كلام عام

قصيدة ما قبل النفطي: الحدث الشعري في “موقف الرمال/موقف الجناس” لمحمد الثبيتي – حاتم الزهراني

نسخة PDF


 يمكن مقاربة المشروع الجمالي للشاعر السعودي محمد الثبيتي (1952—2011) بتحليل نصوص “الذروة الشعرية” في ديوانه؛ وهي نصوص المرحلة التي بدأت بمجموعة “التضاريس” ([1]) لتحدث اختراقات فنية ألهمت تجربة الطليعة الشعرية حينها وشغلت اهتمام الخطاب النقدي وجمهور الشعر على حد سواء، إلى أن أصبحت علامة على التجربة الثبيتية وشعر الحداثة في الجزيرة العربية، ومن المعالم الرئيسية للحركة الشعرية الحداثية في العالم العربي حين يُكتب لهذه الحركة تاريخٌ منزوع العقد والأساطير يقيها من تجمدها في لحظات تفوِّقٍ فوق تاريخية من شأنها أن تعزز خطابَ مركزياتٍ موهوماً. تجادل هذه المقالة بإن إيجاد موقع مستحق للذات في سردية قاهرة، تعميمية وتنميطية هو بالضبط “الحدث الشعري”[2]، بتعبير جوديث بالسو، الذي يؤسسه مشروع الثبيتي والذي تم تكثيفه في آخر الثبيتيات الكبرى: “موقف الرمال/موقف الجناس”.

 

ما الحدث الشعري؟

في كتابها Affirmation of Poetry الصادر بالفرنسية في 2011 والمترجم إلى الإنجليزية في 2014، تجادل بالسو، الفيلسوفة والكاتبة الفرنسية وأستاذة الشعر في الكلية الأوروبية للدراسات العليا EGS، حول الأهمية القصوى للشعر بوصفه “حدثاً فكرياً” يحمل “فلسفة” من نوع خاص. لا تتمثل “فلسفة” الشعر في “التعبير عن فكرة ما” بل في “التفكير بشكل شعري”. إن قدرة عملٍ ما على إنتاج “حقيقة” من داخل الحدود والقيود اللغوية يحوله إلى ما تسميه الكاتبة بــ”ــالحدث الشعري”. الحدث الشعري هو نص، أو تكوين يتألف من مجموعة أعمال شعرية، يدل على عملية تفكير في العالم ومحاولة لفهمه. إنه، مرة أخرى، ليس مجرد “تعبير” عن فكرة، بل عملية إدماجية في التفكير بشأن شيءٍ ما وبالتالي فهو صناعة لوجود ولحدثٍ ذي سمة شعرية ليس له تحقق خارج النص. هدف بالسو الرئيسي يتمثل في استخدام مفهوم “الحدث الشعري” منفذًا للدخول إلى العمل الشعري عوضًا عن المنافذ المعروفة في دراسة الشعر (المراحل التاريخية، المدارس الفنية/ الموضوعات، الخ). من المهم الإشارة هنا إلى العلاقة الحميمة التي تربط بين بالسو والفيلسوف الفرنسي آلان باديو Alain Badiou الذي يعد “الحدث” مفهوماً بارزاً لديه يقارب من خلاله فكرة الثورة بوصفها اختراقاً مفاجئاً للنسيج العام من أجل اقتراح واقع جديد.

“أقرأ الشعراء. أتعلم من الشعراء.” جملتان تفتتح بهما بالسو كتابها لتفصح عن رؤية للشعر بوصفه معرفة وكشفاً عن “حقيقة”. إن الحقيقة التي ينتجها الشعر، كما تروي بالسو عن أحد شعراء كِـتابِـها المفضلين، والاس ستيفنز Wallace Stevens، تختلف عن “حقيقة” الفلسفة في كونها “حقيقة” قائمة على المجاز. الشعر—يقول ستيفينز— هو أحد آثار التشبيه وعقد التماثلات والمقارنات بين الأشياء. عن طريق هذه التماثلات تصل القصيدة إلى حالة تمتلك فيها منطقها الخاص ويصبح حدث التفكير هو حدث الشعر، وهنا نحصل على ما تسميه الكاتبة “قصيدة عمل العقل”. إن تشكيل القصيدة بالكلمات ليس تعبيراً عن أشياء موجودة، إنه عملية خلق لأشياء غير موجودة خارج القصيدة. عن طريق المجاز والتماثلات تخلق القصيدة عالماً يتبدَّى في الكلمات، وهذا التبدِّي هو وجوده الكامل؛ إذ لاوجود له خارج الكلمات. القصيدة ليست فقط “تبدو كذلك”، كشيءٍ آخر تُشبَّه به، بل إن فعل التبدِّي هذا هو وجودها ذاته.

 

القصيدة من الخارج

الطبيعي ملجأً ثقافياً

في (مواقف) الثبيتي يتأسس “الحدث الشعري” على ميتاشعرية تقترح موقعاً للشاعر في العالم يتماهى فيه مع النخلة، ومن هنا تشكِّـل النخلة محوراً لهذا الحدث وتظهر بوصفها مركز جاذبية نوستالجية يدور حوله عالم ثقافي يعيد تعريف الذات بمفردات فنية ماقبل نفطية. توفر هذه المفردات “للجماعة المتخيلة”، كما يصفها بينيديكت أندرسون، هويةً بديلة تتأسس على عناصر إنسانية ولكن محلية وغير مصطنعة. إن تبدِّيَ هويةِ ما يمكن أن يطلق عليه “ما قبل النفطي” في قصيدة الثبيتي هو الحدث الشعري الذي تسعى هذه المقالة إلى الإشارة إليه.

لقد كان العالم الطبيعي، في مناسبات متعددة، يشكل للثبيتي ملجأً ثقافياً من إكراهات المدينة النفطية. في نص “البشير” ([3]) من ديوان “التضاريس—1986″، تتبدى أمام العين الفيلولوجية المدربةِ على تقدير السياق ملامحُ أولية لخطاب نقد للحالة النفطية نتيجةً لتضحيتها ببعض أهمِّ أسس ثقافة المكان: النخلة والرمال:

“أنا آخر الموتِ

أوَّلُ طفلٍ تسوَّر قامتَهُ

فرأى فلكَ التيهِ

والزمن المتحجِّرَ فيهِ

رأى بلداً من ضبابْ

وصحراءْ طاعنةً في السرابْ

رأى زمناً أحمرا

ورأى مدناً مزَّقَ الطلقُ أحشاءها

وتقيَّحَ تحت أظافرها الماءُ

حتى أناخ لها النخل أعناقـَـهُ

فأطالَ بها… واستطالْ

وأفرغَ منها صديد الرمالْ”

هنا يتحول اكتشاف النفط إلى “تمزيق للأحشاء”، ويصبح “قيحاً” يحني النخلة على رمالٍ من الصديد في أفقٍ أحمر يغطيه الضباب.

وفي مقطع من أحد أشهر نصوصه “تغريبة القوافل والمطر” ([4])، من ديوان “التضاريس” ذاته، يعارض الثبيتي مرة أخرى بين النفط والنخلة؛ ففي حين يتحول النفط، كما تقترح هذه القراءة، إلى “دم مشربٍ بالثآليل”، تظهر النخلة في صورة المنقذ والقائد الذي يلجأ الصوت الشعري إلى مناداته والاستنجاد به:

“وفي الريح من تعب الراحلين بقايا

إذا ما اصطبحنا بشمسٍ معتَّقةٍ

وسكرنا برائحة الأرض وهي تفورُ بزيتِ القناديلِ

يا أرضُ كفِّي دمًا مشربًا بالثآليل

يانخلُ أدرك بنا أول الليل”

إن لنصوص الثبيتي المبكرة هذه وغيرِها لدلالةً على محورية النخلة والرمال في تشكيل الهوية الثقافية البديلة للهوية النفطية، كما أنها توفر شفرة فنية يمكن في ضوئها اكتشاف هذه الهوية في “مواقف” الثبيتي.

 

هوية ما قبل نفطية في مقابل استشراقية مزدوجة

في (موقف الرمال) تتبدى القصيدة ناظرةً إلى نفسها في المرآة. بعبارة أوضح، يوظف الثبيتي الميتاشعرية، أي الشعر متحدثاً عن الشعر، ليصمم حدثاً شعرياً يُظهر الشاعر في صورة “نبي زمني” يتلقى وحيه الشعري من مصدر أرضي/طبيعي ويتماهى مع النخلة بوصفها المعادل الجمالي للحالة ماقبل النفطية. تتمثل ميتاشعرية القصيدة في بعدين: أحدهما موضوعي؛ حيث يتحول الشاعر/الشعر إلى موضوع للقصيدة، أما الآخر فهو بعدٌ إحالي؛ حيث تحيل القصيدة إلى نصوص فنية (دينية وصوفية وشعرية)، بالإضافة إلى إحالتها إلى سمات إيقاعية وأسلوبية متصلة بالتراث الشعري بالدرجة الأولى. وعبر تماهي الشاعر مع النخلة، يسعى النص إلى اقتراح هوية مغايرة تتأسس على عناصر محلية ماقبل نفطية من أجل تذكير “الجماعة المتخيلة” بها وبدورها في كتابةِ سرديةٍ بديلة.

تستعير المقالة مصطلح “الجماعة المتخيلة” من تعريف بينيديكت أندرسون للقومية الحديثة؛ والذي يقرر فيه أن القومية وحدة بشرية تربطها روابط متصورة أساساً وتتعزز عبر عوامل متعددة من أهمها اللغة. تؤدي اللغة، خصوصاً بعد مرحلة “رأسمالية الطباعة”، وظيفةَ نشرِ وتعميمِ تصورٍ قوميٍّ لجماعةٍ ما يقوم على انتقاء سردية معينة للتاريخ. لقد مثل الأدب واحداً من أهم عوامل تثبيت تصورات الجماعات المتخيلة، وبالمثل يمكن أن يقوم بدور تغيير هذه التصورات وإبدال أخرى جديدةٍ بها.

فيما يتعلق بسردية التاريخ المبكر للهوية السعودية الحديثة، أشار روبرت فيتاليس في كتابه America’s Kingdom ([5]) ،على سبيل التمثيل، إلى الدور الحاسم الذي لعبته صناعة النفط والمؤسسات الثقافية المنبثقة عنها في التأسيس والترويج لهوية سعودية استثنائية متأسسة على لحظة اكتشاف النفط. ما يهم في هذه اللحظة النفطية، التي ربما لايستقيم منطقياً أن تكون محل ثناء أو مثار هجاء بحد ذاتها، أنها استخدمت لإنتاج خطاب تنمية مادي بحت أدى، فيما أدى إليه، وبالتضافر مع خطابات أخرى لاتدخل في صميم اهتمام هذه المقالة، إلى تشكيل هوية سعودية بدا وكأنها تضحي بالعناصر الثقافية المحلية ماقبل النفطية في سبيل ابتكار حالة توحيد ثقافي توفر للجماعات الفرعية نقاط التقاء مادية من شأنها أن تسمح بتفاعل بينيٍّ أقل ضجيجاً. تأدلجت التنمية، إذن، وأصبحت جزءاً من معنى أن يكون المرء سعودياً، كما يعبر توبي جونز في بحثه عن دوغما التنمية في السعودية ([6]).

لقد أسهم ذلك في تأكيد الآخرِ، الغربيِّ والعربيِّ على حد سواء، على النفط بوصفه المرادف الثقافيَّ للبلاد، مما أنتج صورة اختزاليةً واحديةَ البعد تحولت معها السعودية إلى “حالة استشراقية مزدوجة” (بالمعنى السلبي/السعيدي لا الإيجابي للاستشراق) تقوم مقارباتها أساساً على التخيل لا على المعرفة. هذه الصورة أنتجت حالة من التبرم لدى الرموز الثقافية السعودية، مثل الأديب السعودي المعروف غازي القصيبي الذي اشتكى من ذلك بقوله: “نفطٌ يقول الناس عن وطني!”. وليس بلا دلالة أن تأتي هذه الجملة ضمن قصيدة القصيبي لأوبريت مهرجان الجنادرية 1993؛ حيث يمثل الأوبريت الغنائي الافتتاحي للمهرجان والرقصات الشعبية المصاحبة له استعادة أدائية سنوية للمكونات الثقافية المحلية للهوية الوطنية.

لقد مثلت قصيدة “موقف الرمال/موقف الجناس” نصاً مركزياً في الشعرية السعودية والعربية المعاصرة. الشاعر والناقد اليمني عبدالعزيز المقالح عدَّهـا هي والديوان الشعري الذي صدرت فيه “ميلاد دورة شعرية عربية جديدة، تبدأ هذه المرة من الجزيرة، وليس من بغداد أو القاهرة”([7]). إن أخذ كل هذا العوامل في الحسبان يوفر لقصيدة الثبيتي أرضية أخصب للإفصاح عن مكنوناتها. وبتوظيف مفهوم (الحدث الشعري) يمكن أن نتفهم كيف يمكن للقصيدة أن تأخذ موادها الأولية من الواقع ولكن لأجل أن تبدع حقيقتها الخاصة التي لا تخضع لشروطه.

 

أين الفاعل؟ أين الشاعر؟

إن إهمال سياقات النص الأدبي السعودي الحديث، أو، على الجانب الآخر، استخدامها بصورة اختزالية على شكل مقدمات   لابد منها في مقررات تاريخ الأدب المحلي، يقود إلى ما يمكن تسميته بـ”الـحبسة التأويلية” التي تمنع النص من التعبير عن هويته الثقافية بكفاءة. لقد برز صوت الثبيتي في مرحلة نقدية غلبت عليها أدوات قراءة يتلقى بعضها ، بصورة غير نقدية، مفاهيم “تميت المؤلف” حرفياً، فتعزل النص تماماً عن “مثيراته” التي سميت “خارجية” لتوفير شكلٍ سطحيٍّ من الانضباط المنهجي للممارسة القرائية. مثل هذه المغالاة في استقبال النظرية تؤدي إلى استبعاد الفاعل Agent؛ فينحبس التحليل الأدبي في شكلانية مصمتة ولا إنسانية تقود إلى إهدار التاريخ وإلغاء أي دور إيجابي له في عملية القراءة. هنا تغيب الممارسة الفيلولوجية بما هي قراءة دقيقة للنصوص مشفوعة بفهم عميق لعوامل إنتاجها ما وراء النصية، في حين يجدر بالقارئ الفاعل الحيّ أن يقرأ الكلمات وارتباطاتها في النص الأدبي بوصفها قرارات واختيارات لكاتبٍ فاعلٍ حيٍّ موجودٍ في التاريخ يتحرر بفضل الجماليات من عادية اللغة اليومية كما يتحرر بفضل الرؤية الشعرية من الهويات المسبقة المفروضة على الذات. هل علينا للتأكيد على ذلك أن نكرر دعوة إدوارد سعيد، قبل وفاته بعام، للعودة إلى الفيلولوجيا؟

إن اقتراح هوية أوسع وأسبق من النفط في “مواقف” الثبيتي يقوم على فكرة التماهي بين الشاعر والنخلة، ذلك التماهي الذي يجد ذروته الأسلوبية في تقنية الجناس التي تسيطر على النص من عنوانه حتى مقطعه الأخير. وباستعارة مصطلح “الاستعارة المفهومية” من الشعريات الإدراكية Cognitive Poetics، يمكن القول بأن الجناس في (مواقف) الثبيتي هو “جناس مفهومي” يُـجسِّد، من جهة، تشابه الملامح بين الشاعر والنخلة، ويؤدي من جهة أخرى وظيفة الإشارة إلى دور الأشكال اللغوية في خلق ذاكرة مشتركة يلتقي فيها تاريخ الجماعة وطموحاتها. يؤدي الجناس وظيفة أخرى ذات بعد رمزي؛ فعن طريق الإحالة إلى عنصر أسلوبي ينتمي أساساً إلى التجربة الشعرية التراثية يؤكد النص العمق التاريخي (ما قبل النفطي بالضرورة) للهوية المحلية.

في “موقفُ الرمال/موقفُ الجناس” يُـبرز النص حدثاً شعريًا له كينونة مستقلة تخفي النفط تماماً من تعريفات الهوية لمصلحة عناصر المكان الطبيعية والتراثية. تقترح المقالة بأن عودةَ الأدب إلى هذه العناصر ماقبل النفطية تمثل مقاومةً ناعمةً للسردية النفطية السائدة من أجل اقتراح تعريفات إنسانية/محلية للهوية عبر صورة الشاعر الذي يمثل تكثيفاً للأنا الجمعية وهي تعيد ابتكار هويتها من جديد.

كيف وظف النص الشكل الثنائي للقصيدة الكلاسيكية ووحدات الإيقاع التقليدي في ترسيخ هويته الفنية؟ وما العلاقة بين مطلق التجربة الصوفية عند النفري وزمنيِّ التجربة الشعرية عند الثبيتي؟ لنقرأ القصيدة من الداخل.

 

القصيدة من الداخل

شكل ثنائي / هوية ممتدة

تتكون القصيدة من قسمين رئيسَين يرمز لهما الديوان المطبوع برقمي (1) و (2)، ما يشير إلى وعي الشاعر بوجود تمايزٍ ما في الرؤية بينهما. من هنا يمكن اعتبارُ دلالةِ هذا التقسيم جزءاً لايتجزأ من الدلالة الكلية للنص. ويعضد هذا التمايزَ البصريَّ تمايزٌ إيقاعيٌّ؛ فالقسم الأول يحتوي على نقلات إيقاعية متعددة، حتى داخل البيت الواحد، بينما يكتفي القسم الثاني بتفعيلة (متفاعلن) وحدها وبحرف روي واحد هو الميم. إن هذا يعزز فكرة النظر إلى القصيدة بوصفها “حدثاً شعرياً” يتمرحل في لحظتين اثنتين تتوزعان على قسمي القصيدة اللذين يتنوعان بصورة سيكون لها دور كبير في تشكيل جوانب الحدث الكلية.

بالإضافة إلى ذلك، يتسم القسم الأول بالثنائية في مقابل الوحدة في القسم الثاني. يركز القسم الأول (11—20) على علاقة الشاعر بالنخلة، بوصفهما ماهيتين متمايزتين، ويعقد سلسلة طويلة من المقارنات بينهما مصدرها “مقولات” من صوت خارجي يخاطبُ الشاعر، في حين يفرد القسم الثاني (21—30) فضاءه الصوتي كاملاً لصوت الشاعر ويجسد حالة التماهي بينه وبين النخلة. عشر صفحات لكل قسم تمنح المساحة الطباعية الظاهرة على الورقة دلالة الموازنة بين لحظة الآخر ولحظة الذات.

يمكن أيضاً لدارس الشعر القديم أن يقرأ التقسيم الثنائي لـ(موقف الرمال) في ضوء البناء الثنائي للقصيدة الكلاسيكية، كما تجسد في بعض القصائد الجاهلية، أو في مرحلة القصيدة العباسية كما درسها شتيفان شبيرل في مقالته الرائدة حول الملكية الإسلامية وشعر المديح في بدايات القرن التاسع الميلادي([8]). وعند شاعر منغمس في التراث الشعري كالثبيتي، تسعنا المقارنة بين اللحظة الأولى في الحدث الشعري لـ(موقف الرمال) وقسم النسيب الكلاسيكي، ولكنَّ الاختلاف هنا هو أن الذي يقف ويستوقف في نص الثبيتي هو الصوت الخارجي الذي يقدم للذات تعريفاتها ويذكرها بهويتها المفقودة. ومن هنا فعبارات من مثل “أنت بعيدٌ كأنَّك ماء السماء” و “يا طاعناً في النأي” تستدعي إلى الذاكرة المدربة ابتهالاتِ الشاعر الكلاسيكي بين يدي قسم النسيب. أما اللحظة الثانية، والتي تتحدث فيها الذات عن نفسها، فيمكن الزعم بأنها تعادل قسم الرحلة الكلاسيكي؛ فبالإضافة إلى الفكرة المركزية لهذه اللحظة والمتمثلة في البحث الدائم عن القصيدة، يدعم المعجم الشعري، المبني بشكل تامٍّ تقريباً على فكرة الرحيل، هذا الزعم: يبدأ القسم بـ”أمضي إلى المعنى” ثم “وأمر ما بين المسالك والمهالك” والتي ترجِّع صدى فكرة المهالك التي يتكبد مشاقها الشاعر في قسم الرحيل الكلاسيكي، ثم “أمضي إلى المعنى” مرة أخرى، “وأجوب بيداء الدجى”. ولكن الطرقات تتقاطع، ويستمر السفر لأنه ليس هنالك يمٌّ يلمُّ شتات أشرعة الشاعر ولأن نجم سهيل، الذي كان العرب يستبشرون به، ترك المكان وولى، فحلَّ ظل الشاعر أمامه كناية عن لانهائية السفر. من هنا، يقوم الثبيتي بإدماج قسم الرحلة في قصيدته بقسم الغرض التقليدي، حيث يتحد القسمان معًا ويصبح الرحيل إلى/عبر القصيدة هو غرضها ورحلتها معًا.

إذن: أذهب إلى القول بأن هذا التقسيم الثنائي للحظتيْ (موقف الرمال) يأخذ دلالةً رمزية تسهم في إرساء الهوية في ميناء ثقافي يتأسس على التجربة التراثية للهوية الشعرية، مايعزز من حالة النوستالجيا التي يثيرها المعجم ماقبل النفطي للقصيدة. هذه الميتاشعرية الإحالية إلى التراث الشعري، متمثلاً هنا في روح البناء الثنائي للقصيدة الكلاسيكية، تستمر في الإفصاح عن مصادر فنية كلاسيكية أخرى تحيل إليها.

 

حادثة نزول الوحي: من النبوي إلى البشري:

في افتتاحية القسم الأول، يصور الشاعر الحادثة التالية: جاءت إليه شخصية من طبيعةٍ ما غير محددة. ضمته هذه الشخصية. أوقفته في الرمال. دعته بحروف اسمه. ثم بعد أن تنبه إليها بدأت الشخصية في سرد تعريفاتها للشاعر بوصفه مرادفاً بشرياً للنخلة. هل يذكِّر هذا السيناريو بشيء؟

ورد في صحيح البخاري، في “كتاب بدء الوحي” الذي يجمع الأحاديث التي قالها النبي محمد عن طريقة استقباله الوحي، الحديثُ الذي يصف حادثة غار حراء. في هذا الحديث تقول عائشة بنت أبي بكر:

“حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأْ. قال: ما أنا بقارئٍ. قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجَـهْـد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلتُ: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطَّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجَهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسن من علق، اقرأ وربك الأكرم([9]).

إن التشابه كبير بين طريقتي سرد الحادثتين: ففي الحديث “غطني الملك”، وفي القصيدة “ضمني”، وهما من معنى واحد. في الحديث “أرسلني وقال”، وفي القصيدة “دعاني وقال”. إن هذا يشير إلى مفهوم للشعر بوصفه وحياً وللشاعر بوصفه نبياً، وهو لايبدو غريبًا تماماً على شعر الحداثة العربية. لكن “نبوة” نص الثبيتي هنا تؤكد التحامها بالطبيعي والثقافي والبشري، ولذلك كانت أولى عبارات “الصوت” الشعري هي: أنت والنخل فرعان. وبالإضافة إلى ذلك، يعطي الوقوف على الرمال، بدل الجبل في الحديث النبوي، دلالة التساوي بين الشاعر وبقية البشر على اعتبار انتفاء دلالة العلو هنا.

ما يلفت النظر في استحضار القصيدة ِحادثةَ نزول الوحي، والتي يعززها حقيقة أن الشاعر كان يعيش قريباً من جبل النور الذي يحوي غار حراء حيث نزل الوحي بحسب إشارات التراث الإسلامي[10])، أن الشخصية غير المحددة تبدأ بمناداة الشاعر بأصغر عناصر اللغة: الحروف. تشكل الحروف اسم الشاعر (محمد) ولكنها أيضًا تشكِّل اسم النبي محمد. هذا الاستحضار، في رأيي، يستمد دلالته من أربعة أمور رئيسية: أولاً، تمنح هذه البدايةُ اللغةَ دوراً جوهريًا في بناء العالم الثقافي، الأمر الذي يعزز الحدث الكلي في القصيدة والذي يقوم على فكرة دور الشعر (اللغة العليا) في تذكير الجماعة المتخيلة بعالمها ما قبل النفطي وبدورها في بناء عالم ثقافي جديد. يتم هذا عبر الإشارة إلى دور اللغة، ممثلة في كلمة “اقرأ”، في خلق هوية جديدة للجماعة العربية بعد نزول القرآن الكريم. ثانياً، البداية بالأحرف المتفرقة يعطي القصيدة تبريراً فنياً من داخلها لكي تبني عالمها هي أساساً على اختلاف الحروف بين الكلمات عبر تقنية الجناس. ثالثاً: الحروف المتفرقة في بداية القصيدة تقوم ضمنياً باستدعاء القارئ للمشاركة في فك شفرات العالم السري للقصيدة. وأخيراً: تعزز هذه الأحرف تحديداً (م، ح، م، د) من فكرة النظر إلى الشاعر بوصفه نبياً من نوعٍ ما. إذن، البداية تربط القصيدة الحديثة بتراثها اللغوي العربي/الإسلام، والمكي تحديداً، تعزز دور اللغة، وتمهد للحدث الشعري، وتدعو الآخر (القارئ) للمشاركة في الحدث ([11]).

لقد أدت هذه الافتتاحية وظيفة تعريفية للشعر والشاعر، وصار من الممكن الدخول في تفاصيل هذه التعريفات.

 

النفري والثبيتي: بين السلطوية و التفاوضية

القصيدة، بشكل أوضح وأكثر استمراريةً من قصة نزول الوحي، تستشف روح كتاب(المواقف) ([12]) للصوفي محمد النفري   (ت 354 هـ/965 م)؛ حيث تبدأ بالعبارة التي يفتتح بها النفري أبوابَ كتابه هذا: “أوقفني … وقال”. في كل مقطع “يقول” هذا الصوت شيئاً عن العلاقة بين الشاعر والنخلة، وهذه المقولات وما يتفرع عنها من أصوات جانبية تشكل أجزاء القسم الأول. إن الحروف المتفرقة التي بدأت بها القصيدة تربطها بعالم الأسرار وبالتالي تؤسس للبعد الصوفي فيها. ولكن بالرغم من اقتراب (مواقف) النفري لمعجم القصيدة وأسلوب الحوار فيها، إلا أن هذا التشابه، على أية حال، يخفي اختلافاً جوهرياً بين (مقولات) النفري ومقولات (موقف الرمال). يتأسس هذا الاختلاف على أمرين رئيسين:

1) الفيزيائية (الثبيتي) / التجريدية (النفري): المكان في (مقولات) النفري تجريدي، عبارة عن مفاهيمَ غيرِ مجسدةٍ في الواقع بما يتفق مع المنهجية الصوفية للكتاب. هذه عينة من مواقف النفري التي يوقفه فيها الصوت قبل أن يخاطبه: (العز، الكبرياء، الأمر، الصفح والكرم، القوة، اقشعرار الجلود، والاصطفاء)، وهي المواقف التجريدية ذاتها التي نجدها عند بعض شعراء الحداثة العربية الذين استلهموا مواقف النفري. أما الثبيتي فمكانه جغرافي محدد هو الرمال، وهو لايظهر إلا في افتتاح القصيدة ثم يغيب تماماً. إن جغرافية مكان الثبيتي تدعم فكرة هوية محلية وطبيعية لأنها تجسد الموقف في حيز جغرافي معين متصل بأبعاد ثقافية متميزة.

2) التفاوضية (الثبيتي) / السلطوية (النفري): الحوار في (مقولات) النفري يسير في اتجاه واحد: من الصوت الخفي إلى النفري، وهذا الصوت لايتحدث غالباً إلا عن نفسه: “أوقفني … وقال: لايستقل به من دوني شيء”. “أوقفني … وقال: مامني شيء أبعد من شيء”. “أوقفني … وقال: أنا مظهر الأظهار”. في بعض المناسبات يوجه الصوت كلامه إلى الطرف الثاني، ولكن فقط لتوجيه أوامر وتعليمات معينة من قبيل: “اجعل الحرف وراءك”. هنا، إذن، تسيطر ذات الصوت الخفي وتفرض رؤيتها على الآخر المتلقي والسلبي دائماً.

على العكس من ذلك يظهر الصوت المتحدث في مقولات الثبيتي؛ حيث يتوجه بالحديث إلى الآخر: “أنت قريب”، “أنت بعيد”، كما أن جملَه خبريةٌ وليست إنشائيةً مستندةً على صيغة أفعال الأمر. إضافة إلى ذلك، يشترك الصوتان في تكوين النص، فهو ليس خطاباً سلطوياً بل حواراتٍ تفاوضية. إن هذا يتفق تماماً مع الحدث الكلي للقصيدة كما اقترحته هذه القراءة أعلاه، وهو ابتكار هوية بديلة للشاعر بوصفه رمزاً إبداعياً للجماعة. هذا الابتكار يتم عن طريق التفاوض حول تعريفات مقترحة للشاعر تربطه بعناصر المكان الطبيعية والثقافية المعروفة، دون افتراض سلطوية متعالية له نابعةٍ من تجريدية مصدر مقولاته.

إن القصيدة توظف النفري بشكل رمزي فقط، منذ أن شاع الاستشهاد ببعض نصوصه من لدن ثلة من رموز الخطاب الشعري الحداثي لتدعيم التصور القائل بوجود كتابة شعرية تراثية لا ترتهن لشروط الوزن التقليدية بل تستند أساساً على مبدأ التكثيف اللغوي، حتى ذهب البعض إلى حد المقارنة بين النص النفري والنص السوريالي المعاصر! يتشابه توظيفُ الثبيتيِّ النفريَّ مع توظيف الشعراء العباسيين رموزَ الشعر الجاهلي البعيدةَ عن تجربتهم الحياتيةِ من أجل حفظ موقعٍ لمدونتهم الشعرية ضمن استمرارية شعرية أكبر وأشمل. هنا تحيل القصيدة إلى التجربة الصوفية فقط من أجل أن تملأ فضاءها التجريدي بعناصر المكان الثقافية. إنه توظيف من أجل التجاوز، وهو ينطلق من وعيٍ بالذات وبتاريخيتها وبقدرتها على التجديد المتأسس على العناصر الثقافية للمكان. هنا يبدو أن الثبيتي قد أخذ بنصيحة والاس ستيفينز وهو يقرر أن “قصيدة الجنة والنار قد كتبت”، ومهمة الشعر اليوم هي كتابة “قصائد أرض عظيمة”، أي قصائد عن هذا العالم الذي نعيشه.

 

تنوع الإيقاع / ثراء الهوية

إن تنوع الأصوات في قصيدة الثبيتي يرفِده تنوع آخر يسهم في إضفاء حيوية على النص ومن ثم على الأصوات المشتركة في صنعه. يتمثل ذلك في تنوع الإيقاع في القسم الأول، كما أشارت المقالة أعلاه. يبدأ القسم بتفعيلة (فاعلن) وسرعان مايدمج بها، في مقطع واحد، تفعيلةَ (متفاعلن)، إلى أن يضيف مقطعاً قصيراً مستقلاً على تفعيلة (مفاعلن)، قبل أن يعود إلى حالة الدمج بين (فاعلن) و(متفاعلن) مرة أخرى. يعطي هذا التنوع الإيقاعي دينامية للنص تبعده عن الرتابة الموسيقية، كما يتسق مع التطور الدرامي لحركة الأفكار داخل القصيدة.

يمكن التمثيل على ذلك بالمقطعين الأخيرين في القسم الأول؛ حيث تنحصر تفعيلة (فاعلن) في عبارة: “قال يا أيها النخل” في افتتاحية كلا المقطعين وحسب، بينما تأتي بقية أبيات المقطع على تفعيلة (متفاعلن) التي تسمح بورود جمل أطول لاتقطعها القافية. يعبر امتداد الجمل وقلة القوافي هنا عن تآلف ينمو بين طرفي عملية القول، ما يجعل الدخول في التفاصيل المطولة أمراً ممكناً، بينما لايعسر الاستنتاج بأن الجمل القصيرة والمقفاة فوراً في المقاطع الأولى تبدو أشبه بشفْرات سرية بين طرفين غيرِ متآلفين تماماً.

 إن تنوع الإيقاع هنا يمكن قراءته، أيضاً، بوصفة إحالة إلى الإيقاع الكلاسيكي المكوِّن للهوية الشعرية التراثية. هذا يشير إلى تنوع روافد الهوية المحلية ويمنح القصيدة هوية فنية غير ضيقة تؤهلها، من ثــمّ، لجدارة اقتراح هوية ثقافية منفتحة. وفي نص يقوم على إبراز هوية بديلة يصبح تنوع الثقافة المحلية عنصر مقاومة لواحدية ونمطية الهوية الصناعية/النفطية المعولمة.

وكما وظف الثبيتيُّ النفريَّ للاختلاف عنه، وكما استخدم نظام التفعيلات في الشعر الكلاسيكي لابتكار حيوية إيقاعية لقصيدته، سوف نرى الآن كيف يستخدم إحدى أهم الأدوات الفنية للتراث الشعري، أعني الجناس، لابتكار الجديد من المكرور والمختلف من الشبيه من أجل تعزيز “الحدث الشعري” للقصيدة والمتمثل في إعادة إحياء هوية ثقافية ما قبل نفطية تتميز بالتنوع والثراء والارتباط بالمكان.

 

الرمل والجناس: الفريد من المتجانس

بينما شهدت اللحظة الأولى لـ”الحدث الشعري” تنوعاً إيقاعيًا نابعاً من تعدد الأصوات والشخصيات (الشاعر والنخلة)، حدث نوعٌ من التماهي بينهما في الأسطر الأخيرة لهذا القسم حين قال الصوت للـ”ـشاعر”: “أنت والنخل سيان”. هنا بدأت القصيدة تتحول إلى شخصية واحدة، فعبرت ثلاثة مقاطع بعد هذه الجملة عن النخلة، وحان الوقت الآن لكي تعبر الذات عن نفسها في القسم الثاني.

أهم ما يلاحظ في القسم الثاني هو أن “الذات”، وقد اكتملت عملية التفاوض على الهوية البديلة، تتحدث عن نفسها بضمير المتكلم. يبدأ “الشاعر” تعريف نفسه بهذا المقطع:

“أمضي إلى المعنى

وأمتصُّ الرحيق من الحريق

فأرتوي وأعُـلُّ من ماء الملامِ”

إن قصيدة يطغى عليها الجناس إلى درجة كبيرة كهذه القصيدة عليها أن تلفت الانتباه إلى أنها، في ما يبدو لفظياً وزخرفياً للوهلة الأولى، تعد المعنى مقصدها الفني الذي تمضي إليه فلا تفصل بين الشكل والمضمون، ولذا فليس بلا دلالةٍ أن تتكرر جملة “أمضي إلى المعنى” ثلاث مرات. وعلى عادة القصيدة في تأكيد تأسسها على عناصر ثقافية غير مصطنعة (محلية أو تاريخية)، تلجأ هنا إلى استخدام عبارة “ماء الملام” لتفتح من خلالها نافذة تحيل إلى المدونة الشعرية الأكثر تمثيلاً لفكرة امتزاج الشكلي بالمعنوي: مدونة أبي تمام.

إن القصيدة هنا تحيل، في لقطة فنية سريعة، إلى قصة أبي تمام (231 أو 232 هـ/ 845 أو 846 م) المشهورةِ في كتب التراث، حينما أرسل إليه أحدهم كأساً يطلب فيها شيئاً من “ماء الملام”، كناية عن استنكار الأسلوب “المحدَث” الذي كان أبو تمام ينسج على منواله في مثل قوله: “لا تسقنى ماء الملام فإنني … صبٌّ قد استعذبتُ ماءَ بكائي”. فرد عليه أبو تمام ساخراً بطلب ريشة من جناح الذل، إحالةً إلى الآية القرآنية الكريمة: “واخفض لهما جناح الذل من الرحمة”([13]). يمثل أبو تمام هنا الأب الفني للهوية الشعرية المحتفية بالمعنى وبأشكال الفنون اللغوية التي يمثلها الجناس في هذه القصيدة.

لقد كان أبو تمام، بحسب سوزان ستيتكيفيتش في كتابها عن أبي تمام والشعرية العباسية ([14])، يوظف الأشكال البديعيةَ بشكل ميتاشعري لتشفير الممارسة الشعرية الجاهلية ولتأويلها بشكلٍ تستوعبه الحاضرة العباسية الجديدة، كما يؤهلها لأداء دورها الأسطوري الذي يحفظ لها استمراريتها ضمن التقليد الشعري التراثي. وفي (موقف الرمال/موقف الجناس) توفر عبارة “ماء الملام” للتقنية البديعية المتمثلة في الجناس قوةَ تشفير شعرية أبي تمام الحداثية فنياً، فتدخل قصيدة الثبيتي في حالة حوارية إليوتية طرفاها الموهبة الفردية والتراث، في الوقت الذي تحافظ فيه على استمراريتها في التقليد الشعري مؤكدةً على علاقة تشابه بينها وبين سابقاتها تتأسس على فلسفة الجناس التي تنتج المعنى الجديد من اللفظ المكرور، والمتفرد من المقلـَّـــد.

إن إحالة (موقف الرمال) إلى أبي تمام تندرج ضمن ميتاشعرية إحالية أكبر يتأسس عليها النص، وهذا النوع من الميتاشعرية كان التقنية الأبرز التي وظفها الشاعر العباسي لإبراز حداثة نصه الشعريّ، كما تقترح هدى فخرالدين في كتابها الصادر مؤخرًا حول الميتاشعرية بين التراث العربي وحركة الشعر الحر([15]). هنا يتبدى الوسط الفني للقصيدة بحد ذاته تعبيراً ميتاشعرياً وترميزاً لحالة حوارية بين الشاعر وسابقيه مما يحوِّل الفعل الإبداعي إلى عملية قراءة تأويلية. في نص الثبيتي، نحن بصدد ميتاشعرية إحالية إلى ميتاشعرية إحالية أخرى هي نص أبي تمام، فهو بالتالي يمثل نص الميتاشعرية المزدوجة.

إن النص يوظف عناصر من التراث لتعريف هويته ممثلة في رمزه الإبداعي: الشاعر، وبهذا يحقق لهذه الهوية عمقها التاريخي. وفي تأسسه على الجناس تحديداً، يفصح النص عن “موقف” من الوجود (لنتذكر العنوان: “موقف” الرمال) يمنح المبدع إمكانية اكتشاف الصقيل في المطمور والفريد في المتجانس؛ فمثلما يمكن أن تولد تجربة شعرية جديدة من الاحتماليات الفنية التي لم تزل كامنة في الجناس بشكلٍ يعيد إحياء “الإبداعي” في “البديع” رغم انطماره تحت ركام التقليد، فكذلك يمكن أن تتولد الرمال، التي تبدو متشابهة ظاهرياً كتشابهِ الكلمات المتجانسة، عن ممكنات أخرى غير النفط تتميز بالتواصل مع التجربة التاريخية للجماعة المتخيلة وبالقدرة على الإبداع من داخل هذه التجربة.

ولكن: كيف يقوم الجناس بإنتاج المعنى هنا؟

 

النخلة والشاعر: الجناس المفهومي

ما المقصود هنا بالجناس المفهومي؟ إن النص يقوم على استعارة كبرى يمكن اختصارها في عبارة “الشاعر هو نخلة”. هذه الاستعارة ليست لفظية بل مفهومية تنقل كامل مجال النخلة المفهومي إلى الشاعر والعكس. لقد تطورت فكرة الاستعارة المفهومية ابتداءً من نشر جورج لاكوف ومارك جونسون لعملهما الريادي Metaphors We Live By([16]). يقوم عملهما على فكرة مركزية تقول بأن الاستعارة ليست ظاهرة لفظية/لغوية، بل هي عملية ذهنية تقوم على أساس إبدال مجال مفهومي بآخر، وهي موجودة في لغة الكلام العادي أساساً. أدت هذه الفكرة إلى تطورات مماثلة في النظر إلى الاستعارة الأدبية تكفلت بها تحديداً الشعريات الإدراكية التي تأسست على العمل الرئيسي لروفن تسور Reuven Tsur : ما الشعريات الإدراكية؟ ?What Is Cognitive Poetics ([17]).

فيما يتعلق بنص الثبيتي، يمكن القول بأنه نتيجة للتركيز على الاستعارة المفهومية “الشاعر هو نخلة”، أصبحت فكرة التشابه الفيزيائي التام بين العنصرين “الشاعر والنخلة” مركز جذبٍ أسلوبي في النص، ومن هنا كان لابد أن تظهر “ملامحُ” شكلية تجسد هذا التشابه بينهما. جاء الجناس هنا ليكون بمثابة ملامح الوجه التي تظهر على المساحة الطباعية لتؤكد بشكل ظاهري ملموس مدى التشابه بين “الطفلين” الشاعر والنخلة، كما تعبر القصيدة. ولأنه نابع من استعارة مفهومية فيمكن تسميته بالجناس المفهومي.

وحتى يهيئ النص لفكرة اعتبار الجناس في الألفاظ معادلاً شعرياً للتشابه الجسدي بين الفاعل الرئيسي في النص وبين “الطفل” الآخر، أي النخلة، افتُـتحت القصيدة بإعطاء هذا الفاعل نفسه هوية قائمة على الأحرف المتفرقة:

“ضمني

ثم أوقفني في الرمالْ

ودعاني: بميمِ وحاءٍ وميمْ ودالْ”

إن الأحرف المتفرقة هذه دليل على أن هوية الذات تتشكل لغوياً، وبالتالي يكون التشابه في الأحرف بين صفاتها وصفات النخلة عن طريق الجناس دليلاً على تشابه الهوية بينهما، كما أن مساءلة تكوين القصيدة عن طريق الأحرف المتفرقة والجناس تعادل مساءلة تكوين صورة الهوية.

يمتد الجناس من هذه البداية حتى نهاية القسم الأول، ويظهر بشكل جزئي في القسم الثاني حين انتهت علاقات التشابه وأصبح الشاعر والنخلة سيان. هذه عينة لمواضع الجناس الكبرى الرئيسية:

“أنت والنخل فرعانِ:

أنت افترعت بنات النوى

ورفعت النواقيس،

هنَّ اعترفن بسر النوى

وعرفن النواميس”

 

“أنت والنخل صنوانِ:

هذا الذي تدعيه النياشينُ

ذاك الذي تشتهيه البساتين

هذا الذي:

دخلت إلى أفلاكه العذراء

ذاك الذي:

خلدت إلى أكفاله العذراء”

 

“أنت والنخل طفلانِ:

طفلٌ قضى شاهداً في الرجالْ

وطفلٌ مضى شاهراً للجمالْ”

ونتيجة لدور الجناس في ترسيخ التشابه بين الشاعر والنخلة، انتهى القسم الأول بالتماهي بينهما، فأصبحا شيئاً واحداً:

“أنت والنخل سِـيَّـانِ:

قد صرت ديدنهن،

وهنَّ يداكْ

وصرتَ سِـماكاً على سـمـْـكِـهـِـنَّ،

وهـُـنَّ سـَـماكْ”

أما القسم الثاني فإنه يختتم بالشاعر وهو يتبرم من المكان النفطي ممثلاً بالبارجة، التي قد تكون ناقلة بترولية أو بارجة حربية أجنبية تحميها، كما يتبرم من الصورة الثقافية النمطية لهذا المكان ممثلة بمن يسميهم النص: الخوارج. تجانس بين “البوارج” و”الخوارج” يطرح عديد الأسئلة حول رؤية النص لنوعية العلاقة بينهما:

“في ساحة العثراتِ

مابين الخوارج والبوارج

ضج بي صبري وأقلقني مقامي…”

وحتى يقاوم هذه السردية النمطية المشوهة للمكان، يعمد النص إلى تقديم تعريفات جديدة للهوية عن طريقة اقتراح تسميات للحبيبة، أو للقصيدة بما هي الأساس الأبرز لثقافة المكان، بل هي الوطن، مذ كانت التسمية هي أول ما تعلمه آدم لتتحق له هويته الإنسانية:

“فمضيت للمعنى:

أحدق في أسارير الحبيبة كي أسميها

فــضاقت عن سجاياها الأسامي!

 

ألفيتها وطني

وبهجة صوتها شجني

ومجد حضورها الضافي مناي

وريقها الصافي مدامي”

بعد ذلك، يصل الحدث الشعري إلى ذروة اكتماله حين تنشق السماء عن مطر من غمام الشاعر، أي عن قصائد، وتتكثف رموز العالم الطبيعي/الثقافي في مقطع واحد يهطل عليه هذا المطر ليخلق العالم الجديد المحتفل بثقافة المكان. هذا هو المعادل الفني لفكرة إعادة إحياء الهوية المفقودة عبر الفن الشعري، أو كما يسميها الشاعر: “نشر ما انطوى” من رموز الهوية:

“ونظرتُ في عين السما

فخبت شرارات الظما

وانشق عن مطرٍ غمامي.

 

للبائتين على الطوى

والناشرين لما انطوى

والناظرين إلى الأمامِ.

 

للنخل/ للكثبان

للشيح الشماليِّ

وللنفحات من ريح الصبا

 

للطير في خضرالربى

للشمسِ

للجبل الحجازيِّ

وللبحر التِّهامي

مرة أخرى، تأتي النخلة في صدارة رموز الهوية البديلة، وتسبقها عبارة “للبائتين على الطوى” التي تحيل إلى بيت شعري للشاعر الجاهلي عنترة بن شداد، فتلتحم الرموز الطبيعية مع الرموز الثقافية الأولى لتعزز حدثاً شعريًا لا يهدف إلى الاحتماء بها من المستقبل المجهول، بل من أجل الذهاب إلى المستقبل دون التفريط بها، ولهذا تؤكد القصيدة أنها كتبت لـلــ”ـناظرين إلى الأمامِ”.

 

تكثيف ختامي: “وفي لغتي حجرٌ جاهلي”

من ما قبل النفطي إلى ما بعده

إن اعتماد مفهوم (الحدث الشعري) في تحليل نص الثبيتي، وبعض النصوص الأخرى المجاورة تاريخياً وجغرافياً، يجدر به أن يوفر تفسيرات أكثر إقناعاً لمركزية رموز العالم الطبيعي بالنسبة للرؤية الشعرية لتلك النصوص، ولمحورية الأدوات الكلاسيكية فيما يتعلق بشكلها الفني، مع التأكيد على أن الفصل بين الشكل والرؤية هنا هو فصل تقني بحت لغرض الدراسة النقدية. إن الحدث الشعري يقف على المسافة الفاصلة بين الواقع والخيال، يأخذ مادته منهما ليبني عالمه الخاص المتأسس على منطق وجودي مختلف عن أيٍّ منهما يتبدى في المنتج الشكلي النهائي. إن نص الثبيتي ومجايليه لايعبر – فيما أرى ـ عما سمي بـ”ثقافة الصحراء” كما اقترحت بعض القراءات التي قد يفهم أنها تتأسس على رؤية جوهرانية وشمولية للأشياء تغدو معها الصحراء جوهراً متجاوزاً للزمان والمكان يشمل كامل نطاق الجزيرة العربية، بل هو نص يصمم حدثاً شعرياً هو حدث إعادة إحياء كافة “تضاريس” المكان الطبيعية ورموزه الثقافية ماقبل النفطية، والتي لا تشكل الصحراء (الكثبان هنا) إلا جزءاً واحداً منها، من أجل الانطلاق بها مع “الناظرين إلى الأمامِ”. إنه حدث تتحد فيه الثقافة بالطبيعة إلى درجة يصبح فيها الحجر هو اللغة التي تقرأ الوجوه: “كيف أقرأ هذه الوجوه وفي لغتي حجرٌ جاهلي” يقول الثبيتي في مجموعة “التضاريس”.

وبالنسبة لـ(ـموقف الرمال) بشكل خاص، فلقد أسهم اعتماد الحدث الشعري على الجناس في توفير مساحة نصية للتجسيد الفيزيائي الملموس للهوية الشعرية البديلة الملتحمة بالطبيعي ممثلاً أساسًا بالنخلة، كما وفر إحالةً إلى سمة فنية تعد علامة على الشعرية الكلاسيكية في عصرها الذهبي. لم تعد النخلة مركزاً للهوية البديلة فحسب، بل أصبحت التجسيد الطبيعي لها، مثلما أصبح الجناس التجسيد الأسلوبي للتماهي بينهما؛ وبسبب هذا التماهي لم تذكر النخلة في العنوان، بل ذكر الجناس بوصفه العنصرَ الثقافيَ المتماهيَ معها. وبتوظيفه للتراث الشعري ممثلاً في الشكل الثنائي للقصيدة الكلاسيكية والتجربة البديعية لأبي تمام، والتراث الروحي ممثلاً في حادثة نزول الوحي والمواقف الصوفية للنفري، وبإحالته إلى الأدوات الفنية الكلاسيكية ممثلةً في تنويعات التفعيلات العروضية والجناس، عمّق النص من جذور الهوية الثقافية البديلة في الوقت الذي مارس فيه الاختلاف الإبداعي عنها. لقد قام النص بتفريغ طاقات المكان الثقافية على امتداد مساحة الورقة التي تحولت إلى فضاء لصراع حول المعنى تم تكثيفه في لغة شعرية تسهم في حث الجماعة المتخيلة على “نشر ما انطوى” من ذاكرة المكان الثقافية التي تتأسس عليها هويتها ماقبل النفطية: إحياء ماقبل النفطي من أجل ابتكار مابعد النفطي.

لقد كان الشاعر محوراً لقصيدة أصبحت علامة على الشاعر، حين ضاقت به الطرقات فلجأ إلى اللغة لاقتراح تسمية جديدة للقصيدة، أو قل لاقتراح هوية جديدة أساسها المكاني هو النخلة وأساسها الثقافي/الفلسفي هو الجناس.

 

 

 

 

حاتم الزهراني، شاعر، وناقد، وأكاديمي (جامعة جورجتاون / واشنطن دي سي)

ـ تشكل هذه المقالة إعادة كتابة مكثفة لورقة شارك بها الكاتب في (مؤتمر جامعة جورجتاون للشعر العربي الحديث) في أكتوبر ٢٠١٥ م. نسخة أولية من هذه المقالة نشرت على جزأين: المقدمة النظرية في جريدة الحياة بتاريخ ٢٩ مارس ٢٠١٦، وبقية الورقة تم نشرها بصيغة أولى في مجلة الفيصل، العددان ٤٨٣-٤٨٤، يناير- فبراير ٢٠١٧.

الهوامش

[1] انظر:

الثبيتي، محمد: الأعمال الكاملة، النادي الأدبي بحائل / مؤسسة الانتشار العربي، حائل/بيروت، ط١، ٢٠٠٩ م، ص ٥٩ ـ ١٢٥.

[2] في مفهوم الحدث الشعري، انظر:

Balso, Judith. Affirmation of Poetry. trans. Drew S. Burk, Minneapolis, Univocal Publishing, 2014.

([3]) انظر:

الثبيتي، محمد: الأعمال الكاملة، ص ٩١ ـ ٩٢.

([4])  انظر:

الثبيتي، محمد: الأعمال الكاملة، ص ١٠٥.

([5])  انظر:

 Vitalis, Robert. America’s Kingdom: Mythmaking on the Saudi Oil Frontier. Stanford: Stanford University Press, 2007.

([6])  انظر:

 Jones, Toby Craig. Desert Kingdom: How Oil and Water Forged Modern Saudi Arabia, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2011.

([7])  انظر المقدمة الواردة ضمن الإصدار الأول لديوان “موقف الرمال”:

الثبيتي، محمد: موقف الرمال والتضاريس، دار شرقيات للطباعة والنشر، القاهرة، ط١، ٢٠٠٥ م.

([8])  انظر:

 Stefan Sperl, “Islamic Kingship and Arabic Panegyric Poetry in the Early Ninth Century.” Journal of Arabic Literature 8 (1977): 20–35.

([9])  انظر:

الجامع الصحيح، البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، القاهرة، ط١، ١٤٠٠هـ، ص١٤.

([10])  يذكر الشاعر السعودي عبدالله الصيخان، وهو صديق مقرب من الثبيتي، أن الأخير كان كثيراً ما يطل من شرفة بيته ليشير إلى جبل النور ويتلو شعره. انظر:

https://www.alarabiya.net/ar/saudi-today/2015/01/15/بعد-4-أعوام-من-رحيله-محمد-الثبيتي-بعيون-أصدقائه-.html

([11])  تشكل مكة عنصراً أساسياً في مدونة الثبيتي الشعرية. “الرقية المكية” هو عنوان لواحدة من آخر قصائد الشاعر.

الثبيتي، محمد: الأعمال الكاملة، ص ٣٠٣ ـ ٣٠٤.

([12])  انظر: كتاب المواقف، ويليه كتاب المخاطبات، النفري، محمد بن عبدالجبار، تحقيق: أرثر يوحنا أربري، دار الكتب العلمية (إعادة طبع)، بيروت، ط١، ١٩٩٧ م.

([13])  انظر:

ابن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق: أحمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر، ط٢، د.ت.، ج٢، ص ١٥٢ـ١٥٣.

([14])  انظر:

 Stetkevych, Suzanne P.. Abū Tammām and the Poetics of the Abbāsid Age. Leiden and Boston: Brill, 1991.

([15])  انظر:

 Fakhreddine, Huda J.. Metapoesis in the Arabic Tradition: From Modernists to Muḥdathūn. Leiden and Boston: Brill, 2015

([16])  انظر:

 Lakoff, George and Johnson, Mark. Metaphors We Live By. Chicago and London: The University of Chicago Press, 2003.

([17])  انظر:

Tsur, Reuven. What Is Cognitive Poetics? Tel Aviv: Tel Aviv University, 1983.

وفي تطوير الشعريات الإدراكية لهذه الفكرة:

 Stockwell, Peter. Cognitive Poetics: An Introduction. London and New York: Routledge, 2002. p. 105-119.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق