كلام عام

الخروج من الاستشراق – فريد دالماير / هاجر العبيد


في فصله المعنون “الخروج من الاستشراق ” في كتابه ما وراء الاستشراق: مقال في اللقاء عبر الثقافات، يشرح فريد دالماير، وهو دارس للتاريخ والفلسفة الأوروبية والهندية، محاولة فيلهيلم هلفباس، الفيلسوف الأمريكي من أصول ألمانية والمتخصص في الدارسات الهندية، تجاوز ’الصور الماهوية‘ للثقافة الغربية والهندية  و’ الخروج من الاستشراق ‘. ويستعرض دالماير ثلاثة جوانب من عمل هلفباس: نهجه للتفاهم عبر الثقافات؛ وتطبيقه للرؤى الهرمنيوطيقية على دراسة النصوص الهندية الكلاسيكية؛ وتأكيده على توافق (أو عدم توافق) الهندوسية الكلاسيكية مع المفاهيم الغربية الحديثة للديمقراطية والمساواةء السياسية.


 

 

 

حينها لم يكن هناك وجود ولا عدم. … لم يكن هناك موت، ولا خلود. … سوى عديم الأنفاس يُتنفس بذاته.

ريجفدا، ماندالا 10

كان هناك وقت التفاهم عبر الثقافات فيه مسألة خبرة إلى حد كبير. ودراسة وفهم الثقافات غير الغربية، بما في ذلك “الشرق”، موكل لمجموعة من المتخصصين المناطقيين بداية من فقهاء اللغة ووصولاً إلى المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية. وقد سعت الدراسات المناطقية، متسلحة بترسانة التصنيفات الفلسفية والعلمية الغربية، إلى هدف مجحف إلى حد ما، يتمثل في دمج أو استيعاب أشكال الحياة غير الغربية في الأطر المرجعية الموضوعة سلفاً (ما لم يتم تنحيتها إلى نوع من الغيرية الغامضة خارج نطاق المعرفة). من المؤكد أن دمج من هذا النوع لم يكن ممارسة أكاديمية خالصة، بل تم دعمه وتغذيته بمشاريع سياسية واقتصادية فعلية في ذلك الوقت، لا سيما الاحتياجات الإدارية للإمبراطوريات الاستعمارية. وكما في صياغة إدوارد سعيد، شكلت مجموعة العوامل هذه خلفية ’الاستشراق‘ الغربي، وهي تسمية تبرز تواطؤ الدراسة العلمية مع متطلبات الهيمنة الاستعمارية. وفي شكلها الخام، لم تعد مجموعة العوامل هذه سائدة اليوم. فقد أدى عصر ما بعد الاستعمار الذي نعيشه اليوم إلى ظهور أشكال ’ما بعد الاستشراق‘، أي محاولات تمزيق أو تجاوز النموذج الاستشراقي التقليدي. وبقدر ما كان الخطاب الاستشراقي جزءاً لا يتجزأ من الرؤية ذات النزعة الأوروبية المركزية للعالم، فإن التجاوز ينذر أحياناً بنزعة راديكالية مناهضة للمركزية الأوروبية، وربما حتى رفض الدراسات الأوروبية من الأساس. لدرجة أن هذه الحركة الأخيرة كانت مرتبطة أيضاً بـ ’مركزية الرموز، logocentrism (أو الميتافيزيقيا ’التأسيسية‘)، وهو فهم معرفي يميل إلى إفساح المجال للبنائية، أي الاختراع التخيلي للتقاليد وأشكال الحياة. وعلى امتداد ذلك يُعزز هذا الاتجاه العمليات الجارية للعولمة، وهي عمليات تقوض من خلال تأثيراتها واسعة النطاق امتيازات المتخصصين المناطقين.

من الواضح أن زوال الاستشراق لا يمكن أن يكون مدعاة للرثاء. ومع ذلك، فإنه حتى مع الترحيب بالانطلاقات الجديدة، قد يشعر المرء بديهياً بالقلق من طريقة الزوال، أي الطريقة التي يتم بها البحث عن المخرج من الاستشراق وتنفيذه. هل من الممكن حقاً الانتقال بسرعة من المركزية الأوروبية إلى مناهضة المركزية الأوروبية (ومن الرموز إلى عكس الرموز)؟ هل من المنطقي أن نساوي ببساطة بين المعرفة التقليدية – مهما كانت معيبة – والقمع الاستعماري؟ هل نقد “الجوهر” الثقافي والهويات المستقرة يبرر حقاً الادعاء بأن التقاليد وأشكال الحياة “متاحة للجميع” ويمكن بناؤها كما يحلو للمرء؟ في سياق العولمة الذي نعيش فيه، هل لا يزال هناك مجال وحاجة إلى التفاهم عبر الثقافات – خارج قيود المركزية الأوروبية ومركزية الرموز؟ وهل لا ينطوي هذا الفهم أو يفترض عملية تعلم صبور، أى جهد متواصل من الاستنطاق المتبادل، والذي بدوره لا يمكنه أن يحتقر بعض المصادر (فقه اللغة، والتاريخ، والأنثروبولوجيا) للمعرفة التقليدية.

كما نرى فإنه تم بالفعل وضع الأساس لمثل هذا البحث ما بعد الاستشراقي في عصرنا من قبل مجموعة من العلماء من الغرب وغير الغرب، بما في ذلك أسماء متميزة مثل ويلفريد كانتويل سميث وجي. إل. ميهتا ورايموندو بانيكار. أحد الأعضاء الأصغر سناً في هذه المجموعة – لكنه ليس ’الأصغر‘ بأي حال من الأحوال من حيث الرؤى والإنجازات – فيلهلم هلفباس الذي عمله موضوع هذا الفصل. يوضح هلفباس ويجسد في نظرته وخلفيته بعض العناصر المهمة لخطاب ما بعد الاستشراق الناشيء. وكون هلفباس تدرب بشكل متعمق على الفلسفة الغربية وعلى تقاليد البحث المتخصص في الدراسات الهندية، فإنه يقف على مفترق طرق التفاعل (وأحياناً التصارع) بين أشكال الحياة وألعاب اللغة، وهو موضع يمكنه من العمل (على الأقل في بعض النواحي) كموفق أو وسيط أمين. وعلى الرغم من إن هلفباس منغمس في المساعي الأكاديمية، إلا أنه أيضاً مواطن صافي الذهن للعالم، وواعي تماماً لتعقيدات العولمة، وخاصة لأوجه التفاوت السياسي والأقتصادي المستمر بين الغرب وغير الغرب (أوجه التفاوت التي تجعل من مصطلح ما بعد الاستشراق غامض جوهرياً).

أعمال هلفباس في شكلها الحالي بالفعل مثيرة للإعجاب نظراً لنطاقها ودقتها؛ وبعيداً عن السلسلة الطويلة من المقالات الصحفية، فإن سمعته العلمية مرتبطة بشكل خاص بثلاث إصدارات متتالية: الهند وأوروبا: مقال في التفاهم (1988)؛ والتقليد والتأمل: استكشافات في الفكر الهندي (1991)؛ وحول الوجود وما يوجد: الفايشيشكا الكلاسيكية وتاريخ الأنطولوجية الهندية (1992). لكن ضيق المجال وكذلك (وهو الأمر الأكثر أهمية) حدود أهليتي في الدراسات الهندية تحول دون أي محاولة لفحص هذا المجال الواسع من البحث الأكاديمي. لذلك يركز ما يلي على ثلاثة مجالات موضوعية تبدو بارزة بشكل خاص. أولها نهج هلفباس للتفاهم عبر الثقافات وعلى وجه الخصوص الثقافة والتقاليد الهندية. وبعد ذلك، ينتقل الإنتباه إلى أحد الاهتمامات المركزية في الفكر الهندي التقليدي: مكانة ومعنى الوجود كما تم التعبير عنهما في النصوص الفيدية وما بعد الفيدية وكذلك في الأدب الفلسفي. وأخيراً يتحول النقاش إلى بعض المشاكل السياسية التي تعصف بالعلاقة بين الهند والغرب؛ وعلى وجه الخصوص، توافق النظام الطبقي الهرمي (homo hierarchicus) مع الديمقراطية الحديثة ودور الثقافة الهندية وآفاقها في سياق الهيمنة الغربية. ستقودني هذه التعليقات إلى بعض الملاحظات الختامية حول جدوى البحث الأكاديمي عبر الثقافي، كما تجسده أعمال هلفباس، في زمن العولمة السريعة.

[…]  الذي يطفو على السطح هنا مسائل فلسفية شديدة الوطأة تقاوم التسوية السهلة وبالتأكيد لا يمكن حسمها من خلال الاستدعاء السهل للصيغ (مثل المركزية الأوروبية ومناهضة المركزية الأوروبية). في الفكر الهندي، يجب تبرير تسامي الاختلاف (أو المساواة) نفسه في ضوء الدارما (dharma) المتمايزة، التي هي بالضبط عكس الفكر الغربي المعاصر حيث يوضع الاختلاف أو التمييز موضع الدفاع بشكل راديكالي (كونه في حاجة إلى تبرير). ما يسمى ’المركزية الأوروبية‘ أو ’تغريب‘ العالم إلى حد كبير الامتداد المتشدد للمساواتية أو مبدأ التكافؤ مع الأجزاء الأخرى من العالم (مع قيام رأس المال بدور عملة التكافؤ. الحرية هنا ليست مضادة للمساواة، لأنها تعني في الأساس حرية الاختيار (حيث تكون كل الخيارات متكافئة أو ذات قيمة متساوية). ومهما كانت مزاياها الجوهرية، فإن مبادئ المساواة والحرية المتساوية يتم تصديرها اليوم في جميع أنحاء العالم بطريقة تبشيرية وغير واعية إلى حد كبير، دون إيلاء الكثير من التفكير إلى مبررات مثل هذه المبادئ وكيفية الدفاع عنها (وعن نتائجها). والمجتمعات غير الغربية، التي لا تنجرف بسهولة مع هذه المبادئ، يجري وصمها بسرعة على إنها غير ليبرالية وغير ديمقراطية. والهند على وجه الخصوص – بالنظر إلى الإرث الطويل من النظام الطبقي الهرمي – من المرجح أن يتم إدانتها كعقبة رئيسية على طريق الديمقراطية العالمية (في بعث غير حذق أبداً للاستشراق).

كما يبدو الأمر لي، الخروج من الاستشراق في زماننا يتطلب أكثر من تبادل الاتهامات والاتهامات المضادة بشكل أعمى. قبل كل شيء، يتطلب الأمر إعادة تفكير جدي في التصنيفات الفلسفية الأساسية مثل المساواة (أو التماثل) والاختلاف. ربما، كرد فعل على البوذية، كان الفكر الهندي التقليدي (أو بالأحرى الهندوسي) يميل إلى تفضيل الاختلاف أكثر من التماثل (والوجود على العدم)، متناسياً الإرث الأكثر تعقيداً من ‘أنطولوجيا الانفتاح’ المستمد من الفيدا. لكن المشاكل متبادلة أو عبر ثقافية. وكما أشار إرنستو لاكلو وشانتال موف بشكل مقنع، فإن مبدأي التكافؤ والاختلاف يفترضان بعضهما البعض ويحتاجان إلى التعبير عنهما بشكل مشترك، لكن بطريقة تقاوم التوليف، الذي قد يؤدي فقط إلى عدم الاستقرار المتبادل. ما تشير إليه هذا النقطة هو المهمة الجسيمة التي تلوح في الأفق أمامنا في أعقاب الاستشراق: مهمة التعلم الحواري الحقيقي على مستوى الأطر الأساسية، بعيداً عن قيود الاستيعاب والاستبعاد. ومن خلال استعداده لتحمل هذه المهمة، فإن عمل فيلهلم هلفباس يساهم بشكل كبير في التفاهم عبر الثقافات والذي يمكن أن يكون بمثابة دليل إرشادي ينير المساعي المستقبلية.

 

 

 

فريد بالماير، ’ الخروج من الاستشراق ‘، في كتابه ما وراء الاستشراق: مقال في اللقاء عبر الثقافات (نيويورك: مطبعة جامعة ولاية نيويورك، 1996)، صفحات 115-17 و134.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق