Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

سوسيولجيا تاريخ العلم الحديث: حوار مع توبي هوف – حاوره: محمد الرشودي

 محمد الرشودي

محمد الرشودي

English Version – نسخة PDF


 توطئة

ضيفنا اليوم هو الدكتور توبي هوف، عالم الاجتماع المعروف الذي يعمل حاليا كمساعد باحث في قسم علوم الفلك في جامعة هارفارد، كما يعمل كأستاذ مستشار متقاعد في جامعة ماسيشوتس. يركز بحث الدكتور هوف على السوسيولجيات المقارنة وتاريخ العلوم. ويعتبر كتابه )فجر العلم الحديث: الإسلام، والصين، والغرب) قطعةً فريدةً في تفسير تحقيق الغربيين نجاحاتهم في العلوم الحديثة، بخلاف المجتمعين الصيني، والإسلامي في العصور الذهبية للإسلام، وذلك بالرغم من تمتُّع الصينين والمسلمين بقدرات موازية ومشابهة لما كان في الغرب. حوارنا اليوم سيدور حول نفس الموضوع.

 

السؤال الأول: مرحبا بك في مجلة حكمة د.هُف، أرغب في بدء الحوار بسؤال يتكرر مع ضيوفنا المتخصصين في مجالك : ما الذي جعلك مهتما في سوسيولوجيا العلوم الإسلامية والعربية؟

شكرا لدعوتكم. كانت الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي فترة اهتم فيها العلماء الأمريكيون بشكل متزايد بالدراسات المقارنة مع الحضارات العظيمة الأخرى. فقد كان عمل جوزيف نيدام (Joseph Needham) على موضوع العلوم والحضارة في الصين ما بين 1954 و 2004 أكبر عوامل انتشار هذا الاهتمام، وقد ذكر فيه بأنه تم تجاهل طرح مسألة تراجع اقتصاد الصين وتقهقر سياساتها التحديثية، بالإضافة لعدم طرح مسألة سبب إخفاقها في إنتاج العلوم الحديثة مُسبقًا.

               في نفس الوقت، كان هناك علماء متميزون آخرون مهتمون بهذه الأسئلة المقارنة في سياق تاريخ العلوم العربية والإسلامية وحضارتهما. بطريقة ما، كان سؤال “لماذا لَم تنشأ العلوم الحديثة تحت مظلة حضارية إسلامية؟” مؤثرًا لكون البلاد الإسلامية أكثر تقدما من الصين وأوروبا في العصور الذهبية للإسلام، أي منذ سنة 850م حتى نهاية القرن الثالث عشر للميلاد.

               كان مشرفي بنيامين نيلسون (Benjamin Nelson) المتوفى عام 1977 على دراية تامة بكل هذه التطورات في التساؤلات، وقد شجع تلاميذه على دراستها. كما شارك في تجديد الجمعية الدولية لدراسات الحضارات المقارنة في عام 1971م والتي بات وجودها الآن مهددًا.

وبالإضافة إلى هذه العوامل، من المهم أن نذكر عاملًا كان له تأثيرًا كبيرًا على علم الاجتماع، وهو أعمال ماكس فيبر (Max Weber) (1850-1920) والذي في الحقيقة أثار نفس التساؤلات النقدية التي تناولها نيدام وغيره من العلماء على محمل الجد لاحقًا في منتصف العشرينات الميلادية، رغم أنه يجب أن نلاحظ أن نيدام كان معاديا للفيبرية في بداية حياته كماركسي.

               وبالمقابل، كانت أهم دراسة سوسيولوجية في تاريخ العلوم هي دراسة روبرت ميرتون الكلاسيكية: “العلوم التقنية، والمجتمع في إنجلترا القرن السابع عشر”، والتي اكتملت عام1938، قد استلهمت الكثير من بعض مقاطع أحد أهم الكلاسيكيات الفيبرية: “البروتستانتية وروح الرأسمالية” ، والتي نشر نصها الأصلي في 1904 وترجمها إلى الإنجليزية تالكوت بيرسون في سنة1930 .

       جعلني هذا السياق مهتما بالتساؤل حول سبب إعاقة التطوّر العلمي في العالم الإسلامي. وهنا أيضا كان يوجد تأثير محدد نبع من دروس بينيامين نيلسونBenjamin Nelson في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية، والتي جعلتني ارتبط بهذا السؤال. كان نيلسون -كمتخصص في القرون الوسطى )أصبح لاحقًا عالم اجتماع( – يعلم أنه يوجد قدر كبير من الحراك الفكري في العصور الوسطى المسيحية، والذي ظهر جليًا في مجالات الفلسفة واللاهوت، وفي البحوث العلمية، كما أثر بالطبع على تطوّر العلوم القانونية، وهذا مما يعرفه نيلسون بالطبع. حاجج نيلسون في كثير من أوراقه العلمية التي نشرت في الستينات، بفكرة تتعارض مع الاعتقاد السائد، وهي أن المسيحية كانت عاملًا مساعدًا أساسيا في تطور العلوم الحديث؛ القانون والفلسفة، ويظهر هذا مختلفا تماما عنه في حالة الإسلام. فبالنظر إلى المشكلة عن بعد، يظهر أنه في حين كانت المسيحية تشكل مهد نشأة العلوم الحديثة، كانت المحاولات المبكرة للبحث العلمي في العالم الإسلامي تُدفن في مهدها، مما منع أي ثورة علمية من أن تظهر فيه. ساد الاعتقاد بأن الوضع في المجتمعات الإسلامية كان يرغّب في البحث العلمي على الأقل في فترة ما، ولكن من الواضح أن خطأً ما قد حصل في العالم الإسلامي. بجميع الأحوال، يقدّم هذان الوضعان بالرغم من اختلافهما تبايُنًا علميا-تجريبيًا فريدا، وهو ما جعلني أقرر القبول بهذا التناقض، ربما لسذاجة مني، رغم كل الاحترازات من زملائي في هارفارد.

 

السؤال الثاني: ركّزت في دراساتك بشكل أساسي على العوامل التي جعلت ازدهار العلوم الحديثة في الغرب ممكنة دون غيرها من البيئات. وفي هذا المجال، كنت قد طوّرت دراسات فيبر حول الظواهر الثقافية التي ولدت أصلًا في الغرب لكنها حققتقيمة وأهمية عالمية“. وقبل ذلك كان نيدام قد قدّم دراسات متقدمة في الأصول الغربية للعلم في زمن التقدم التكنولوجي في الصين، بينما كشفت دراسات نيلسون على القرنين الثاني والثالث عشر تحوّلا محوريا في أوروبا الغربية تسبب في بزوغ مسار حضاري مختلف للعلوم في تحولاتها الكبرى. ماذا كانت اكتشافاتك أو ما قدّمته من عمل أصيل لهذا الحقل، وهل قمت بمراجعة الزوايا التي تمارس من خلالها عملك الفكري؟

أصبحتُ -كما سبق الذكر- مهتما بسؤال ازدهار العلوم الحديثة على ضوء أعمال ماكس فيبر، بنيامين نيلسون روبرت ميرتون، وجوزيف نيدام. تُعد محاولة الإجابة على أسئلة كبيرة على ضوء رؤى هؤلاء العلماء تحدٍ كبير. كما كان نيلسون مدافعا عن الفرضية القائلة بأن المسيحية ساعدت في تطوّر العلوم الحديثة، بينما كانت التغيُّرات على المدى الطويل في الشرق الأوسط تبيّن بأن الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية قد قاما بإعاقة التطوّر العلمي، وقد دافع نيسلون عن هذه الفكرة على عكس كثير من أكاديميي جيله.

       رغم كل هذا، لا يمكن تجاهل أهمية تأثير مؤلَّف جوزيف نيدام “العلم والحضارة”، والذي وصل إلى اثنين وعشرين مجلّدا تم إكمالها بعد وفاته بسنوات. ظهر المجلّد الأخير، رقم (7 #2) في 2004م، وذلك بعد وفاة نيدام بأربع سنوات.كان جزءًا مهمًا من تأثير نيدام ناتجا عن قدرته على الصياغة الحتمية والجازمة لسؤال)لم تطوّرت العلوم الحديثة في الغرب تحديدًا، على خلاف الحال في العصور الوسطى والقديمة؟) المعايرة العظمى،1969 ). فقد قدّم نيدام أفكارا تفسيرية تنويرية أحيانًا ومستفزة في أحيان أخرى، وذلك من خلال فحصه للكثير من العوامل المحتملة، واستمراره في التفسير العميق للقواعد الأصولية للفلسفة الصينية في الطبيعة. فتحليله العلمي العميق للفلسفة الطبيعية الصينية كشف عن محاولات وصف المفكرين الصينيين لتفسير عمل الطبيعة بشكل مختلف، حيث لم يتواجد في ذلك الوقت مصطلح “الطبيعة” بعد. افترضت تصنيفاتهم المفاهيمية وجود نماذج بارزة، ووجود بدائل محدودة للتغيير والتعديل في العالم الطبيعي، وقد تم فهم هذه البدائل والنماذج من قبل رواد فلاسفة الطبيعة عبر تاريخ الصين. اتضح من سياق الكشوفات التي قدّمها نيدام أن فكرة قوانين الطبيعة لم توجد أصلا في الفكر الصيني. وكان لهذا آثاره على العلوم الصينية وممارساتها. بيّن نيدام في نفس الوقت كيف كانت الرؤية البديلة للطبيعة، والمتمثلة في الفلسفة الصينية المعروفة بالين واليانغ، (الطاقة) المعروفة باسم التشي، والعناصر أو المراحل الخمسة التي تشكل الطبيعة، كل هذه المفاهيم كانت ماتزال مخفية داخل الإطار النظري لمربّعات ومسدّسات السحر، والتي رآها نيدام في النهاية “عبءًا” جسيمًا أعاق التطوّر العلمي.

       بعد ظهور المجلدات الثلاثة لعمله العظيم، وبعد الاعتراف بأن علم الفلك الصيني والفيزياء (والتي ربما لم تكن قد ظهرت في ذلك الوقت بعد)لم يمكنهم أن يتوافقوا، انتقل اهتمام نيدام أكثر من تاريخ العلوم إلى تاريخ التقنية. ورغم هذا التحوّل، فإن مهمّة نيدام الجريئة أثارت اهتمام أجيال من مؤرخي العلوم، ونتيجة لذلك، صرفت الاهتمام بعيدًا عن دراسة المشهد الثقافي الواعد، خاصة في العلوم العربية والإسلامية.

       وكما ظهر لاحقًا في نهاية الستينات وبداية السبعينات، بدأت مجموعة من المؤرخين في مجال العلوم العربية والإسلامية بنشر نتائج تقترح بأن حال العلوم العربية يعد مُبشّرًا أكثر مما أظهرته الدراسات المبكّرة، كمجال لنشأة العلوم الحديثة. وكان السبب الأكبر في ذلك هي الترجمات الضخمة للرياضيات اليونانية والعلوم الطبيعية للغة العربية، خاصةً ترجمة عمل أرسطو الفريد )الأورغانون(، حيث كان عمله العظيم في الفلسفة والمنطق وأصول البحث العلمي قد أمد العلماء العرب والمسلمين بالقاعدة الأساسية اللازمة لبدء برنامج بحث علمي، وكان هذا مما ميزهم عن الصينيين الذين كانوا يفتقرون لأصول العلوم الطبيعية الإغريقية.

       ظهرت في تاريخ علوم الفلك كثير من الدراسات حول الفلكيين المسلمين، مثل أعمال مدرسة مراغة وأعمال ابن الشاطر المتوفى عام 1375، رغم أنه لم يكن فلكيا بالمعنى التقليدي، بل كان مراقبا للوقت يعمل في دمشق في القرن الرابع عشر، وأنتج نماذج فلكية كانت تعادل في قيمتها العلمية أعمال كوبرنيكس، ولكنها بقيت ضمن مجال رؤية التمركز حول الأرض. باختصار، كان هناك مقاربات رياضية لنماذج كوبرنيكس، ولكن في الحقيقة لم تكن ثورة فلكية لتوجد في أعمال ابن الشاطر، أو أعمال مدرسة المراغة، أو غيرهم من علماء الفلك المسلمين لأنهم لم يقدروا على أن يأخذوا المبادرة إلى عالم أوسع ونظام متمثل في كون لانهائي.

بالمقابل، كان هناك تطوّرات ثورية في علم البصريات، وقد تركت أثرها على الأوروبيين والحركات العلمية الأوسع. نبع هذا التأثير من أعمال ابن الهثيم )المتوفى عام1040م) في البصريات، بالرغم من أن الكثير من المعلّقين قد أهملوا تأثيره العظيم. عمل ابن الهيثم بالتحديد في الرياضيات المحضة والرياضات الجيومترية، واكتشف حقيقة أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة. وكانت هذه هي الفرضية الأساسية التي استند عليها جوهانس كيبلر (Johannes Kepler) وفسّر بموجبها كيفية عمل عدسات التليسكوب. وكنتيجة لذلك، اعتُبرت أعمال ابن الهيثم مؤثرة بشكل واسع في حقل العلوم التجريبية حين وصلت إلى أوروبا. بالرغم من ذلك لم يتم تقدير تأثير عمل ابن الهيثم من خارج دائرة المتخصصين إلا في وقت قريب جدًا، والفضل يعود إلى أعمال صبرا (A. I. Sabra) وديفيد ليندبرغ (David Lindberg).

باختصار، حتى بدون إلمام مُفصّل لأعمال العظماء العرب، كان من السهل علي أن أجد أهمية حضارية ومقارِنة لطرح السؤال الذي يواجهنا دوما: لماذا أخفقت العلوم العربية والإسلامية في أن تنتج العلوم الحديثة خاصة وبالرغم من تطورها الملحوظ في “عصرها الذهبي”؟ أكثر من ذلك، كان عمل فيبر يوضح بجلاء أن سؤال “لماذا وجدت العلوم الحديثة فقط في الغرب” كان موازيا لسؤال: لماذا ازدهرت الرأسمالية الحديثة في الغرب فقط؟ كانت الإجابة عن هذا السؤال المتعلق بسبب كون العلوم الحديثة تطورت تطورًا فريدًا في الغرب هي الخطوة القادمة، كما أعلن فيبرفي نهاية عمله أخلاقيات البروتستانتية وروح الرأسمالية. وتبعًا لاعتقاد نيدام أيضا بتفرُّد الإنجاز العلمي الغربي )رغم تشكيكه في أفكار فيبر) كان من الأساسي أن يتبنى هذا السؤال.

ذكرت مسبقا تأثير روبرت ميرتون، ويجب أن أذكر أيضا أنه قد نشر عمله الذي طال انتظاره في سوسيولوجيا العلوم في العام 1973 والمعنون بـ: “سوسيولوجيا العلوم: تحقيقات نظرية وتجريبية”. طُلِبَ منّي أن أعرض هذا الكتاب لمجلة الأبحاث العلمية في الدين، وقد كانت مهمة شاقة. وبالرغم أني قد ألمحت (JSSR 1975) بأن العمل الغير عادي لميرتون سيبقى أبرز عمل كتب في هذا الموضوع، إلا أنني نوّهتُ كذلك بأن ميرتون لم يتتبع الأبعاد المقارِنة، التاريخية، والحضارية لأعماله، حيث اختار أن يدرس “نظام المكافأة في العلوم” بدلا من متابعة ملاحظاته الخاصة التي درست “العلاقات الديناميكية” بين العلوم وبين المجتمع، والتي ستكون دليلا واضحًا حين ينظر المرء خارج أمريكا الشمالية وأوروبا. اقترحتُ بأنه يجب أن يُوجّه الاهتمام الكافي بمجال المقارنة الحضارية للسياقات الفلسفية، والثيولوجية، والقانونية، والتي تساهم بشكل مهم في تشكيل البحث العلمي، كما اقترح نيلسون وآخرون.

       لهذه الأسباب، فتحت توجهات نيدام المقارنة والحضارية مجالات مهمة جدًا للتحقيق والبحث لم يأخذها علماء الاجتماع الأمريكيون بجدّية لدرجة أنني كنت قادرا على مراجعة الزوايا والمنظورات التي ينطلق منها أولئك العلماء الأوائل. كنت لأقدم الملحوظة التالية: كان هناك منهجيتان للإجابة على هذه الأسئلة من وجهة نظر سوسيولوجية، في الجانب الأول، تحدث ميرتون عن ظهور روح العلم التي دمجت مزيجًا من القيم والعادات بشكل فعّال، والتي أُخذِتْ بدورها لتصبح قيمًا لازمة للعلماء، أما الجانب الآخر من هذا التوجه أو المنهجية السوسيولوجية لفهم الأسئلة أعلاه فقد نظر إلى تطوّر دور العالِم، وهو ما جاء به جوزيف بن ديفيد Joseph Ben-David، والذي بالكاد اعترف بأهمية عمل ميرتون أو ذكر أيا من ميرتون أو مفهوم روح العلم في كتابه (دور العالِم في المجتمع، 1971) بالتأكيد يبدو مقنعًا من الناحية السوسيولوجية يبدو القول بأن تأسيس “دور العالِم”يعد جدليًا في التطور العلمي على المدى البعيد. المشكلة كانت أن كلمة دور كما أشار إليها ميرتون هي مفهوم متعدد المعاني، وليست ذا معنى واحد. منه مثلا كلمة (Scientist)، نفسها والتي لم تكن موجودة في الإنجليزية حتى بداية القرن التاسع عشر، ولا يوجد لها إلى الآن مرادف دقيق بالعربية. وهي تشير إلى مزيج من الباحث، العالِم، المعلّم، حارس البوابة، وغيرها من الأدوار.

       ثانيا، تجاهل بين ديفيد تماما حقيقة أن الأوربيين كانوا قد قاموا بتأسيس شكل من “المساحة المحايدة” للبحث (في تصوّر بن نلسون(، وذلك من خلال إتاحة الأشكال المختلفة من الحوار العام الحاصل داخل الجامعات. كان قادة هذا الحوار دوما علماء متدينين وأصوليين يسألون أعمق الأسئلة عن كيفية عمل العالم. ويؤكّد هذا مؤرخو علوم القرون الوسطى، خصوصا لين ثورندايك، شارلز هاسكينز، أي. سي. كرومبي، وإدوارد غرانت وآخرين. بينما حاول بين ديفيد أن يحدد بداية دور العلماء في القرن السابع عشر، أما مؤرخو القرون الوسطى والحداثة المبكرة فقد كانوا يأخذون السؤال في اتجاه معاكس. وكان هذا هو سبب إشارة نيلسون إلى “التحوّل المحوري” في فترة القرون الوسطى، ولكن ليس بقدر” الحقبة المحورية” التي أشار إليها كارل جاسبر بشكلٍ أساسي.

       وقبل أن نتتبع هذا الخيط التاريخي، سأسترجع الأفكار النيّرة لتوماس كوهين (المتوفى عام1996 )، فقد كان كتابه (بنية الثورات العلمية) المنشور عام 1962 والنسخة الموسّعة عام1970 ، مؤثرا استثنائيا في كثير من المجالات العلمية في حقبته. كانت فكرة كوهين عن “النماذج ” و “التحوّلات في النماذج” مهمّة لفهم التغيرات التي حصلت ضمن الممارسة الحديثة للعلوم، لكنها لم تقدّم مدخلا إلى التاريخ المقارن للعلم. وعلى كل حال فقد أشار بوضوح إلى تلك ” الالتزامات الميتافيزيقية التي من دونها لم يكن أحدٌ ليصبح عالما” دون أن يقدّم فكرةً عن كيفية ظهور تلك الالتزامات. أظن أن هذا الاتجاه في التساؤل العلمي كان يستحق التتبّع ولكن ذلك أتيح لي ذلك فقط بعدما نشرتُ طبعتي الأولى من كتاب (فجر العلوم الحديثة).حيث مكّنني ذلك من تقديم إجابة قصيرة عن هذا السؤال السابق. وقد قمت بصياغة هذه الإجابة ردّا على منشور لأحد العلماء في مجلة )المجتمع عام 1994) حيث اقترحت التالي :

أولا/ إذا كان يمكن تتبع العلم على المدى الطويل، يجب أن نؤمن بأن الطبيعة في المقابل نظام عقلاني، ولأجل ذلك يمكن القول بأن الطبيعة نظام متماسك، متضامن، مرتّب، ونطاق يمكّننا من التنبؤ. ولن نكون قادرين على فهم العالم أو تفسيره من دون هذا الإيمان البديهي الذي يهتم بالعالم الطبيعي.

ثانيا/ تم التنبؤ بالمنطق العلمي بناء على الاعتقاد بأن البشر مزودون أصلا بالمنطق ولديهم القدرة الفكرية الكافية لفهم عمل الطبيعة. ويمكن بالطبع لأي نظريات أن تكون خاطئة في أي وقت، ولكن هناك افتراضا بأن الطبيعة ستكشف عن أسرارها عبر الفحص العلمي، وبشكل تراكمي، مع مرور الزمن.

ثالثا/ يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أنه من المسموح، أو ربما من الضروري، للرجال والنساء أن يستخدموا قواهم المنطقية ليتساءلوا عن كل أشكال الحقائق المفترضة، ويتضمن ذلك الافتراضات الدينية، السياسية، والأخلاقية، بل وحتى العلمية. هذا اعتبار مهم جدا لأنه لم يثبت اتفاق النخبة المفكّرة في أي مجتمع محدد أو حضارة على أنه يُسمَح للناس العاديين، خاصة المبتدئين أو الهواة، في أن يتساءلوا بصوت عالٍ، وأن يتحدّوا ويزعجوا الفهم التقليدي المبني على الكشوفات العلمية، وفوق كل ذلك أن يتفحصوا الحقائق المذكورة في الكتب المقدسة. بل إنه ليس من المؤكد اليوم في كثير من أجزاء العالم أن المعلومات العامة، والتي تصف الوضع العام الصحي، مثلا، يمكنها أن تكون معروضة بشكل علني، أو تناقش، بدون موافقة السلطات.

في كثير من المجتمعات، توجد اليوم كل أشكال الإحصائيات الاجتماعية، الأرقام الاقتصادية وتقارير الصحة العامة، كلها مصنفة كأسرار للسلطة، ولا يمكنها أن تنشر أو تُنَاقش دون الحصول على موافقة رسمية، أو دون احتمال خطر الوقوع تحت طائلة العقوبة، خصوصًا في آسيا والشرق الأوسط.

وبالتالي، عند القول بأن هذه الافتراضات الميتافيزيقية هي “التزامات بدونها لا يمكن لأحد أن يكون عالماً يمكن القول أيضًا بأن ازدهار العلوم الحديثة يعني تأسيس هذه المبادئ الثلاثة التي يتحقق بها التمكين، أي الإطار الخارجي العام الذي يتيح للمجتمعات العلمية مجال العمل الداخلي للتوسع ودفع حدود العلوم للأمام. وكنت أتطلع من خلال قول هذا إلى أن ننقل التركيز من الجوانب الرياضية والتقنية للبحث العلمي، (أو مانعني به المتطلبات الداخلية للتقدم العلمي، كأنماط المنطق، المعرفة الرياضية الحسابية العالية، واستخدام التقنيات التجريبية)، لوضع تركيز أكثر على الجوانب الإنسانية من الممارسة العلمية. فبينما تعد مكونات محددة، رياضية وتقنية، مطلوبة لتحقيق مستوى عالٍ من البحث العلمي، فإنه من المهم أيضًا إبراز جانب فلسفي وإنساني بالتساوي، وإلا فلن يكون ممكنا للتقنيات البسيطة للتكنولوجيا والرياضيات أن تمكّن لحدوث الثورات العلمية.

يمكننا أن نرى في السياق الحالي للفكر العربي الإسلامي أن كل المكوّنات الرياضية والمنطقية المُستعارةّ من الإغريق تقريبًا كانت موجودة ومتاحة (كما صرّحت بذلك في الطبعة الثالثة من كتابي، صفحة 97)).ما يمكن أن يعتبره البعض مفقودا في التجربة الإسلامية، كابتكار الأساليب التجريبية، كان فعليا قد تمّ تقديمه من قبل ابن الهيثم. وبالرغم من ذلك، ومع كل تلك الأدوات والميزات، لم تحدث ثورة علمية واسعة، باستثناء تقدّم ابن الهيثم في البصريات، فما بالك بعلم الفلك، حيث كان المجال واسعًا ويُتوقع منه الكثير. عمومًا، تراجع البحث عن العلوم في الشرق الأوسط ابتداء من القرن الثالث عشر مكرًّا نظرا للافتقار للتأسيس العلمي.

بالنظر إلى ما أسلفت سابقا حول كيفية إكمالي لرؤى من سبقني من علماء الاجتماع ومؤرخي العلوم وإعادة صياغة بعض ما جاؤوا به، يمكنني القول أيضا بأني وضِعتُ أساسا في هذا الاتجاه المحدد من التساؤل العلمي بفضل نتائج بنيامين نيلسون وأفكاره الخاصة، فقد كتب:

“إنه ليس مهما في أي مجال علمي أن يقال بأن هناك ناسا تقدموا أو لم يتقدموا بعد الإغريق وفقا لتخصصهم في الكيمياء أو البصريات أو الرياضيات مثلًا. القضية الأساسية هي ما إن كان قد حصل تفكيك شامل لأخلاقيات الفكر، ولمنطق الحكم والقرار، لتمكين التقدم الإبداعي نحو خطاب كوني واسع، وفتح باب المشاركة في تأكيد الأصول العقلية للعلم” )نيلسون، 2012)

وبالرغم من أن هذه الفكرة جيدة للغاية، إلا أنني أجد من الضروري إعادة صياغة القضايا كما ذُكِر أعلاه مع تضمين بعض أفكار كوهين، ميرتون، وبين ديفيد. لقد خطر لي بالتأكيد أن مفهوم ميرتون (روح العلم)والمعدّل بشكل طفيف، قد قام باقتناص أصل تقليد فكري قوي متجذر بشكل عميق في تعاليم القرون الوسطى المسيحية، وهذا التقليد يعكس نظاما أكثر عمقا وتماسكا من المفاهيم الميتافيزيقية التي صممها الإغريق، والمقصود أفلاطون في طيماوس (أحد أهم محاورات أفلاطون)لقد هذا كان بالتحديد هو المصدر العريق للأفكار الميتافيزيقية، الزعم بأن الإنسان والطبيعة ما هما إلا كيانان عاقلان، هذا الأمر مستبطن في الفكر المسيحي للقرون الوسطى وهو ما قمت بصياغته مسبقا في الصفحات 6و7. وكما اقترحت سابقا، فإن هذه الافتراضات الميتافيزيقية الثلاثة تقدّم كقيم كونية عالمية لكل العلماء، وإلا فإن زعم العلماء بعالمية الحقيقة لا يمكن أن ينجح. هناك قيم أخرى من هذا النوع، ولكن يجب أن أنتهي من تحديدها هنا، دعنا نرجع إلى فكرة (التحوّلات المفصليّة) و(النقلات الفكرية).

       في حين كان بنيامين نيلسون واعيا بما يبدو وكأنه تحول مفصلي هائل في الفكر الأوروبي في مرحلة القرون الوسطى، قام بتسخير جهدٍ كبير من أجل فكرة تحويل الفكر الديني إلى علم. هذه الفكرة كانت أيضا قد دُعِمت من قبل القسيس الفرنسي .م.د. تشينو. أشاد كل من هذين العالمَين بالأهمية الفريدة للنقاشات الدينية في تطوّر الفكر الغربي ومجتمعه. في نفس الوقت، رأى هذان العالمان تلك النتيجة تحققا لعمل الفلسفة الإغريقية (أي ظهور الأرسطو الجديد) في الجامعات، مما أدى إلى تحوّلات في الفكر المسيحي في القرون الثاني والثالث عشر. كانت النتيجة هي ذلك السعي الحُر بلا قيود في مجالات الفلسفة والعلوم الطبيعية (كالفلسفة الطبيعة على سبيل المثال).

نحتاج أن نتذكر هنا أن العلماء الأوربيين الذي كانوا يبحثون في مجال العلوم الطبيعية كانوا يُعرفون باسم “فلاسفة الطبيعة” حتى زمن نيوتن. وقد ترك هذا التطوّر آثارًا جلية كبيرة في الفكر الغربي.

ومن الجدير بالذكر أن دراسة “الأرسطو الجديد” والفلسفة الطبيعية قد اتّصلت بتقدُّم الفكر العلمي، وبظهور “العقيدة الطبيعية”، وهي نسق من الأفكار المبنية على افتراض أن البشر البسطاء لديهم القدرة العقلانية لفهم المعنى والهدف الإلهيين في العالم. هذا النسق من الأفكار كان غائبا بشكل تام في الفكر الإسلامي والصيني ولم أجب بشكل كافٍ على السؤال المهم المتعلق بالتحوّلات المفصلية، وهو ما سأتركه للقسم الثاني من الإجابات.

 

السؤال الثالث: أكّدت في كتابك باستمرار على أن الأصول المبكرة لازدهار العلوم الحديثة، لا سيما الثورة القانونية التي أمدت الباحثين في مجال العلوم بالحرية، بدأت في التجذُّر في القرون الوسطى بشكل رئيسي عبر الثورة البابوية لفصل الكنيسة عن الدولة من أجل حماية السلطة، والاستسلام لقوانين الطبيعة. هل تقترح أن عصر النهضة كان قد بدأ في إيطاليا الكاثوليكية بدون الحاجة إلى إصلاح ديني، مثل الذي حصل في ألمانيا اللوثرية؟

بناء على ما سبق ذكره من أهمية التحولات المفصلية، أعتقد بأنه كان هناك في الحقيقة حركة ثورية واسعة على النطاق الثقافي والقانوني خلال تلك الحقبة، القرون الوسطى، والتي كانت أوسع مما اعترف به مؤرخو تلك الحقبة. فلنبدأ بسرديات هارولد بيرمان (Harold J. Berman) في كتابه (الثورة القانونية: تشكيل التقليد القانوني الغربي، 1983) لقد قَبِلتُ الفكرة التي تقول بأن الثورة البابوية خلقتْ تحوّلا راديكاليا جعل النطاق المقدّس والنطاق العلماني مستقلين قانونيًا، بالرغم من أنهما كانا ضمن نفس التقليد الغربي الروماني الكنسي الذي كان قيد التطوّر. من وجهة نظر إسلامية، كان هذا بالطبع انحرافا ثوريا، لأن الشريعة كان من المفترض أن تكون هي ما يوجه كل شيء بلا مُتّسع لوجود “منطقة استقلال قانوني”.

وبهذا المعنى، فإن الأوربيين قد قاموا بتخيل المستحيل، وهو فصل الكنيسة عن الدولة من خلال منح الفرصة للكينونات المستقلة قانونيًا كالمدن والمقاطعات، المؤسسات الخيرية، الجامعات، المشاريع التجارية، والمجموعات البرلمانية، وغيرها. وهذا مما كان يستحيل أيضًا في القانون الصيني. كل هذه الكيانات كانت “خيالا قانونيا” مغلّفا بالمفهوم الحديث للعدل وهو “الشركات”أو “البناءات المتكاملة” والتي كانت محمّلة بحزمة من الحقوق حول بيع وشراء الممتلكات، الحق في أن تقاضي وأن تُقاضى، والتي كانوا قد أسسوا فيها قوانينهم وأنظمتهم الخاصة كما في المحاكم، وفي بعض الأحيان يمكنهم تمثيل أنفسهم تمثيلا قانونيا أمام البلاط الملكي بخصوص الضرائب مثلًا. كثير من هذه الكيانات يمكن أن يطلق عليها اسم “حكومة ذاتية”وفي هذه الحالة يمكنها فرضًا أن تستمر في تنفيذ أعمالها وفقا لمبادئ التصويت والإجماع، بالنظر إلى الفكرة القائلة ” ما يهم الكل يجب أن ينظر إليه وأن يقرر بواسطة الكل”، وهو مكوّن آخر من مكوّنات الدستورية التي ظهرت في تلك الحقبة.

من وجهة النظر هذه والتي روجعت مرارًا، يجب على المرء أن يعترف بهذا التحوّل المفصلي، وأن يعترف بأن هذا التحول تم بناؤه وتمكينه من خلال الثورة القانونية وفقا لبيرمان، ولكن هذه الفكرة تُرى وتعتنق الآن بشكل أوسع من السابق. فهي تتضمن نشوء جامعات بمساحاتها المحايدة الخاصة، ومسارات علمية غير مقيّدة ونشوء المذهب الطبيعي، وتحولات في القوانين المدنية، والقانون الملكي، القانون التجاري، وغيرها. كان تأثير هذه التغيرات الحاصلة في النشاطات الاقتصادية ضخما وفعّالا جدًا، خصوصا في سياق ازدهار الرأسمالية الحديثة ولكن هذا التأثير لم يُصرَّح به بعد من قبل المؤرخين القانونيين.

بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تحوُّلًا كبير فيما بعد، وقد كان هذا التحول محط اهتمام المؤرخين وعلماء الاجتماع والكثير من المؤرخين القانونيين، وهو ما يعرف عالميا باسم “إجراءات سير القانون”، متزامنًا مع نشوء العقل القانوني (الذي كان قد تمت صياغته من قبل علماء في أطروحات قانونية، وتأسس في المحكمة عبر قضايا معروضة وصيغ بوضوح في الفرمانات البابوية) كان متوقّعا أن تتضمن كل محاكمة مدّعيا ومتهما يمثّلون هذين الجانبين، حضور الشهود، حضور المسجلين للوقائع مثل القساوسة، مسؤولين عن سير النظام ومحامون من يسجلون أسماء الحضور في المحاكمة، وما يقال في المحاكمة، والوثائق المعروضة، وغيرها. تأسست هذه العناصر كإجراءات قانونية في نهاية القرن الثاني عشر، وكانت كلها قد نسجت وتم العمل عليها من قبل علماء قانونيين ارتبطوا عادة بالمدارس والجامعات التي كانت طور النشوء. ولم يتم العمل عليها بوصفها “ممارسات عرفية”، بل كانت متضمنة في أعمال مرجعية مكتوبة استُخدمت في المحاكم العلمانية والمحاكم الكنسية عبر القارة الأوربية.

يمكن للمرء في هذا السياق أن يقرّ بأهمية تعافي تقليد القانون المدني الروماني في القرن الحادي عشر، وهذا يمكّن أحدنا من افتراض أن هذه النقطة بالتحديد هي ما أشعل التحول الكامل في الثورة القانونية الغربية التي رسمنا خطوطها أعلاه. وبأي طريقة يرى فيها المرء هذه التغيرات، فهي دليل على أن المؤسسات الأوربية كانت تتحول من الأعلى إلى الأسفل، خلال هذه الفترة، على الأكثر بين 1100 إلى 1450 كان هناك تحول مفصلي والنتيجة كانت ابتكار البنيات الكامنة للحداثة التي دفعت أوروبا للصعود عبر الثمانمائة سنة القادمة.

لم يحصل شيء كهذه الثورة القانونية في العالم الإسلامي خلال هذه الفترة. لم أجد أي دلائل تشير لوجود كيانات مستقلة قانونيًا في العالم الإسلامي، كمدن وبلدات تتمتع بالحكم الذاتي، أو محاكم مستقلة، أو حتى منظمات مهنية للأطباء والمحامين مثلًا، في فترة ما بين 850 إلى 1350. لسنا هنا بصدد مناقشة صحة عبارة “ما لم تأتِ الشريعة بتحريمه فهو مباح”. الواقع هو أن مفهوم الشخصية المؤسسية، “المؤسسة” أو “الكُلّ” قد تم التعامل معها ككيان واحد، ضمن مجموعة واسعة من الحقوق القانونية التي لم تظهر في القانون الإسلامي بما في ذلك الحكم الذاتي. ولم يكن للأوقاف، والتي ستتم مناقشتها أدناه، هذا النوع من الاستقلالية القانونية.

أوضح مثال على هذا الوضع المختلف جذريًا في الشريعة الإسلامية يُرى في قانون الشراكات. الذي ينطوي عليه انتهاء الشراكة في حالة وفاة شريك في اتّفاق تجاري أو انسحابه منه. وعلى النقيض من ذلك، فإن الشركات الأوروبية تعيش إلى الأبد في القانون بغض النظر عن عدد “الشركاء” الذين يستمرون أو ينسحبون. لدى الشركاء في أوروبا قدرًا من الحكم الذاتي، وبإمكانهم سن قوانينهم وأنظمتهم الخاصة، وهذا مما لا يمكن تنفيذه ضمن الشريعة الإسلامية.

قد لا يلزم التأكيد على حقيقة أن الشريعة مكونة من القرآن والحديث، بالإضافة لاسترشادها بقوانين مؤطرة مثل الإجماع والقياس، على الرغم من رفض بعض الفقهاء للقياس، وترجيح كفة التفسير الحرفي عليه. وبناءً على ذلك، لا يمكن للمرء “سد الثغرات””الموجودة في النظام القانوني الحديث ببساطة عن طريق الحجة القانونية. يجب على الفقيه أن يثبت أن ما يزعم بأنه قانوني “ضمن الطريق الصحيح”يتوافق تمامًا مع القرآن والحديث، بالإضافة إلى إجماع العلماء، على الأقل في مذهبه.

هذا نهج مختلف تماما عن نظيره من القانون الأوروبي. يسمح القانون الأوروبي ( المدني والكنسي) بإنشاء جميع أنواع “الحقوق”الجديدة، كتوكيل محامٍ مثلًا؛ للاطلاع على السجلات المصرفية الأصلية وفحصها لإنشاء كيانات قانونية كمحاكم التجار، والجمعيات المهنية للأطباء والمحامين، وما إلى ذلك. ولا أعرف أي أمثلة لهذا النوع من الاستقلال القانوني في القانون الإسلامي المبكر.

في الوقت نفسه، طور الأوروبيون فكرة “القانون الطبيعي” التي تنطبق على جميع الشعوب، وتتجاوز الكتاب المقدس. ويمكن التوصّل لهذا القانون من خلال التعقُّل، والتفكير، والاستدلال. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت هذه الأفكار القانونية الحديثة قانونًا منذ القرن الثاني عشر فصاعداً، قام الكهنة بجمع وتنظيم هذه الأحكام القانونية، حيث تم إنشاء نظام من السوابق القانونية التي أتت من العملية القانونية لبناء العدالة، باللاتينية أوردو يوديتشاريوس (ordo iudiciarius).لم يحدث مثل هذا التنظيم والتشريع للإجراءات القانونية في القانون الإسلامي خلال هذه الفترة. بالإضافة إلى ذلك، كانت الممارسة القانونية الإسلامية تعارض بشكل قطعي فكرة إنشاء سوابق قانونية: من المفترض أن “يجتهد””الباحث القانوني الذي يعمل كقاضي ليصل لقراره القانوني الخاص به، ولم يتم جمع الأحكام القضائية بشكل منهجي.

 

السؤال الرابع: كما سبق الذكر، فقد خلقت الثورة القانونية الأوروبية مجموعة واسعة من الكيانات المستقلة ذاتيًا، كالجامعات التي يحق لها إنشاء قواعدها وأنظمتها الخاصة، وشراء وبيع الممتلكات، وما إلى ذلك، وقبل كل شيء، أنشأت فضاءً ثقافيًا وقانونيًا محايدًا نسبيًا يمكن من خلاله إجراء بحث علمي وفلسفي خالٍ من التدخل السياسي والديني. كيف كان هذا مختلفًا عن الوضع في العالم الإسلامي؟

كانت المؤسسات التعليمية في الإسلام، دينية بشكل أساسي كما أشرت في دراستي. فقد كانت تستند إلى ميثاق محدد يتضمّن تفصيل تنظيمها، ومصدر تمويلها، ورئاستها، وموضوعاتها الدراسية، وهكذا. وبمجرد رسم هذه الحدود، لا يمكن إجراء أي تغييرات على شكل المدرسة أو هيكلها (لم يكن هناك “مجلس أمناء” يمكن أن يقوم بتغيير أو إصلاح، ولم يكن هناك “هيئة تدريس” رسمية.)كما كان القصد منها التزاما كاملا بروح ورسالة الشريعة. بعد تطبيق هذا التصور، تم تصميم هذه المدارس للحفاظ على العلوم “الدينية” أو “الموروثة” وتمريرها، وهذا يعني دراسة الشريعة الإسلامية وعلومها المساعدة مما يشمل التفسير القرآني، ودراسة الحديث وقواعد اللغة العربية، وأصول معاني كلمات، والأنساب العربية. تم استبعاد علم الفلك والفلسفة اليونانية والعلوم الطبيعية، باعتبارها علوم “أجنبية” أو غريبة،كانت هذه المدارس تعتمد على الحفظ بدرجة أولى.

وكانت أبرز نتيجة لذلك أن تصبح دراسة العلوم الطبيعية شيء يحدث بشكل خاص، من خلال التدريس خارج المدارس، وبالتالي، ازدهر علم الفلك والعلوم الطبيعية فقط تحت دعم ورعاية من الدولة. ومن الأمثلة على ذلك علماء مثل الفارابي، وابن سينا، وابن الناصر. وفي نفس الوقت، أسهم بعض الأطباء الذين كانوا يدعمون أنفسهم في انتشار الفلسفة الطبيعية اليونانية في العالم الإسلامي، وحققوا بعض التقدم، مثل ابن النفيس وابن القف. وكما ذكرنا سابقاً، كان التقدم الأقوى ريادة ابن الهيثم في علم البصريات. وتلاشى التقدم في مجال البصريات في العالم الإسلامي بعد وفاته، لاسيما مع عدم وجود طلاب له، بينما بالمقابل أثّر عمله بشكل كبير على الأوروبيين وحفزهم.

وبالمثل، وكما أشرنا سابقًا، كان عمل ابن الشاطر في علم الفلك مبتكرا، ولكنه لم يكن ثوريا لأنه بقي مقيدًا بحدود الكون المتمركز حول الأرض. بالإضافة إلى ذلك، بما أن السعي وراء علم الفلك يقع خارج المدارس، لم يكن هناك أتباع لابن الشاطر المؤقِّت، تم وضع الأُطر المحددة للبحث العلمي بشكل رئيسي ضمن المفهوم الضيق للمدارس كما تصورها علماء الدين الذين ظلوا متشككين وغير داعمين بشكل عام للعلوم الطبيعية.

لم يكن لدى هؤلاء العلماء قاعدة مؤسسية للعمل المتواصل، وفي النهاية لم يولدوا “ثورة علمية”، بالرغم من ابتكاراتهم وإبداعاتهم. والأهم من ذلك كله، أنهم لم يظفروا بوجود مساحة مؤسسية محايدة للبحث العلمي غير الموجّه، حيث يمكن لعلماء الطبيعة في المستقبل أن يواصلوا تساؤلاتهم. خلال ذلك، ظن العديد من العلماء أن هذه الدراسات معادية للدين. حتى المراصد الشهيرة التي ازدهرت لفترة من الزمن تُرِكت لتتحلل أو ليُقضى عليها من قبل معاديها.

 

السؤال الخامس: وكيف كان الأثر في عصر النهضة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر؟

يمكن لأحدنا افتراض تأخر الاستجابة لكل هذه التفاعلات في الجامعات الأوربية وحلقات العلم، والتي نضجت أكثر بفعل التراث اليوناني الذي جلب من بيزنطة، وأسبانيا، والعالم العربي والإسلامي، مع أخذ عصر النهضة في القرن الرابع عشر والخامس عشر بعين الاعتبار. ضمن الجامعات، كان التحوّل الفكري مرتبطا ببرامج الدراسات التي ركّزت على دراسة قواعد اللغة، التركيب، الشعر والتاريخ والتفكير الأخلاقي. كان المقصد منها تنمية وتطوير حس عالٍ من التعبير في الكتابة والكلام، مع حس مستمد من الأفكار الإنسانية القديمة. كانت هذه هي التربة الخصبة التي نمى فيها الاهتمام الجديد بالفلسفة والعلوم الطبيعية والتي كان لها جذور مختلفة ناقشناها سابقا، أتت عن طريق كتب الفلسفة الطبيعية الأرسطية وتمازج الأفكار المنطقية الأفلاطونية في الطيماوس.

إن سؤال إعادة التكوين الديني والإصلاح البروتستانتي مهم بحد ذاته. كان هناك اتصال مستمر بين المناهج والأساليب وبين الأسئلة التي طرحها الإنسانيون والإصلاحيون الأوائل الذين ولدت حركة الإصلاح البروتستانتي على أيديهم. ومناقشته مسبقا على كل حال، ليس أنه لم تكن هناك حاجة لحركة إصلاح ما، بل كانت مناقشتي أن “إيثوس العلوم_ منطق العلوم” كان قد تطوّر مسبقا في الجامعات، قبل (1650) على سبيل المثال. في هذا المنطق المتميّز بالسؤال المحايد غير المنحاز ملهما لطلبة الجامعات عبر أوربا الغربية، والنتيجة أنه يمكننا إعداد قوائم من الإسهامات للثورة العلمية والاختراعات، والتي كانت قد ولدت أو ازدهرت في نطاق واسع من البلدان الأوربية. يشمل هذا علماء في إيطاليا، فرنسا، إنجلترا، الدانمارك، ألمانيا، هولندا، بولندا وغيرها (راجع جدول 10.1 في الطبعة الثالثة من كتابي فجر العلم الحديث).

بالنظر إلى هذه الخلفية، والتشكيلة الواسعة من الاكتشافات العلمية التي سبقت ظهور المجتمع الملكي في لندن ، يظهر بوضوح أن الحركة العلمية انتشرت عبر أوروبا ، ويعود فضل ظهورها مجددًا إلى البروتستانتية. لاحقا، وعلى كل حال، كان هناك أدّلة تقترح أن العلماء الشباب في البلدان البروتستانتية كان عندهم رغبة أكثر إلحاحا في دراسة العلوم الطبيعية أكثر من القانون، الفلسفة والإنسانيات. في نفس الوقت، من المقبول أن نقترح أنه في القرن السابع عشر في إنجلترا كان الحافز البروتستانتي للبحث العلمي يعلن عن نفسه كما اقترح ميرتون، ولكن جذور العلوم الحديثة كانت قد شوهدت من قبل.

 

السؤال السادس: قلت في كتابك أن التجريبية كانت ترجع الفضل عادةً لحركة النهضة، مع إغفال أي اعتبار لأنماط المنطق التجريبي التي شق طريقها العلماء العرب كابن الهيثم. هل يمكنك إفادتنا في هذه النقطة؟ هل اختلفت الأساليب والمناهج العلمية العربية عن تلك التي كانت في الغرب؟

منذ العصر الذي بدأ فيه مؤرخو العلوم البريطانيون والأمريكيون النظر في احتمالية وجود أي إسهام للكتّاب العرب في فهمنا للمنهجيات والأساليب العلمية والتجريبية، أشاروا إلى أعمال ابن سينا وغيره من الممارسين الطبيين، كما أشاروا إلى التقنيات المتقدمة لعلماء الفلك والعاملين في البصريات الذين كانوا قادرين على أن يمارسوا شيئا شبيها بالتجارب العلمية. كما تمت الإشارة مسبقا، كان أ. آي. صبرا هو من سعى بجهد لجمع كل الأعمال الأصلية لابن الهيثم في البصريات، ومن ثم ترجم أغلبها. لقد ترتّب في الحقيقة على كل هذا العمل وعلى ترجمات صبرا المتعاقبة أننا بدأنا نعرف كيف فهم ابن الهيثم مفهوم الكاميرا، والعدسة، والأساليب التجريبية. على الرغم من ذلك، فقد قام العلماء الأقدم منه مثل برنارد غولدشتاين (Bernard Goldstein)وجورج صليبا بالتدوين حول استخدامات النظرية والملاحظة في العلوم الفلكية في العصور الوسطى، وظنوا أن بعض العلماء في الشرق الأوسط رأوا نوعا من التوازي أو التشابه بين الملاحظة الفلكية وغيرها من أنواع البحث العلمي.

في الوقت الذي يمكننا فيه القول بأن بعض ممارسي الطب وعلماء البصريات في الشرق الأوسط قد استخدموا بالفعل تقنيات تجريبية، مثل حبوب المحفزات النفسية (placebos) والمنبّهات النفسية، لكن الأمر يبدو أكثر إشكالية في حالة الملاحظة الفلكية ودور ابن الشاطر. حين نأخذ بعين الاعتبار البيانات البطليمية المنسوبة إلى بطليموس، بالتأكيد سيبدو الفلكيون العرب والمسلمون قادرين على التنبؤ بمواقع النجوم والكواكب، ولكن حين يتعلق الأمر بجمع ملاحظات جديدة، يخلو السجل التاريخي مما يدعم وجود هذا الإجراء العام. عمل الفلكيون العظماء مثل الطوسي وابن الشاطر وغيرهم وفقا لنماذج تفترض مواقع النجوم والكواكب، وهذا مما يمنح افتراضات جيومترية قياسية جازمة، مع استخدام البيانات البطليمية، ربما يكونون قد حاولوا أن يبنوا نظاما جديدا مبنيا على البيانات البطليمية الموجودة مسبقا. بالإضافة إلى ذلك، كان على العلماء أن يبدؤوا برنامجا بحثيا يستمر ثلاثين عاما، حيث يدور الكوكب ذو الدورة الأطول حول الشمس وهو زحل، أو أن يراقبوا نصف دورة للكوكب وهي خمس عشرة عاما، في محاولة لتحسين ملاحظاتهم حول الكواكب. كان ملاحظو مرصد مراغة غير قادرين على إكمال دورة كاملة، وأخفقوا بالتالي في تسجيل أي ملاحظات ذات قيمة.

وكما يجزم المؤرخون في مجال الفلك فإن جداول بطليموس بقيت دون تغيير حتى زمن كوبرنيكوس. وعليه فإن جداول الفونساين (التي تمت مراجعتها في أسبانيا عام 1252تقريبا)كانت في الحقيقة مطابقة لتلك البيانات الموجودة في جداول بطليموس كما أشار الباحث أوين غينغرتش (Owen Gingerich) وبالتالي، كان الفلكيون من العرب والمسلمين يقومون بتعديل البارامترات وفقا للنماذج السابقة، ولم يكونوا يجمعون ملاحظات مركزة وجديدة. فلم تظهر حركة جمع ضخمة لبيانات فلكية جديدة حتى عصر أولوغ بق (Ulug Beg المتوفى سنة 1449م) وفريقه في سمرقند، وعلى الرغم من ذلك فهم لم يتمكنوا من تخطّي أو تجاوز بطليموس وكنتيجة لذلك، كانت النتائج الأكثر دقة والملاحظة بواسطة العين المجرّدة من نصيب تيكو براهي (Tycho Brahe ) توفي عام  1601، في الربع الأخير من القرن السادس عشر.

باختصار، كانت أعمال ابن الشاطر مبنية على إنشاء فرضيات رياضية مختلفة لقياسات الكواكب. فقد كان لديه نماذج موحّدة المركز للكواكب، أي نماذج مبنية على مركزية الأرض، وبناء عليه كان قد استبعد فكرة البطليموسية الثورية، الدوران حول مركز، equant، كما كانت نماذجه للكواكب مطابقة لتلك التي قدمها كوبرنيكوس، وبالنتيجة فإن كوبرنيكوس وحده من استطاع أن يضيف الإضافة الضرورية والتعديل الضروري الذي بسببه حصلت القفزة إلى عالم مختلفٍ تماما وشمسيّ المركز .

بُنِي اكتشاف كوبرنيكوس العظيم على التفكير خارج الصندوق، كان هناك جهاز متوازي أضلاع (انظر الصفحة 72، من الطبعة الثالثة(يعود إلى اليونانيين، وكان معروفا عند عديد من الفلكيين المسلمين، من بينهم القوشجي، توفي عام 1474، والذي كان قد عمل مع الفلكيين في سمرقند. وقد استعمل هذا الجهاز الفلكي الأوربي المتألق ريغيومونتانوس Regiomontanu المتوفى عام 1476، وقد كان عمله معروفا عند كوبرنيكوس. كانت عبقرية الأخير تكمن في قدرته على رؤية أن مدارات الشمس يمكن عكسها باستخدام هذا الجهاز الجيومتري، وكانت نتائج الملاحظات لتكون نفسها لو كان بإمكاننا الافتراض بأن الشمس قريبة من مركز العالم والأرض تدور حولها، بحسب كوبرنيكوس. وإذا فعلنا ذلك ستصبح كثير من الألغاز الفلكية ممكنة الحل.

هذا يشمل الترتيب النسبي للكواكب حول الشمس ، بناءً على المعتقدات في تلك الفترة الزمنية، كما يشمل التخلص من اللغز الغامض حول الحركة التراجعية التي تُلاحَظ كلما وصلت الأرض إلى سرعة النجوم الثابتة التي تبدو وكأنها تتراجع. وهذه نسخة مختصرة من ثورة كوبرنيكوس.

لم يكن ابن الشاطر ولا من جاء بعده من نفس ديانته، كالقوشجي وشمس الدين الخفري ، المتوفى عام 1550، قادرين على أن يصلوا إلى تلك القفزة في الخيال باستخدام نفس البيانات التي استعملها كوبرنيكوس.

من وجهة نظر سوسيولوجية،كان العائق الأساسي للتقدم العلمي عند المسلمين حقيقة أن الدراسة الرسمية للفلك لم تكن لها مؤسسات معترف بها، إذ لم تُدرّس في المدارس، وكنتيجة لذلك تعرض العمل المهم الذي قدمه ابن الشاطر للإهمال من العالم الإسلامي، وبقي غير معروفٍ للعالم الغربي حتى الخمسينات الميلادية حين وجد أعماله مؤرخو العلوم الأمريكيون وبدؤوا بدراستها. ربما كانت هناك نقطة غامضة وهي أنه في حين اقترح كوبرنيكوس أن الشمس قد تكون هي مركز الكون، كان يعرف أن الآراء العلمية المعاصرة له كانت ضده تماما. وكنتيجةٍ لذلك قام بفحص الملاحظة التاريخية للعلماء المتقدمين والذين كانوا ربما قد توصلوا إلى إيمان قريب لفكرة مركزية الشمس لكوننا، ورأى كوبرنيكوس أن بإمكانه استخدام آرائهم لدعم اكتشافه. كانت فكرة أن عالمنا متمركز حول الأرض متجذّرة في الرؤية الإسلامية للكون، كما كانت مدعّمة بالتفسيرات التقليدية للقرآن. بالإضافة إلى ذلك، كان العلماء المسلمون الذين قدموا في وقت لاحق في القرن التاسع عشر قد أنكروا فكرة حركة الأرض.

كما أن حقيقة كون المدارس دينية في مجملها، وكون تعليم العلوم البحتة بشكل محايد بعيد عن الدين محرّما فيها، قد أسهم في جعل العلماء المسلمين في تلك الحقبة أقل حماسا من أن يتخيلوا عالما شمسي المركز تدور فيه الأرض حول الشمس.

 

السؤال السابع: كان لدينا تاريخيًا حضارة قسنطين والإمبراطورية الرومانية، والنبي محمد والحضارة العربية. هل تعتقد بوجود علاقة بين اللاهوت والنهضة؟ وإن كان كذلك فماذا عن الحضارات اليونانية والصينية، والهندية؟

يعد موضوع اللاهوت أكثر تعقيدًا بمراحل مما يوحي به اسمه البسيط. من وجهة نظري فإن علم اللاهوت، كما ورد سابقا، تكوين غربي فريد، تم إنشاؤه عن طريق دمج الفلسفة اليونانية والتعاليم المسيحية. وقد بدأ بالفرضيات التي تنفرد بها نتائج ارتباط اليونانية بالمسيحية، لدراسة طبيعة وخصائص الإله، وكان هذا المبحث غريباً إلى حد كبير على الفكر الصيني والإسلامي. أشار عدد من الباحثين الصينيين مثل تو وي مينج Tu Wei Ming إلى أنه لا يوجد لاهوت في الفكر الصيني الكلاسيكي، ويرجع ذلك لعدم وجود تصور لإله أوحَد في ذاته في هذا الفكر. بالإضافة إلى ذلك، لم يقم المفكرون الصينيون بتطوير “الديالكتيك”، أو علم المنطق، كما فعل فلاسفة اليونان.

وعلى الرغم من وجود كلمة عربية لعلم اللاهوت، وهي علم الكلام، فإن مصطلح الكلام حرفيًا أقرب لتعريف “الجدل” أو “الخطاب”. النقطة الأساسية هنا هي أن علم الكلام كمبحث بقي دائما ثانويًا بالمقارنة مع الدراسات الفقهية، وكان ينظر إليه كحجة ضد أولئك الذين تحدوا الخطاب الإسلامي التقليدي بدرجة أولى. ولم يُنظر له على أنه أداة لاكتشاف طبيعة الإله أو صفاته، بل بقي مبحث ثانوي أقل شأناً من الدراسات الدينية والفقهية. وهذا يتناقض بشكل ملحوظ مع العلماء المسيحيين في العصور الوسطى الذين زعموا أن علم اللاهوت “ملك العلوم”. كانت المناقشات اللاهوتية ذات أهمية كبرى في إحداث تغيير ديني وفكري في الحضارة الغربية والمسيحية الغربية، حتى أنه يعد صعبًا الحديث عن اللاهوت خارج هذا المجال.

ولا ضير من إحالة القارئ إلى دراسة كلاسيكية لأجل فهم أعمق لهذه القضايا، ولا سيما لفهم دور “الكلام” في الفكر الإسلامي؛ “العلم والفلسفة في اللاهوت في العصور الوسطى: دليل القرن الرابع عشر (Zeitschrift für Geschichte der Arabisch-Islamishen Wissenschaften)، مجلة تاريخ العلوم” العربية الإسلامية 9 (1994): 1-42.

 

السؤال الثامن: لم تكن تلك الثورات أو الظواهر التي اعتبرتها مهمة وأساسية في عملية ازدهار العلوم الحديثة، مثل الثورة القانونية، التحوّلات الفكرية المفصلية، الإيمان بعقل الإنسان والطبيعة، ظهور البحث في اللاهوت مع تساؤلاته العلمية، ظهور الجامعات كمؤسسات مستقلة مما منح موطنا للمجتمع العلمي وفضاءً للخطاب العلمي.. وغير ذلك قد وُجِدت بعد في روسيا العصور الوسطى. اتّصلت روسيا بالعلوم الأوربية عندما تم استيرادها في القرن الثامن عشر؛ وكان يتم السعي لطلب لعلم وإجراء البحث العلمي بشكل مستقل في روسيا، كما كانت العلوم الروسية قد توصلت إلى تطور ملحوظ، رغم أن الإطار الثقافي والسياق المؤسسي كانا مختلفين بشكل جذري عنهما في الغرب. هل يمكننا أن نعتبر العلم الذي وجد أصلا في الغرب هو العلم المتفرّد الذي يملك “معامل تمدّد”كبير، بحسب مصطلح دوركهايم وموس؟ أين تقع تلك العوامل والشروط لذلك التمدد الناجح؟

تشير جميع المكونات المفقودة المذكورة في السؤال إلى سبب عدم قيام روسيا بأي دور في الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ويجب بالتالي التنبيه على الفارق المهم بين نشوء العلوم الحديثة في المقام الأول، وبين المحاولات المتأخرة لتبني وتقليد البنية الثقافية والمؤسسية لتلك العلوم بعد تأسيسها لجعل الثورة ممكنة.

وجد الصينيون في مطلع القرن الحادي والعشرين نظاما متكاملا من العلوم والتقنية والهندسة والطب تم تطويره في الغرب بحيث يمكنهم استيراده بشكل كامل عبر مسارات متعددة. بعبارة أخرى، كان الشباب الروس المتحمسون في القرن التاسع عشر قد بدؤوا في ارتياد الجامعات الأوربية، وباتباع هذا التقليد قاموا بنقل العلوم المؤصلة في الغرب والافتراضات الميتافيزيقية إلى روسيا ومؤسساتها العلمية العالية الجديدة.

كانت نتيجة اتّباع العلوم الغربية في روسيا ملحوظةً ومتفوّقة بحيث لم تزعم روسيا وجود إرث علمي من المنجزات كما زعمت الصين والعالم الإسلامي. يمكن للمرء فقط أن أن يخمّن أن البيئة المسيحية في روسيا الأرثودكسية تحديدًا، كانت بيئة ميسّرة وداعمة لبدء تعليم علمي حديث.

إن كان بإمكان المرء مقارنة الإنجازات الروسية في القرن التاسع عشر بمنجزات العالم الإسلامي والصين والهند فإن إنجازات روسيا كانت لتتفوّق. كانت الفوارق بين إنجازات روسيا الحديثة العلمية بما أنجزته الصين والعالم الإسلامي والهند بلا شك تشكّل سؤالا لمؤرخي العلوم المستقبليين وعلماء الحضارات المقارنة. كيف أمكن للباحثين الروسيين أن يتجاوزوا العالم الإسلامي والصين في البحث العلمي بأقل من قرن، بينما زعم أنصار تلك الحضارتين وجود تاريخ طويل من البحث العلمي؟

إنه لمن المفاجئ على كل حال حصول عدد قليل من العلماء الروس السوفياتيين على نوبل العلوم الطبيعية بما فيها العلوم الطبية، في القرن العشرين.هذا يتعارض مع حصة سويسرا من الفائزين، والذين يعدّون حوالي عشرين فائز رغم قلة عد سكانها الذي لايتجاوز ستة ملايين.  وبناء على التصنيف الجامعي، فإن روسيا لم تدخل بعد في مصاف ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، أو الولايات المتحدة، رغم أن لديها عددا من السكان يفوق أغلب تعداد هذه الأخيرة. وفوق هذا، تضمنت التقارير السوفياتية الرسمية تقديم المؤسسات العلمية السوفياتية لماهو أكثر مما قدّمته البلاد الأوروبية مجتمعة. كما كانت أكبر بمرة ونصف مما كان في اليابان. وقد أخبر مسؤول من هيئة الدولة للتخطيط في غوسبلان بأن معدل إنتاجية العالِم الروسي كانت أقل بأربع مرات من معدل إنتاجية العالم الأمريكي. وهذا يقود للاقتراح بأن الحالة الآيديولوجية السوفياتية والفكرية لم تكن بيئة مناسبة لإنتاج بحث علمي واختراعات، بالإضافة إلى ذلك، هنالك عالمان مسلمان فقط كانا قد حازا على جائزة نوبل في العلوم، هما الباكستاني عبد السلام والمصري أحمد زويل.

وباختصار، يؤدي حرمان العلماء من حرية البحث وعدم دعمهم رسميا واجتماعيًا إلى الحد من الإنجازات العلمية. ويمكن للعلماء كفئة اجتماعية، بمستوياتهم العالية من التعليم والتحصيل الفني، أن يكونوا أكثر احتمالية للتنقل، مما أدى إلى ظهور فكرة” هجرة الأدمغة” المتمثّلة في انتقال الموظفين المؤهلين تأهيلا جيدًا جدًا من بلد لآخر. وقد حدث ذلك لألمانيا النازية مع العديد من العلماء الهاربين إلى إنجلترا والولايات المتحدة، وبالمثل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ظهرت فرص للهجرة تمكن العديد من العلماء من الفرار إلى الغرب، وإثراء مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.

وكما اقترحت في السؤال الثاني، أختتم من وجهة نظر اجتماعية بأن هناك ما يمكن أن يسمى بالافتراضات الثقافية والميتافيزيقية التي يجب أن تكون موجودة لاستمرارية البحث العلمي، ولإمكانية شعب معين على تحقيق إنجازاته الفكرية القصوى. وهذا يتضمّن ترتيبات قانونية ومؤسسية ضرورية إذا ما أريد تمكين الباحثين من متابعة أبحاثهم على المدى الطويل دون فرض ضوابط سياسية أو دينية. ويجب أن تنطبق حرية التعبير هذه بالتساوي على العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبيعية لمنع التضحية بالمعلومات، الجيدة والسيئة لأغراض سياسية. وقد لا يؤدي قمع العلماء إلى القضاء التام على المشروع العلمي في بلد ما، ولكن من المؤكد أنه سيقلل من الإنتاج العلمي إلى حد كبير، وسيحفز العلماء على الإقلاع عن الميدان أو الهجرة. ومع ذلك، لا بد من القول بأنه في عالمنا المعاصر، لا غنى عن العلم وبصيرة العلماء فيما يتصل بالاقتصاد الحديث والحكومة الفعالة، والفهم السليم للبيئة. وبدون العلم، من المحتمل أن تتضرر هذه المجالات، والأشخاص المهتمين بها.

وهكذا يبدو أن العلم الحديث لديه “معاملات تمدد” معينة للأسباب المذكورة. ومع ذلك، فإن هذا التمدد مرتبط بالشروط التي أشرت إليها في المناقشة السابقة. تاريخ استيراد العلم الحديث إلى روسيا في القرن الثامن عشر، كما هو مقترح، هو حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. في العصر الحديث، كتب علماء الاجتماع والمؤرخون الاجتماعيون حول انتشار العلم في جميع أنحاء العالم، إلى المستعمرات الأوروبية أولًا ثم إلى غيرها، وآخر عمل أعرفه تماشى مع هذه الفكرة هو مؤلَّف لويليام برنز William E. Burns الثورة العلمية في المنظور العالمي (أكسفورد، 2016)، ولم يكن نقيًا تمامًا من الخطأ. وقد أُعطي هذا التمهيد للتحليل المقارن لانتشار العلوم وصفًا هاما من قبل جورج بسالا George Basalla مرة أخرى في 1967 “نشر العلم الغربي” (Science #3775 [5 May]: 611-622).

وإذا نظرنا إلى العلم الحديث كجزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية، فسيصعب فهم كيفية نقل عناصر المؤسسة العلمية إلى حضارات أخرى – تختلف عن غيرها من البلدان الغربية، وأقل تطوّرًا. كان العلم الحديث على مدى السنوات الأربعمائة أو الخمسمائة الماضية نتاجا للحضارة الغربية، ولكن السؤال في هذا المنعطف من التاريخ هو ما إذا كان يمكن نقل هذا المركّب الحضاري بنجاح إلى حضارات أخرى، إلى العالم الإسلامي والهند، والصين.

وقد يقترح البعض أن مركز الابتكار العلمي يمكن أن ينتقل إلى آسيا أو إلى موضع آخر غير غربي . هذا ما يتبقى اكتشافه. وأكثر المشاكل إشكالية هنا هو المسار المستقبلي للإنجاز العلمي في الصين. قد تصبح نهضته العلمية كبيرة، كما هي في روسيا أو أكبر، ولكن هل ستتجاوز إنتاجية هذا العلم وإنجازاته العلمية تلك التي في روسيا؟

ويمكننا تأكيد انتقال تطبيق العلوم الحديثة بنجاح إلى روسيا، وبأن العلماء الروس لديهم العديد من النجاحات والإنجازات التي تُذكَر لهم. لكن كما هو ظاهر، تشير مختلف مقاييس الأهداف إلى أن آداء روسيا العلمي منخفض نسبيًا، وذلك بالرغم أن لديها مستويات عالية جدًا من التمويل، بالإضافة إلى وجود قاعدة علمية وتكنولوجية كبيرة جدًا، وإلى وجود روسيا في مقدمة صفوف العلم الحديث في القرن العشرين.

تم تقديم وصف تاريخي مؤثر للقمع الروسي الرسمي من قبل لورين جراهام (Loren Graham)في سيرته الغيرية القصيرة عن بيتر بالشنسكي ( Peter Palchinsky) واشار غراهام إلى أنه من بين الاتهامات الأخرى الموجهة اليه، أُعدم بالشنسكى تحديدًا لجهوده ومحاولاته في إقامة “مهنة هندسية مستقلة ومؤثرة”. ونظرا للظروف الاستبدادية التي سادت، لم يكن لجهوده “فرصة للنجاح في الاتحاد السوفياتي الذي يسيطر عليه ستالين “.

لقد تم إسكات العديد من منتقدي النظام الحالي. وبقي الحال كما هو بالنسبة للعمل الدؤوب من العلم على المدى الطويل لوضع الضمانات القانونية التي تنشئ الاستقلالية لجميع الباحثين. وتم منح الاستقلال القانوني لمجموعة متنوعة من المجموعات الاجتماعية والسياسية والخيرية والمهنية منذ القرن الثاني عشر والثالث عشر في أوروبا. على سبيل المثال، قام كل من الأطباء والمحامين بتشكيل جمعيات مستقلة قانونياً سمحت لهم بوضع قواعدهم وأنظمتهم الخاصة، واستمر احترامها والأخذ بها لعدة قرون. في المقابل، يبدو أن روسيا مختلفة تمامًا في حمايتها الضعيفة جدًا لحقوق الإنسان وحرية التعبير. تم وضع العراقيل باستمرار إلى أجل غير مسمى وذلك في ظل اقتصاد متدهور، وعدم وجود ضمانات لحقوق الإنسان، ووجود نجاحات متقطعة في حقول العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات فقط.

 


السؤال التاسع: ذكرت في كتابك بأن بعض الباحثين، مثل فيرن بولو (Vern Bullough) في عمله تطوُّر الطب كمهنة،قد تجاهلوا التأثير العربي. ما هي الأسباب لذلك برأيك؟

أرى أنه لما كتب فيرن بولو كتابه في أوائل الستينيات، لم تكن العديد من المصادر الجيدة عن الطب العربي متوفرة باللغات الغربية، وخاصة الإنجليزية. وبالتالي، كان من الصعب إيفاء المساهمات العربية في الطب حقها في ذلك الوقت. معرفتي بالوجيز من التاريخ الطبي الإسلامي كانت عن طريق العديد من الدراسات التي نُشِرت بعد عمل بولو.

السؤال العاشر: ناقشت في الفصل الثاني تأثير حظر الطباعة في المجتمعات الإسلامية على الحركة العلمية. مع أن الحظر كان مقصورًا على النصوص الدينية فقط، بينما كانت الفتاوى تجيز طباعة الكتب الطبية، مثلًا، فكيف أثر الحظر على الحركة العلمية؟

مناقشتي الأساسية لهذا الموضوع كانت في فصل حول ما أسميه “المناخ الثقافي” (cultural climates)، والذي حاولت فيه وصف العديد من العوامل الثقافية التي تؤثر سلبًا على العلوم العربية الإسلامية. أحد تلك العوامل الاجتماعية التي ذكرتها هو الالتزام بجعل الخطاب الفكري مفتوحًا ومتاحًا قدر الإمكان بدلاً من حصره على النخبة للمحافظة عليه. وهنا يبدو لي أن تاريخ ظهور الصحافة المطبوعة قد فتح آفاقاً جديدة للاتصال، وبالتالي شكلاً من أشكال التحول الديمقراطي للبحث والتقصّي. وقد تحدثت عن هذا في السياق التاريخي للتعاليم اليهودية والإسلامية التي كان من رسالتها أن التساؤلات الدينية والفلسفية يجب أن تبقى سرية، أو على الأقل ليست من شأن غير المتعلمين. وقد وضّح هذا الموقف ابن رشد في رده على الغزالي.

لما نشرت إليزابيث أنشتاين دراستها الكلاسيكية، الصحافة المطبوعة كعامل للتغيير: الاتصالات والتحوّل الثقافي في بدايات أوروبا الحديثة (1979، مجلدان) قدمت وجهة نظرها في هذه المسألة بحجة قوية تقول أن الصحافة المطبوعة ساعدت في تقدم العلوم الحديثة من خلال نشر الأعمال المهمة في تلك الثورة، وبالتالي إتاحة النتائج العلمية الجديدة لجمهور أكبر. توصّل الكثير من الباحثين إلى اعتقاد أن انتشار الصحافة المطبوعة كان نوعًا من الدواء الشافي، إن لم يكن الحافز الرئيسي للتغيير الاجتماعي والعلمي. فهناك شيء جديد ساعد على انتشار الأفكار العلمية الجديدة وعلى نشر المواضيع الاجتماعية والثقافية والفكرية التي مهّدت للثورة في المقام الأول.

وقد لوحظ بالإضافة إلى ذلك بأن الابتكار واستخدام تكنولوجيا الصحافة المطبوعة المتنقلة هو تقليد غربي وأن الكثير من أشكال الطباعة قد تم حظرها في البلدان الإسلامية، ولو بشكل غير مباشر. في الصين أيضًا لم تظهر الطباعة الحديثة إلا في وقت متأخر، على الرغم من أن الصين منشأ ابتكار الطباعة الخشبية (block/woodblockprinting) في القرن العاشر.

وبينما أتفق مع فضل الطباعة الحديثة على التواصل الحر وفتحها لأبواب جديدة في التساؤل والبحث، لكن الأمر ليس بالقوة التي كنا نعتقد في السابق، وذلك بسبب وجود مؤسسات أخرى تؤثر بشكل مباشر في هذا الموضوع سواء من حيث الحد أو الحث، كالمدارس والجامعات. ومن هنا أغفلت معظم تلك المناقشة في الطبعة الثالثة من الكتاب، سواء للأفضل أو للأسوأ.

بجميع الأحوال؛ يبدو على الأغلب أنه إذا كانت الصحافة المطبوعة متاحة بحرية في الشرق الأوسط في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، فإن انتشار ونشر أعمال مثل أعمال ابن الشاطر (التي ضاع معظمها) كان من شأنه تمكين معاصريه والأجيال اللاحقة له لإكمال ما بدأ به.

بالإضافة إلى ذلك، ليس من الواضح ما هو”ديني” وما هو”علمي” عندما يتعلق الأمر بمحتوى الكتب الفعلية. محاورة طيماوس (Timaeus)لأفلاطون مثلًا عمل رئيسي في الفلسفة اليونانية، ولها جانب مقلق لوجهة نظر عالمية تتمحور حول الفكرة عن الإله. ومع ذلك، فقد كان كتابًا مهمًا للغاية بالنسبة للأوروبيين في العصور الوسطى لأنه رسم فكرة فلسفية -كونية كاملة عن الإنسان، والطبيعة، والكون، والتي عُدّت جزءًا دائمًا من التوجه الميتافيزيقي والفلسفي الغربي. وفي المقابل، محاورة طيماوس لم تكن قد تُرجِمت بالكامل إلى العربية في القرن التاسع أو حتى بعدها بفترة، ماذا إن كانت قد تُرجِمت بالكامل في 1550؟ هل كانت ستؤثّر بشكل كبير على العلماء المحافظين الذين عارضوا مركزية الشمس وأفكار غربية أخرى.

 

السؤال الحادي عشر: لا يعتقد الغزالي أن هناك علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة. قلت في كتابك أن هذاينتزع جزءًا من إيمان عام بالقوى العقلانية للعوامل البشرية”. نرى بعض التشابه بين موقف الغزالي وهيوم. لماذا لم يمتلك هيوم الأثر العميق” الذي تمتع به الغزالي في الحضارة الإسلامية؟

كان لهيوم أثرًا عميقا بالفعل، وقد حثّ ذلك إيمانويل كانط لكتابة عمله الفلسفي العظيم، نقد العقل الخالص (1781) وهو بحثٌ قد قدم دفاعًا مختلفًا عن التحقيق العقلاني والعلمي.

ثانياً، جاءت تساؤلات هيوم الفلسفية بعد قرن تقريبًا من مبادئ نيوتن الرياضية للفلسفة الطبيعية (1687)التي أظهر فيها نيوتن العلاقات بين الأجسام السماوية والأرضية، أي الآثار الكونية للجاذبية. كان هناك بالطبع علماء طبيعيون قاموا بالتشكيك في أجزاء مختلفة من نظريته، لكن حجج نيوتن فازت لوجود مختلف أنواع الاختبارات التجريبية التي يمكن تجربتها، والتي تم إجراءها في إنجلترا ومختلف أنحاء القارة من خلال مجموعة كبيرة من فلاسفة العصر الطبيعيين. وبعبارة أخرى، فإن تطبيق العلوم قد أضاف لها بالفعل طابعًا مؤسسيًا يستند على المبادئ العقلانية التي تم تدريسها في الجامعات التي تدين بعمق لأعمال أرسطو وأفلاطون أجرى علماء القرن السابع عشر، وخاصة علماء بريطانيا، مجموعة كبيرة من التجارب البسيطة الظاهرية بنمط “”إذا قمت بذلك، فسوف تحصل على هذا.” على سبيل المثال، يمكن توليد الضوء عن طريق الاحتكاك بأسطوانة زجاجية دوّارة تم إغلاقها بإحكام. فقد أنار فرانسيس هوكسبي (Francis Hauksbee)غرفة كاملة بهذه الطريقة في 1706م. فقد تبين ارتباط درجة الحرارة والضغط الجوي. ومع ذلك، فقد تبدو هذه سببية مشكوك فيها فلسفيًا، فقد اقترحت مختلف النتائج التجريبية ما يتعارض مع ذلك، وذلك من قبل فلاسفة طبيعيين في القرن السابع عشر والثامن عشر.

 

السؤال الثاني عشر: بالرغم من زعم العديد من علماء تاريخ العلوم بأن الغزالي قد أضر بالحركة العلمية داخل المجتمعات الإسلامية، إلا أنه يوجد العديد من العلماء العظماء الذين استمروا بالظهور بعد الغزالي، مثل ابن النفيس، وابن الشاطر، وابن القف الكركي، والطوسي، وغيرهم. ما هو رأيك بهذا الصدد؟

يتمثّل الضرر الذي تسبب به الغزالي للحركة في إلقاء الشكوك على الإمكانيات والقدرات البشرية لاكتشاف بُنية العالم، لافتراضه بأن البشر يستطيعون الوصول إلى “فرضيات” عديمة الفائدة فقط. كانت المعرفة الوحيدة المؤكدة بالنسبة له هي الإيمان والدين. ويعد هذا موقفًا جيدًا إذا كنت تريد الحفاظ على معتقداتك في كل ما يتناوله القرآن من مواضيع، لكنه قد لا يكون جيدًا إذا كانت لديك شكوك حول علم الكونيات والجيولوجيا، وغير ذلك في القرن التاسع والعاشر. وغير ذلك؛ فقد ادعى الغزالي بأن التمسك بآراء فلسفية معينة يعد جرمًا، وأنه يمكن اتخاذ إجراء قانوني ضد المتهم. وبقدر ما نعرف، فإن هذا الأمر (العقاب الفعلي) نادر الحدوث، لكن الأثر النفسي لذلك كان موجودًا كعائق يجعل الباحثين حذرين جدًا بشأن ما يقولوه أو يكتبوه إذا كان قد يتعارض مع آراء المشائخ، الذين كانوا يملكون صلاحيات التأديب والعقاب حتى إذا لم يقوموا بإجراء رسمي صارم. وهذا قد يتماشى مع ما يعرف اليوم في العالم الغربي بـ الرقابة المسبقة (prior restraint) أو رقابة ما قبل النشر، والتي تمنع بعض أشكال التعبير عن الرأي قبل نشرها.

وبطبيعة الحال، لم تؤثر مخاوف الغزالي على جميع مجالات البحث، ولا سيما تلك الأشكال من الطب التي لا تتحدى وجهات النظر التقليدية أو المتّفق عليها من علماء الدين. إن حالات ابن النفيس وابن القف الكركي مثيرة للاهتمام لأنها بحثت في تساؤلات تتحدى البحث الطبي الصحيح من حيث أنها أجرت عمليات تشريح جزئية، وهو يعد أمرًا جريئًا جدًا. مازال ما قاموا به غير واضح، لكننا نعرف أن فحوصات ما بعد الوفاة التي من شأنها فعليًا تعزيز معرفتنا بجسم الإنسان، كانت محظورة في العالم الإسلامي حتى الربع الثاني من القرن العشرين. وعلى العكس من ذلك، قام الأوروبيون بإجراء مثل هذه الفحوصات بشكل روتيني منذ القرن الثالث عشر.

 

السؤال الثالث عشر: إلى أي مدى برأيك كان العلماء الطبيعيون العرب في صراع مع علماء الدين بالمقارنة مع أوروبا المسيحية قبل عصركوبرنيكوس؟ هل هناك أي أوجه تشابه بين تلك الحقبة وبين عهد الغزالي مثلًا؟

من المثير للاهتمام مقارنة المناخات الثقافية في أوروبا والعالم الإسلامي في فترة ما بين 1200 إلى 1500 ميلادي. لكن بمجرد أن ندخل إلى العمق، ستختفي معظم أوجه التشابه، خاصة فيما يخص الفلسفة واللاهوت والقانون.

كما وضّحت في الإجابات السابقة، فإن الثورة القانونية الأوروبية في القرن الثاني عشر، والتي ارتبطت فيما بعد بعودة القانون الروماني وتحوّلاته، كانت قد غيرت المشهد القانوني والثقافي الأوروبي بشكل كبير، خاصة بالمقارنة مع العالم الإسلامي.كان العنصر الأساسي في هذا التحول هو نهضة الجامعات، ودمج فلسفة أرسطو في المناهج الدراسية. أدرك علماء الدين أن الفلسفة اليونانية أثارت تساؤلات مختلفة حول الاعتقاد المسيحي، لكن النظرة العقلانية التي تشرّبوها قد خففت من حدة الصراع بين الدين والعلم.

بجميع الأحوال، كان هناك موقفًا أصدر فيه أسقف باريس ستيفن تمبير (Steven Tempier)إدانة لبعض الافتراضات الفلسفية في عام 1277. ومع ذلك، فإن إدانته لم تؤثر على جميع الجامعات، وكان تأثيره في باريس محدودًا.كانت قائمة الافتراضات الفلسفية التي أدانها أشبه بقائمة تسوق تحوي المواضيع الفلسفية التي يستحسن لكلّيات ومعاهد اللاهوت تجنب الخوض بها. لكن في النهاية، وبعد أن شُنّت مواجهات مباشرة، واصل معظم الباحثين دراستهم، في حين تم تشجيع البعض على نتقاداتهم لنقاط الضعف في فكر أرسطو.

الأهم في ذلك هو تضمين أعمال أرسطو في المناهج الجامعية، مع تحديد مواعيد وتواريخ لمناقشتها، وهذه الخطوة تمثّل صوت ورأي هيئة التدريس. وحينها كانت أساليب التفكير والبحث الطبيعية لأرسطو منتشرة على نطاق واسع مسبقًا.وبالنظر إلى هذا الوضع والتوقعات، فقد كان الأمر مختلفًا تمامًا عن المدارس التي كان فيها المُحَكِّم الأساسي هو الشريعة الإسلامية، بينما تم استبعاد الفلسفة الطبيعية اليونانية عنها على وجه الخصوص.

وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك كراهية عامة تجاه ما كان يُطلَق عليه مسمى “العلوم الأجنبية”، أي الفلسفة الطبيعية اليونانية. أثر هذا الرأي السلبي على دراسة علوم التنجيم والفلك (اللذان يصعب التفريق بينهما في هذا العصر.)ونتيجة لذلك، كان يُنظر إلى من يقرأ ويرسم الأبراج وحتى علماء الفلك الأكثر علمًا على أنهم خارجون عن الطريق. وعلى الرغم من هذه المواقف السلبية، فإننا نعرف أن هناك طلاب برزوا في علم الفلك، وأن المسلمين برعوا في بناء المراصد بينما كانوا يتابعون عملهم. وكانت مراصد مراغة، وسمرقند، واسطنبول هي الأكثر شهرةً، وانتهى كل منها إما بالتحطيم عمدًا أو بالإهمال المؤدي لتفكُّكها وعطلها. لم يكن شيئًا كهذا ليحدث في أوروبا        ضمن الفترة التي نناقشها)).

 

السؤال الرابع عشر: ذكرت مسبقًا الدور الذي لعبه الشافعي في الحد من دور العقل البشري. جاءت فترات التأليف في التاريخ الإسلامي بعد أن أحكم الحكم الاستبدادي قبضته على البلاد. بصفتك عالم اجتماع؛ ألا تعتقد أن علماء الإسلام، كالشافعي مثلًا، كانوا يكتبون أعمالهم متأثرين بفكرة أنهم يعيشون تحت حكم فاسد؟ وبالتالي وسعوا دور الفقه والفقيه بطريقة معينة، بحيث تُفتح للعلماء السبل اللازمة للحفاظ على المزيد من السلطة الدينية مقابل السلطة السياسية؟

تبدو فكرة “الدولة” في هذا السياق إشكالية بالنسبة لي. إذا كان المرء يعني ببساطة حكم شخص غير متدين لمنطقة محددة، فإن المعنى واضح. ومع ذلك، فإن الأسئلة المتعلقة بالسلطة الشرعية لتحديد المسائل الدينية والفلسفية يجب أن تكون ضمن نطاق تاريخي وثقافي خاص بالمسلمين. وقد أشار دارسو التاريخ إلى أن المسلمين في ذلك التاريخ لم يؤمنوا بالقانون الطبيعي كما فعل الأوروبيون، ولكنهم افترضوا أن الله وحده يستطيع أن يعطي قوانين بشرية وتوجيهًا أخلاقيًا مناسبًا. وقد أشار دارسو هذا التاريخ إلى أن المسلمين لم يؤمنوا بالقانون الطبيعي كما فعل الأوروبيون، بل افترضوا أن الله وحده يستطيع أن يعطي قوانين بشرية وتوجيهًا أخلاقيًا مناسبًا. كل الأخلاق في رأي علماء هذا الاتّجاه حبانا بها الله، وليس من الفاعلين البشريين. علاوة على ذلك، أصر بعض المفكرين المسلمين، ومنهم الغزالي، على أن الأفعال البشرية صحيحة أو خاطئة فقط لأن الله يبيّن ذلك “بنص تشريعي”. الافتراض الأساسي هو أن العقل أو القدرات البشرية ليست كافية للوصول إلى السلوك الصحيح من الناحية الأخلاقية.

ربما لم يستطع علماء الدين قط التفكير في فكرة أن الممثلين “العلمانيين” يمكن الوثوق بهم في إجراء تعديل أو اقتراح بديل لقانون مقدس، على عكس الوضع الأوروبي، حيث كانت الكنيسة تتنازل عن حكم المجال غير الديني إلى الأمراء وغيرها من الحكام، ولو على مضض. وقد أدى ذلك إلى تجديد قانوني كبير.

وعلى عكس ذلك، قيّد علماء الشريعة الإسلامية أنفسهم بأصول القوانين الواردة في القرآن والحديث والحد الأدنى من الإجماع والقياس. كان الشافعي جريئًا لجمعه التفكير المعتدل والتفسير العقلي لبعض الأحكام لكنه في النهاية شعر أن تحكيم “العقل” تبعًا للرأي والاستحسان يعد خطرًا فيما يخص الأمور المرتبطة بالمصير الديني والمسؤولية القانونية. وعلى العموم، لم تكن الشخصيات السياسية مخولة عادةً لاتخاذ مثل هذه القرارات. وعلى الرغم من أن الحكام الحازمين قد حاولوا فرض ما يريدونه في مواقف معينة؛ فإن مثل هذه الأفعال لم تصبح جزءاً من الشريعة. يبدو موقف الشافعي متسقاً مع التقاليد الإسلامية الأوسع والأسس الفكرية الإسلامية. وكما ناقشنا في وقت سابق، عملية وضع القوانين الإسلامية لم تستغل نصوص الإجماع والقياس والتي يمكن أن تصبح مبادئ قانونية عملية (ومقبولة فقهيًا) وبالتالي أغلقت طريق “الابتكار”.

 

السؤال الخامس عشر: اقترح بعض علماء الشرق الأوسط بأن العالم الإسلامي بقي متفوق اقتصاديًا بالمقارنة مع أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر. ما هو رأيك في هذا الطرح؟

لطالما كان قياس المستويات النسبية للتنمية الاقتصادية مهمة تحتوي الكثير من المخاطرة. ومع ذلك، توصل الاقتصاديون البارعون إلى تقديرات مقارنة أدقّ. وفقا لعمل هؤلاء العلماء في السنوات العشر الماضية، يبدو أنه حول عام 1500م، كان المستوى الاقتصادي للعالم الإسلامي أدنى من المستوى الاقتصادي الذي شهدته الدول الأوروبية. تشير بعض التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في العالم الإسلامي (وقت الدولة العثمانية) بلغ 60٪ فقط من المتوسط بالنسبة لأوروبا الغربية (مثل إنجلترا، هولندا، إيطاليا، بولندا، وإسبانيا). [1]وبالتالي، يجب أن يكون هذا الانحدار في التنمية الاقتصادية قد حدث قبل ذلك.

علاوة على ذلك، من وجهة نظر مؤسسية (يحددها البناء القانوني) كانت أوروبا متقدمة على الشرق الأوسط بكثير خصوصًا فيما يتعلق بالنظم القانونية التي سهلت إقامة الشراكات والأنشطة المصرفية والتجارية. وكانت أوربا متقدمة أيضًا فيما يتعلق “بتكوين رأس المال البشري” الذي تم قياسه عن طريق معدّل القدرة على القراءة والكتابة، ومعدّل طباعة الكتب، والتي من الواضح أنها بمثابة مؤشرات رئيسية للتنمية البشرية. توفر تقارير التنمية البشرية الحديثة التي وضعها مشروع الأمم المتحدة للتنمية البشرية مقارنات أكثر دقة (ومؤسفة أكثر)بين أوروبا والدول العربية اليوم.

يتّفق مؤرخو الاقتصاد اليوم بأن ثمة “ثورة تجارية” حاصلة في أوربا بين 900-1450م. ثم تلاها “اختلاف بسيط” شمال أطلسي في اتّجاه التقدم الاقتصادي، وخاصة في لندن، أنتويرب، وأمستردام. كان هذا مؤشراً آخر للصعود الاقتصادي الأوروبي الذي بدأ في وقت أبكر مما اعتقده بعض الدارسين السابقين للشرق الأوسط.

 

السؤال السادس عشر: ازدهر العلم الحديث المبكر في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث كانت اللغة اللاتينية تنهار، بينما استعمال اللغات الدارجة في ازدياد. في الوقت الحاضر، نرى اللغة الإنجليزية تهيمن على جميع التخصصات العلمية تقريبًا، حتى في العلوم الاجتماعية. من وجهة نظرك، كيف سيؤثر ذلك على الحركة العلمية على المدى الطويل؟

بقدر ما ينشر العلماء والعلماء بلغة “عالمية”، تكون نتائجهم أكثر شهرة. وفي نفس الوقت، فإن استخدام مثل هذه اللغة العالمية يجعل من الأسهل على كل من المؤلفين والنقاد تحديد الوضع الحالي للفكر في أي موضوع معين. هذا كله جيد، وسيعمل على زيادة الدراسات في جميع المجالات تقريبًا، مع التأكيد على أن العلماء الذين لم يكونوا على دراية جيدة في علم ما سيكون عليهم تحسين معرفتهم بالحقل الخاص الذي يعملون فيه قبل محاولة النشر. وسوف يخدم الفحص مفاهيم المستخدمةبعناية، حيث سيجلب الباحثون الذين لهم لغة أم غير الإنجليزية هذه القضايا المفاهيمية إلى انتباه أولئك الذين قد تكون الإنجليزية لغتهم الأم، وقد يرغب الناس في نشر الدراسات الإنسانية والأدبية بلغة غير إنجليزية، ولا حرج في ذلك. ولكن بشكل عام، فإن وجود مجموعة كبيرة من العلماء الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية كلغة النشر سيضمن فهمًا أكبر، وعدد أكبر من المراجعين والنقاد الأفذاذ من المجال نفسه.

 

السؤال السابع عشر: على الرغم من أنه كان للفلسفة والميتافيزيقيا دور حاسم في ازدهار العلم الحديث خلال العصور الوسطى، إلا أن أقسام الفلسفة في الوقت الحاضر تتراجع، إن لم تكن تحتضر، بمقابل تقدُّم أقسام الهندسة والتكنولوجيا ونحوهما.كيف سيؤثر هذا في العلوم الحديثة في المستقبل؛ لا سيما خلال عصرنا الذي تحظى فيه العلوم بالتقدير والاحترام في جميع أنحاء العالم؟ هل ما زالت الميتافيزيقيا مهمة كما كانت؟

يتعمّق الفلاسفة دائمًا فيما يرونه مربكًا، مشوشًا، أو مشجعًا للاستخدام اللغوي والمفاهيمي. في هذه المرحلة من التطور العلمي والفكري، ربما لم يعُد الفلاسفة التقليديون في غاية الأهمية كما كانوا منذ قرون. ومع ذلك، يوجد العديد من الأسئلة الفلسفية والمفتاحية التي تنشأ فيما يتعلق الذكاء الاصطناعي، وطبيعة “التفكير الكمبيوتري” (إذا كان هذا اسمه) والأسئلة المرتبطة بماهية أن تكون إنسانًا. هذه الأسئلة لن تختفي، وسيدرس الفلاسفة الملمون بالعالم الرقمي الجديد الذي نعيش فيه كل هذه الأسئلة. وأتوقع بأن أفكارهم وتحليلاتهم للعالم الذي صنعه المهندسون وعلماء الكمبيوتر ستكون ذات قيمة. من النادر، ولكن ليس من المستحيل، لأولئك الذين يشاركون بقوة في “شكل جديد” من الحياة أن يفهموا الآثار الفلسفية الأكبر لمثل هذه الطرق من الحياة؛ وبالتالي، سيكون هناك حاجة لعمل الفلاسفة لكي نحصل على فهم كافٍ لهذه الأشكال الجديدة من الوجود. على سبيل المثال، احتياج الفكرة المثيرة حول “الفردية” كنتيجة لاندماج الذكاء البشري والاصطناعي إلى اهتمام الفلاسفة وعلماء الاجتماع. لن تكون مثل هذه المناقشات قادرة على تجنب العديد من الأسئلة الميتافيزيقية التي ستنشأ.

 

السؤال الثامن عشر: إلى أي مدى تعتقد أن إسهامات غير الغربيين (الهنود، الصينيين، العرب، إلخ) للأكاديميات الغربية قد أفادت خلَفهم في الحضارة الحالية؟

كما ذكرت سابقًا، فإن تأثير الباحثين والمفكرين غير الغربيين سيكون قادرًا على فرض نفسه بشكل أساسي من خلال استخدام اللغات الغربية، وخاصة الإنجليزية. لقرون، كان هناك علماء غربيون ومتجولون قد واجهوا وجهات النظر الفلسفية والدينية المختلفة النابعة عن ثقافات غير غربية. حتى أن البعض منهم “قد أصبحوا أصليين” بمعنى أنهم تبنوا أنماطًا غير غربية من المعيشة والدين، وأصبحوا “شخصيات”  مختلفة.

ولعل أكبر صعوبة في الوضع الحالي، ناتجة عن وجود العديد من العلماء والمثقفين المتعلمين والمدربين بشكل جيد من المجتمعات غير الغربية، والذين يتابعون بعناية المناقشات في المطبوعات الغربية السائدة. وقد أدى ذلك في كثير من الأحيان إلى مناقشات متوترة تعارضت فيها وجهات نظر ومناهج وقيم المحاورون من”الشرق والغرب. احتد هذا النقاش وبرز في التسعينيات عندما زعم رئيس الوزراء لي كوان يو (Lee Kuan) من سنغافورة بأن هناك “قيمًا آسيوية” تختلف عن تلك الموجودة في الغرب.

كلما حاول المراقبون من ثقافات أو مجتمعات “أخرى” وصف بيئة ثقافية أو الحديث عنها، تزيد احتمالية الانحراف في إدراك جانب ما، أو عدم تكامل الدراسة، أو جود خطأ في المعلومات. ولا يعد هذا جديدًا، فقد انخرط علماء الأنثروبولوجيا في هذا النوع من البحث لأكثر من قرن. لكن تقابل مثل هذه المواجهات مع “الآخر” في المنشورات الرسمية وغيرها من المطبوعات الغربية متحدثين يقدّمون وجهة نظر عالمية أخرى أكثر اطلاعاً وأكثر وضوحا مما كان عليه الحال في خمسينات وستينات القرن العشرين. وبعبارة أخرى فإن “المتحدّثين الأصليين” الآن لديهم إمكانية الوصول السهل إلى المناقشات الأكثر تفاعلًا حول العالم، وهذا يبرز وجهات نظر بديلة. ويحتمل لمواجهات كهذه أن تزداد شهرة.

من ناحية أخرى، من المحتمل أن تواجه الاتصالات داخل مجال العلوم الطبيعية مثل هذه الفوارق في الفهم، و سيكون التحدي بالنسبة للعلماء غير الغربيين إتقان المعرفة “الحديثة” الموجودة الآن في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ثم التقدم بعد ذلك. اقترح علماء علم اجتماع العلوم وعلم الاجتماع المعرفي في العالم الغربي مكررًا أن هذا البلد أو غيره سيفقد مكانته الرائدة في علم أو آخر. وأنا لست خبيرا في هذا المجال من الدراسات، ولكن انطباعي هو أن مثل هذه النتائج لم تكن حاسمة. كما توقع آخرون أن الصين أو أي بلد غير غربي آخر قد تجاوز أو على وشك تجاوز “الغرب”، وما تزال الأدلة على مثل هذا الرأي ناقصة وغير وافية. ومع ذلك، ينبغي لنا أن نتوقع بعض التقدم على الأقل في بعض مجالات العلوم الطبيعية الناشئة خارج الغرب. بشكل عام، لست على دراية بالمجلات العلمية في اللغات غير الغربية والتي يمكن اعتبارها رائدة أو متقدمة علميا أكثر من المجلات الغربية.

 

السؤال التاسع عشر: ختامًا، من خلال خبرتك في الخوض في تساؤلات معقّدة وسبر أغوارها، ما هي نصيحتك الرئيسية للباحثين الشباب في مجال العلوم الاجتماعية؟

نصيحتي ببساطة: اندفع ما استطعت، فمع العلم أنه لا يمكنك قراءة كل ما قد يكون مناسبًا، وأنك لن تتمكن من الوصول إلى جميع المواد الموجودة في اللغات الأخرى. وكما قال بن نلسون لي ولطلاب الدراسات العليا: أضِلوا الطريق (get lost!)، وهذا يعني أن تتعمق بقدر ما تستطيع في المصادر المرتبطة بموضوعك وسؤالك، وفي النهاية ستخرج بما هو مُثري. طالما كنت صادقًا في مصادرك ورؤيتك، فسوف تظهر بشكل جيد، وسيصل الآخرون في الواقع إلى حيث وصلت تقريبًا. سيكون هناك بالطبع أناس يقترحون بأن ما تطرحه يُعد مستحيلًا، إن لم يكن مضللاً حتى، وقد يأتي هذا من العلماء المرموقين ذوي السمعة الجيدة أيضًا. حصل هذا معي أيضًا عندما صرّح أحد الباحثين الذين أُكنّ لهم كثير الاحترام في هارفارد، بأن ما اقترحته ذات مرة لا يمكن تطبيقه لأسباب متعددة: بأن المشكلة معقّدة جدًا، وبأننا كمستعربين لا نعرف ما يكفي عن العلوم العربية الإسلامية، ثم تأتي هناك مشكلة تعلم اللغة العربية. ولكن هناك فرصة للحظ الجيد والصدفة الجيدة. فعندما شرعت في دراستي في أوائل السبعينيات، كان موضوع الحضارة الإسلامية مايزال محصورًا بين فئة محددة وغير معروف للجمهور العام في الولايات المتحدة، ناهيك ندرته بين الأكاديميين. ثانياً، كان العلم العربي أكثر غرابة، لذا لم يكن هناك في مجال العلوم الاجتماعية من يملك قدرًا جيدًا من المعلومات حول ما تم إنجازه أو لم يتم إنجازه في هذا الموضوع. قلة صغيرة من العلماء الشباب مثل ديفيد كينغ، وجورج صليبا، وبرنارد غولدشتاين، وف. جميل رجب وغيرهم، كانت متعمّقة في دراسات تاريخية وأصيلة جديدة غير معروفة تماماً خارج هذا الفرع الصغير جداً من علم الاجتماع وتاريخ العلوم.

ولحسن حظي، فإن أكثر عالم كان يُحتفى به في هذا المجال بذلك الوقت هو عبد الحميد صبرا (الذي حاز على جائزة جورج سارتون لعمله في تاريخ العلوم في 2005) وقد كان في هارفارد. وعلى الرغم من أنني كنت أقوم بعد ذلك بتدريس علم الاجتماع في جامعة محلية ولم تكن لدي رفاهية القيام بمثل هذه الدراسات بشكل مباشر، فقد حضرت مادة صبرا حول “تاريخ العلوم العربية “105 مرتين لكن بشكل جزئي. كان عالماً متعمقًا في العلوم العربية، وكان يعرف الكثير عن علم الكلام، اللاهوت الإسلامي، الذي درسه قليلون جدًا من السوسيولوجيين، وقد كان هذا مهمًا لمشروعي البحثي. قام صبرا بالإضافة إلى ذلك بتجميع كتاب “قراءات لمادة تاريخ العلوم 105” الذي كان موجودًا كنُسخ مصوّرة فقط ولم يُنشَر أبدًا. أعتقد أنه كان متاحًا فقط من خلال قسم تاريخ العلوم في جامعة هارفارد. كانت مجموعة واسعة ومُدهِشة من الأوراق العلمية (بين 1950 و1978 تقريبًا(تُغطّي مواضيع متقدّمة في جميع المجالات المتخصصة، بما في ذلك الرياضيات وعلم الفلك، وغيرها من مجالات الطبيعة الاصطناعية والسياقية التي قدمت نظرة شاملة للعلوم العربية الإسلامية الموجودة حينها. وتضمنت مقالات أساسية حول التربية الإسلامية، والفلسفة، ونظرية المعرفة، وما إلى ذلك.دراسة القانون الإسلامي هي المجال الوحيد الذي بقي خارج هذه الدراسة، وذلك بالرغم من أن صبرا قد ألمّ بالمجال جيداً، وبمدى أهمية فهمنا للحضارة الإسلامية. بالإضافة إلى ذلك، دفعت قائمة صبرا طلابه إلى أعمال أخرى لا غنى عنها، مثل التراث الكلاسيكي في الإسلام لفرانز روزنتال (Franz Rosenthal) وغير ذلك.

وبالنظر إلى ذلك المصدر الثري للعلوم المتّصلة، قررت بعد بدء دراسة اللغة العربية ورؤية أن الأمر سيستغرق سنوات عديدة لإتقانه، أنني أمام خيارين؛ إما أن أقضي الوقت القليل المتاح لي خارج نطاق جدول عملي المُكثّف لتعلم اللغة العربية، أو يمكنني وضع كل هذه المواد معًا ضمن إطار سوسيولوجي أوسع لدراسة ازدهار وانحدار العلم العربي. ومن الواضح بأنني اخترت هذا المسار الثاني وواصلت إنجاز مشروعي. وكانت مطبعة جامعة كامبريدج متفانية في نشر النتائج بعدة طبعات.

 

 

 


[1] Jan Luiten Van Luiten, The Long Road to the Industrial Revolution (Brill, 2009), p. 271-2.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *