Share, , Google Plus, Pinterest,

Print

Posted in:

نيتشه والنزوع النفسي إلى الارتقاء – غاستون باشلار

ترجمة: سعيـد بوخليـط


أن نلامس دراسة خيال مفكر مثل نيتشه،قد يظهر الأمر،كأنه عدم معرفة بالدلالة العميقة لنظريته. هكذا، فالتحويل النيتشوي للقيم المعنوية،يتعلق بالكائن في كليته،ويتطابق بشكل دقيق جدا مع تحول للطاقة الحيوية.دراسة،تحول كهذا،من خلال اعتبارات حول ديناميكية المتخيل،هو أن نأخذ الصدى كصوت،ثم الصورة بالنسبة للقطعة النقدية.هكذا،فإن فحصا معمقا للشعرية النتشوية،وقد درست بوسائلها التعبيرية،أقنعنا شيئا فشيئا،أن الصور التي تثير بطريقة منفردة جدا أسلوب الفيلسوف،لها مصيرها الخاص.بل تبين لنا،تطور بعض الصور وفق مسار دون رتوش،وبسرعة مذهلة. ربما بثقة مفرطة حول أطروحتنا عن القوة الأولية  كليا عن الخيال الديناميكي،فقد اعتقدنا برؤية نماذج حيث سرعة الصور تلك،محرضة للفكر.

هكذا ،ونحن ننحصر تقريبا استثنائيا عند دراسة قصائد العمل الغنائي :هكذا تكلم زرادشت،نعتقد في إمكانية التدليل،على أنه لدى نيتشه يشرح الشاعر في جانب منه، المفكر،و نيتشه نفسه يمثل نموذجا للشاعر العمودي،شاعر القمم والصعود.بشكل دقيق جدا،مادامت العبقرية صنف يشكله فرد واحد،فسنوضح أن نيتشه أحد الأنماط النوعية  للخيال المادي،وأكثرها جلاء.لاسيما،حين مقارنته ب شيلي shelley،سنلاحظ أن الانزياحات صوب القمم،قد  تظهر مصائر مختلفة جدا.شاعران، مثل شيلي ونيتشه،مع استمرار وفائهما الكلي للديناميكية الهوائية،يجسدان – سنوضح ذلك- نموذجين متناقضين.

لنبحث أولا في السمة الهوائية،التي ننسبها إلى خيال نيتشه.من أجل هذا،وقبل الوصول إلى البرهنة على أطروحتنا،التي ستوضح حياة الصور الهوائية،وقوتها الخاصة،في قصيدة نيتشه ،لنتحدث أولا عن الميزة الثانوية لصور الأرض والماء والنار ضمن شعرية نيتشه.

 

* نيتشه والأرض :

نيتشه ليس بشاعر الأرض.فالتربة العضوية والصلصال،وكذا الحقول المفتوحة والمحروثة،لا توفر له صورا.الفلز، والمعدن، والأحجار الكريمة،التي يحبها ”الأرضي” في ثرائها الباطني،لا تمنح نيتشه تلك التأملات الشاردة الحميمة.يتواتر في الغالب الحجر والصخر،بين صفحاته،لكن من أجل رمز الصلابة الوحيد،إنها لاتسترعي شيئا من تلك الحياة الثقيلة،الأكثر بطئا من بين كل الحيوات-الحياة المتفردة ببطئها- التي يضفيها عليها التأمل الشارد للأحجار الكريمة.لايعيش الصخر،بالنسبة إليه،مثل صمغ فظيع منبثق من منافذ الأرض.

الأرض اللينة لدى نيتشه،موضوع مقزز(هكذا تكلم زرادشت) ،مثلما يحتقر “الأشياء الاسفنجية،المعصورة والمضغوطة !” ،سيعترضون علينا،بخصوص هذا المثال،والذي نتناوله كأشياء،مما يتطابق بناء على الحقيقة السيكولوجية،مع أفكار،نعتقدها فرصة جيدة من أجل البرهنة فورا على بطلان دراسة حول المجازات المنفصلة عن غاياتها. مع ذلك فنعت إسفنجي صورة موحية جدا لأعماق الخيال، بحيث يكفي تشخيص الخيالات المادية. إنه محك، لأكثر  الأشياء يقينية :وحدها روح شغوفة  بالأرض،وحده أرضي لامسه المائي قليلا،يفلت من خاصية  مُحَقِّرة أوتوماتيكيا لمجاز الاسفنجي.

أيضا، نيتشه ليس بشاعر ”المادة”،بل الحركة، أو بالأحرى مثل تجل للخيال الديناميكي،بدل الخيال المادي والذي نتوخى  تفحصه.ستمنحه إذن الأرض، في كتلتها ولاسيما عمقها، تيمات للفعل، هكذا سنجد في عمل نيتشه،كثيرا من الإحالات على حياة تحت أرضية.لكن هذه الحياة التحت-أرضية، تعتبر فعلا واقعا تحت الأرض. ليست اكتشافا حالما،أو سفرا مذهلا كما في حياة نوفاليس Novalis  حياة فعالة، فقط فعالة،إنها حياة شجاعة دؤوبة، وتهيئ طويل،ورمز صبر هجومي، ثابت ويقظ.حتى في العمل التحت-أرضي،يدرك نيتشه غايته،بحيث لاينقاد سلبيا وراء موجه، بل يعمل مباشرة في مواجهة الأرض.

مع أحلام كثيرة، يدور الحالم القلق وسط متاهات. نقف على أمثلة كثيرة، بخصوص تجربة المتاهة،في الرواية المعنونة ب : Das Heinweh،لمؤلفها يونغ ستيلينغ. نص سيحظى بمكانة  ضمن الاختبارات الأربعة،نحو وجهة هذا العنصر أو ذاك .مثال جيد، عن قاعدة المبادرات الأربعة، من خلال (النار، والماء، والهواء، والأرض)،نود إضافته إلى تنوعات رباعية الخيال المادي التي عملنا على تجميعها في دراساتنا السابقة.لكن بالنسبة لنيتشه،فلا يمكن إخضاعه لأي  تلقين،لأنه يظل دائما المعلم الأول والمطلق،ولا يتعلم شيئا من أي شخص.

تحت الأرض،متاهته مستقيمة،إنها قوة سرية تتقدم،بحيث تصنع مسلكا خاصا به. لا شيء  ينعرج،أو يتأتى بغير تبصر.لذلك،سيحتقر نيتشه حيوان الخُلْد،  بشكل مضاعف.نيتشه،وقد أدرك سلفا حتى في جوف الأرض،ومع عمله التحت أرضي :((صيغة سعادته :نعم، لا، خط مستقيم، ثم هدف)).

 

*نيتشه والماء

ليس نيتشه بشاعر الماء.حتما،لا تغيب عنه صور الماء،بحيث يصعب على  أي شاعر تجاوز المجازات السائلة،غير أنها عند نيتشه،تتسم بكونها عابرة،لاترسم  تأملات شاردة مادية.أيضا،ديناميكيا يعتبر الماء متذللا جدا،بالتالي لا يمكنه أن يشكل عائقا حقيقيا،وخصما عنيدا أمام محارب نيتشوي.فعقدة خشايار الأول Xerxès،والتي لا يمكنها قط أن تحدد شاعرا كونيا جدا مثل نيتشه،سرعان ماتغلب عليها:

عواصف متقلبة

تشعرين بفورة غضب نحوي؟

تبعثين كثيرا من الحنق؟

بمجدافي،سأضرب رأس جنونك.

بما أنه صلب وهادئ،ف”ضربة المجداف “تلك ضد الانفعالات الثانوية، وكذا المثيرات المضطربة،والحثالة التي لاطائل من ورائها!فمجرد ضربة مسطرة على أيادي متمردة،تعيد التلميذ إلى الطريق القويم.أيضا،يخاطب على الفور،سيد الذات والعالم،الواثق من مصيره،العواصف المتمردة والصاخبة :

ستقودون هذا القارب صوب الأبدية.

أي نحو السماء،لكن ليس وفق الانعطاف المطمئن للحالمين المُهَدْهدين،الذين ينتقلون بلا إحساس من الماء إلى الرياح،هنا ينطلق النظام والحركة مثل سهام.

ستظهر خلال أيام الاسترخاء- نادرة- الصور الكبرى للأمومة الكونية.ستكون بمثابة فواصل زمنية،للصور الديناميكية التي ينبغي لنا تمييزها.إذن، يعكس الماء،بالنسبة لكونٍ،لحظة سكينة وحليب منعش.أطلق نيتشه تسمية”أبقار السماء”،كي يستخلص منها حليبا مغذيا ونافعا للأرض.هكذا،تتجلى مع  في القصيدة الأخيرة للمجموعة الشعرية،التي تحمل عنوان :(Apud Ecce homo)،الحاجة إلى نعومة وظل،الماء :

انسابت عشر سنوات

ولم تلمسني قطرة ماء،

لاهواء رطبا،ولا ندى للحب

أرض محرومة من المطر

………………….

أرض محرومة من المطر.

ولَّت عن جبالي

اليوم أجذبها كي تأتي :

أحيطوني ظلمة بضروعكن

سأحْلُبُكِ ياأبقار المرتفعات

حكمة دافئة كالحليب،وندى عشق عذب، سأصُبُّكِ سيولا فوق البلد.

يفيد هذا الاسترخاء،والمكافأة الأنثوية- بعد عشر سنوات من البرد والعزلة الخاصة- في كونه نقيضا لدراما التوتر.سنفهم خلال الآن ذاته،عندما نرى بشكل أفضل،أن الكون النيتشوي،فضاء للمرتفعات،أن السماء مأوى هذا الماء المهدئ. عند نيتشه،كما الشأن في الأسطورة الأولى،فبوسيدون(إله البحر)هو أورانوس. ف”الأصول”،نادرة داخل الكون النيتشوي.

لايتجاوز  أبدا، عنصر الماء، سلطة هذا الانفراج.بشكل خاص،لم يكن قط بإغواء نحو الموت والتحلل.كم كان واضحا،رفض نيتشه للكون السوداوي!كون غائم بالسحب والمطر!((اللعبة الرديئة لسحب تنتقل عبر السوداوية المبلِّلة،والسماء الغائمة،والشموس المسروقة،ورياح الخريف المزمجرة))

“اللعبة الرديئة لصياحاتنا وكذا صرخات ضيقنا”

كيف لا نكتشف هنا،ونستحضر ونعمل على وسم،السوداوية الفظة حيث تكشف شفتنا السفلى،الرطبة والقلقة،عن ازدراء سلبي،لعالم تراخى كلية دون مقاومة. لقد كتب نيتشه نفسه،ضد السوداوية الأوروبية :

((أيضا بجوارهن،انبعث من الشرق هواء نقي ومضيء.هناك،كنت أكثر بعدا عن أوروبا الشائخة،الغائمة،المبللة والسوداوية)).

على امتداد صفحات عديدة،نتبين احتقارا للمياه الراقدة.مثلا، سيقول نيتشه في هكذا تكلم زرادشت،عن كائن المستنقع: ((ألا ينساب الآن، بين أوردتك الخاصة،دم المستنقعات الفاسد والمزبد)).

يمكننا حتما، أن لانرى هنا سوى تعابير مشتركة،دون التساؤل لماذا تحتاج الأفكار لهذا التصوير الملموس،وتختار أشكالها.بمعنى ثان،نرفض أن نعيش الخيال المادي،ضمن وحدة صوره المدهشة.نخطئ إذن،بخصوص قاعدة الصفات.لنستدل على ذلك :تواجدت في أوروبا القديمة،بلدان مضاءة،جافة وسعيدة.في المقابل،تمر سحب فوق صحراء الشرق،لكن المفكر المتأمل لحكمة غير أوروبية،شرقية أو بشكل دقيق حكمة شرق جديد،يدرك مع تحيزه الفعال إلى الخيال المادي،أن هذه السحب لبيداء تعيش وسط هواء نَيِّر ومعشوق،ليست غائمة.

أيضا،الماء الذي يهطل على القمم النيتشوية، ليس مائيا، والحليب المستخلص من أبقار السماء،ليس لَبَنِيّا ولاحليبيا ،لأن أبقار السماء ديونيزية. نتناول هنا تحديدا،نموذجا يبدو  لنا جديرا جدا كي يجعلنا نفهم أطروحاتنا العامة.مانريد البرهنة عليه عموما،أنه ينبغي بالضبط،وَزْن مادة صفة كي نكتشف حياة اللغة المجازية،مع ضرورة الاحتراس،من الاعتقاد أن خيال الصفة  المرتبط بالظاهر،يقود آليا نحو خيال الموصوف.ينبغي،كي ننتقل من انطباع الرطوبة إلى ماء متخيل،انتسابا للخيال المادي،ولدينا ألف دليل على أن الخيال النيتشوي،لا يمنح انتسابه الجوهري إلى صفات الماء. إنه لا يتأثر بالحليب المغذي،ويحتقر بإفراط هؤلاء من :((صنع روحهم  مصل اللبن )).

تمكننا وجهة نظر الخيال الديناميكي،كما الخيال المادي،من استبعاد كل امتياز يمنح للخيال المائي.كي نرى ذلك،يكفي تأمل الاعتراضات،التي وجهها نيتشه إلى موسيقى فاغنرWagner،مؤاخذا عليها،أنها:((قلبت الشروط الفيزيولوجية للموسيقى)).فعوض أن تسير وترقص- المساعي النيتشوية- نستدعى هنا، كي نسبح ونحلق.. ،مع :((ميلوديا فاغنر اللانهائية.. ندخل إلى البحر،وتضيع رِجْلنا شيئا فشيئا،غاية استسلامنا إلى رحمة العنصر :ينبغي أن تسبح.مع الإيقاع الخفيف،والاحتفالي وكذا المحتدم للموسيقى القديمة من خلال حركتها،المتوقدة  والبطيئة في الآن ذاته،ينبغي البحث عن شيء ثان،يلزم أن ترقص)).

المَشَّاء،رجل الارتقاء، يقول أيضا :((تلتمس رجلي من الموسيقى،قبل كل شيء النشوات،التي توفرها مشية جديدة،خطوة،فوثبة تم استدارة)).لا يوجد شيء من كل هذا،في مباهج الماء،وكذا رمزية الخيال السائل.خيال نيتشه المادي،يحتفظ بحقه،كي يعطي جوهرا إلى صفات الهواء والبرد.

نصل كذلك،فيما يتعلق بهذه النقطة الخاصة،إلى خلاصة سجالية نود صياغتها بشكل عابر: بخصوص من يعترضون علينا،كوننا نمنح أهمية كبرى للخيالين المادي والديناميكي،نتحول إليهم بعبء الإثبات ثم نستفسرهم لماذا، بمقابلته بين موسيقتين،تأتي لفيلسوف مقارنة السباحة والمشي،ثم الاستسلام إلى لانهائية البحر مع استدارة راقص.بالنسبة إلينا،لاتبرز أية صعوبة :الذي يوجه كل شيء،تلك الجدلية بين ما ينساب والذي ينبجس،إنها جدلية ماء لانهائي ثم نَفَس حي وساخر.الموسيقى لدى نيتشه،تمنحنا الحياة الهوائية،حياة هوائية نوعية يصنعها هواء صباحي وضَّاء،هي بشكل لا يقبل المقارنة أسمى من موسيقى تقبل مجازات السائل، والأمواج، وكذا البحر اللانهائي.

 

*نيتشه والنار :

تعتبر البرهنة على أن نيتشه ليس بشاعر النار،أكثر حساسية .لأن شاعرا عبقريا،يستحضر مختلف مجازات كل العناصر.ثم، إن مجازات النار،بمثابة الورود الطبيعية للغة.رقة وعنف الأقوال ،تصادف نارا تعبر عنها.كل فصاحة هائمة،تعتبر ملتهبة.يلزم دائما قليلا من النار،كي تحيا وتتجلى،باقي مجازات العناصر الأخرى.القصيدة،المتعددة الألوان،هي شعلة تتلون بمعادن الأرض.نراكم إذن بسهولة،وثائق عديدة حول النار النيتشوية. لكن حينما ننظر إليها عن قرب أكثر،سنرى بأنها نار ليست حقا جوهرية،أو العنصر،الذي يشبع ويطبع،خيال نيتشه المادي.

بالفعل،مع الصور النيتشوية، فالنار قوة أكثر منه مادة، تلعب دورها ضمن خيال مادي خاص جدا،سنتوخى تحديده بشكل خاص.

إن أحد أهم الدلائل،عن الخاصية الديناميكية أساسا للنار النيتشوية، كونها لحظية في جل الأحيان :النار النيتشوية،شعاع صاعق . هي، إذن انعكاس، لغضب إلهي ومرح.غضب، فعل خالص!الضغينة ، مادة تتراكم.الغضب،فعل يماطل.الضغينة،غير معروفة لدى النيتشوي.على العكس،كيف يمكن لفعل أن يكون حاسما،إذا لم يكن نافذا،بمعنى يبعثه غضب صغير،غضب إصْبع.ضمن حالات،تكون الطاقة أمام مهمة مزعجة،فالغضب النيتشوي مباغت جدا،إلى درجة أن النيتشوي ليس مُهَدِّدا. الكائن،الذي تمضي منه الصاعقة،يمكنه أن يخفي بهدوء أفكاره :

ذاك من سيشعل خلال يوم ما، الصاعقة

عليه أن يماثل لفترة طويلة سحابة.

صاعقة ونور،إنها أسلحة حية،أسلحة بيضاء :

لقد انطلقت حكمتي مثل وميض،

واقتحمت بسيفها من الماس،كل الظلمات.

بدل نور شيلي Shelley،الذي يغمر ويلج بمادته الناعمة،روحا نيرة،فالنور النيتشوي بمثابة سهم وسيف. إنه يمنح جرحا باردا.

بالتلازم،حينما تُمْتلك النار كمجرد مادة تبعا لمتعة بسيطة ،فهي حينذاك ثروة فقيرة،يحتقرها الرجل الأعلى : (( انطفئي،أيتها النار الحمقاء!)) ،هكذا خاطبت :((الأمازونية العظيمة والخالدة، ليست قط أنثوية،لكنها ناعمة مثل يمامة))، روحا،لَيَّنها دفء حميمي.

حتى الحدوس القابلة للاستهلاك من بعض النواحي،تنزع لدى نيتشه،كي تمنح بالأحرى طاقات بدل مواد :

أن يكون هؤلاء العلماء، فاترون!

أن تسقط الصاعقة في غذائهم

حتى يعتاد فمهم على تناول النار!

هذه الصاعقة الغذائية،بالنسبة لنيتشه، بمثابة غذاء مقوي للأعصاب. لاتناسب نارا مُدلَّلة،في إطار هضم بطيء وسعيد. حسب الثنائية الكبرى،للهضم المتخيل والتنفس ،ينبغي أن نبحث عن التقييم الشعري النيتشوي،مع قصيدة النَّفَس السعيد والمتوقد.

مقطوعة شعرية رباعية الأبيات،تحمل عنوان :صقيع.وردت في الفصل المعنون ب : “دعابة، حيلة وانتقام”،وهي ديباجة كتابه “لذة المعرفة” :

نعم أحيانا أصنع ثلجا :

إنه مفيد للهضم !

إذا كُنْت ستهضم كثيرا،

آه!كم ستحب ثلجي!.

نفهم إذن،هذا الشتم لآلهة النار : (( إني لا أتضرع  إلى الإله المتكرش بالنار،كما يفعل المخنثون((

((من الأفضل كذلك أن تصطك أسنانك، عوض عبادتك لأصنام!تلك هي طبيعتي.وأريد  خاصة امتداد هذا الأمر،إلى كل أوثان النار، المحتدمة والمضطربة والكئيبة)).

لكن الخاصية الدينامية والظرفية في الآن ذاته،للنار النيتشوية ستظهر بلا شك أكثر جلاء،إذا أخذنا بعين الاعتبار،مفارقة غريبة :تبتغي نار نيتشه البرودة.إنها،قيمة متخيلة  ينبغي تحويلها إلى قيمة كبرى.المتخيل هو ذاته،خاصة كذلك،ينتعش في إطار تحول للقيم.في “علامة النار”(قصائد) ،نقرأ هذه المقاطع الموحية :

هذه الشعلة بمنحنيات مائلة إلى البياض،

ترتقي نحو الأصقاع الباردة،لغات رغبتها،وأدارت عنقها نحو مرتفعات أكثر نقاء،تشبه ثعبانا يروضه التلهف.

النار، حيوان يتصف بدم بارد.النار،ليست باللسان الأحمر للثعبان،بل رأسه الفولاذي.وطنه،البرودة والمرتفع.

حتى العسل،الذي يجسد بالنسبة لكثير من الحالمين،نارا عميقة،وعنصرا بَلْسميا وساخنا.العسل،فقد صار مثلجا عند نيتشه(قصائد،ص 248) : ((ناولني عسلا باردا،مأخوذا من خلايا ذهبية اللون)).أيضا،((ستجد عندي عسلا جديدا،عسل خلايا ذهبية،وبطراوة باردة،هيَّا، تناول منه !)).

بالنسبة للخيال المادي،يعتبرالعسل المُذَهّب،والسنبلة المُذَهّبة،والخبز الذهبي،قطعا شمسية،وقليلا من مادة النار.العسل لدى نيتشه،نار باردة وتمازج حسي،لايمكنه مباغتة سوى منطقيين يجهلون تآليف الحلم.

بوسعنا الوقوف على ذات التآلف بين الساخن والبارد،ضمن صور الشمس الباردة،وسطوع شمس باردة.يقدم، لنا النص الجميل جدا “أغنية الليل”،هذا المقطع الشعري :(( تحلق الشموس على امتداد مسارها،هنا يكمن سبيلها،تلاحق إرادتها الحتمية،حيث مكمن برودتها)).إذا اكتفينا في هذا الاطار،بترجمة مجازية لكبرياء هادئ،وأنفة يصعب على أي شيء،تحويلها عن مجرى طريقها،فإننا نتنكر لهذه الإرادة الغريبة،بعدم المشاركة في المزايا التي نغدق بها. تهب،الشمس دفئها باردا.بالنسبة لخيال ديناميكي،تعتبر طريقة العطاء والمقدرة عليه،أفضل مما نعطي.

إن نارا،تنزع بشكل عنيف جدا نحو نقيضها،لها خصائص ديناميكية، أكثر من غنى العنصر. عند نيتشه،ما إن توجد نار، فهناك توتر وحركة.ليست النار هنا،استمتاعا بحرارة،كما الشأن مع نوفاليسNovalis،بل مجرد شعاع يصعد.النار،هي الإرادة الملتهبة،من أجل معانقة الهواء النقي وكذا برودة المرتفعات،هي عامل لتحويل القيم المتخيلة لصالح قيم خيال الهواء والصقيع.سنفهم بشكل أفضل،هذه الجدليات بين العناصر المتخيلة،عندما سنظهر بأن الصقيع،خاصية رئيسة للهواء النيتشوي.

لننتقل إذن،إلى الجزء الايجابي لاستدلالنا،كي نبرهن على أن الهواء،جوهر حقيقي بالنسبة للخيال المادي عند نيتشه.

 

نيتشه والهواء :

يحدد نيتشه نفسه باعتباره هوائيا(قصائد، ص232) :

سحب عاصفية،ماذا ينبغي لك؟

بالنسبة لأفكارنا الأخرى الحرة،أفكارنا الهوائية والسعيدة.

في الواقع الهواء عند نيتشه،ماهية حريتنا،وجوهر سعادة فوق بشرية.الهواء،مادة تعلو،مثلما السعادة النيتشوية،سعادة بشرية تعلو.السعادة الأرضية،ثراء وجاذبية،والسعادة المائية رخاوة واستراحة،والسعادة النارية حب ورغبة،أما السعادة الهوائية فهي حرية.

الهواء النيتشوي، إذن،جوهر غريب : مادة بدون خاصيات مادية. بالتالي، يمكن لهذا الهواء تمييز الكائن باعتباره ملائما لفلسفة صيرورة كلية. يحررنا الهواء، في إطار سيادة الخيال،من التأملات الشاردة المادية، الحميمة، والهضمية،وكذا من ارتباطنا بالعناصر: إنه مادة حريتنا.بالنسبة إلى نيتشه،لا يحمل الهواء ولا يمنح شيئا،هو الهالة الضخمة،للاشيء. لكن،ألا يمثل عدم إعطاء شيء، أكبر أنواع العطايا،فالمانح الكبير بأيادي فارغة،ينتشلنا من وضعية رغبات اليد الممدودة،مما يعودنا على عدم تسلم شيء،بالتالي التطلع نحو الحصول على كل شيء.يتساءل نيتشه :(( أليس على المانح،أن يشكر من أراد حقا أن يأخذ؟)).سنرى فيما بعد،وبتفصيل أكثر،كيف يترك الخيال المادي للهواء،عند نيتشه،مكانه لخيال ديناميكي للهواء.لكن،خلال اللحظة التي نستوعب معها،أن الهواء يبقى موطنا حقيقيا للصقر.الهواء،هذا الجوهر اللانهائي،الذي نَعْبره كإشراقة،في إطار حرية مُهاجِمة ومُنتصرة،مثل صاعقة ونسر وسهم،ومثل النظرة الملحة والمتسيدة.إلى الهواء،يحمل ضحيته في واضحة النهار،غير متوار أبدا.  

لكن قبل التطرق،إلى مظاهر ديناميكية كتلك،لنبرز السمة المادية الخاصة بالهواء النيتشوي.عادة،ماهي خاصيات الهواء،الأكثر جوهرية،لدى الخيالات المادية؟إنها الروائح.بالنسبة لبعض،الخيالات المادية،يمثل الهواء أولا وأخيرا، دعامة الروائح.تصير،الرائحة في الهواء لانهائية.بالنسبة للشاعر شيلي،فالهواء وردة ضخمة،وماهية الورود بالنسبة للأرض قاطبة.

في غالب الأحيان،نحلم بنقاء الهواء مثلما إلى عطر بَلْسمي وكذلك رائحة شِياط،خلال الآن ذاته، نحلم بدفئه مثل لقاح صمغي،وعسل حلو دافئ.لايحلم نيتشه في الهواء،سوى بقوة انقباض العضلات :الصقيع والخلاء.

بالنسبة إلى نيتشوي حقيقي،يتحتم على الأنف أن يمنح هواء بلا رائحة، يقينا سعيدا.ينبغي له،أن يكون شاهدا على السعادة الهائلة،وكذا الوعي المغتبط بعدم اختبار أي شيء.الأنف ضامن  على انعدام الروائح.حاسة الشم،التي احتفى بها نيتشه غالبا،لاتمتلك خاصية الإغراء.لقد أُعطيت،إلى الإنسان الأعلى،كي يتنحى جانبا عن أبسط  مظاهر القذارة.إن نيتشويا،لا يمكنه الاقتناع برائحة. يحلم شارل بودلير والكونتيسة أنا دو نويلDe Noailles- الاثنان أرضيان،وهو ما يمثل بالطبع علامة أخرى عن القوة- بالروائح ويتأملانها.للعطور إذن،أصداء لانهائية،بحيث تصل الذكريات بالرغبات،انتقال بين ماض جسيم ومستقبل هائل لم يتشكل بعد.على النقيض،هاهو نيتشه :

لنستنشق الهواء الأكثر نقاء

المناخير منتفخة مثل أقداح نرد

 دون مستقبل، ولاذكريات…

الهواء النقي،وعي بلحظة حرة،تنفتح على المستقبل،ولاشيء غير ذلك. الروائح ترابطات حسية،بل لها في أجسادها استمرارية،بحيث لا توجد روائح متقطعة.يشكل الهواء النقي،على النقيض،شعورا بالفتوة والجدة :((يستنشق ببطء الهواء عبر مناخيره ،كما لو يتساءل،يتذوق مثل شخص في البلدان الجديدة،هواء جديدا)).نجرؤ على القول :خلاء جديد،وحرية جديدة،لأنه ليس هناك شيئا غريبا،ومسكرا،وساحرا في هذا الهواء الجديد.المناخ نتيجة هواء نقي وجاف وبارد وفارغ.  

أنا جالس هنا،أستنشق أفضل الهواء،

حقيقة، هواء الجنة،

هواء صاف، خفيف، ومترقِّن بالذهب

أكثر لذة من أي وقت مضى

بعثه القمر…

يهجر الخيال النيتشوي،الروائح أثناء وقت انفصاله عن الماضي.تحلم كل ماضوية،بروائح أبدية.أن تستشرف،يمثل نقيضا لأن تشم.وفق جدلية مباغتة إلى حد ما،لكنها جد مدهشة، قدم رودولف كاسنر،هذه الخاصية المتناقضة للنظرة والروائح :(( حينما يختطف منا الزمان،يحذف أو يقتطع،زاويتنا المنغمسة في  المستقبل…فإن مجمل خيالنا المرتكز على الزمان أو الملتف حوله،يصبح ذكرى،ويجد نفسه كما لو ألقي به إلى ذكرى. تتحول إذن حتما،كل رؤيا إلى رائحة مادام المستقبل يغيب …،لكن حالما، نصل ثانية بالزمان الذكرى التي أتينا على قطعها،ستتحول الرائحة إلى رؤيا)).

إذا كان الهواء، يجسد لحظة استراحة واسترخاء،فإنه يمنحنا كذلك وعيا بالفعل المستقبلي،فعل يسلمنا إلى إرادة متراكمة.أيضا،في إطار السعادة البسيطة باستنشاق الهواء النقي،نعثر على وعد بالقوة :

الهواء مفعم بالوعود

أشعر أنه تعبرني نكهة شفاه مجهولة

ها قد أتت البرودة الكبرى.  

كيف نقول،بشكل أفضل،مع هذه البرودة المفاجئة،أن الشفاه المجهولة،ليست سوى وعود بالثمالة؟مع هذه البرودة- البرودة الكبيرة القادمة – تندس قيمة نيتشوية، تشير خلف مظاهر حسية إلى حقيقة عميقة.إنها نمط،لهذه المجازات المباشرة والحقيقية،التي تؤسس بالنسبة لنظرية في الخيال،معطيات مباشرة وأولية.في العمق،بالنسبة لنيتشه،تشكل البرودة خاصية الهواء المنعشة،والتي تخلق سعادة التنفس،وتُفَعِّل الهواء الثابت- حيوية حقيقية في الجوهر،التي هي حياة الخيال الديناميكي نفسه- .فلا ينبغي أن تُؤخذ باعتبارها خاصية ضعيفة وعادية،بل مطابقة لإحدى أكبر مبادئ الكوسمولوجية النيتشوية :الصقيع،صقيع المرتفعات والأمكنة الباردة جدا،والعواصف المطلقة.

لنسلك الطريق الذي يقود نحو أمكنة القطب الشمالي :

فيما وراء الشمال،الثلج واليوم الحاضر

أبعد من الموت،

بعيدا :

حياتنا، سعادتنا !

ليس بالأرض

ليس بالماء

ألا تجد الطريق

الذي يقود إلى القطب الشمالي.  

ليس بالأرض ولا الماء،إذن  نسافر عبر الهواء نحو أقصى المرتفعات الأكثر برودة وعزلة.

عند فوهة المغارة- تلك المغارة الغريبة الكائنة عند  قمة الجبل،والتي نعتقد أنها تختلس خاصيتي الأرضي والكهفي- سيقدم زرادشت دروسه المنصبة على البعد المقوي للبرودة.

((أنت وحدك تعرف،كيف تستعيد من حولك هواء قويا ونقيا! لم أعثر قط في الأرض على هواء،أكثر نقاء من هوائك داخل مغارتك ؟بالفعل،عاينتُ أصقاعا، اعتاد معها أنفي كي يفحص ويُقَوِّم  الهواء في تعدديته : لكن،فقط بجوارك تتحسس مناخيري،أقصى درجات سعادتها !)).

نسمع في كتاب نيتشه :”إنسان مفرط في إنسانيته”،نداء :((الطبيعة الباردة والمتوحشة لجبال الألب،والتي بالكاد أدفأتها شمس خريفية ودون حب)).

وسط هذه الطبيعة المنتسبة لجبال الألب،ندرك حقا تلك الولادة المدهشة.من البرودة،ترتقي الحياة،حياة باردة :

هكذا يتسامى القمر والنجوم

مع الريح والصقيع.

 

 


مصدر النص:

Gaston Bachelard :L air et les songes. Essai sur l imagination du mouvement ;josi corti ;1943.PP/146 -160.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *