأمور؛ فكل الأطفال المولودون في ذات العام، يكون لهم تاريخ الميلاد ذاته، ففي محاور لايزيس (207b)، نجد فَتيَان يتجادلان، وهو أمر غريب بحسب المعايير المعاصرة، حول أيهما أكبر من الآخر. وقد تعارف الفلاسفة على التغاضي عن جميع المشكلات التاريخية، وافترضوا جدلا أن سقراط أفلاطون هو سقراط المذكور في مسار الفلسفة المحتمل. وتلك الاستراتيجية، كما سنرى لاحقا، ستؤدي إلى نشوء مشكلة سقراطية جديدة.

ما الذي يحفزنا، في نهاية الأمر، إلى قراءة كلمات فيلسوف مات عن فيلسوف آخر مات، ولم يكتب في حياته كلمة واحدة؟ لماذا تاريخ الفلسفة؟ الذي لا يقدم لنا إجابات حاسمة. قد يجيب البعض بأن دراستنا لتراثنا الفلسفي أمر ذو قيمة في ذاته، يحقق الرضا والاستنارة الفلسفية؛ عندما نتفكر في كلمات من مات من الفلاسفة ـ كلمات أفلاطون مثلا ـ ممن لا يمكننا التواصل المباشر معه، فإننا بذلك نسعى، ليس إلى مجرد فهم ما قاله أو افترضه، بل أيضا إلى فهم ما تنطوي عليه افتراضاته، ما إذا كانت تتصف بالصحة. وأحيانا، يتطلب منَّا إصدار مثل هذه الأحكام تعلم اللغة التي كتب بها الفيلسوف أعماله، وأن نعرف المزيد عن أسلافه ومعاصريه، فالفلاسفة الكبار، وأفلاطون أحدهم، يظلوا قادرين على أن يكونوا رفاق حوار فلسفي، ومشاركين لنا في الجدال. ولأنه طرح مسائل أصولية عالمية خالدة، بفطنة وبصيرة نافذة، وبذلك تعاظم فهمنا لتلك المسائل. هذا يفسر أفلاطون، قد يقول المرء ذلك، ولكن، أين سقراط في هذه الصورة؟ هل ترجع أهميته لمجرد كونه أحد أسلاف أفلاطون؟ ربما يجيب البعض: نعم. ولكن البعض الآخر قد يقول: إن آراء وأساليب سقراط هي ما تحدد البداية الحقيقية للفلسفة الغربية، وليست آراء وأساليب أفلاطون، وأن سقراط هو الأفضل كمرشد جدلي، وأنه يجب تمييز ما هو سقراطي في المحاورات عما هو أفلاطوني (أنظر2.2) لكن، كيف يتم ذلك؟ تلك، أيضا، مشكلة سقراطية.

2.2 استراتيجيات تفسير معاصرة

إذا كان بإمكان المرء الاقتصار فقط على سقراط أفلاطون، فسوف تعاود المشكلة السقراطية الظهور، وسرعان ما نرى أن سقراط نفسه يدافع عن رأي ما في إحدى المحاورات، ثم نجده يتخذ موقفا مغايرا في محاورة أخرى. كما يستخدم أساليب في محاورات، ويطيح بها في محاورات أخرى. تلك التضاربات بين المحاورات تبدو في حاجة إلى تفسير، وإن لم يكن كل الفلاسفة يرون الأمر على هذا النحو (Shorey 1903). أكثر الأمثلة شهرة على ذلك: الهجوم على نظريات مختلفة في المُثُل في محاورة بارمنيدس ، بينما يتوسع في عرض نظرية المُثُل ويدافع عنها في محاورات الجمهورية، والمأدبة، وفيدون. وفي بعض المحاورات (لاخيس، على سبيل المثال) يقتصر سقراط على اقتلاع الأعشاب الضارة من الحديقة؛ ببيان التضاربات والمعتقدات الزائفة، بينما نراه في محاورات أخرى (فايدروس، على سبيل المثال) زارعا أيضا،  يقدم آراءا فلسفية منظمة، كما يقترح أساليب جديدة لاختبار تلك الآراء. وهناك اختلافات أقل أهمية من تلك، منها مثلا: معارضة سقراط لمذهب اللذة في محاورة جورجياس ، ثم يؤيده في محاورة بروتاجوراس، وتختلف تفاصيل العلاقة بين الحب الجسدي والحياة الصالحة في محاورة فايدروس عنها في محاورة المأدبة. وفي محاورة الجمهورية،  يختلف تقدير العلاقة بين المعرفة والموضوعات المعرفية، عنها في محاورة مينون. ورغم التزام سقراط بالقانون الأثيني، كما ورد في محاورة كريتون، نجده يُقسم في محاورة الدفاع على مخالفة هيئة المحلفين إذا ما أمرته بالامتناع عن التفلسف. وثم مشكلة ترتبط بذلك؛ حيث تبدو بعض المحاورات وكأنها تبرز مواقف مألوفة في تراث فلسفي آخر (مثال ذلك: مواقف هيرقليطيس، في محاورة ثياتيتوس، ومواقف المذهب الفيثاغوري، في محاورة فيدون). ثلاثة قرون من الجهود المبذولة في حل المشكلة السقراطية، تجدونها موجزة في الوثيقة الملحقة، على الرابط التالي:

المحاولات الأولى لحل المشكلة السقراطية

    بالنسبة للجهود المعاصرة، فإنها تعيد إنتاج كل صغيرة وكبيرة ـ حتى الفاشلة منها ـ من تلك المحاولات الأولى.

 

القرن العشرين

حتى وقت قريب نسبيا في العصر الحديث، كان ثمة أمل بأن تمييزا مؤكدا، لما يمكن عزوه بنحو تام إلى سقراط، قد يضع أمامنا، في المقابل، مجموعة متماسكة من المذاهب، التي يمكن عزوها إلى أفلاطون (الذي لا يظهر أبدا كمتحدث في المحاورات). توقع كثير من الفلاسفة، مستلهمين عالِم القرن التاسع عشر إدوارد زيللر، أن الفلاسفة الكبار يؤسسون مشروعات ضخمة وعصية على الفهم، وهذا غير متحقق في حالة سقراط، وعلى ذلك، يُنسب إلى أفلاطون كل المذاهب المؤكدة، التي يمكن استخلاصها من المحاورات. وفي النصف الأخير من القرن العشرين، تجدد الأهتمام بمن هو سقراط، وما هي آراءه وأساليبه الخاصة، والنتيجة؛ مشكلة سقراطية محدودة، ولكن لا تقل إثارة للجدل. لقد هيمن، في القرن العشرين، مساران لتفسير آراء سقراط (Griswold 2001; Klagge and Smith 1992)، وعلى الرغم من حصول بعض التلاقح والنمو بشكل صحي بين المسارين منذ منتصف التسعينيات، إلا أنهما اتخذا موقفا عدائيا تجاه بعضهما البعض لفترة طويلة، وظلت مجمل الكتابات عن سقراط، ومن ضمنها الترجمات الخاصة بالمسارين، منقسمة إلى معسكرين، لا يكاد أحدهما يقرأ للآخر: معسكر التحليل الأدبي، ومعسكر السياق الأدبي. تستخدم الدراسة السياقية الأدبية لسقراط، وشكلها الأعم هو علم تأويل النصوص، الهرمنيوطيقا، أدوات النقد الأدبي ـ في تفسير يقتصر على المحاورة ذاتها باعتبارها كل قائم بذاته، وترجع أصوله الأوربية إلى هيدجر، ومن قبله: إلى نيشة وكيركيجارد. والدراسة التحليلية الأدبية لسقراط، وشكلها الأعم الفلسفة التحليلية، والتي تغذيها البراهين في نصوص المحاورات ـ وتعنى ببرهان واحد، أو مجموعة من البراهين، سواء في نص مفرد أو في مجمل النصوص، وترجع أصوله إلى التراث الفلسفي الأنجلوأمريكان. وقد كان هانز جورج جادامير (1900-2002) هو عميد المسار الهرمنيوطيقي، وجريجوري فلاستوس (1907-1991) هو عميد المسار التحليلي.

 

المذهب السياقي الأدبي

بالنسبة لأصحاب مذهب السياق الأدبي، فإن التضارب في آراء وأساليب سقراط، خلال المحاورات، لا يعتبر مشكلة سقراطية، لأنهم ينظرون إلى أفلاطون باعتباره فنان ذو مهارة أدبية فائقة، وبالتالي، فإن جوانب الغموض في محاوراته هي مجرد تصوير مقصود لجوانب الغموض الفعلية في موضوعات البحث الفلسفي. بالتالي، يجب معالجة اصطلاحات مثل: براهين، وشخصيات، وسائر الاصطلاحات الأخرى في المحاورات، في سياقها الأدبي. مع جلب أدوات النقد الأدبي إلى دراسة المحاورات، وقد تم اقرارها في تلك الممارسة باستخدام أفلاطون نفسه لتلك الأدوات وممارسة النقد السياقي (بروتاجوراس 339a-347a، والجمهورية 2.376c-3.412b ، وأيون، وفايدروس 262c-264e) فمعظم السياقيين يبحثون في كل محاورة عما تتضمنه وحدتها الجمالية، يشيرون بذلك إلى أن المحاورات ذاتها تتمتع بالاستقلالية، ولا تشتمل تقريبا على أية إحالات مرجعية. وينصح السياقيون، الذين اعتنوا بما رأوه كوحدة جمالية لمجمل الأعمال الأفلاطونية، ومن ثم نشدوا صورة متسقة لسقراط، بقراءة متأنية وعميقة للمحاورات، وروجوا لعدد من الأعراف والأدوات الأدبية، التي قيل أنها ستساعد في الكشف عن الشخصية الفعلية لسقراط. وبالنسبة لكلا التوجهين للمذهب السياقي فإن المحاورات الأفلاطونية تشبه مجموعة نجمية ساطعة، تستحق كل نجمة منها اهتمام خاص.

من الدلائل على نضج التراث السياقي الأدبي، في مستهل القرن الحادي والعشرين، ذلك التنوع الكبير في الأبحاث، بالإضافة إلى محاولته لأن يكون نقدا أكثر تعمقا في النص.

المذهب التطوري التحليلي [[vi]]

في مطلع الخمسينيات، اقترح فلاستوس مجموعة من الفرضيات المترابطة، توفر في مجموعها إطار عمل معقول، في التراث التحليلي للفلسفة السقراطية باعتبار أنها سعى منفصل عن الفلسفة الأفلاطونية. وعلى الرغم مما لتلك الفرضيات من جذور عميقة في المحاولات الأولى لحل المشكلة السقراطية (أنظر الوثيقة الملحقة في الرابط السابق) فإن جمال التركيبة الخاصة لفلاستوس يتبدى في خصوبتها. تُعيِّن الفرضية الأولى انقطاعا مع النظرة التقليدية؛ التي ترى في أفلاطون فيلسوفا جدليا، يطرح افتراضات أولية، ثم يقوم بمراجعتها مرارا، وإنما:

1ـ طرح أفلاطون مذاهبا فلسفية.

2ـ تطورت مذاهب أفلاطون خلال مراحل كتابتها.

لتفسير العديد من التضاربات والتناقضات، فيما بين المحاورات بشكل خاص (وُضعَت تلك التضاربات المتواصلة تحت مفهوم معقد هو التهكم السقراطي) يقص فلاستوس قصة “كافتراض نظري، ليس يقينا، أو واقعا”، يصف فيها أفلاطون الشاب، في عبارات جزلة، وهو يكتب محاوراته الأولى، وكله يقين “بالصدق الجوهري في تعاليم سقراط، وسداد منهجه”. لاحقا، يتطور أفلاطون إلى فيلسوف استدلالي، معبرا عن نفسه،ولكنه لا يرى حاجة في قطع روابطه بسقراطه، “أبيه الروحي”. (لا صلة لبقية قصة فلاستوس بسقراط) ويضع فلاستوس مجموعة صغيرة من المحاورات تحت عنوان “المحاورات الإنتقالية”، ليحدد بها الفترة التي بدأ فيها أفلاطون في عدم الرضا عن آراء سقراط. أما فرضية فلاستوس الثالثة:

3ـ  من الممكن إجراء تحديد دقيق للترتيب الزمني لكتابة المحاورات، ووضع مخطط لتطور آراء أفلاطون.

وتتنوع أدلة فلاستوس لإثبات هذا الادعاء، ولكنها من أنماط عدة: دراسة إحصائية للنمط الأسلوبي في الكتابة stylometric، والإحالات المرجعية، والأحداث الواقعية الوارد ذكرها، والاختلافات بين المذاهب والأساليب المعروضة، بالإضافة إلى شهادة قديمة أخرى (وبشكل خاص شهادة أرسطو). يُطلق على محاورات أفلاطون في المرحلة السقراطية اسم “المحاورات الداحضة”، ويرجع ذلك لأسلوب سقراط المفضل في السؤال، وهي: الدفاع، وخارميدس، وكريتون، وأوطيفرون، وجورجياس، وهيبياس الأصغر، وأيون، ولاخيس، وبرتاجوراس، والكتاب الأول من الجمهورية.  إن المحاورات الأفلاطونية، عند أتباع المذهب التطوري، من المحتمل أن تكون ذات تسلسل منفصل، بترتيب يجعل المحلل قادرا على فصل وتمييز سقراط عن أفلاطون، إستنادا إلى الفترات المختلفة للتطور الفكري لأفلاطون. الفرضية الأخيرة:

4ـ يضع أفلاطون على لسان سقراط ما يعتقده أفلاطون نفسه، في وقت كتابته لكل محاورة.

يقول فلاستوس: “مع ما يعترض أفلاطون من تغيرات، كانت شخصية سقراط الفلسفية تتغير” (Vlastos 1991-53) ـ وذلك رأي يُشار إليه أحيانا بعبارة “نظرية الناطق بلسان الحال”. ولأن الفيلسوف التحليلي مهتم بالمذاهب (وبشكل خاص كنتائج للمجادلات، أو أُختبرت خلالها)، فعادة ما يكون تركيزه منصبا على موقف فلسفي معين، في محاورة واحدة، أو عبر المحاورات، ولا يولي كثير اهتمام بالسياق، أو النظر إلى المحاورات كوحدة متكاملة،  ويرجح أن الشواهد المستخرجة من المحاورات المتقاربة زمنيا، تعتبر أقوى تأكيدا من المحاورات المنتمية إلى فترات تطورية أخرى. محصلة تلك الفرضيات تجسدت في قائمة متماسكة (عورضت بالطبع من جانب آخرين) من عشرة أطروحات تخص سقراط، لا يتوافق أيها مع الأطروحات العشرة المحكمة، التي تخص أفلاطون (1991, 47-49).

في نهاية القرن العشرين، قام العديد من فلاسفة التحليل المتقدمين بالتنقيب عن الذهب الذي اكتشفه فلاستوس، وواصل كثير، ممن تميزوا بخصب أعمالهم في المسار التطوري في بداياته، جهدهم الاستدلالي الخاص بهم. (انظر: قائمة المراجع)

 

2.3 آثار فلسفة سقراط

أمر محفوف بالمخاطر؛ أن نتحدث الآن عن مكانة الفلسفة القديمة، ولكن من السمات المميزة لموسوعة ستانفورد للفلسفة، السماح للمشاركين فيها، بل تشجيعهم، على تحديث مدخلاتهم في الموسوعة، بما يعكس ما يستجد من معارف، وتغيرات هائلة تخص موضوعاتهم. بالنسبة لكثير من فلاسفة التحليل، فإن جون كوبر (1997, xiv) قد بشر بنهاية الحقبة التطورية، عندما وصف التمييز بين الفترة المبكرة والوسطى للمحاورات بأنه “أساس غير ملائم ليستهل به أي شخص قراءة هذه الأعمال. وفِعلُ ذلك يعني التصريح مسبقا بنتائج تفسير محدد للمحاورات، وأن تمنح هذا التفسير نوعا من القداسة، بحجة الترتيب الموضوعي المفترض للمؤلفات” ـ  بينما لا يُعرف، موضوعيا، مثل هذا الترتيب، وبالتالي، فتلك مخاطرة بخسارة القارئ غير الواعي لقراءة فردية طازجة، تتطلبها هذه الأعمال”. وحينما أضاف قائلا: “من الأفضل تنحية التفكير في التراتب الزمني إلى مرتبة أقل، تناسبه، والتركيز على المحتوى الأدبي والفلسفي للأعمال، والتعامل معها في ذاتها، وعلاقتها بالأعمال الأخرى”، كان يقدم اقتراحا بإقرار سلام بين معسكري السياق الأدبي والتطور التحليلي، وكما هو الحال في كل اتفاق للسلام، فإنه يستغرق بعض الوقت، حتى يقبل المقاتلون جميعا فكرة انتهاء الصراع ـ وهذا حيث نحن الآن.

باختصار، فإن المرء الآن يتمتع بحرية أكبر في الإجابة على سؤال: من هو سقراط الفعلي؟ فهناك الطرق المتنوعة التي أُجيب بها على السؤال في الماضي، كما يمكن للمرء أن يجيب بطريقته الخاصة مع إجادة البرهنة عليها، وبالإمكان تجنب السؤال، والإنشغال بالتفلسف حول مسائل محاورات أفلاطون، بلا خوف من مخالب أي تراث تفسيري معين.

لمن يسعون إلى معرفة آراء وأساليب سقراط الأفلاطوني، من منظور ما يترجح رؤيته معزوا إليه في المصادر الثانوية (أنظر 2.2) يمكنهم الرجوع إلى الموضوع ذي الصلة، في الرابط التالي: Plato’s shorter ethical works

 

3.التسلسل الزمني لسقراط التاريخي في سياق التاريخ الأثيني والتواريخ الدرامية في محاورات أفلاطون

فيما يلي، العمود الأكبر إلى اليسار يقدم بعض معلومات السيرة الذاتية، من مصادر قديمة، تتخللها (بخط سميك) التواريخ الدرامية لمحاورات أفلاطون. في العمود الأصغر،جهة اليمين، تواريخ الأحداث والشخصيات المهمة، من التاريخ الأثيني في القرن الخامس قبل الميلاد. وبرغم دقة التواريخ بحسب وقائعها، فإن بعضها تقريبي، أو مختلف عليه (Nails 2002).

469 تراجيديات أيسخيلوس. أشعار بندار العظيم.

462 الإصلاح القانوني الديموقراطي في أريوباجوس.

459 البدء في بناء أسوار أثينا الممتدة حتى ميناء بيروس.

450 أثينا توسع أمبراطوريتها، وتجري إصلاحات ديموقراطية (السماح بشغل وظيفة القاضي لمواطني الطبقة الثالثة، تشريع دفع أجر للمحلفين).

 

 

 

 

 

 

 

 

450430 عصر بركليس الذهبي. بناء الأكروبول الأثيني، بإشراف فيدياس وبوليكليتوس. هيمنة ترايديات سوفوكليس ويوربيدوس. ازدهار الفلسفة الطبيعية، والخطابة، والسفسطة، في مناخ من الحرية والثراء النسبيين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

448  الغزو الأسبرطي.

446  الهزيمة في كورنيا، وخسارة بيوتيا، والغزو الأسبرطي.

446/445  توقيع معاهدة سلام، لثلاثين عاما، مع إسبرطة.

442  مشاركة الأعمال الكوميدية في مهرجان لينيان.

433  بروتاجوراس في أثينا.

 

 

 

 

432  الثورة في بوتيدايا.

431 بدء الحرب البلوبونيزية.

430  تفشي الطاعون.

429  بيركليس.

427  جورجياس في أثينا.

425 رفض عرض السلام الأسبرطي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

424  معركة دليوم.

3/424  مولد أفلاطون.

423 هدنة مع إسبرطة لمدة عام. مسرحية السحب لأريستوفانيس.

 

 

 

 

 

 

 

 

422 معركة أمفيبوليس.

421 إعلان “معاهدة نيقياس للسلام”.

416 إخضاع مدينة ميلوس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

415 الاستعداد لغزو صقلية. تشويه العلامات الحدودية. تأهب الأسطول. لجنة التحقيق تتوصل إلى أدلة.

414 إعادة استدعاء ألكيبيادس للمحاكمة، ولجوءه إلى إسبرطة. حصار سيراقوسة. موت لاماخوس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

413 وصول التعزيزات إلى صقلية. سحق الجيش الأثيني، وأُخذ بعضه كعبيد. موت نيقياس.

 

 

 

 

 

 

412  ثورة الحلفاء الموالين ضد أثينا.

411  ثورة الأوليجارشية. عودة ألكيبيادس إلى قيادة الجيش.

410 استعادة الديموقراطية. رفض عرض السلام الإسبرطي. بدء الإصلاح القانوني.

 

 

 

 

 

 

 

406 معركة أرجينوسا البحرية. محاكمة وإعدام القادة العسكريين. موت يوربيدوس وسوفوكليس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

405 معركة إيجاسبوتامي. حصار أثينا.

 

 

404  إتمام الإصلاح القانوني الذي بدأ عام 410. الهيئة المعينة تقر قوانينا جديدة بمشاركة مجلس الشيوخ. موت ألكيبيادس. دخول الإسبرطيين المدينة بقيادة ليساندر. تهدم الأسوار الدفاعية. انتخاب لجنة الثلاثين. مصادرات وأحكام إعدام. قائمة أسماء لجنة “الثلاثة آلاف”. موت ثيرامينوس. فرار الديموقراطية إلى فيلي.

 

403 معركة مونخيا. هيئة العشرة تتولى المسئولية، وترسل في طلب الدعم الإسبرطي. وصول الإسبرطيين. بدء مفاوضات الصلح. عودة المنفيين.

2/403 إعلان عهد قانوني جديد. تبني تقويم ديني جديد. إسبرطة تحث على المصالحة بين الطوائف الأثينية.

402400 حرب إسبرطة مع إليس.

401 القضاء على من بقي من الأوليجارشيين. زينوفون يغادر أثينا.

400 إنتقال الصراع إلى المحاكم.

   عندما ولد سقراط عام 469 ق.م. كان قد تم التصدي الحاسم للغزو الفارسي في بلاتايا، وتم تشكيل حلف ديلي، الذي سينمو في ظل الإمبراطورية الأثينية، وتأسس أقليم أتيكا من 139 منطقة سياسية (مقاطعة)، وتألف من القبائل العشرة المعروفة، بغض النظر عن بعد أو قرب المقاطعة من المركز الحضري المحاط بالأسوار، وكان جميع أعضاء إدارته من الأثينيين.

ينتمي سقراط إلى قبيلة أنتيوخيس، ومقاطعته هي ألوبيس (في جهة الجنوب الشرقي من أسوار المدينة). وبافتراض أن أبيه سوفرونيسكوس قد حافظ على التقاليد، فقد حمل طفله، وطاف به حول الكانون، ثم قام، بعد خمسة أيام من مولده، بتقديمه في طقوس رسمية إلى العائلة، ومنحه اسما في اليوم العاشر، ثم قدمه إلى عشيرته (جماعة تقليدية محلية) متعهدا بمسئوليته عن تنشئته بحسب القوانين الخاصة بالذكور من الأثينيين. منذ حوالي عام 520 ق.م. أخذت المعرفة بالقراءة والكتابة في الانتشار بين الذكور،  وأصبح هناك مدارس ابتدائية، لتعليم الأولاد الكتابة والقراءة، إلى جانب الألعاب الرياضية التقليدية، والموسيقى، حوالي عام 480 ق.م. (Harris 1989,55)، لذا، يمكن أن تتشكل لدينا قناعة بأن سقراط قد تلقى تعليما رسميا، وبذلك، لم يكن أفلاطون مبالغا، عندما وصف سقراط الشاب بأنه كان نهما في الحصول على كتب أناكساجوراس (أو لفائف، لنكون أكثر دقة، فيدون 98b).

 عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، قدمه أبوه سوفرونيسكوس إلى المقاطعة، حيث يتم اختباره، وضمه إلى سجل المواطنين، ليصبح بذلك مؤهلا ـ بحسب العمر أو المحددات الطبقية ـ لأداء العديد من المهام الخاصة بالحكومة، التي يتم الاختيار فيها بالاقتراع، أو تكون من الأمور الواجبة على كل المواطنين، وقد استهل ذلك بعامين من التدريب الإجباري مع الجيش الأثيني. بعد فترة وجيزة مات سوفرونيسكوس، مما جعل سقراط وصيا على أمه، فاناريت، التي تزوجت لاحقا، وأنجبت ابنا ثانيا؛ باتروكليس (أفلاطون: أيوثيميدس  297e)، ثم عملت، بعد ذلك، كقابلة. (أفلاطون: ثياتيتوس 149a).

كانت أثينا مدينة حافلة بالمهراجانات، والمسابقات، والاحتفالات، ومنها احتفال باناثينا، الذي يجذب الكثير من الزوار إليها، من سائر الأنحاء المطلة على البحر المتوسط. يُقام البانثينا، مثل الألعاب الأوليمبية، كل أربع سنوات، في احتفال فائق الروعة. [450 بارمنيدس]. يصور أفلاطون سقراط، وهو في الثامنة عشرة من عمره، متحاورا مع كبار الفلاسفة القادمين من إيليا: بارمنيدس، وزينون، في واحد من أعظم احتفالات الباناثينا، في نهاية يولية، أو مستهل أغسطس، عام 450 ق.م.

بعدما أنهى عامين من التدريب العسكري، كان من المفترض إرسال سقراط، مع الجيش، إلى ما وراء حدود إقليم أتيكا، لكنها كانت أعوام سلام نسبي، لذلك، كان المرجح أن يشرع في ممارسة التجارة، على الأقل، حتى يزوج أمه من خاريديموس. في الثلاثين من عمره، كان قد صار مؤهلا لمثل تلك المسئوليات، والمشاركة في الإدارات، كهيئة المحلفين، والقيادة العسكرية، ومجلس الحكم (كعضو تنفيذي في الجمعية التأسيسية). لهذا، كان الرجال الأثينيون يعيشون مع آبائهم طوال تلك السنوات العشر ـ حسب إنتمائهم الطبقي، في نظام الطبقات الأربعة الأثيني الصارم، وحسب مدى ثرائهم، ومولدهم ـ ويقضون تلك الفترة، في تعلم التجارة، أو في اكتساب مهارات الخطابة والإقناع، بما يساعدهم على تحقيق مصالحهم في مجلس مواطني أثينا، وفي المحاكم.[433/2 بروتاجوراس] المرة التالية، التي يكتب فيها أفلاطون عن سقراط، نراه حاضرا في اليوم المفتوح، في منزل كالياس، حيث يتنافس أشهر معلمو العصر (بروتاجوراس، وبروديوس، وهيبياس) على اقتناص فرصة مربحة، من وراء تعليم أكثر شباب المدينة ثراءا وشهرة.

في ذاك الوقت، كانت أثينا تنزلق إلى حرب ضروس مع إسبرطة، انغمرت اليونان كلها في أتونها، على مدى ثلاثة عقود تالية. طوال فترة الحرب، كتب أفلاطون، باستفاضة، اثنتين من أطول محاوراته [ 431-404 الجمهورية، وجورجياس] وفي صيف عام 432 ق.م. أُرسل سقراط وألكيبيادس إلى بوتيديا، للمشاركة في إخماد الثورة، وكان سقراط جندي مشاة (hoplite). وبعد معركة أولى، تم فرض حصار طويل، نتج عنه مجاعة، اضطرت بعض مواطني بوتيديا إلى أكل لحوم البشر، قبل أن يعلنوا استسلامهم (ثيوسيديس 2.70.1). في طريق عودته، انخرط الجيش في معركةقرب سبارتولوس، تكبد فيها خسائر جسيمة (ثيوسيديس 2.79.1-7). في تلك المعركة، أبلى سقراط بلاءا حسنا؛ إذ أنقذ حياة ألكيبيادس الجريح ودرعه (أفلاطون: المأدبة 220d-e ) وحينما عاد الجيش إلى أثينا، في مايو عام 429 ق.م. كان قد مر ما يقرب من ثلاث سنوات على خروجه. بعد عودة سقراط بقترة وجيزة، واجه اتهاما، من جانب كاتب للمسرحيات الكوميدية، بأنه يعاون يوريبيدس في كتابة مسرحياته التراجيدية، وهو الاتهام الذي سيتكرر مرتين أخريين، على الأقل، من جانب كتَّاب كوميديا آخرين، على المسرح الأثيني. في محاورة خارميدس، يصور أفلاطون رجوع سقراط، وعودته إلى مواصلة التحاور [429 خارميدس]، التي يتناقش المشاركون فيها (ومن بينهم أقارب أفلاطون: كريتياس وخارميدس) حول فكرة الإعتدال.

 استمرت خدمة سقراط العسكرية في معركة دليوم، تحت قيادة لاخيس، وكانت الهزيمة الثانية للجيش الأثيني، حيث فوجئ بهجوم قوة ضاربة من الفرسان، بينما كان يواجه هجوما من جنود بيوتيا، وأثناء الإنسحاب، كان التصرف البطولي لسقراط، الذي مدحه لاخيس وأشاد به (لاخيس 181b) في الشتاء التالي، ولاحقا من قبل ألكيبيادس(أفلاطون: المأدبة 221a). [424 لاخيس]  ويظهر سقراط في محاورة لاخيس ، التي تدور حول طبيعة الشجاعة، كصديق للقائد العسكري الأثيني الشهير نيقياس، الذي يشير إلى أن سقراط هو المفضل لشباب المدينة، بينما لا يعرفه معظم المواطنين. وهذا تغافل من الناس، كان يُرضي سقراط، ولكن لم يطل تمتعه به، حيث انتهى في المهرجان الديونيسي السنوي، في ربيع عام 423 ق.م. حين تناولت اثنتان من المسرحيات الكوميدية شخصية سقراط: إحداها بعنوان: كونوس، وهو اسم معلم سقراط للموسيقى، والثانية: السحب، لأريستوفانيس (أنظر 2.1).

بعد مرور عام، شارك سقراط في الحرب في أمفيبوليس، وكانت كارثة جديدة لأثينا، عقب هجوم مفاجئ آخر. وكتب أفلاطون محاورة حول علم أصول الكلمات [422 كراتيلوس] تدور عقب عودة سقراط. وحسب علمنا، لم يعد سقراط إلى الحرب مرة أخرى؛ إذ أبرمت أثينا معاهدة مع إسبرطة، وسميت معاهدة نيقياس، وبمقتضاها ـ وإن لم تُفعَّل بنحو تام ـ يتم ضمان عدم تعرض أقليم أتيكا للغزو الإسبرطي، أو حرق المحاصيل، لعدة سنوات. خلال فترة حلول السلام، يتم تصوير سقراط مواصلا حواراته الجدلية مع الأثينيين، مهتما بشكل خاص بطبيعة الحب الجسدي [418-416  فايدروس]، وخصوصا في علاقته بالتعليم في حقل الخطابة، الذي حاز على اهتمام شعبي خاص في أثينا، منذ زيارة جورجياس عام 427 ق.م. كذلك اهتمت محاورة المأدبة لأفلاطون بالحب الجسدي، وفيها يجتمع معا، في فبراير عام 416 ق.م.، مشاهير الأثينيين ـ سقراط، وأجاثون كاتب التراجيديا، وأريستوفانيس كاتب الكوميديا، والقائد العسكري ألكيبيادس، وطبيب، وأحد الخطباء، وأحد أتباع سقراط، وعشيق أجاثون ـ وتبادلوا إلقاء الخطب في مدح الحب [416 المائدة]. ومرة أخرى يكون التعليم هو الموضوع المحوري، وكذلك: الديموقراطية، وعقيدة أسرار إليوسيس. والحقيقة، أن نصف الحاضرين، على الأقل، ممن يحتفلون بفوز أجاثون في مسابقة للأعمال التراجيدية، متورطون في أعمال انتهاك لحرمة المقدسات ـ تدنيس الأسرار ـ وورد النذير باتهامهم بذلك في المحاورة، وقيل أنهم سيتعرضون للمساءلة خلال الأشهر التالية للقاء المأدبة، ولكن لم يتم إبلاغ السلطات بالأمر إلا بعد فترة طويلة.

في ذلك الوقت تقريبا، تزوج سقراط زانثيبي، وبما أنهم أطلقوا اسم لامبروكليس على ابنهم الأول، فنتوقع أن اسم أبيها هو: لامبروكليس، وأن صداقها كان كافيا لتوفير احتياجاتها. سيكون اسم ابنهما الثاني: سوفرونيكوس، كاسم أبي سقراط.

  أثناء ذلك، أقنع ألكيبيادس المجلس، رغم اعتراضات نيقياس المستندة إلى خرافات (ثيوسيديدس 6.9-14)، بأن على أثينا القيام بغزو صقلية، وتم انتخاب نيقياس وألكيبيادس، إلى جانب لاماخوس، للقيادة. وبعدما تم تزويد السفن بالمؤن والعتاد، وتجهزت للإبحار، اكتشفوا أن جُل العلامات الحدودية، والتي يطلقون عليها اسم: هرمس herms ـ وهي نُصُبٍ تمثل وجه الإله هرمس، وعضوه الذكري ـ قد تم تشويهها خلال ليلة واحدة، وهرمس هو إله السفر، لذا خشيت المدينة من وقوع مؤامرة ضد الديموقراطية. تم تشكيل لجنة تحقيق، لا تختص بالتحقيق في تهشيم علامات الحدود فحسب، بل وأيضا، في كل الجرائم المتعلقة بإهانة الآلهة (كفر asebeia)، التي يتم اكتشافها، وعُرضت مكافآت لمن يدلي بمعلومات بخصوص ذلك. وفي مناخ شبه هيستيري، دام لثلاثة أشهر، وُجِّهت اتهامات أدت إلى أحكام إعدام (بعضها خلال محاكمات صورية)، ونفي، وتعذيب، وسجن، طالت المئات، بعضهم من المقربين إلى سقراط (ألكيبيادس، وفايدروس، وخارميدس، وكريتياس، وأركسيماخوس، وآخرون)، ثم تبين أن من فعل ذلك بالعلامات الحدودية هم عُصبة من المخمورين. وقد اعترف بعض المدعين، في نهاية الأمر، بأنهم كذبوا. ورغم إلغاء أحكام الإعدام الغيابية، فما كان شيئ بقادر على استعادة من مات من الأبرياء.

مع أخفاق الحملة العسكرية على صقلية، أرسل نيقياس، وقد صار وحده في قيادة الحملة، ويعاني من مرض عضال في الكبد، برسالة إلى الأثينييين، يخبرهم بما كان من محاصرة الجيش، وبضرورة إصدار الأمر بعودته، أو تزويده بالعتاد، كما طلب إعفاءه من القيادة (ثيوسيديدس 7.11-15)، ولكن لم يتم إعفاؤه، ووتم تزويده بالعتاد والأسلحة، ولكن القليل منها فقط، وبعد فوات الأوان. انتهت الحرب في صقلية بهزيمة منكرة. ومع حلول الربيع، واجه سقراط ههجوما جديدا من جانب أريستوفانيس (مسرحية الطيور، سطور 1280-3 ،1553-5). وكتب أفلاطون محاورة تدور بين سقراط واثنين من الشعراء الملحميين، قبل وصول أخبار الهزيمة إلى أثينا [413 ق.م. أيون]، بينما كانت المدينة، التي تفتقد قادتها العسكريين، تحاول جذب قادة أجانب لمساعدتها في الحرب.

اتصفت الأعوام التالية بالفوضى العارمة في أثينا، إذ تتعرض الأمبراطورية للتقلص بفعل الثورات، ورفض الحلفاء السابقين دفع الإتاوات /الجزية المفروضة ، وأصبحت خزانة الدولة خاوية، وانهارت الروح المعنوية للمواطنين. هُزمت الديموقراطية إثر ثورة الأوليجارشية، التي أحلت حكومة “الأربعمائة”، التي لم تدم طويلا،  ثم أتبعتها حكومة “الخمسة آلاف”. و كان ما تبقى من الجيش مواليا للديموقراطية، فأقنعوا ألكيبيادس بالعودة إلى قيادة الجيش مرة أخرى. وتحت قيادته، بدأت أثينا في استعادة انتصاراتها، وارتفعت الروح المعنوية. وتم استعادة حكم الديموقراطية، ورُفض، مجددا، العرض الإسبرطي بالسلام، وأسست أثينا لجنة لمراجعة وإعادة صياغة كل القوانين القائمة.

أصبحت قاعة المناقشات العامة، التي أُفتتحت مؤخرا، مقر سقراط لبحث طبيعة الصداقة، مع مجموعة من المراهقين [409 لايزيس] ممن في عمر أفلاطون، وأشقائه الكبار. سيتكرر حضور إحدى شخصيات محاورة لايزيس: كتيسيبوس، بعد عامين، في استعراض بين اثنين من السفسطائيين (قادة عسكريون سابقون) [407 يوثيديموس].

في غضون ذلك، كانت أثينا تواصل حربها مع إسبرطة بحرا، وأنتصرت اثينا في معركة أرجينوسا البحرية، ولكن ذلك كلفها أنها لن تتعافى أبدا: بإيجاز شديد، ذلك ما حدث. كان اثنان من القادة العشرة، الذين يشكلون مجلس القيادة العسكرية الأثينية، تحت الحصار في ميتيلين، لذا تولى الثمانية الآخرون قيادة الجيش في المعركة، وبعد موت الآلاف، وتدمير الأسطول، تم إرسال اثنين من القباطنة لجمع ونقل المصابين، لكن هبوب العاصفة منعهم من إتمام مهمتهم، بينما سارع القادة إلى إغاثة ميتيليني. عندما وصلت أخبار المعركة، فُجع الأثينيون، واستعر الغضب بسبب الإخفاق في إنقاذ الجرحى، وجلب جثث الموتى لدفنهم. تم توجيه الاتهام إلى هيئة القادة العشرة، فهرب اثنان منهم (واثنان محاصران في ميتيلين)، لهذا عاد ستة من القادة إلى أثينا للمثول أمام المحكمة. في أكتوبر، عام 406 ق.م. (Lang 1990)، بضربة حظ، كان سقراط ضمن رئاسة مجلس البولي، بحسب دور قبيلته، (أفلاطون: الدفاع 32b، اكسينوفان، هلينيكا 1.7.15) حينما بدأت المحاكمة، ليس أمام هيئة المحلفين، بل أمام الجمعية برمتها.

تمت محاكمة جميع القادة العسكريين على جريمة عقوبتها الإعدام، معا وفي يوم واحد ـ وهو خلل في النظام القانوني الأثيني، سينتقده سقراط لاحقا (أفلاطون: الدفاع 37a-b). الأسوأ من ذلك؛ ضمهم معا في محاكمة واحدة، في انتهاك صارخ لقانون كانوناس Cannonus الأثيني، الذي ينص على حق كل مدعى عليه، في جريمة عقوبتها الإعدام، في محاكمة منفصلة. وقد عارض بعض من في المجلس ذلك لعدم شرعيته، لكن الاعتراض قوبل بغضب شديد من جانب الأغلبية، التي وافقت، نتيجة لذلك، على اقتراح مضاد، يقضي بإدراج الاعتراض في التصويت نفسه على مصير القادة العسكريين، عند ذلك، رفض عدد من لجنة الخمسين التنفيذية، الاستجابة لهذا الاقتراح، فقام من وجهوا الاتهامات إلى القادة بإثارة الجمهور، ليحتد غضبه. وكان سقراط الوحيد، من بين أعضاء لجنة رئاسة المجلس التنفيذي، الذي غادر المحاكمة نُصرة للقانون، وتأييدا لحق القادة العسكريين، وقد أتاح له رفضه للتصويت المقترح فرصة إلقاء خطبة بليغة وأخيرة، بين الجمهور، اقترح خلالها تصويتا أوليا لاقرار أن يصدر الحكم على الجميع معا، أو أن يكون لكل منهم محاكمة منفصلة (اكسينوفان، هلينيكا 1.7.16-33). وافق المجلس على إجراء محاكمات منفصلة، لكن مناورة برلمانية أبطلت التصويت. عندما أعاد المجلس التصويت، كان لتقرير مصير حياة القادة العسكريين. وتمت إدانتهم جميعا، وما لبث أن استنكر الأثينيون إعدام من تبقى من قادتهم العسكريين.

في الربيع التالي، عاود أريستوفانيس الهجوم على سقراط، معلنا، هذه المرة، أنه لم يعد لائقا مخالطة سقراط، الذي يتجاهل “بثرثرته المفرِّقة” مهارة الكتاب التراجيديين (مسرحية الضفادع، سطور 1491-99).

انتهت معركة إيجاسبوتامي البحرية بنحو كارثي، واتبعها الحصار الإسبرطي لأثينا. عندها تذكر الأثينيون كيف تعاملوا مع الميلوسيين، فتوقعوا أن يتم ذبحهم بمجرد أن ينتهي الحصار، لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وفتح الإسبرطيون أثينا، فأمروا بهدم الأسوار الدفاعية، وأن ينتخب الاثينيون حكومة تقوم بإعادة كتابة دستور المدينة الذي وضعه أسلافهم؛ لمنع تجاوزات الجمعية الديموقراطية. كانت سطوة الحكومة، التي تم انتخابها، ربما ثلاثة من كل قبيلة، من القبائل العشرة ـ “لجنة الثلاثين” ـ هي التي تقف وراء كل نقاش حول ما إذا كان سقراط قد ارتكب ما يُطلق عليه الآن عصيانا مدنيا، بمخالفته لأوامرهم (أفلاطون: الدفاع 32c-e). ولا ينكر أي من المصادر المعاصرة لتلك الفترة، بغض النظر عن مدى معاداته لقرار لجنة الثلاثين ـ سقراط، ولايزيس، وأفلاطون، واكسينوفان ـ أن الثلاثين منتخبون بشكل قانوني. ولكن بما أنهم قد شكلوا حكومة تجاوزت سلطاتها، وأساءت استخدامها، فلا يمكن لأحد أن ينكر، أنه يلزم أحيانا، لمناهضة مثل هذه الحكومة، مباشرة القيام بعصيان مدني. إن تقويض حكومة فاسدة برفض إيذاء رجل صالح، قد يكون أمرا غير قانوني، ولكنه أمر يتصف بالعدل.

تحركت لجنة الثلاثين بسرعة، بعد انتخابها، لتوطيد سلطاتها فأرسلت في طلب الدعم الإسبرطي، وقامت بمصادرة ممتلكات أغنياء الأثينيين  والأجانب المقيمين، وكثير ممن تم إعدامهم (من بينهم: شقيق ليسياس: بوليمارخوس، ونيسيراتوس، ابن نيقياس ـ  كل من لهم علاقة بسقراط ). حاول اثنان من قادة الثلاثين، كريتياس وخاريكليس، تهديد سقراط بحرمانه من التحدث إلى من هم أقل من ثلاثين عاما، لكن ذلك لم يفلح (اكسينوفان: المذكرات Memorabilia 1.2.35) لما اتسع نطاق أحكام الإعدام، من جانب الحكومة، لتشمل حتى من ينتقدونها، وانتهى تسجيل قائمة الثلاثة آلاف مواطن، والقيام بتجريد الجميع من السلاح، عارض ثيرامينيس عمليات القتل الغاشمة، فوجد نفسه مقبوضا عليه، بتحريض من كريتياس، وقيل أن سقراط، بصحبة شابين آخرين، حاولوا الاشتباك، بدون سلاح، مع الحراس السكوثيين، ولم يوقفهم إلا توسل ثيرامينيس نفسه لهم بالكف عن ذلك ( Diodorus Siculus 14.5.1-3، والأرجح أنها قصة مختلقة). بعد إعدام ثيرامينيس هجر العديد من المواطنين المدينة المسورة، وتجمع بعضهم في المقاطعات الجبلية البعيدة في فيلي، وأخذوا يخططون لإطاحة بحكومة الثلاثين (من بينهم خاريفون، صديق طفولة سقراط)، وذهب البعض الآخر إلى قرب بيراوس، حيث تحكم “لجنة العشرة” (بينهم خارميدس)، المختارة من لجنة الثلاثين، والأقل قمعا من الثلاثين أنفسهم.

وضعت لجنة الثلاثين، والتي بات يُنظر إليها كمجموعة من الطغاة، هي أيضا، خططا للحالات الطارئة، فقاموا بإرسال قوات لتأمين إليوسيس لأنفسهم، وذلك بقتل سكانها، بتهمة تأييد الديموقراطية (اكسينوفان: هلينيكا 2.9.8-10، ديودورس سيسولوس 14.32.5). وبقي سقراط في المدينة. حاول الثلاثون الزج به في قائمة الإعدام، فأمروه بالانضمام إلى الذاهبين إلى سالاميس لإحضار القائد العسكري الديموقراطي السابق ليون. وكان رفض سقراط لهذا الأمر، هو ما ادعوا، بنحو مثير للجدل، أنه من أعمال العصيان المدني. وكان من حسن حظ سقراط، قدوم الديموقراطيين من فيلي، قبل أن يُحكم الثلاثون خطتهم، واقتحموا المدينة، عبر بيراوس، ولاقوا قوات الثلاثين في معركة قُتل فيها كريتياس وخارميدس. عاد من بقي من قوات الثلاثين إلى المدينة، لينظروا في الخيارات المتاحة لهم. ومع تصاعد الارتياب فيما بينهم، قرر مجلس الثلاثة آلاف عزل مجلس الثلاثين، واستبداله بمجلس العشرة، الذي يضم فردا من كل قبيلة (اكسينوفان: هلينيكا 2.4.23). بدأ الثلاثون في ترك المدينة، وتوجهوا إلى إليوسيس، بعدما طلب المجلس مساعدة الإسبرطيين. وصل الإسبرطيون بقيادة ليساندر، وأحد ملكيها: بوسانياس، وعمل بوسانياس على تفعيل المصالحة بين جميع الطوائف الأثينية، وأذن بعودة المنفيين، ومنح الأوليجارشيين حكما ذاتيا في إليوسيس. كان أنيتوس أحد المنفيين، وكان كارها لسقراط ومعاد له، وسنراه، لاحقا، ينضم إلى متهمي سقراط بالإساءة إلى الآلهة [ 402مينون]. ما إن استدار الإسبرطيون عائدون، حتى أغار الديموقراطيون على إليوسيس، وقضوا على من بقي من مؤيدي الأوليجارشية، يعرفونهم بتجنيدهم للمرتزقة [شتاء عام 401/0 مينيكسينوس].

 

 

يأخذنا ذلك إلى ربيع وصيف عام 399 ق.م. ، إلى محاكمة سقراط وإعدامه. ولمرتين، في محاورات أفلاطون (المأدبة 173b، ثياتيتوس 142c-143a) تحتل مسألة تمحيص الوقائع مع سقراط موضعا، حيث يسعى أصدقاؤه إلى تدوين حواراته، قبل إعدامه [ربيع 399 ثياتيتوس]. في مستهل محاورة ثياتيتوس، يكتب شاعر شاب عريضة يتهم فيها سقراط بجريمة عقوبتها الإعدام، وهي عدم توقير الآلهة (كفر asebeia): أي  عدم إظهار ما يجب من تقوى وإجلال تجاه آلهة أثينا. وقام بتسليمها إلى سقراط، في حضور شهود، آمرا سقراط بالمثول أمام القاضي خلال أربعة أيام، من أجل جلسة استماع أولية (سيترأس القاضي نفسه، لاحقا، تحقيق ما قبل المحاكمة، والمحاكمة )، وعند نهاية محاورة ثياتيتوس، كان سقراط متوجها إلى جلسة الاستماع الأولية. وباعتباره مواطنا، فإن من حقه الامتناع عن حضور جلسة الاستماع تلك، مما يسمح للقضية أن تأخذ مجراها دون منازعة، وكذلك، فإن من حقه أن ينفي نفسه طوعا، كما ذكَّرته شخصية القوانين في محاورة كريتون (كريتون 52c)، لكن سقراط لم يلجأ إلى أي من الاختيارين، وقرر تقديم مرافعة دفاعية، وفي طريقه يتوقف في إحدى الساحات العامة، للتحدث مع بعض الشباب حول الرياضيات والمعرفة.

عندما وصل إلى رواق الملك، انهمك سقراط في حوار حول التبجيل، مع عرَّاف يعرفه، هو أوطيفرون [399 أوطيفرون]، ثم مضى بعد ذلك للرد على اتهام ميليتوس. تعينت جلسة الاستماع تلك كاستلام رسمي للقضية، وتم التخطيط لأن تؤدي إلى أقصى حكم بواسطة صياغتها لطبيعة الإتهام. ويعتبر الدين في أثينا ، من الأمور العامة، بموجب القانون الذي ينظمه في تقويم للاحتفالات الدينية، واستعانة المدينة لمواردها في صيانة المعابد والمزارات المقدسة. وفي عريضته، يدعي ميليتوس أن عدم توقير سقراط للآلهة أدى إلى إفساد شباب المدينة (أوطيفرون 3c-d). وكانت الأدلة على عدم توقير سقراط للمقدسات تنقسم إلى نوعين: فسقراط لم يكن يؤمن بالآلهة التي يؤمن بها الأثينيون (إذ قال بالفعل في كثير من المناسبات أن الآلهة لا تكذب، ولا يصدر عنها شر، بينما آلهة الشعراء والمدينة في الأوليمب، تهوى العراك، وذات طبع انتقامي)، ويدعو سقراط إلى ألوهيات مغايرة (وبالفعل، يؤكد على أن ثم جِنِّي يتحدث إليه منذ طفولته). سلَّم ميليتوس شكواه، وشرع سقراط في تقديم دفوعه. وكان بمقدور القاضي إما رفض قضية ميليتوس؛ إستنادا إلى أسباب إجرائية، وتحويل الشكوى إلى قاضي تحكيم، وإما قبولها، وقد قبلها. وكان لسقراط الحق في الطعن في قبول الدعوى، إستنادا إلى القانون الجاري، لكنه لم يفعل، لذلك تم إعلان الاتهام في ساحة الأجورا، وتقرر موعدا لإجراء تحقيق ما قبل المحاكمة. بدءا من هذه اللحظة، انتشر الموعد بسرعة، ولعل مرجع ذلك تزايد الاهتمام بالحوارات السقراطية المدونة (المأدبة 172a-173b). [399  المأدبة]. لكن سقراط، مازال، كما يصوره أفلاطون، يستغرق اليوم التالي في محاورتين طويلتين، كان قد وعد بهما في محاورة ثياتيتوس (210d). [399  السوفسطائي، والسياسي].

في التحقيق الذي يسبق المحاكمة، لم يسدد ميليتوس أية رسوم قضائية، بسبب اعتبار موضوع من قضايا الشأن العام، إذ يختص بمنع الإساءة إلى المقدسات. وكان القانون الأثيني، رغبة في الحد من الدعاوى الكيدية، يفرض غرامة كبيرة على المدعي الذي لا يحصل على خُمس أصوات المحلفين، على الأقل، كما سيشير سقراط إلى ذلك لاحقا (الدفاع 36a-b). وعلى خلاف محاكمات هيئة المحلفين المحددة الموعد، فإنه يُسمح في التحقيق السابق على المحاكمة بتبادل الأسئلة بين المدعي والمدعى عليه، لتكون المسائل القانونية أكثر دقة. وقد أصبح ذلك إجراءا أساسيا؛ بسبب قابلية المحلفين لتلقي رشاوي، وتحريف القضية، حيث تمثل هيئة المحلفين عالما مصغرا لكتلة المواطنين، وقد شغلها في عصر سقراط كبار السن، وأصحاب العاهات، ومتطوعين فقراء، ممن في حاجة إلى الأجر الزهيد، الذي لا يتجاوز ثلاثة أوبولات.

في شهر ثارجليون، وهو الشهر الحادي عشر في التقويم اليوناني [مايو ويونية، 399  الدفاع]، بعد شهر أو اثنين من إعلان ميليتوس الابتدائي لسقراط بالمثول أمام المحكمة، بدأت محاكمة سقراط. في اليوم السابق للمحاكمة، كان الأثينيون قد أرسلوا بسفينة إلى ديلوس؛ تكريما للإله أبوللو، وإحياءا لذكرى النصر الأسطوري لثيوس على الميناطور (فيدون 58a-b). وفي المحاكمة، احتشد الجمهور والمحلفين (الدفاع 25a)، لمتابعة المحاكمة التي قد تستمر إلى نهاية اليوم، وتم منح كلا من المدعي والمدعى عليه وقتا محددا، يقاس بالساعة المائية. لم يذكر أفلاطون، في محاورته، مرافعة ميليتوس، أو مرافعتي أنيتوس وليكون، اللذين انضما إلى ميليتوس في القضية، كما لم يذكر أسماء أي من شهودهم (الدفاع 34a، وفيها أن ميليتوس لم يستدع شهودا). لم يكتب أفلاطون محاورة الدفاع Apology  ـ وأصلها اليوناني  ‘apologia‘، ومعناه: الدفاع ـ بمثل ما يكون من مرافعات الخطباء في المحكمة، ومن ذلك، لم تكن هناك أية إشارات في النص اليوناني (في  35d و 38b) إلى إجراء تصويتين، وأنه لم تكن هناك أوقات راحة (في  21a و 34b) لمن قد تم استدعاءه من الشهود، كذلك لا نجد ذكرا لكلمات أنصار سقراط، وربما لم يكن أنصاره موجودون، وإن كانوا موجودين، فلم يذكر أفلاطون أسماءهم.

 يذكر سقراط، في مرافعته الدفاعية، ما ناله من أذى، من جانب أريستوفانيس، في مسرحية “السحب” (انظر 2.1)، ورغم نفي سقراط القاطع لقيامه ببحث أمور السماء وما تحت الأرض، إلا أن اطلاعه المعرفي على أبحاث الفلاسفة الطبيعيين، إلى جانب تفسيراته الطبيعية، جعل عدم اقتناع هيئة المحلفين متوقعا. ومع مشاهدة هيئة المحلفين لسقراط وهو يحاجج ميليتوس ويتفوق عليه، فالأغلب أنهم لم يتمكنوا من التفرقة الدقيقة بين الفلسفة والسفسطة. لقد تصدى سقراط، ثلاث مرات، لتهمة إفساد الشباب، مؤكدا أنه، إن كان قد تسبب في ذلك فعلا، فإنه لم يتعمد ذلك، وبالتالي فهو يحتاج إلى إرشاده وتوجيهه لا إلى إعدامه (الدفاع 25e-26a)، وانتهت هيئة المحلفين إلى أنه مذنب. وبحسب ما قاله في ذلك، فإن سقراط لا يلوم هيئة المحلفين؛ لأنها مخطئة في تحديد ما هي مصالح المدينة الفعلية (ثياتيتوس 177d-e)، وبالتالي فإنها في حاجة إلى توجيه.

عندما بلغت المحاكمة مرحلة النطق بالحكم، قال سقراط: “إذا كان لدينا من القوانين مثل ما هو في أماكن أخرى، حيث تستغرق المحاكمات الخاصة بقضايا الإعدام أياما، وليس يوما واحدا، لكنت قد أقنعتكم، لكن والحال هكذا، فليس لدي من الوقت ما يكفي لتفنيد هذا الكم الهائل من الافتراءات” (الدفاع 37a-b). تقف هذه الشكوى المنفردة في مقابل ما جاء على لسان القوانين، من أن سقراط “لم يكن ضحية ظلمنا، نحن القوانين، بل ضحية الرجال” (أقريطون 54c). ومنذ العام 2/403 ق.م. ، يعتبر جريمة، من جانب أي شخص،أن  يقوم ولو باقتراح قانون أو مرسوم يتعارض مع القوانين التي تم إقرارها، لذلك كان نوعا من السخرية أن تطلب شخصية القوانين من سقراط إقناع المحكمة، أو الانصياع لها (أقريطون 51b-c). وفي استسلام الدقيقة الأخيرة لرأي أصدقائه، يقترح سقراط السماح لهم بدفع غرامة تعادل ستة أضعاف قيمة شبكته (اكسينوفان Oeconomicus 2.3.4-5)، أي: ثلاثون ميناً minae، ولكن هيئة المحلفين رفضت، وعندما نُطق الحكم بإعدامه، كان رد فعل سقراط أن ذلك قد يكون خيرا؛ فهو إما نوم بلا أحلام، أو فرصة للتحاور في عالم ما تحت الأرض.

كان التقليد المتبع، ألا تُنفَّذ أحكام إعدام في المدينة، خلال فترة إبحار السفينة المقدسة إلى ديلوس، رغم تباين أمد الرحلة السنوية، بحسب ظروف الإبحار، ويذكر زينوفون أنها استغرقت، عام 399 ق.م.، واحد وثلاثين يوما (ميمورابيليا 4.8.2)، وإذا ثبت صحة ذلك؛ فقد عاش سقراط ثلاثين يوما بعد محاكمته والحكم بإعدامه، وكان شهر سكيروفوريون، الثاني عشر في التقويم اليوناني. وقبل يوم أو يومين من تنفيذ الحكم، حاول أقريطون، صديق طفولته، اقناع سقراط بالهرب [يونيو، يوليو 399 أقريطون]، وكان رد سقراط: “لا تستمع لشيئ …. إلا لحجة تبدو جيدة عند التفكير بها” وقال: “فعل الشر، والرد على الشر بالشر، لا يكون صوابا أبدا، ولا حتى أن تجرح من أصابك بجرح” (أقريطون 46b، 49d)، حتى وإن كنت مهددا بالموت (راجع: الدفاع 32a)، ولا حتى من أجل أحد أفراد الأسرة (أقريطون 54b). لا يرى سقراط ضررا يفوق الضرر الذي قد يصيب به المدينة، إذا ما خرج من السجن بشكل غير قانوني، فيما كان بمقدوره الخروج قبل ذلك بشكل قانوني (أقريطون 52c)، هذا خرق للقانون، يؤيد ما ذهب إليه المحلفون من حكم بأنه كان مفسدا للشباب فعلا (أقريطون 53b-c)، مما قد يجلب العار لأسرته وأصدقائه.

روى فيدون أحداث يوم سقراط الأخير، عندما “ظهر بادي السعادة في سلوكه وكلماته، حيث قضى نحبه بنبالة ودون خوف” (فيدون 58e)، للمجتمع الفيثاغوري في فيلوس، بعد عدة أسابيع أو شهور من إعدامه. [يونيوـ يوليو 399  فيدون] قام الأحد عشر، إداريو السجن، الذين يتم اختيارهم بالاقتراع، بلقاء سقراط عند الفجر، ليعلموه بما سيحدث (فيدون 59e-60e). وعندما وصل أصدقاء سقراط، كانت زوجته زانثيبي، وطفلهما الصغير مينيكسينوس، لا يزالا معه، وكانت زانثيبي تواسي زوجها بأنه على وشك الاستمتاع بحواره الأخير مع رفاقه، ثم شرعت في اللطم والعويل المتوقع منها كأمرأة، فطلب سقراط إعادتها إلى المنزل. أمضى سقراط يومه في حوار فلسفي، مدافعا عن فكرة خلود الروح، وتنبيه رفاقه إلى عدم التحفظ حين النقاش، قائلا: “خذوا بنصيحتي، لا تنشغلوا كثيرا بسقراط بل بالحقيقة، فإذا رايتم ما أقول حقا، فوافقوني، وإن كان غير ذلك، فلا توفروا جهدا في معارضتي” (فيدون 91b-c)، ومن جهة أخرى، فقد شدد عليهم أن يكبحوا جماح مشاعرهم عنده، “اهدأوا، واملكوا أنفسكم” (فيدون 117c).

لم ينشغل سقراط بما إن كانت جثته ستُحرق أو ستُدفن، وإنما ذهب ليستحم في حوض السجن، لذا لن تكون هناك حاجة لأن تغسل نساء بيته جثته. وبعد الظهيرة كان لقاؤه الثاني مع أسرته، ثم عاد إلى صحبة رفاقه. ودَّع خادم الأحد عشر، وهو عبد مملوك للدولة، سقراط واصفا إياه بأنه “الأنبل، والألطف، والأفضل” من الرجال (فيدون 116c). ثم جاء حامل السم، ووصف له ما سيكون من تأثير سم الشوكران على جسده، وهو السم المستخدم في إعدام المواطنين (Bloch 2001)، عندئذ، تناول سقراط الكأس وتجرع السم مبتهجا. انفعل فيدون، وهو عبد سابق، بكلمات خادم الأحد عشر، فقال واصفا سقراط: “الأفضل … الأكثر حكمة، والأكثر صلاحا”  (فيدون 118a).

 

4.التراث السقراطي وتجاوزه لمجال الفلسفة

ما إن يبدأ المرء في القراءة عن سقراط، في محاورات أفلاطون، حتى يدرك أن هذا الفيلسوف القديم قد صار أيقونة في الثقافة العامة، كما ألهم مؤسسات شتى، وكان اسمه مَعلَما ملائما لكل الحالات المختلفة الأغراض، ومن ذلك: سقراط: فوهة بركان على سطح القمر، وسقراط: دمية من القماش أنتجتها نقابة الفلاسفة العاطلين، وسقراط: برنامج تدريبي وتعليمي في الاتحاد الأوروبي، وسقراط: الحركة الخامسة في سرينادا ليوناردو برنشتاين، للكمان المنفرد، وأوركسترا الوتريات، والهارب، وآلات الإيقاع. وبعد محاورة المأدبة لأفلاطون: سقراط: متحف مفتوح في أحد متنزهات نيويورك، و eSocrates: مشروع تجاري. أما الإشارات الضمنية إلى سقراط، فتذخر بها الأعمال الأدبية والتاريخية، والنشرات السياسية، كما كان موضوعا للأعمال الفنية منذ العصور القديمة. من بين أشهر اللوحات الفنية: لوحة رافاييل مدرسة أثينا، في الفاتيكان، ولوحة دافيد موت سقراط، في متحف المتروبوليتان في نيويورك. كما كان لسقراط تأثير خاص على مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية، كما يبدو في المجموعة التالية من المقتطفات:

  “لو أن كل مواطن أثيني كان سقراط؛ لظل كل مجلس حكم أثيني مجموعة من الغوغاء”.

جيمس ماديسون، مؤسس فيدرالي، رقم 51

  “في السادس من يوليو، عام 1756، خلال الحرب الفرنسية الهندية، اختارت واشنطن اسم زوجة سقراط: “زانثيبي” كتوقيع تصديق في معركة فورت كمبرلاند”.

كارل ج. ريتشارد، المؤسسون والقدماء The Founders and the Classics

  “عندما وضع أفلاطون، على لسان سقراط، تلك المغالطات، والمراوغات اللفظية، والسفسطات التي قد يخجل منها تلميذ صغير، نستنتج أنها كانت نزوات عقل أفلاطون المشوش، وننزه سقراط عن تلك السخافات، التي لا تتفق مع شخصيته”.

توماس جيفرسون، خطاب إلى ويليام شورت

  “الورع: محاكاة المسيح وسقراط”.

بنيامين فرانكلين، سيرة ذاتية

  “لقد وجدت في المنهج السقراطي الأسلوب الأكثر أمنا لي، والأكثر احراجا لمن استخدمته معهم، ومن ثم، فقد ابتهجت به، وواصلت ممارسته، حتى صرت داهية، وخبيرا في فهم شخصيات الناس، حتى ذوي الثقافة الرفيعة، ومن امتيازاته: النتائج التي لا يتنبأون بها، فأضعهم في شرك من الصعوبات المتشابكة، التي لا يستطيعون تحرير أنفسهم منها، وبذلك أحرز نصرا، لا أستحقه أنا أو حججي أبدا “.

بنيامين فرانكلين، أوراق

وعلى غرار بنيامين فرانكلين، اتخذ شعراء العصر الرومانسي الإنجليزي سقراط نموذجا للسلوك الأخلاقي، وأكثروا من مقارنته بالمسيح. أنجز الشاعر بيرسي بيش شيللي، الذي وصف سقراط بأنه “مسيح اليونان” (سطر 33، شذرات من “إبيسيكيدون”)، ترجمة رائعة لمحاورة المادبة لأفلاطون (O’conner 2002). وكتب جون كيتس عام 1818: “لا شك عندي في أن الآلاف لم يسبق لهم أن سمعوا عمن حاز قلبا زاهدا خالصا، أذكر اثنين لا غير: سقراط والمسيح”. وأعطى اللورد بيرون دورا ثانويا لشبح سقراط في مسرحية “المسخ  The Deformed Transformed“:

أرنولد:

ماذا! ذلك الضئيل، ذو الأنف القصير الداكن، وعينا ساتير،

ذو المنخارين الواسعين، وملامح سيلينوس،

ذو القدمين المفلطحتين، قصير القامة، أفضل لي أن

أبقى على ما أنا عليه.

الغريب:

مع ذلك، فقد كان

حائزا للكمال الأرضي في جمال العقل،

ومجسدا لكل الفضائل.

في الحياة السياسية المعاصرة، وعلى الصعيد الدولي، كان سقراط موضع استشهاد واستلهام، ففي عام 1963 يكتب مارتن لوثر كينج “رسالة من سجن بيرمنجهام”: “إلى حد ما، أصبحت الحرية الأكاديمية واقعا اليوم، بعدما قام سقراط بالعصيان المدني”. ويتكلم السياسي الجنوب أفريقي نيلسون مانديللا ـ الذي قضى أحد عشر عاما من أعوام سجنه السبع عشر في أعمال شاقة في المحاجر ـ عن جهود المسجونين في تعليم أنفسهم، بواسطة تكوين مجموعات دراسية، في المحاجر، قائلا: “كان أسلوب التعليم سقراطيا في طبيعته” (الطريق إلى الحرية)، حيث يطرح المعلمون أسئلة على مجموعاتهم الدراسية. ومن النماذج المعاصرة أيضا، وإن كان ذا موقف ازدرائي من سقراط؛ مقدمة كتيب تدريب القاعدة (قسم الترجمة القانونية، الحذف في الأصل):

“إن المواجهة، التي ننادي بها، مع الأنظمة المرتدة والكافرة، لا تعرف المناقشات السقراطية …، والمُثُل الأفلاطونية…، أو الدبلوماسية الأرسطية، وإنما تعرف حوار الطلقات، ومُثُل الاغتيالات، والتفجير، والتدمير، ودبلوماسية المدافع والبنادق الآلية”

للفلاسفة وطلبة الفلسفة، الذين يرغبون في مزيد معرفة بالنظرة إلى سقراط، خارج مجال الفلسفة، فيمكنهم الرجوع إلى الوثيقة الملحقة، في الرابط التالي: The Reception of Socrates


المراجع

كتب عامة ومراجع

  • Ahbel-Rappe, Sara, and Rachana Kamtekar (eds.), 2005,A Companion to Socrates, Oxford: Blackwell Publishers.
  • Bussanich, John, and Nicholas D. Smith (eds.), 2013,The Bloomsbury Companion to Socrates, London: Bloomsbury Publishing.
  • Cooper, John M. (ed.), 1997,Plato: Complete Works, Indianapolis: Hackett Publishing.
  • Guthrie, W. K. C., 1969,A History of Greek Philosophy III, 2: Socrates, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Nails, Debra, 2002,The People of Plato: A Prosopography of Plato and Other Socratics, Indianapolis: Hackett Publishing.
  • Morrison, Donald R., 2010,The Cambridge Companion to Socrates, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Rudebusch, George, 2009,Socrates, Oxford: Wiley-Blackwell.
  • Taylor, A[lfred] E[dward], 1952,Socrates, Boston: Beacon.
  • Thesleff, Holger, 2009,Platonic Patterns: A Collection of Studies, Las Vegas: Parmenides Publishing.
  • Vander Waerdt (ed.), 1994,The Socratic Movement, Ithaca: Cornell University Press.
  • Waterfield, Robin, 2009,Why Socrates Died, New York: Norton.

الفلسفة التحليلية لسقراط

  • Benson, Hugh H. 2000,Socratic Wisdom: The Model of Knowledge in Plato’s Early Dialogues, New York: Oxford University Press.
  • –––, (ed.), 1992,Essays on the Philosophy of Socrates, New York: Oxford University Press.
  • Beversluis, John, 2000,Cross-Examining Socrates: A Defense of the Interlocutors in Plato’s Early Dialogues, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Brickhouse, Thomas C., and Nicholas D. Smith, 1989,Socrates on Trial, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1994,Plato’s Socrates, New York: Oxford University Press.
  • Burnyeat, M[yles] F., 1998, “The Impiety of Socrates,” Ancient Philosophy, 17: 1–
  • Jones, Russell E., 2013, “Felix Socrates?” Philosophia(Athens), 43: 77–98 [available online].
  • Nehamas, Alexander, 1999,Virtues of Authenticity, Princeton: Princeton University Press.
  • Penner, Terry, 1992, “Socrates and the Early Dialogues,” in Richard Kraut (ed.),The Cambridge Companion to Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Santas, Gerasimos, 1979,Socrates: Philosophy in Plato’s Early Dialogues, Boston: Routledge & Kegan Paul.
  • Teloh, Henry, 1986,Socratic Education in Plato’s Early Dialogues, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Vlastos, Gregory, 1954, “The Third Man Argument in Plato’sParmenides,” Philosophical Review63: 319–
  • –––, 1983, “The Historical Socrates and Athenian Democracy,” Political Theory, 11: 495–
  • –––, 1989, “Socratic Piety,” Proceedings of the Boston Area Colloquium in Ancient Philosophy, 5: 213–
  • –––, 1991,Socrates: Ironist and Moral Philosopher, Cambridge: Cambridge University Press.

تفسيرات قارية

  • Bloom, Allan, 1974, “Leo Strauss September 20, 1899-October 18, 1973,”Political Theory, 2(4): 372–
  • Gadamer, Hans-Georg, 1980,Dialogue and Dialectic: Eight Hermeneutical Studies on Plato, tr. from the German by P. Christopher Smith, New Haven: Yale University Press.
  • Heidegger, Martin, 1997,Plato’s Sophist, tr. from the German by Richard Rojcewicz and Andre Schuwer, Bloomington: Indiana University Press.
  • Hyland, Drew A., 2004,Questioning Platonism: Continental Interpretations of Plato, Albany: State University of New York Press.
  • Kierkegaard, Søren, 1989,The Concept of Irony with Continual Reference to Socrates, trans. H. V. Hong and E. H. Hong, Princeton: Princeton University Press.
  • Nietzsche, Friedrich, 1872,The Birth of Tragedy, tr. from the German by Walter Kaufmann, New York: Penguin (1967).
  • Strauss, Leo, 1964,The City and Man, Charlottesville: University Press of Virginia.
  • –––, 1966,Socrates and Aristophanes, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1968,Liberalism Ancient and Modern, Chicago: University of Chicago Press.

قضايا تأويلية

  • Blondell, Ruby, 2002,The Play of Character in Plato’s Dialogues, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Griswold, Charles, (ed.), 2001,Platonic Writings/Platonic Readings, University Park: Penn State University Press.
  • Howland, Jacob, 1991, “Re-Reading Plato: The Problem of Platonic Chronology,” Phoenix, 45(3): 189–
  • Klagge, James C., and Nicholas D. Smith (eds.), 1992,Methods of Interpreting Plato and His Dialogues. Oxford: Clarendon Press.
  • Nails, Debra, 1995,Agora, Academy, and the Conduct of Philosophy, Dordrecht: Kluwer Academic Publishing.
  • Press, Gerald A[lan] 1996, “The State of the Question in the Study of Plato,” Southern Journal of Philosophy, 34: 507–
  • –––, (ed.), 2000,Who Speaks for Plato? Lanham: Rowman & Littlefield.
  • Rowe, Christopher, 2007,Plato and the Art of Philosophical Writing, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Shorey, Paul, 1903,The Unity of Plato’s Thought, Chicago: University of Chicago Press.
  • Szlezák, Thomas A., 1993,Reading Plato, trans. Graham Zanker, London: Routledge.

دراسات متخصصة

  • Allen, R[eginald] E., 1971, “Plato’s Earlier Theory of Forms,” in Vlastos 1971, 319–
  • Bloch, Enid, 2001, “Hemlock Poisoning and the Death of Socrates: Did Plato Tell the Truth?” Plato: The Internet Journal of the International Plato Society, Volume 1 [available online].
  • de Vogel, Cornelia J., 1955, “The Present State of the Socratic Problem,” Phronesis, 1: 26–
  • Dover, K[enneth] J. 1968,Aristophanes: Clouds, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 1989,Greek Homosexuality, updated, Cambridge: Harvard University Press.
  • Harris, William, 1989,Athenian Literacy, Cambridge: Harvard University Press.
  • Henderson, Jeffrey, 1998,Aristophanes II: Clouds, Wasps, Peace, Loeb Classical Library, Cambridge: Harvard University Press.
  • Lang, Mable, 1990, “Illegal Execution in Ancient Athens,” Proceedings of the American Philosophical Society, 134: 24–
  • Ledger, Gerard R., 1989,Re-Counting Plato: A Computer Analysis of Plato’s Style, Oxford: Oxford University Press.
  • McPherran, Mark L., 1996,The Religion of Socrates, University Park: Pennsylvania State University Press.
  • Monoson, S. Sara, 2011, “The Making of a Democratic Symbol: The Case of Socrates in North-American Popular Media, 1941–56,”Classical Reception Journal, 3:46–
  • O’Conner, David (ed.), 2002,The Symposium of Plato: The Shelley Translation, South Bend: St. Augustine’s Press.
  • Reshotko, Naomi, 2006,Socratic Virtue: Making the Best of the Neither-Good-Nor-Bad, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Robinson, Richard,Plato’s Earlier Dialectic, second edition, Oxford: Clarendon Press.
  • Ross, W. David, 1933, “The Socratic Problem,” Proceedings of the Classical Association, 30: 7–
  • Weiss, Roslyn, 1998,Socrates Dissatisfied: An Analysis of Plato’s Crito, Oxford: Oxford University Press.
  • Wilson, Emily, 2007,The Death of Socrates, Cambridge: Harvard University Press.

أدوات أكاديمية

مصادر أخرى على الشبكة

مدخلات ذات صلة

Plato | Plato: shorter ethical works

 

[1] Nails, Debra, “Socrates”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2017/entries/socrates/>.

 

الحواشي

[[i]] كل التواريخ القديمة، على سبيل المثال: التي تتعلق بسقراط، والمصادر المعاصرة له عن حياته، هي قبل الميلاد (ق.م.)، وكل تواريخ المصادر الحديثة والمعاصرة فهي ميلادية (م.).

[[ii]] هناك اثنان نسب إليهما الفضل في بدء الحوار السقراطي، كنوع أدبي، هما: ألكسامينوس (Aristotle, fr. 72 Rose ap. Athenaeus 11.505c), وشكك الكثير في صحة ذلك؛ لعدم وجود أعمال أو شذرات تربطه بسقراط، والثاني: أنتيثينيس الأثيني، الذي ورد ذكره، في محاورة أفلاطون: فيدون،  فيمن حضروا إعدام سقراط. هناك بعض الشذرات المنسوبة إلى أيسخينيس من سفيتوس، وكان أيضا ممن حضروا إعدام سقراط، لكن لاشيئ تركه إقليدس من ميجارا، أحد المتحدثين في محاورة ثياتيتوس، وحضر كذلك إعدام سقراط ـ إلا إذا أخذنا بما جاء في محاورة ثياتيتوس 143b-cحرفيا، والذي يعني أن إقليدس هو مؤلف الحوار، وهو اقتراح يصعب تصديقه. فقد قام القائمون على المكتبات قديما بأرشفة عناوين المحاورات السقراطية، التي في حوزتهم، مفترضين أنها مكتوبة من قبل آخرين، ممن ورد ذكرهم في المحاورات ـ أريستوبوس من سيرين، وسيبيس من طيبة، وأقريطون من ألوبيس (أثينا)، وجلوكون من كوليتوس (أثينا)، وفيدون من أليس، وسيمياس من طيبة ـ وكذلك من قبل سيمون الأثيني (صانع منتوجات جلدية، كان متجره على تخوم سوق أثينا، وتم اكتشافه من جانب علماء الآثار في بداية الخمسينيات)، ويظل هناك العديد ممن أُعتبروا كتابا، من قبل القائمين على المكتبات ـ بريسون وبوليانوس، وبوليكسينوس ـ لكن في الوقت الذي بدأت فيه الأرشفة، كان ثمة نسخ مزورة متداولة، إلى جانب عدد من المحاورات مجهولة المؤلف، لذا يجب النظر إلى هذا الأمر بتفحص وحرص شديدين. فعلى سبيل المثال، كان من تقاليد أكاديمية أفلاطون، إنجاز التدريبات في صورة محاورات (كتب أرسطو بعض المحاورات أثناء وجوده هناك، بقيت شذرات منها)، بعض هذه المحاورات أصبحت جزءا من وثائق الأكاديمية، أعتبرت لاحقا ، على سبيل الخطأ، من مؤلفات أفلاطون. وهي لا تعد مزورة، لأنها لم تكتب بهذا القصد، ولكنها من أعمال بعض أعضاء الأكاديمية المتأخرين. من جهة أخرى، فهناك أعمال مزورة: في العصر الهلينيستي (بعد موت إسكندر الأعظم)، كان من الأمور المربحة تأليف وبيع محاورات، ودراسات على أنها من تأليف كتَّاب مشهورين من العصور القديمة. على أية حال، فإن نسخ المكتبات القديمة ليست موجودة أصلا، وإنما عناوينها فقط ـ وليست جميعها حتى ـ هي المسجلة.

[[iii]] من بين كتَّاب المسرحيات الهزلية المعروفين،  الذين ذكروا سقراط في أعمالهم: كالياس (وهو أسبق من أريستوفانيس، حوالي 429 ق.م. أو قبل ذلك)، وتليكلَايدس ، وكلاهما أوعز  بأن سقراط قد ساعد يوريبيدس في كتابة أعماله التراجيدية ـ مثلما فعل أريستوفانيس في إحدى فقرات نسخته الأولى لمسرحية السحب، وأميبسياس، الذي جعل اسم معلم سقراط للموسيقى: Connus  اسما لمسرحيته، وفيها يطلق على سقراط: “حافي القدمين”، ويوبوليس، الذي اتهم سقراط بالجدال حول توافه الأمور، وسرقة مغرفة النبيذ.

[[iv]] ليو شتراوس، منظر سياسي بارز، ووريث التراث الألماني (انظر القسم 2.2)، وهو المؤيد الرئيسي لأهمية زينوفون كمصدر،يقول: “أفلاطون ليس مؤرخا”. المؤرخ الوحيد، بين معاصري سقراط، والذي ينبغي الاعتماد على كتاباته، في سبيل معرفة سقراط هو زينوفون، فهو من أتم تاريخ ثيوسيديدس، وهو الذي برهن على أصالة بعض المحاورات السقراطية، بتقدمتها بتعبيرات مثل: “سمعته، ذات مرة، يقول” (1966, 4; cf. 1964, 56-57). عندما اتجه شتراوس إلى أفلاطون لدعم سقراط زينوفون، انجذب إلى سقراط في محاورات ثاجيس (1968,55)، ومينون (1968, 65-75)، وهيباركوس (1968,74-75)، بأكثر من سقراط في محاورات أفلاطون الأصيلة. إن اصراره على أن الأعمال المذكورة في تقسيم ثراسيلوس الرباعي لمحاورات أفلاطون (~36 C.E.) هي أعمال أفلاطون نفسه (1964,55)، وأن أفلاطون قام بتصوير سقراط في صحبة رجال من علية القوم فقط (1964, 57) هو، ببساطة، ما يصعب البرهنة عليه أو الدفاع عنه، وليس إيجابيا الآن أن نفترض أن شتراوس كان سيظل على تمسكه بهذه الأفكار في ضوء ما استجد من دراسات معاصرة. الحقيقة أنه لم يكن قد حقق موقفا ثابتا من سقراط حتى وقت متأخر من عمره، وهو ما فسره تلميذه المقرب آلان بلوم (1974, 377) كنتيجة لمعرفة شتراوس المتأخرة بأن “إعدام سقراط بحجة تجديفه، هو عتبة عالم أفلاطون”، وهو ما لم يتمكن شتراوس من ملاحظته قبل أن يكتشف الكتابات الخاصة للفارابي، وابن ميمون، ويدرك الصراع المعضل بين العقل والوحي. بحسب بلوم (1974, 382): “في كتاباته الأخيرة، أحس، أخيرا، بحريته في محاولة فهم أسلوب سقراط، النموذج الأصلي للفيلسوف، الذي حاول نيتشة وهيدجر الإطاحة بتعاليمه”.

[[v]] المحاورتان الذاخرتان بالتواريخ الدرامية، خلال الحروب البلوبونيزية (431-404) هما: جورجياس والجمهورية. وثم تقليد علمي ألماني قوي، في القرنين التاسع عشر والعشرين، بالاعتقاد بأن زينوفون مؤرخ دقيق، وأن أفلاطون مؤلف أدبي، وهو ما تسبب في ظهور الإدعاء بأن أفلاطون قد تلاعب بالتواريخ، واخترع شخصيات أثينية الأسماء، تناسب أغراضه الأدبية، وأن للشخصيات التي ابتدعها أسماء ذات مغزى تدل على حقائق مضمرة عن حامليها، وأن أفلاطون ما كان لييجعل أشخاصا أثينيين حقيقيين شخوصا في محاوراته (وهذا إدعاء مستحيل؛ حيث أن قبر لايزيس قد تم اكتشافه في خندق أحد الأبنية، شمال شرق بيراوس عام 1974، وتأكد أن لايزيس عاش حتى بلغ الستين من عمره، وكان جدا حين مات).

[[vi]] مصطلح “المذهب التطوري” استُخدم لتمييز البحث المهم لفلاستوس حول محاورات أفلاطون، عن تلك الأبحاث الخاصة بغيره من الفلاسفة التحليليين، الذين اهتموا بالمشكلة السقراطية، وغيرها من المسائل المتعلقة بمحاورات أفلاطون، في فترة عنفوان المذهب التطوري. يجب الانتباه ـ برغم أن فلاستوس هو من ثبَّت ونشر أول برنامج تطوري كامل ـ إلى أن هناك عدد من الفلاسفة الآخرين يشاركونه الفضل في ذلك (مثل: دافيد روس، وريتشارد روبنسون، و ج. ي. ل. أوين) الذين برهنوا على أن آراء أفلاطون تطورت. ولكن فلاستوس هو من أهتم أكثر بسقراط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق