Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

سورين كيركجارد – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سارة اللحيدان

نسخة PDF

د. ويليام ماكدونالد، بروفيسور الفلسفة في جامعة نيو إنجلاند

د. ويليام ماكدونالد، بروفيسور الفلسفة في جامعة نيو إنجلاند


مقدمة: هذا نص مترجم للـد. ويليام ماكدونالد عن سورين كيركجارد، حياته وفلسفته وأعماله، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

 

 

ولد سورين آبي كيركجارد عام 1813، وتوفي عام 1855. كان كاتبا خصبا وعميقا إبّان “العصر الذهبي” للدنمارك، عصر النشاط الفكري والفني. عبرت أعماله حدود الفلسفة، اللاهوت، النقد الأدبي، الأدب التعبدي، والأدب القصصي. قام كيركجارد بتقديم توليفة مقنعة ومفحمة من الخطابات التي خرجت بصورة نقد اجتماعي، الغرض منها تجديد الإيمان المسيحي بين معتنقيه. كما عمل على إسهامات نظرية في كل تخصص قد شغله. عُرف سورين بـ “أب الوجودية”، هذا المسمى كان له أهمية توازي انتقاداته لهيغل والرومانسية الألمانية، إلى جانب إسهاماته في تطوير الحداثة، تجربته الأسلوبية، إضافة لاستعراضه لشخصيات توراتية لإبراز أهميتها الحديثة، اختراعه للمفاهيم الرئيسية التي أعيد اكتشافها ونشرها من قبل المفكرين، تدخلاته في السياسات الحديثة للكنيسة الدنماركية، وأخيرا مساعيه الحثيثة لتحليل وتجديد الإيمان المسيحي.

 

  1. حياته

  2. بلاغته

  3. الجمالية عند كيركجارد

  4. الأخلاقية عند كيركجارد

  5. الدينية عند كيركجارد

  6. السياسة عند كيركجارد

  7. تقسيمات تاريخية لحياته وأعماله

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الأنترنت

  • مقالات ذات صلة

 

 

 


1.حياته

لم تكن حياة كيركجارد مليئة بالأحداث. كان نادرا ما يغادر مدينته كوبنهاغن، وقد سافر إلى الخارج خمس مرات فقط، أربعة منها كانت إلى برلين، ومرة واحدة إلى السويد. حضور المسرح، والمشي في شوارع كوبنهاغن للثرثرة مع عامة الناس، إلى جانب القيام برحلات ريفية قصيرة للمناطق المحيطة، تلك كانت هي الأنشطة الترفيهية الرئيسة بالنسبة له. تلقى تعليمه في مدرسة (Borgerdydskolen) المرموقة للفتيان. انضم بعد ذلك إلى جامعة كوبنهاغن، وقد درس فيها الفلسفة واللاهوت. كان من ضمن أساتذته في الجامعة ف. ك. شيبرن، بول مارتن مولر، و هـ. ل. مارتنينزن.

شيبرن ومولر كلاهما كانا فيلسوفان أسهما في كتابة الأدب القصصي أيضا. وكان للأخير خاصة تأثير على التطور الفلسفي-الأدبي لكيركجارد. مارتينزن أيضا كان له تأثير عميق على سورين لكن، بشكل عام، كان تأثيرا سلبيا. كان ذلك الأستاذ مناصرا للهيغليانية، وعندما أصبح كبير الأساقفة في الكنيسة الدنماركية الشعبية، قام كيركجارد بنشر نقد لاذع لآرائه اللاهوتية. على الجانب الآخر كان بيتر شقيق كيركجارد مقربا لمارتينزن حتى أصبح أسقفا هو الآخر. اعتبر كيركجارد أستاذه زعيم منافسيه الفكريين، وقد كان يكبر سورين بخمس سنوات فقط، لكنه كان محاضرا عندما بدأ كيركجارد دراسته طالبا في جامعة كوبنهاغن. تحضر مارتينزن لأول مشروع أدبي لكيركجارد، فقام بنشر كتاب عن فاوست. تخلى كيركجارد عن مشروعه الذي كان يعمل عليه، كتاب من ثلاث شخصيات من القرون الوسطى دون جوان، فاوست، وأسوريس (يهودي متجول)، وذلك بعد نشر كتاب مارتينزن، لكنه رغم ذلك قام بدمج الكثير من هذا العمل في كتاب (إما/أو)

كان هناك شخصية أخرى مؤثرة في حياة كيركجارد، ج. ل. هيبرغ عميد أدب كوبنهاغن. هيبرغ هو المسؤول الأول عن إقحام الهيغليانية للدنمارك. أمضى كيركجارد جهدا كبيرا يحاول كسر دائرة هيبرغ الأدبية، لكنه كف عن ذلك عندما وجد ضآلته في كتابة (مفهوم المفارقة). من أوائل منشورات سورين الرئيسة (من أوراق امرئ لا يزال حيا) والتي إلى حد كبير، كانت محاولة لتبيان جماليات هيبرغ كونها نسخة معدلة من جماليات هيغل. هذا العمل في أصله كان مراجعة نقدية لرواية هانس كريستيان أندرسون (مجرد عابث)، حيث هاجم كيركجارد أندرسون لافتقاره إلى التطور الحياتي، والنظرة البعيدة للحياة، وكلا الأمرين كانا في غاية الأهمية لكيركجارد كي يكون المرء روائيا صادقا.

إن حياة كيركجارد وثيقة الصلة بأعماله إذا قارنّاه بغيره من الكتاب الآخرين. فقد كان أساس المحتوى النقدي للهيغليانية لديه هو في كون نظامها الفكري موجزا للحياة اليومية لمناصريها. تضمن هذا النقد الوجودي البرهنة على الكيفية التي تتناقض فيها حياة الفيلسوف مع أعماله. استمد سورين هذا الشكل النقدي من المفهوم اليوناني الذي يحكم على حياة الفلاسفة بدلا مما لديهم من حقائق فنية وفكرية. فبالنسبة له، المسيحي المثالي هو الأكثر تطلبا، مادام أن جملة وجود الفرد هي الحقيقة الفنية والتي على أساسها يحكم لنا الإله بالصلاح الأبدي. مؤكد أن أعمال الكاتب مهمة له/لها لكونها جزء من الوجود، لكن لغرض يوم الحساب علينا أن نركز على الحياة بالمجمل، لا على جزء واحد منها فقط.

على نحو أقل تجريدا، من المهم فهم السيرة الذاتية لكيركجارد لفهم أعماله أيضا، ذلك لأن حياته كانت مصدرا للعديد من الانشغالات والاستئنافات داخل أعماله الفنية. بسبب توجهاته الوجودية، قدمت معظم تدخلاته في النظرية الحديثة واجبا مزدوجا كوسيلة للعمل خلال أحداث حياته. خاصة علاقته بوالده، وخطيبته ريجينا أولسن التي تخللت معظم أعماله. كتب يوهانس كيلماكوس (الاسم المستعار لكيركجارد) عن سقراط قائلا: “كانت حياته بأكملها انشغالا شخصيا بنفسه، ثم يأتي الحُكم ويضيف أهمية تاريخية لذلك”. رأى كيركجارد نفسه على نحو مماثل كـ “عالمي فردي”، أي أن انشغاله بنفسه يمجده الحكم الإلهي إلى أهمية عالمية.

قلّما علق كيركجارد على علاقته بوالدته التي تبدو خفية في أعماله. فليس هناك إشارة مباشرة لوالدته في أعماله المنشورة، أو في يومياته، ولا حتى في اليوم الذي توفيت فيه. مع هذا، وبالنسبة لكاتب صرف جلّ تركيزه على التواصل غير المباشر، وعلى سيمائية التخفي، علينا أن نعتبر هذا الغياب غيابا ذو أهمية. ألمح يوهانس كليماكوس في (ختام ملحوظة غير علمية)، بقوله: “يا لها من مخادعة إذن، حيث أن تمييز الوجود الكلي هو بالتحديد غياب كلي”. بالرغم من غياب والدة سورين، إلا أن لغته الأم (Modersmaal-مودرسمال، وهي اشتقاق من “أم-Mother” و “مقياس-Measure”) طاغية بشكل كلي. فقد كان متيما بعمق باللغة الدنماركية، وعمل في كل أعماله عمل على تأكيد نقاط قوة لغته الأم أمام التأثيرات الإمبريالية الدخيلة للاتينية والألمانية. إلحاقا لما سبق، قدم كيركجارد معروضا للملك يطلب منه السماح له بكتابة أطروحته الفلسفية (حول مفهوم المفارقة: بإحالة ثابتة لسقراط) بالدنماركية. رغم أن الإذن قد مُنح له، لكن توجب عليه أن يدافع عن أطروحته أمام العامة باللاتينية. فقد كانت اللاتينية هي لغة معظم أوروبا في الثقافة والعلوم. في الدنمارك، وفي الزمن الذي عاش فيه كيركجارد، كانت اللغة والثقافة الألمانية مهيمنة في إنتاجها للمعرفة تماما كما كانت عليه اللاتينية. تحديا لذلك، استمتع كيركجارد بلغته الأم وخلق أجمل نثر شعري بلغته الدنماركية، بما في ذلك أنشودة للغته الأم في (مراحل على طريق الحياة). بارك كونستانتين كونستانتين في كتاب (التكرار) توفير اللغة الدنماركية كلمة لمفهوم فلسفي مهم (التكرار-Gjentagelse) ليحل بديلا للكلمة الأجنبية “التدخل”. بشكل عام، ربما نعتبر اللغة الدنماركية بمثابة الحبل السري لكيركجارد، بينما تمثل اللاتينية والألمانية قانون الأب عندما تُوظف في الثقافة المنهجية أو العلم.

بدا تأثير والد كيركجارد ملحوظا بشكل متكرر. فلم يرث الابن سوداوية والده فقط، بل حتى شعور الذنب والقلق، وتأكيده على صرامة جوانب الإيمان المسيحي، وورث أيضا مواهبه في الجدل الفلسفي والمخيلة الإبداعية. إضافة لهذا، ورث كيركجارد ما يكفيه من مال ليسمح له بالمضي في حياته ككاتب مستقل. مواضيع مثل التضحية بعلاقة الأب بابنه، الخطيئة الموروثة، عبء التاريخ، ومركزية “علاقة الوجود الإنساني الفردي بالنص القديم المعروف، الذي سلمه الآباء” كانت متكررة عدة مرات في أعمال كيركجارد. شعور والده بالذنب كان عظيما (لأنه لعن الإله؟ أم لأن والدة كيركجارد أنجبت منه دون زواج؟) فقد اعتقد أن الإله يعاقبه بسلب حياة كل أطفاله السبعة قبل أن يصلوا إلى عامهم الرابع والثلاثين (سن المسيح حينما صلب). حدث ذلك للجميع عدا اثنين، سورين وأخاه الأكبر بيتر. كان سورين مندهشا لأنه نجا وتجاوز ذلك السن. قد يفسر ذلك شعور العجلة عند كيركجارد في إنجازه لإعماله بفعالية قبل حلول ميلاده الرابع والثلاثين.

أيضا خطوبة كيركجارد لريجينا (فُسخت بعد سنة) كانت محط تركيز لكثير من الدارسين. أصبح وجود امرأة شابة مناسبة لرجل شاب موضوعا “شعريا” متكررا في كتاباته، وكذلك كان موضوع التضحية بالسعادة الدنيوية لأجل السعادة الأعلى (الدينية). إن وله كيركجارد وافتتانه بريجينا، إلى جانب طاقته الشهوانية المتزايدة قد أثمرت في إنتاجه الشعري، وكانت نقطة حاسمة في مسار حياته. سمح له فسخ الخطوبة بتكريس نفسه برهبانية إلى غرضه الديني، وكذلك في تأسيس وضعه الخارجي (خارج مبدأ الحياة الزوجية البرجوازية). كما حررته أيضا من الالتزام الشخصي المقرب مع النساء، وبالتالي جعلهن مخلوقات مثالية، وحررته من استنساخ القيم الأبوية لكنيسته ووالده. شملت الأخيرة عرض المرأة على أساس أدوارها الاجتماعية التقليدية، تحديدا كأمهات وزوجات، وأيضا في أدوارهن الروحانية التقليدية كأمثلة على التفاني والتضحية بالنفس. مع ذلك، مهما كانت ظروف الفرد الحياتية، الأدوار الاجتماعية ونوع الجنس، اعتبر كيركجارد أن كل فرد مساو أمام الإله تحت مظهر الأبدية.

 

  1. بلاغته

كن مركز الإشكال عند كيركجارد هو كيف تصبح مسيحيا في الدائرة المسيحية. كانت المهمة أكثر صعوبة لمن تلقى تعليما رفيعا، حيث مالت المؤسسات التعليمية والثقافية المعنية إلى إنتاج أعضاء من نفس النمط، نمط “الحشد”، بدلا من السماح للأفراد باكتشاف هوياتهم الخاصة. وقد ضاعف من حجم هذه المشكلة، حقيقة تحول الدنمارك في تلك الفترة من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع رأسمالي. وقد عنى التعليم الابتدائي العام، الهجرة الواسعة من مناطق الريف إلى المدن، وارتفاع الحراك الاجتماعي بشكل ملحوظ أن البناء الاجتماعي من هيكل هرمي صارم إلى هيكل “أفقي” أصبح نسبيا. وفي هذا السياق أصبح من الصعب جدا أن “تكون ذاتك” لسببين، 1-الهويات الاجتماعية كانت هويات سائلة، و2-انتشار مؤسسات التطبيع التي تنتج أفرادا مزيفين.

بالنظر إلى هذا الإشكال في السياق الاجتماعي، أدرك كيركجارد أن هنالك حاجة لاختراع شكل من أشكال التواصل بحيث لا ينتج هويات نمطية. بل نقيض ذلك، أي شكل بلاغي يحتّم على الناس أن يعودوا إلى مصادرهم الخاصة ليتولوا مسؤولية اختياراتهم الوجودية، وليصبحوا ذواتهم الخاصة بعيدا عن هوياتهم الاجتماعية المفروضة عليهم. استلهم كيركجارد هذه الصورة من شخصية سقراط الذي سخر باستمرار من كافة ادعاءات المعرفة المسلم بها، أو تلك التي ورثت من الثقافة التقليدية. في أطروحته (حول مفهوم المفارقة: بإحالة ثابتة إلى سقراط) زعم فيها أن سقراط التاريخي استخدم تهكمه من أجل تسهيل ولادة الذاتية عند محاوريه. فقد أُجبروا باستمرار على التخلي عن إجاباتهم الفورية على أسئلة سقراط المزعجة، وكان عليهم البدء بالتفكير في ذواتهم لتولّي مسؤولية فردية عن ادعاءاتهم حول المعرفة والقيم.

سعى كيركجارد إلى تقديم خدمة مماثلة لمعاصريه. فاستخدم المفارقة، التناقض، الهجاء، الفكاهة وتقنيات تفكيكية من أجل تقديم أشكال من المعرفة والقيم مقبولة تقليديا، ويتعذر الدفاع عنها. كان شخصا مزعجا يستفز معاصريه باستمرار بأفكار لا تريحهم. كان أيضا بمثابة قابلة تشهد ولادة الذاتية الموضوعية، وذلك من خلال إجبار معاصريه على كشف الحياة الداخلية عبر التفكير النقدي الذاتي. أصبح فن التواصل لديه هو (فن التخلي) عندما يظن أن جمهوره يعاني من وفرة معرفية تزيد عن حاجتهم.

وعدت الهيغليانية بجعل المعرفة المطلقة متاحة عبر قوة علم المنطق. فأي شخص يملك القدرة على متابعة التقدم الجدلي للمفاهيم التي يُزعم أنها صريحة لمنطق هيغل، سيتمكن من الوصول إلى منطق الإله، (الذي كان يعادل البناء المنطقي للكون بالنسبة لهيغل). اعتقد كيركجارد أن هذه محاولة متغطرسة لبناء برج بابلي جديد أو سلم الجنة، سلم جدلي يُمكّن الناس من الصعود للجنة بسهولة. كانت استراتيجيته قلب هذا الجدل عن طريق السعي لجعل كل شيء بالغ الصعوبة. فبدلا من النظر إلى المعرفة بوصفها وسيلة للخلاص البشري، اعتبرها أكبر عقبة أمام الخلاص البشري. وبدلا من السعي لتزويد الناس بالمزيد من المعرفة، رأى التخلي عما مضى معرفته. بدلا من جعل الإله والإيمان المسيحي مفهوما، سعى لتوكيد التفوق المطلق لإله جميع الأصناف البشرية. وبدلا من نصب نفسه كسلطة دينية، استخدم كيركجارد نظاما واسعا للمكائد النصية لتقويض سلطته كمؤلف، وليضع المسؤولية محل الأهمية الوجودية كي يستخلصها القارئ مباشرة.

أبعد كيركجارد نفسه عن نصوصه باستخدام مجموعة من المكائد التي خلقت إشكالا لصوت المؤلف لدى القارئ. استخدم عدة أسماء مستعارة في العديد من أعماله (سواء كانت جمالية بشكل صريح، أو دينية بشكل صريح أيضا)، وقام بتوزيعها كالتالي: تمهيد / مقدمة/ فترة فاصلة /حاشية/ وملحق. عهِد بـ “تأليف” أجزاء من الكتب لأسماء مستعارة مختلفة، واخترع المزيد من الأسماء المستعارة ليكونوا محرري أو مؤلفي هذه الكتابات المستعارة. في بعض الأحيان يلحق كيركجارد اسمه كمؤلف، وأحيانا كشخص مسؤول عن النشر، وأحيانا أخرى لا هذه ولا تلك. كان في بعض الأحيان ينشر أكثر من كتاب في نفس اليوم. تُجسد هذه الكتب المنشورة بالتزامن وجهات نظر متناقضة بشكل ملفت. كما نشر سلسلة من الأعمال دفعة واحدة، فيكون الأمر هكذا، تُنشر الكتب التي تحمل أسماءا مستعارة من جهة، ومن جهة أخرى تنشر الخطابات التنويرية تحت اسمه الشخصي.

كل هذا التلاعب بوجهات النظر السردية، بأعمال متناقضة، وتقسيمات داخلية متغايرة ضمن الأعمال الفردية تركت القارئ مشوشا للغاية. بامتزاج التلاعب التهكمي المتواصل وميل كيركجارد إلى المفارقة والغموض اللفظي، يصبح النص مصقولا للقارئ، ويكون تبيان المعنى الرئيسي هو انعكاس القارئ نفسه. بالنسبة لكيركجارد، لا يعني الإيمان المسيحي أن تدرس العقيدة عن ظهر قلب. بل هو مسألة تجديد فردي متكرر لعلاقته/ها العاطفية الذاتية لموضوع لا يمكن معرفته، لكن يمكن الإيمان به فقط. يشكّل هذا الاعتقاد إهانة للمنطق، مادام لا يظهر إلا في مواجهة العبثية (مفارقة الأبدية، الخلود، اللانهائية، تجسد الإله الزمني في فناء البشر).

صُممت طريقة كيركجارد (التواصل غير المباشر) لتقطع اعتماد القارئ على سلطة المؤلف، وحكمة المجتمع. حيث يُجبر القارئ على تحمل المسؤولية الفردية لمعرفة ذاته/ها، ومعرفة أين يقف وسط القضايا الوجودية، الأخلاقية، والدينية المنبثقة من النصوص.

في حين أن الكثير من كتابات كيركجارد قد قُدمت بشكل غير مباشر، تحت أسماء مستعارة مختلفة، لكنه كتب أعمالا تحت اسمه الشخصي. تندرج هذه الأعمال تحت ثلاثة أنواع: 1-المداولات، 2-الخطابات التنويرية 3-المراجعات. غرض هذا التواصل غير المباشر هو وضع القارئ في ارتباط مع الحقيقة بعاطفة مناسبة، فبدلا من الاتصال بالحقيقة فقط. في المراجعات، من اللائق أن تكون موضوعيا خاصة في استخلاص نظرة الرواية للحياة وتطوراتها. على الجانب الآخر، يلزم المداولة (التأملية) أن تكون استفزازية، وأن تقلب افتراضات القارئ رأسا على عقب. فهي تعتمد على المفارقة والهزل والحماس المرتفع لأجل أن توضع الأفكار في حركة سابقة لعملها. عدّت المداولة ميزانا تمهيديا للعمل. على النقيض من ذلك، فالخطاب التنويري (الحكاية البنيانية) “تتوقف على المزاج” وتفترض مسبقا أن القارئ مؤمنا. وبذلك تسعى الحكاية إلى بناء الإيمان المفترض مسبقا. تشجع خطابات كيركجارد التنويرية “ذلك الصوت الفردي، قارئي” ليسكن مع نصوص الكتاب المقدس لغرض البناء الديني. بنى العديد من خطاباته التنويرية في مجموعات قصيرة لترافق نصوصا معينة من تلك التي كتبت تحت أسماء مستعارة، ثم نشرها لاحقا في مجموعات كبيرة. كما نشر العديد من “خطابات قداس أيام الجمعة” والتي تشبه كثيرا المواعظ (رغم أنها تُلقى “دون سلطة”). كانت تلك الخطب للمسيحين الصادقين على وجه الخصوص، ممن يسعون لتعميق العاطفة الذاتية لإيمانهم بواسطة الاعتراف، وقبول المغفرة الإلهية.

يلفت كيركجارد الانتباه إلى “الجدلية المقتبسة” في المسيحية، والتي تطالبنا بممارسة “رؤية مزدوجة” لنرى في الأشياء الدنيوية أضدادها الروحية، مثل الأمل في اليأس، القوة في الضعف، والازدهار في المحن. تتطلب الجدلية المقتبسة أن “نكرر” أفكارنا في أفعالنا، لكننا بعملنا هذا “نعمل ضد أنفسنا”. يهدف ذلك إلى تدمير تركيزنا على الأهداف الدنيوية لأجل إعادة التركيز على الأهداف العالمية الأخرى.

لم يصمم التلاعب البلاغي لكيركجارد مع الجدلية المسيحية المقتبسة لجعل كلمة الإله كلمة عسيرة على الاستيعاب، بل لتجعل المسافة المطلقة بين الإله والبشر أكثر وضوحا. كان الغرض من ذلك، التأكيد على أن البشر يعتمدون على الرحمة الإلهية للخلاص. بينما يحترم معظم المعلقون آراء كيركجارد القائلة بأن الخطيئة هي ما تفصل البشر عن الإله، هم بهذا يضفون ثقلا للرأي القائل بأن كيركجارد يصادق على نسخة صارمة من المسيحية على وجه الخصوص، ويمكن الدفاع أكثر بالتفسير القائل إن قدرة الإله الأعلى على المغفرة لمن لا يغفر لهم هي ما يحدد الاختلاف المطلق. إن نضالنا لقبول الغفران الإلهي يمكن أن يغرقنا في وحل من اليأس، من ضمن ذلك الدرجة الثانية من اليأس حول استحالة غفران خطايانا، وتحديات اليأس الشيطاني حينما نرفض قبول المغفرة الإلهية. على الجانب الآخر، الإيمان بالمغفرة الإلهية يمكن أن يظهر في الفرح، وفي إدراك أن كل شيء ممكن عند الإله، بما في ذلك “أن نولد من جديد” كأنفس روحانية مع “صلاح أبدي”.

 

  1. الجمالية عند كيركجارد

يقدم كيركجارد تأليفه باسم مستعار كتطور جدلي للمراحل الوجودية. الأولى: الجمالية، والتي تفسح المجال للأخلاقية، التي تفسح المجال للدينية. المرحلة الجمالية للوجود تتسم بما يلي: الانغماس في التجربة الحسية، تثمين الاحتمالية على الواقعية، الأنانية، تجزء موضوع الخبرة، سيطرة العدمية على المفارقة والشكوكية، والفرار من الملل.

المظهر الجمالي في (إما/أو- الجزء الأول) هو مفارقة ساخرة للرومانسية الألمانية، لكنه اعتمد أيضا على شخصيات القرون الوسطى المختلفة باختلاف دون جوان، أسويرس، فاوست. تجد الشكل الأكثر تطورا في مؤلف (يوميات مُغوِ) المقطع الأخير من (إما/أو-الجزء الأول). يوهانس المغوي هو انعكاس جمالي، الذي يكتسب بهجة حسية ليس من فعل الإغواء بحد ذاته بل من هندسة إمكانية الإغواء. هدفه الأول هو التلاعب بالناس والأوضاع بأساليب تولد انعكاسات مثيرة في عقله المتلصص. يحوّل المنظور الجمالي البلادة اليومية إلى عالم شعري غني عبر أي وسيلة كانت. أحيانا يُدخل الانعكاس الجمالي أهمية لكتاب من خلال قراءة الثلث الأخير منه، او من خلال محادثة، وذلك عبر إثارة أمور داخل نوبة غضب بحيث يمكنه أن يرى حبات العرق من بين عيني الغاضب تتساقط على أنفه. هذه هي استخدامات جمالية الفن، الحيلة، التعسف، المفارقة، والخيال المتعمد لإعادة خلق العالم بصورته الخاصة. إن الدافع الرئيسي للجمالية هو تحويل الممل إلى مثير للاهتمام.

اُنتقد هذا النوع من الجمالية من وجهة نظر أخلاقية. فكان ينظر لها على أنها تخدم النفس على نحو فارغ وانهزامي. وهي وسيلة بائسة لتجنب المسؤولية والالتزام، فشلت بالاعتراف بالواجب الاجتماعي والوجود الشعبي، وهي خداع للذات تستبدل الظروف الحالية بأوهام خيالية.

لكن كيركجارد لم يرد التخلي عن الجمالية دفعة واحدة لصالح الأخلاقية والدينية. إن المفهوم الرئيسي في جدلية هيغل، والتي حاكاها كيركجارد باسم مستعار على نحو ساخر هي الرفع (الإلغاء). في جدلية هيغل، عندما يتمازج وضعين متناقضين في وحدة أعلى (تركيب) يلغيان ويحفظان (يرفعان). بالمثل، مع جدلية كيركجارد المزيفة، الجمالية والأخلاقية ألغيتا على حد سواء، وحفظتا في تركيبتهما للمرحلة الدينية. وفيما يختص بالمرحلة الجمالية للوجود، ما يحفظ في المرحلة الدينية العليا هو الشعور بالإمكانات اللانهائية المتاحة عبر الخيال. لكن ذلك لم يعد يستبعد ما هو فعلي. كما أنه لا يُوظف لغايات أنانية. تتحول المفارقة الجمالية إلى سخرية دينية، والتجلي الجمالي للعالم الفعلي يتحول إلى مثالي الذي يتحول بدوره إلى استحالة دينية للعالم المحدود إلى مصالحة فعلية مع اللانهائي.

لكن الجدلية مع التأليف باسم مستعار لم تصل للدين الحق. نتوقف عند (التمثيلات) للدين لدى الفكاهيّ المعتدّ بذاته يوهانس كليماكوس في وسط يفسره كليماكوس بأنه يعزل القارئ حتما عن الإيمان المسيحي الحقيقي. إن الإيمان هو مسألة تجربة تعيشها بسعي مستمر داخل الوجود الفردي. وفقا لميتافيزيقيا كيلماكوس ينقسم العالم بشكل مزدوج إلى مثالي وفعلي. تنتمي اللغة (وجميع وسائل الإعلام التمثيلي) إلى العالم المثالي، فمهما تكن اللغة بليغة ووعظيه يستحيل أن تكون حقيقية. وعلى هذا، أيّ تمثيل للإيمان يقف دائما في عالم المثالية ولا يمكن أن يكون إيمانا حقيقيا.

وبالتالي، فإن الجدلية المؤلفة من اسم مستعار هي مستردة عبر الجمالية، وعبر فضيلة الوسط التمثيلي. يقرّ يوهانس كيلماكوس بذلك ضمنيا في نهاية (ختام ملحوظة غير علمية) حيث يسحب كل ما قاله مع ملحق مهم، من يقول شيئا ثم يسحبه ليس مثل من لم يقله على الإطلاق. وفر عرضه للإيمان الديني في الوسط الجمالي فرصة لقرائه ليخلقوا قفزة إيمانية خاصة بهم، من خلال عمل تسوية مع العاطفة الداخلية “التناقض الديني للمسيحية” داخل حياتهم الخاصة.

 لكونه شاعرا دينيا، لطالما انشغل كيركجارد بالجمالية. في الواقع، وخلافا للمفاهيم المغلوطة الشائعة عنه، التي تقدمه على أنه عدائي تجاه الشعر، كان سورين يشير إلى نفسه عدة مرات في سنواته الأخيرة على أنه شاعر. (كلها ماعدا واحدة من أصل تسعين إشارة لنفسه كشاعر في يومياته التي ترجع إلى ما بعد 1847). لم يدعي أبدا أنه كاتب لدى سلطة دينية، أي بصفة رسول. فقد كانت أعماله تمثل مواقف استنارة دينية أقل وأكثر مما اعتقد أنه حققه في وجوده. لم تكن هذه التمثيلات ممكنة إلا في وسط جمالي من الاحتمالات المتخيلة مثل الشعر.

 

  1. الأخلاقية عند كيركجارد

مثل مصطلح “جمالي” و “ديني” فإن مصطلح “الأخلاق” في أعمال كيركجارد له أكثر من معنى واحد. فهو يستخدم للدلالة على كل من: 1-مجال وجودي محدود أو مرحلة نُسخت بواسطة المرحلة العليا من الحياة الدينية، و2-جانب من جوانب الحياة التي يحتفظ بها داخل الحياة الدينية أيضا. في المعنى الأول: تأتي “الأخلاق” مرادفا للمفهوم الهيغلي لسيتشليسكت، أو العادات المألوفة. في هذا المعنى تمثل “الأخلاق” “عالمية” أو بشكل أكثر دقة الأعراف الاجتماعية السائدة. وتستخدم هذه الأعراف الاجتماعية كأسباب لتمنطق أو لتبرر فعلا داخل المجتمع. حتى التضحية الإنسانية لها ما يبررها من ناحية كيفية خدمتها للمجتمع، لذا عندما يضحي أغمامنون بابنته أفجينا، يعتبر بطلا تراجيديا، مادام أن مجتمعه يفهم أن التضحية مطلوبة من الآلهات لنجاح البعثة اليونانية إلى طروادة. (خوف ورعدة).

أدرك كيركجارد، على أي حال، أن الواجبات لا يمكن تبريرها على أساس الأعراف الاجتماعية. إن الكثير مما احتواه (خوف ورعدة) يهاجم امتناع وصف الفكرة القائلة بأن إبراهيم ربما يضحي بولده إسحاق على أساس الأعراف الاجتماعية التي تتطلب “تعطيلا غائيا للأخلاق”. أدرك إبراهيم واجبا أسمى من واجبه الاجتماعي بألا يقتل إنسانا بريئا، والتزامه الشخصي لابنه الحبيب، ألا وهو طاعة أوامر الإله. لا يستطيع المرء إعطاء تبرير واضح للمجتمع على أساس الأعراف الاجتماعية، لكن أسهل من ذلك أطع الإله.

لكن من أجل الوصول على موقف من الإيمان الديني، والذي قد يستلزم “تعطيلا غائيا للأخلاق”، على الفرد أولا تبني الأخلاقية (بالمقام الأول). ولأجل أن يرفع المرء من نفسه لأسمى من مجرد الحياة الجمالية، حياة الانجراف في الخيال، الاحتمالية والشعور، على المرء أن يخلق له التزاما شخصيا. ذلك لأن الجمالية بحاجة لاختيار الأخلاقية التي تتطلب التزاما للتواصل وإجراءات للحكم.

كان الموقف الأخلاقي الذي دعا إليه القاضي فيلهلم في “التوازن بين الجمالية والأخلاقية في تكوين الشخصية” (إما/ او-الجزء الثاني) مزيجا غريبا من الإدراكية واللاإدراكية. الميتا أخلاقية أو الأخلاق المعيارية هي إدراكية تضع مختلف الشروط الضرورية المختلفة للفعل الصحيح أخلاقيا. تتمثل هذه الشروط بـ: ضرورة الاختيار بجدية وروحية، الالتزام بالاعتقاد أن التكهنات بالخير والشر لأفعالنا لها قيمة حقيقية، ضرورة اختيار ما يفعله المرء حقيقة، بدلا من مجرد الاستجابة لوضع ما، يجب أن تكون الأفعال منسجمة مع القواعد، وهذه القواعد تطبق عالميا على العوامل الأخلاقية.

اختيار الميتا أخلاقية، على أي حال، ليس إدراكيا. حيث لا يوجد دليل على حقيقة الميتا أخلاقية. بينما اختيار الأخلاق المعيارية محفز، لكن بأسلوب غير إدراكي. يسعى القاضي إلى تحفيز اختيار أخلاقياته المعيارية عبر تجنب اليأس. اليأس هنا هو أن تجعل حياة الفرد تعتمد على شروط خارج تحكمه (لاحقا يكون اليأس هو أكثر احتمالية جوهرية في المقام الأول). بالنسبة للقاضي فيلهلم اختيار الأخلاق المعيارية هو اختيار غير إدراكي للإدراكية، وبالتالي قبول قابليته لتطبيق التمييز المفاهيمي بين الخير والشر.

من وجهة نظر كيركجارد الدينية، لا يعتمد التمييز المفاهيمي بين الخير والشر في نهاية المطاف على المعايير الاجتماعية، ولكن على الإله. لذلك، من الممكن كما زعم يوهانس دي سلينتو في حالة إبراهيم (أب الإيمان) أن الإله طلب تعطيل الأخلاقية (على أساس المعايير المرساة من المجتمع). لا يزال هذا أخلاقيا بالمقام الثاني، مادام أن تعريف الإله للتمييز بين الخير والشر، يفوق أي تعريف للمجتمع البشري. يمكن تعطيل متطلب قابلية الانتقال وإجراءات الحكم بأمر من الإله، ليحسم هذا الأمر القضايا ذات الإشكالية الشديدة مثل قضية إبراهيم، مادام ليس لنا معين من رأي البشر لتقرير ما إذا كان إبراهيم يطيع الإله، أم أنه من الممكن أن يكون قاتلا مُضللا. وبما أن رأي العامة لا يمكن أن يحسم المسألة بالنسبة لنا، يجب علينا أن نحسم المسألة لأنفسنا كمسألة إيمان ديني.

تأييد كيركجارد المطلق لميتا أخلاقية الأمر الإلهي مزاجي نوعا ما، من خلال تحليله المفصل للطرق الدقيقة التي يحتاجها الأفراد لتفهم أوامر الإله. هذه التحليلات تعادل علم النفس الأخلاقي الدقيق، الذي يرسم حدود أخلاقيات الفضيلة. لا يكفي أن يصدر الإله أمرا، يجب أن نسمع ونطيع. لكن الطاعة ليست واضحة، يمكن أن نطيع طوعا أو كرها، ويمكن أن نرفض بالكلية. ويمكن أن نختار أن نصمّ آذاننا بانتقائية، ويمكن أن نمتلأ برغباتنا الأنانية بأننا صم حينما يتعلق الأمر بالواجبات. من أجل الطاعة نحتاج أولا أن نزرع الإيمان، إذ أن طاعة الأمر الإلهي غير منطقية إلا إذا آمنا أن الأمر أتى من الإله. يتطلب من المرء أن يتغلب على إهانة عقله وأن يتبنى تسامحا مع التناقض الذي يدعو لزرع الإيمان بإله سماوي، أبدي، كلي، الإله الذي يُزعم أنه تجسد في شكل إنسان محدد، وانتهى هذا الإنسان إلى الفناء. إن القلق يتولد من تصورنا لهول عواقب الخطيئة، وفي الوقت نفسه الاستمتاع بإمكانيات الحرية. نحن بحاجة لتجاوز الغضب العارم الذي خلّفه اليأس، ونلحظ الاستغراق الذاتي للحالات الشيطانية، ونبتعد تماما عن الحذر والغرور، وأن تجنب الالتزام بالأعراف الاجتماعية لوحدها. نحن بحاجة إلى زراعة الأمل، الصبر، التفاني وفوق كل هذا الحب. لكن علينا أن نكون واعين بقدرتنا على خداع الذات، ونتحضر للمعاناة من أجل الحب ولهويتنا الروحية المطلقة.

 

  1. الدينية عند كيركجارد

نصب كيركجارد نفسه فوق كل شيء كشاعر ديني. الدين الذي سعى إلى ربط قراءه به هو المسيحية. كانت نوعية المسيحية التي تخفى بها خلف كتاباته من سلالة خطيرة من التقوى اللوثرية التي تعرف بقيمها الصارمة للخطيئة، الشعور بالذنب، المعاناة، والمسؤولية الفردية. غرق كيركجارد في هذه القيم في منزل العائلة عبر والده، الذي عاش طفولته تحت ظلال حركة التقوى الدينية Herrnhut في جوتلاند. بعد ذلك، أصبح والده عضوا في جماعة الإخوة (Brødremenighed) في كوبنهاغن، والتي حضرها مع عائلته إلى جانب خطب الأسقف ج. ب مينستر.

بالنسبة لكيركجارد، لم تكن المسيحية اجترارا لعقيدة الكنيسة. إنما هي مسألة عاطفة ذاتية فردية، والتي لا يمكن تسوّى بواسطة رجال الدين أو الحقائق الفنية للإنسان. الإيمان هو أهم مهمة يحققها الإنسان، لأنه على أسس الإيمان فقط يمكن للفرد امتلاك فرصة لأن يكون هو ذاته الحقيقية. الذات هي العمل الحياتي الذي يحكمه الإله إلى الأبد.

بالتالي، يخضع الفرد لعبء المسؤولية الكبيرة لاختياراته/ها الوجودية التي تعلّق إما الخلاص أو اللعن الأبدي. القلق أو الفزع هو الحس الداخلي لهذه المسؤولية الرهيبة عندما يقف الفرد على أعتاب اختيار وجودي خطير. القلق شعور من جانبين: من جانب أول هو عبء الفزع من اختيار الأبدية، ومن الجانب الآخر هو بهجة الحرية في اختيار المرء ذاته. يحدث الاختيار في لحظة، وهي اللحظة التي يتقاطع فيها الزمن والأبدية، الفرد يخلق من اختيار مؤقت ذاتا سيحكم عليها بالأبدية.

لكن اختيار الإيمان لا يكون مرة واحدة وللأبد. من المهم أن يُجدد الإيمان وبصورة مستمرة عن طريق تكرار الاعتراف بالإيمان. تعتمد الذات الذاتية على التكرار، وفقا لمناهضي كيلماكوس الذات هي “علاقة تربط الذات بذاتها” (المرض حتى الموت). إلا إذا أقرت الذات بـ “القوة التي تشكلها” فسوف تقع في اليأس الذي يلغيها. بناء على ذلك، حتى تحافظ على ذاتها كعلاقة تربط ذاتها بذاتها، على الذات أن تجدد إيمانها باستمرار في “القوة التي تطرحها”. لا يوجد تدخل بين ذات الفرد والإله، سواء عبر القس أو نظام عقلي (الكونترا الكاثوليكية أو الهيغليانية). ليس هناك إلا إيمان الفرد المتكرر. إن تكرار الإيمان هي الطريقة التي تربط الذات بذاتها والقوة التي في داخلها، أي تكرار الإيمان بالذات.

تجسد العقيدة المسيحية وفقا لكيركجارد، التناقضات التي تهين العقل. حيث تكمن مركزية التناقض في التأكيد على أن الإله الأبدي، اللانهائي، المتعالي، تجسد في نفس الوقت بإنسان مؤقت، وفانِ (المسيح). هناك نوعان من المواقف التي يمكن أن نتبناها لهذ التأكيد، أي يمكن أن نحظى بالإيمان، أو نتقبل الإهانة. إن ما نعجز عن فعله، بحسب كيركجارد، هو أن نؤمن بفضيلة العقل. إذا اخترنا الإيمان علينا أن نعطل العقل. في الواقع علينا الإيمان بفضيلة العبثية.

قامت العديد من مؤلفات كيركجارد باستقصاء مفهوم العبثية: جوب يستعيد كل شيء مرة أخرى بفضيلة العبثية (التكرار)، يحصل إبراهيم على إرجاء التضحية بابنه إسحاق بفضيلة العبثية (خوف ورعدة). يأمل كيركجارد باستعادة ريجينا مرة أخرى بعد فسخ خطوبتهما بفضيلة العبثية (اليوميات) يأمل كيلماكوس بخداع القراء بحقيقة المسيحية بفضيلة العبثية التي تصور عدم فاعلية المسيحية، فالإله المسيحي يتمثل بكونه صنفا متعاليا من أصناف البشرية، ومع كل هذا يمثل على أنه إله شخصي يملك قدرات إنسانية للحب، الحكم، الغفران، والتدريس.. إلخ. بعد ذلك، أصبح مفهوم كيركجارد عن العبثية صنفا مهما للوجودين في القرن العشرين، وإن كان يخلو من ارتباطات دينية.

وفقا ليوهانس كيلماكوس، الإيمان معجزة. هدية من الإله، حيث تدخل الحقيقة الأبدية فوريا، هذا المفهوم المسيحي للعلاقة بين الحقيقة “الأبدية” متميزا عن المفهوم السقراطي أن الحقيقة “الأبدية” معنا على الدوام، وتحتاج أن تسترد عافيتها بأساليب التذكر(anamnesis). شرط تحقيق الأبدية للمسيحي هو منحة “معطاة” من الإله، لكن إدراكها هو المهمة التي يجب أن تؤدى بتكرار من الفرد المؤمن. بينما أساليب التذكر عند سقراط هي تفاهة الماضي، التكرار المسيحي هو “تذكر للأمام” حتى تكون الحقيقة الأبدية (المستقبلية) في زمنها المناسب.

كان من المصيري لمعجزة الإيمان المسيحي إدراك أننا امام الإله نحن دائما على خطأ. وعلى هذا، يجب أن ندرك أننا مذنبون على الدوام. هذا هو شرط الإيمان، ويجب أن يمنح من قبل الإله. إذ لا يمكن أن تنطلق فكرة الخطيئة من جذور إنسانية محضة. بل عوضا عن ذلك، أُدخلت إلى العالم من مصدر سماوي. بمجرد أن ندرك أننا مذنبون، سوف ندرك أن هناك ما يتضاد مع فكرة أننا مذنبون على الدوام. على هذا الأساس، يمكن أن نؤمن أننا نستطيع عبر فضيلة العبثية أن نكفر أخيرا عن هذا الوجود. تتطلب عبثية الكفارة تتطلب الإيمان بأن المستحيل ممكن بالنسبة للإله، حتى المغفرة لمن لا يغفر لهم. إذا قبلنا مغفرة الإله بإخلاص، ومن دواخلنا، توّابين، شاكرين وآملين، عندها نستطيع أن نهب أنفسنا للأمل السعيد ببداية جديدة. المعضلة الوحيدة أمام هذا الأمل السعيد هو رفضنا أو مقاومتنا لقبول مغفرة الإله بشكل ملائم. على الرغم من أن الإله يمكن ان يغفر لمن لا يغفر لهم، لكن لا يمكن أن يجبر أحدا على قبول ذلك. بناء على ذلك، يرى كيركجارد بأن: “هناك ذنب واحد في عدم قبول المغفرة الإلهية، وهو عدم رغبة المرء بالإيمان بعظمة الإله”.

 

  1. السياسة عند كيركجارد

 أحيانا يعتبر كيركجارد مفكرا سياسيا، لكن الحقيقة أنه تدخل بشكل صارم في سياسة الكنيسة، سياسة الثقافة، وفي التغييرات الاجتماعية التمردية لعصره. على سبيل المثال، المقال الذي نشر له في وقت مبكر، وكان جدلا حول حرية المرأة. كان تبريرا رجعيا للقيم الأبوي المنتشرة، وكان مدفوعا بشكل كبير برغبة كيركجارد في الانخراط مع زمرة الأوساط الفكرية في كوبنهاغن. انطفأت في نفسه هذه الرغبة تدريجيا، لكن بقيت علاقته بالمرأة موضع شك مريب.

تمثلت أحد تدخلات كيركجارد في السياسات الثقافية في هجومه على الهيغليانية. وقد دخلت فلسفة هيغل مع الحماس الديني في الدنمارك من خلال ج. ل هيبرغ، وكان مأخوذا بحماس بأدب كوبنهاغن، وكلية اللاهوت في جامعة كوبنهاغن. كان كيركجارد مستعجلا بعمل دراسة حول أعمال هيغل. مع أنه كان يحترم هيغل بشكل كبير، إلا أن له تحفظات صريحة حول الهيغليانية ووعودها الطنانة. وقد قال عن هيغل، ربما يكون أعظم مفكر عاش على الإطلاق، لو أنه اعتبر نظامه تجربة فكرية، لكنه بدلا من ذلك أخذ نفسه بجدية بالغة ليصل إلى الحقيقة، فما كان إلا أن نذر نفسه ليكون مضحكا.

تقويض كيركجارد للهيغليانية كان من أجل تقديم محاكاة ساخرة لنظام هيغل بأكمله. إن تأليف (إما/أو) و (ختام ملحوظة غير علمية) يقدم جدلية هيغليانية مقتبسة، صُممت لتبعد المعرفة المفترضة للقراء بدل أن تضيف لها. انتقد المؤلف الرومانسية الألمانية والأدب الدنماركي المعاصر على حد سواء (مع نقد لاذع موجّه إلى ج.ل. هيبرغ). مع ذلك، اعتمد بشكل كبير على أعمال هؤلاء المؤلفين، فيأخذ صياغاتهم الفلسفية والإشكالات اللاهوتية بجدية. على سبيل المثال: انخرط كيركجارد بالمفهوم القديم للرومانسية الألمانية وهي أن الحداثة تعني أن تُفهم أولا بعكس العصور القديمة التي تعني أن تفهم أساسا من ناحية الفكر اليوناني الكلاسيكي. صُنف الفن اليوناني الكلاسيكي، بشكل خاص، على انه المعيار الذهبي الذي من خلاله يقاس الكمال الفني. على كل حال، تشارك كيركجارد والرومانسيين والمثاليين الألمانيين الرأي القائل بأن الفن اليوناني الكلاسيكي يفتقر إلى الجوهر أو الروح الذاتية. على النقيض منه الفن الحديث، فبينما لا ينتظر منه أن يضاهي الكمال الفني للفن اليوناني الكلاسيكي، إلا أنه يمنح إمكانية استكشاف الروح الذاتية. إن البعد المصيري للروح الذاتية هو الحرية، والتي أصبحت توظيفا مميزا للفن الحديث والفلسفة ما بعد الكانطية. إن مفهوم كيركجارد للحرية هو أن تصبح في نهاية الأمر “لا شيء” أمام الإله. لقد تعاطى بشكل نقدي مع مفاهيم الحرية لدى كانط، هيغل، شيلنغ، وكذلك مع لاهوتية جاكوبي، ليسنغ، سكليمتشر. قدم لنا سورين ظاهرة مميزة للحرية عن طريق دراسة حالة من الأدب بطريقة سماها “علم النفس التجريبي”. فهو يستخدم وجهات نظر سردية، أسماء مستعارة، مقالات قصيرة، رسومات الشخصية ودراسة الحالة من جانب الحياة والأدب لرسم ومناقشة المزاج، والمشاعر، والروح التي يمكن أن تمنح الحرية الفردية أو تعرقلها. المزاجية مثل السوداوية، الملل، والمفارقة يمكن أن تكون ذاتية دائما، أو شيطانية، لكنها تملك أيضا رفع الفرد إلى حالة من الاستبصار الذاتي التي تصل به إلى الوعي الأعلى، وبالتالي تتيح للفرد أن يرى وجوده/ها الأسبق مثل ما سماه فيتغنشتاين القيد المتكامل. إن الوعي الأعلى لكيركجارد هو إحاطة الإله، الذي يتيح للفرد أن يرى نفسه/ها بصفتهما مذنبين جميعا وغير متحفظين تجاه نعمة الإله. الطريق لهذه الحرية النهائية يتطلب إرادة، خيالا، إيمانا، حبا، توبة، صبرا، وتواضعا، هذا الذي من خلاله تصبح الروح فارغة من الإرادة لتصبح مستقبلة لإرادة الله.

بلغت الأسماء المستعارة الشاذة لكيركجارد “المؤلف الأصل” ذروتها في كتاب (ختام ملحوظة غير علمية) الذي تلقى اهتماما شعبيا ضعيفا، كما لو أنه من ضمن النخبة الأدبية. لذا، كان له تأثير فوري سرعان ما انطفأ كفعل خطابي. سعى كيركجارد لمعالجة هذا عن طريق مهاجمة نفسه في مراجعة شعبية ساخرة في مجلة الكورسير. ونجح في إيجاد نفسه، هجاءه القاسي في هذا المنشور كان على أسس شخصية عوضا عن أن تكون في جوهر كتاباته. حرضته المعاناة التي وقعت بسبب الهجمات أن ينتقل إلى مرحلة أخرى عالية من الإنتاج التأليفي، لكن هذه المرة كان تركيزه على خلق الخطابات المسيحية الإيجابية بدلا من السخرية والمحاكاة.

في النهاية أصبح كيركجارد أكثر قلقا من التوجه الذي اتخذته كنيسة الشعب الدنماركية، خاصة بعد وفاة كبير الأساقفة ج. ب. مينستر. أدرك أنه لم يعد قادرا على إمتاع روحه بكتابة معرفية أو شعرية دقيقة، مثل التي كان يمارسها في تلك اللحظة. كان عليه أن يتدخل في الوسط العام، لذلك قام بنشر كتيب تحت عنوان (اللحظة). الذي خاطب سياسات الكنيسة بشكل مباشر.

كان هناك مركزان رئيسان لقلق كيركجارد من سياسات الكنيسة. أحدها كان تأثير هيغل، وبشكل أكبر تعاليم هـ. ل. مارتينزن، وأخرى تتعلق بشعبية ن.ف.ل غروندفيغ، وكان لاهوتيا، معلما وشاعرا، ومؤلفا لمعظم المقطوعات في كتاب الترنيمة الدنماركية. كان لاهوت غروندفيغ يتعارض في لهجته مع كيركجارد بشكل تام. إذا أكد غروندفيغ على الجوانب المضيئة، السعيدة، الاحتفالية، والمجتمعية للمسيحية، بينما ذهب كيركجارد إلى التأكيد على الجدية، المعاناة، الذنب، والعزلة الفردية. بصورة بائسة، فشل تدخل كيركجارد بشأن كنيسة الشعب الدنماركية التي أصبحت في معظمها غروندفيغانية. تدخله في الهيغليانية فشل أيضا، مع خلافة مارتينزن لمينستر ككبير الأساقفة، وانتهت الهيغليانية للفناء لأسباب طبيعية.

كما قدم كيركجارد تعليقا نقديا حول التغير الاجتماعي. كان بطلا لا يهدأ لـ “الفرد الواحد” كمعارض “للحشد”. خاف أن فرصة تحقيق الفردية قد تقلصت جراء إنتاج المجتمع للقوالب النمطية. لقد عاش في عصر ينبثق فيه مجتمع الجماهير من النظام الإقطاعي، وكان محتقرا للنظام المولود حديثا. كان أحد أعراض التغيير، انفصال بدائل المجتمع الجماهيري عن الالتزام العاطفي المشترك. وقد كان الأخير مصيريا للإيمان المسيحي والفردية الأصيلة بالنسبة لكيركجارد.

قيمة كيركجارد الحقيقية سواء كمفكر اجتماعي أو سياسي، لم تتحقق له حتى بعد وفاته. تأليفه الكتب واليوميات حققت له تأثيرا فوريا، لكن كتاباته الفلسفية، الأدبية، النفسية، واللاهوتية كان لها أثرا باقيا. كثير من أعمال هايدغر المبكرة (الوجود والزمان) يدين بفضلها إلى كتابات كيركجارد، خاصة في ظواهر المزاج وإدراكه للدور التأسيسي للزمان في تشكيل الذات. وكذلك عمل سارتر (الوجود والعدم) الذي تصبح فيه حرية الفرد المفهوم الأول للتفسير الاجتماعي والسياسي كان متكئا فيها على كيركجارد. أيضا مفاهيم سارتر المرتبطة بالأصالة والإيمان السيء، وتأكيده على أن الوجود يسبق الماهية، لها جذور كيركغاردية. أدورنو على الجانب الآخر، في كتاب Habilitationsschrift الذي نشر لاحقا تحت عنوان (أسس الجمالية عند كيركجارد) يحتوي انتقادا لسياسات كيركجارد، رغم أن الهدف غير المباشر لأدورنو كان هايدغر ووجوديته بشكل عام. يزعم أدورنو أن فلسفة كيركجارد حول الجوهر تعكس في النهاية الصورة الداخلية لبرجوازية عصره، وأنه سقط في المثالية التي سعى إليها هاربا، لأنه مثل كافة الوجوديين فشل في اتباع جدلية تاريخية مادية. نتج عن ذلك جدلية الذات-الهدف التي ترسم ذاتا مجردة كموازنة لتجرد الكون. بالتالي فشل كيركجارد في فهم الذات من ناحية وضع تاريخي مادي، وبغض النظر عن نواياه، إلا أنه خلق نظاما متناقضا للوجود، والذي كان له الفضل في إرساء الأساس لأنطولوجية هايدغر.

خلافا لنقد أدورنو، يمكن لنا أن نزعم بأن كتابات كيركجارد تبرهن على واقعية اجتماعية فطنة، تتضح لنا في عشرات الملاحظات والانعكاسات النقدية على الحياة اليومية والمؤسسات مثل الكنيسة، الصحافة، والحراك النسوي والديمقراطي. هذه الواقعية الاجتماعية النقدية، إلى جانب التحليل العميق النفسي والفلسفي لمشاكل العصر، وقلقه لمخاطبة “العصر الحاضر” كانت موضع انشغال زملاءه الإسكندنافيين هنريك إبسن وأوغست شترينبرغ. أصبح كلا من إبسن وشتينبرغ إلى جانب نيتشه أيقونات مركزية للحداثة في برلين في التسعينات.

كان الناقد الأدبي الدنماركي جورج براندس مساهما في ربط هذه الشخصيات الفكرية، فقد قام بإلقاء أول محاضراته الجامعية حول كيركجارد ونيتشه، وعزز لأعمال كيركجارد إلى نيتشه، وصولا إلى شتينبرغ، ووضع شتينبرغ على خط مع نيتشه. مستلهمة جدلية براندس، قامت الناقدة السويدية أولا هانسون بالتعزيز لهذا الدمج بين الكتاب في ألمانيا نفسها. سعت حداثة برلين بوعيها الذاتي على استخدام الفن كوسائل للتغيير السياسي والاجتماعي. وواصلت همّ كيركجارد باستخدام العمل الخطابي للتحول الاجتماعي.

استلهم العديد من الكتاب أفكارهم من كيركجارد لمعالجة قضايا أساسية في الفلسفة، السياسة، اللاهوت، علم النفس. كان أبرزها معالجة كيركجارد لقضية إبراهيم وتضحيته بإسحاق (العقيدة). فرانز كافكا، إيمانويل ليفانس، جاك دريدا، جميعهم كتبوا بشكل واسع في محاولة لفرز تداخلات الأخلاق والإيمان. غابريل مارسيل، ليف خيستوف، بول تيلتش، مارتن بوبر، جورجي لوكاس، كارل بارت، جورج باتاي، رودولف بولتمان، كارل ياسبرز، ميشيل هنري، وجون كابوتو، جميعهم تأثروا أو انخرطوا في وجودية كيركجارد المسيحية. كذلك اللاهوتي السياسي كارل شميت استخدم مفاهيما مثل “القرار” و “الاستثناء” والتي تنطوي بشكل كبير على مفاهيم كيركجارد في “اللحظة” و “التكرار”. سورين أيضا كان إلهاما مبكرا لفيتغنشتاين الذي قال عنه “حتى الآن هو المفكر الأعمق في القرن التاسع عشر، كيركجارد كان قديسا”. أتباع فتغنشتاين، مثل ستانلي كافيل، جيمس كونانت، وكورا دايموند، جميعهم انخرطوا في جانب من جوانب أعمال كيركجارد من ضمنها الكيفية التي نفهم ونميز بها بين المعقول واللامعقول في سياق المزاعم حول السلطة الدينية والخلاص. قراءة أليستر ماكنتاير لكيركجارد في (بعد الفضيلة) و (موجز تاريخي للأخلاق) تفتح مجالا واسعا للاستعلام عن أهمية كيركجارد للأخلاق في الفلسفة التحليلية الحديثة. وقد قاد ذلك إلى نقاش حول أهمية كيركجارد في تطوير سرديات تفسيرية للذات، مع الإشارة لإسهامات أنتوني رود، جون دافنبورت، جون ليبت، باتريك ستوكس. أيضا تأثر بول ريكور وجودث بتلر بكيركجارد خاصة فيما يتعلق ببلاغته، ووجهة النظر السردية للفلسفة المنهجية النقدية.

من الصعب أن نورد قائمة مفصلة لأهم المفكرين الذين يدينون بالفضل لكيركجارد وجوديا وفكريا. إن تنوع الكتاب والمفكرين المذكورين أعلاه يشهد على اتساع وعمق نفوذ كيركجارد الذي استمر حتى عصرنا الحاضر.

 

  1. تقسيمات تاريخية لحياته وأعماله

1813– ولد في الخامس من مايو في كوبنهاغن (الدنمارك)

1830– قُبل في جامعة كوبنهاغن.

1834– توفيت والدته.

1837– التقى ريجينا أولسن.

1838– توفي والده.

  • من (أوراق لايزال المرء حيا) الذي نشر دون رغبة منه عبر س. كيركجارد.

1840– اجتاز امتحان اللاهوت النهائي.

  • تقدم لريجينا أولسن وقبلت به.

1841– فسخ ارتباطه بريجينا.

    – دافع عن أطروحته (حول مفهوم المفارقة: بإحالة ثابتة إلى سقراط).

    – سافر إلى برلين لحضور محاضرات شيلينغ.

1842– عاد من برلين.

1843– (إما/ أو-نبذة عن الحياة) حررها فيكتور أرميتا.

    – رحلة ثانية إلى برلين.

    – (الخطابان التنويريان) كتبها س. كيركجارد.

    – (خوف ورعدة) قصيدة جدلية كتبها: يوهانس دي سلينتو.

    -(التكرار) مشروع في علم النفس التجريبي كتبه كونستانتين كونستانتيوس. (نشر في نفس اليوم الذي نشر فيه (خوف ورعدة))

    -أربعة خطابات تنويرية كتبها س. كيركجارد.

1844– (خطابان تنويريان) كتبهما س. كيركجارد.

       – ثلاثة خطابات تنويرية كتبها س. كيركجارد.

    – (شذرات فلسفية) أو (نبذة عن الفلسفة) كتبها يوهانس كليماكوس ونشرت من قبل س. كيركجارد.

    – (مفهوم القلق) انعكاس نفسي موجّه على المشكلة الدوغمائية للخطيئة الأصل كتبها فيجيليوس هوفنينسيس.

    – (مقدمات- قراءة خفيفة لطبقات معنية كما تتطلب المناسبة) كتبه نيكولاس نوتابين. (نشر في نفس اليوم الذي نشر في (مفهوم القلق))

    – (أربعة خطابات تنويرية) كتبها س. كيركجارد.

1845– (ثلاثة خطابات لمناسبات متخيلة) كتبه س. كيركجارد.

    – (مراحل على طريق الحياة) دراسات من قبل عدة أشخاص، جمعت وأرسلت للصحافة ونشرت من Hilarious Bookbinder.

    – الرحلة الثالثة إلى برلين.

    – (ثمانية عشر خطابا تنويريا) كتبه س. كيركجارد. (مجموعة من الخطابات المتبقية من 1843-1844)

    – مقالة في Fœdrelandet Frater Taciturnus (حول شخصية من كتاب مراحل على طريق الحياة) طلب أن تجلد في الكورسيرا)

1846-كيركجارد مهجوا في مجلة الكورسيرا.

    – (ختام ملحوظة غير علمية) تأليف تقليدي، جدلي مثير للشفقة، حجة وجودية، كتبها يوهانس كليماكوس. الذي نشر من قبل س. كيركجارد.

    – مراجعة أدبية (عصران) رواية قصيرة كتبها: مؤلف (قصة يومية) راجعها: س. كيركجارد.

1847– (خطابان تنويريان في الأرواح المختلفة) كتبها: س. كيركجارد.

    – (أعمال الحب- تأملات مسيحية على صورة خطابات) كتبها: س. كيركجارد.

    -ريجينا تتزوج فريتر شيلجل.

1848– (خطابات مسيحية) كتبها: س. كيركجارد.

    – (الأزمة وأزمة في حياة ممثلة) كتبت من قبل: Inter et Inter.

    – (وجهة نظر حول عملي كمؤلف) اتصال مباشر، تقرير للتاريخ.

1849-الطبعة الثانية من (إما/أو)

    – (زنابق الحقل وطيور الهواء) ثلاثة خطابات تعبدية. كتبها س. كيركجارد.

    – مقالتان في الأخلاقية-الدينية كتبها هـ. هـ.

    – (المرض حتى الموت) شرح مسيحي نفسي للتثقيف والتنوير كتبه: مناهض لكيلماكوس، حرره: س. كيركجارد.

    – (الكاهن الأعلى)، (جابي الضرائب)، (المرأة التي سرقتها الخطيئة) ثلاثة خطابات (لخطابات قداس أيام الجمعة) كتبها: س. كيركجارد.

1850– (تدريب على المسيحية) كتبه: مناهض لكليماكوس. عدد 1-2-3 حررها: س. كيركجارد.

    – (خطاب تنويري) كتبه: س. كيركجارد.

1851– (حول نشاطي ككاتب) كتبه: س. كيركجارد.

   – خطابان في (خطابات قداس أيام الجمعة).

   – (استنطاق الذات- وصية إلى العصر الحديث) كتبه: س. كيركجارد.

   – (قاضي أنفسكم-وصية إلى الزمن الحاضر، استنطاق الذات) السلسلة الثانية كتبها: س. كيركجارد. (نشرت بعد وفاته 1876)

1854-وفاة الأسقف مينستر.

    – تعيين مارتينزن كبير الأساقفة.

   – “هل كان الأسقف مينستر الشاهد على الحقيقة، واحدا من الشهداء الحقيقيين على الحقيقة، هل هذه هي الحقيقة؟” كتبه: س. كيركجارد في Fœdrelandet.

1855-“هذا ما يجب أن يقال، ألا فليقال” كتبه: س. كيركجارد.

    – (اللحظة) كتبه: س. كيركجارد.

    – (حكم المسيح على المسيحية المقررة) كتبه: س. كيركجارد.

    – (الإله لا يتبدل) خطاب كتبه: س. كيركجارد.

    – وفاة كيركجارد في الحادي عشر من نوفمبر.

 

 

 


المراجع

  • Adams, Robert Merrihew, 1999, Finite and Infinite Goods: A Framework for Ethics, Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Adorno, Theodor W., 1989, Kierkegaard: Construction of the Aesthetic, Robert Hullot-Kentor (trans.), Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Agacinski, Sylviane, 1988, Aparté: Conceptions and Deaths of Søren Kierkegaard, trans. Kevin Newmark, Tallahassee: Florida State University Press.
  • Bigelow, Pat, 1987, Kierkegaard & The Problem Of Writing, Tallahassee: Florida State University Press.
  • Billeskov Jansen, F.J., 1951, Studier i Søren Kierkegaards litterœre Kunst, Copenhagen: Rosenkilde & Bagger.
  • Bloom, Harold (ed.), 1989, Søren Kierkegaard, New York: Chelsea House Publishers.
  • Brandes, Georg, 1877, Søren Kierkegaard. En kritisk Fremstilling i Grundrids, Copenhagen: Gyldendal.
  • Carlisle, Clare, 2005, Kierkegaard’s Philosophy of Becoming: Movements and Positions, Albany: State University of New York Press.
  • Davenport John J., 2012, Narrative Identity and Autonomy: from Frankfurt and MacIntyre to Kierkegaard, New York and Abingdon: Taylor and Francis.
  • Derrida, Jacques, 1995, The Gift of Death, trans. David Wills, Chicago & London: University of Chicago Press.
  • Diderichsen, Adam, 1998, Den Sårede Odysseus. Kierkegaard og subjektivitetens genese, København: Hans Reitzels Forlag.
  • Dooley, Mark, 2001, The Politics of Exodus: Kierkegaard’s ethics of responsibility, New York: Fordham University Press.
  • Emmanuel, Steven, William McDonald and Jon Stewart (eds.), 2013–2015, Kierkegaard’s Concepts Tomes I to VI, Aldershot and Burlington: Ashgate.
  • Evans, C. Steven, 2004, Kierkegaard’s Ethic of Love: Divine Commands and Moral Requirements, Oxford: Oxford University Press.
  • Ferguson, Harvie, 1995, Melancholy and the Critique of Modernity: Søren Kierkegaard’s Religious Psychology, London & New York: Routledge.
  • Ferreira, M. Jamie, 2001, Love’s Grateful Striving: A Commentary on Kierkegaard’s Works of Love, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 1991, Transforming Vision: Imagination and Will in Kierkegaardian Faith, Oxford: Clarendon Press.
  • Furtak, Rick Anthony, 2005, Wisdom in Love: Kierkegaard and the Ancient Quest for Emotional Integrity, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Garff, Joachim, 2005, Søren Kierkegaard: A Biography, trans. Bruce H. Kirmmse, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1995, Den søvnløse. Kierkegaard lœst æstetisk/biografisk, Copenhagen: C.A.Reitzels Forlag.
  • Grøn, Arne, 2008, The Concept of Anxiety in Søren Kierkegaard, translated by Jeanette B.L. Knox, Macon: Mercer University Press.
  • –––, 1997, Subjektivitet og negativitet: Kierkegaard, Copenhagen: Gyldendal.
  • Hall, Ronald L., 1993, Word and Spirit: A Kierkegaardian Critique of the Modern Age, Bloomington: Indiana University Press.
  • Hampson, Daphne, 2013, Kierkegaard: Exposition and Critique, Oxford: Oxford University Press.
  • Hannay, Alastair, 1982, Kierkegaard, London: Routledge & Kegan Paul.
  • Hannay, Alastair and Gordon Marino (eds.), 1997, The Cambridge Companion to Kierkegaard, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Henriksen, Aage, 1954, Kierkegaards Romaner, Copenhagen: Gyldendal.
  • Houe, Poul, 2000, Gordon D. Marino, & Sven Hakon Rossel (eds), Anthropology and Authority: Essays on Søren Kierkegaard, Amsterdam-Atlanta, GA: Editions Rodopi B.V.
  • Jegstrup, Elsebet (ed.), 2004, The New Kierkegaard, Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press.
  • Kirmmse, Bruce H., 1996, Encounters with Kierkegaard: A Life as Seen by His Contemporaries, trans. Bruce H. Kirmmse &n Virginia R. Laursen, Princeton, N.J.: Princeton University Press.
  • ––– (ed.), 1990, Kierkegaard in Golden Age Denmark, Bloomington: Indiana State University Press.
  • Kosch, Michelle, 2006, Freedom and Reason in Kant, Schelling and Kierkegaard, New York: Oxford University Press.
  • Law, David R., 2013, Kierkegaard’s Kenotic Christology, Oxford: Oxford University Press.
  • Lippitt, John, 2015, The Routledge Guidebook to Kierkegaard’s Fear and Trembling, London: Routledge.
  • –––, 2013, Kierkegaard and the Problem of Self Love, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2000, Humour and Irony in Kierkegaard’s Thought, London: Macmillan & New York: St. Martin’s Press.
  • Lippitt, John and George Pattison (eds.), 2013, The Oxford Handbook of Kierkegaard, Oxford: Oxford University Press.
  • Lowrie, Walter, 1962, Kierkegaard, 2 volumes, New York: Harper & Brothers.
  • Mackey, Louis, 1986, Points of View: Readings of Kierkegaard, Tallahassee: Florida State University Press.
  • Malantschuk, Gregor, 1980, Frihed og Eksistens. Studier i Søren Kierkegaards tœnkning, Copenhagen: C.A.Reitzels Forlag.
  • Malik, Habib C., 1997, Receiving Søren Kierkegaard: The Early Impact and Transmission of His Thought, Washington, D.C.: The Catholic University of America Press.
  • Matustík, Martin J., 1993, Postnational Identity: Critical Theory and Existential Philosophy in Habermas, Kierkegaard, and Havel, New York & London: The Guilford Press.
  • Mulhall, Stephen, 2001, Inheritance and Originality: Wittgenstein, Heidegger, Kierkegaard, Oxford University Press.
  • Nordentoft, Kresten, 1978, Kierkegaard’s Psychology, trans. Bruce H. Kirmmse, Pittsburgh, Pa.: Duquesne University Press.
  • Pattison, George, 1992, Kierkegaard: The Aesthetic and the Religious, London: Macmillan.
  • Pattison, George and Stephen Shakespeare (eds), 1998, Kierkegaard: the self in society, New York: St. Martin’s Press.
  • Podmore, Simon D., 2011, Kierkegaard and the Self Before God: Anatomy of the Abyss, Bloomington & Indianapolis: Indiana University Press.
  • Pojman, Louis, 1984, The Logic of Subjectivity, Alabama: University of Alabama Press.
  • Pyper, Hugh, 2011, The Joy of Kierkegaard: Essays on Kierkegaard as a Biblical Reader, Sheffield & Oakville: Equinox.
  • Rée, Jonathan, 1998, & Jane Chamberlain (eds), Kierkegaard: A Critical Reader, Oxford: Blackwell.
  • Roberts, David, 2006, Kierkegaard’s Analysis of Radical Evil, New York: Continuum.
  • Roos, Carl, 1955, Kierkegaard og Goethe, Copenhagen: Gads Forlag.
  • Rudd, Anthony, 1993, Kierkegaard and the Limits of the Ethical, Oxford: Clarendon Press.
  • Schleifer, Ronald, & Robert Markley (eds), 1984, Kierkegaard and Literature: Irony, Repetition, and Criticism, Norman: University of Oklahoma Press.
  • Scopetea, Sophia, 1995, Kierkegaard og grœciteten. en kamp med ironi, København: C.A. Reitzel.
  • Stewart, Jon (ed.), 2009, Kierkegaard’s International Reception Tome III: The Near East, Asia, Australia And The Americas, Aldershot: Ashgate.
  • Stokes, Patrick, 2015, The Naked Self: Kierkegaard and Personal Identity, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2010, Kierkegaard’s Mirrors: Interest, Self, and Moral Vision, London: Palgrave.
  • Taylor, Mark C., 1980, Journeys to Selfhood: Hegel & Kierkegaard, Berkeley, Los Angeles, London: University of California Press.
  • Theunissen, Michael, 2005, Kierkegaard’s Concept of Despair, Barbara Harshav and Helmut Illbruck (trans.), Princeton: Princeton University Press.
  • Viallaneix, Nelly, 1979, Écoute, Kierkegaard. Essai sur la communication de la parole, 2 volumes, Paris: Éditions du Cerf.
  • Walsh, Sylvia, 1994, Living Poetically: Kierkegaard’s Existential Aesthetics, University Park, Pennsylvania: Pennsylvania State University Press.
  • –––, 2005, Living Christianly: Kierkegaard’s Dialectic of Christian Existence, Pennsylvania State University Press.
  • Watkin, Julia, 2001, Historical Dictionary of Kierkegaard’s Philosophy, Lanham, Maryland & London: The Scarecrow Press.
  • Weston, Michael, 1994, Kierkegaard and Modern Continental Philosophy, London: Routledge.
  • Westphal, Merold & Martin J. Matustik, 1995, Kierkegaard in Post/Modernity, Bloomington & Indianapolis: Indiana University Press.

أدوات أكاديمية

مصادر أخرى على الأنترنت

مقالات ذات صلة

existentialism | faith | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | individuals and individuation | personal identity | Socrates

 

[1] McDonald, William, “Søren Kierkegaard”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), forthcoming URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2017/entries/kierkegaard/>.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *